الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

العلاقات السعودية التركية..مؤقتة أم مستدامة؟

بعد توتّر ساد العلاقات السعودية التركية وصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نهاية الشهر الماضي، إلى السعودية في زيارة رسمية استغرقت يومين هي الأولى منذ عام 2017، وكان في استقباله أمير مكة خالد الفيصل. الاتصالات والتحضيرات التي طال انتظارها انتهت بتوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى مدينة جدة للقاء العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، ولأداء مناسك العمرة. جاءت هذه الزيارة بعد توتر ساد العلاقات بين البلدين، منذ مقتل الإعلامي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول أواخر عام 2018، وما استتبعه من تراجع علاقات البلدين على المستويين السياسي والاقتصادي، فيما ينتظر أن تفضي الزيارة إلى عودة العلاقات الثنائية إلى تغيّرات في الأوضاع الأمنية في المنطقة، وإلى إعادة تنشيط الاقتصاد والتجارة التركيين، وإعادة ضبط مصالح البلدين الإقليمية.

البداية تركية دائماً

تراجعت العلاقة بين أنقرة والرياض على خلفية الانقسام في المواقف من الدول العربية التي شهدت موجات احتجاج “الربيع العربي”. تركيا حثّت الخطى لدعم الإخوان المسلمين بالتعاون مع قطر واصطفت إلى جانب الأخيرة في خلافاتها مع السعودية والإمارات، وقد زاد من تراجع العلاقات ممارسة أنقرة الضغوط على الرياض على خلفية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وقد وصف تراجع العلاقات بين البلدين بأنه ناجم عن سياسات تركيا في المنطقة ودخولها في تنافس محموم مع الثنائي الخليجي (السعودية والإمارات).

وسعت أنقرة إلى عودة العلاقات بين البلدين، وهذا المسار اتضحت ملامحه بعد عام 2021، لكنه كان “فاتراً وتدريجياً”، ففي الوقت الذي تتالت فيه رسائل الغزل التركية ساد جو “التريث السعودي”، لاعتبارات ترتبط بحسب مراقبين بطبيعة الملفات الخلافية، على رأسها “ملف الخاشقجي”(1).

اقرأ أيضاً: لغة الحصار بين النظام السوري والإدارة الذاتية

بدت الرياض في حمأة جهود المصالحة التركية مع دول المنطقة متريثة، ففي تحليل لصحيفة الغارديان البريطانية، قال مسؤولون سعوديون عن زيارة رئيس تركيا لبلادهم “أردوغان يحتاج إلينا أكثر مما نحتاجه، وهو الذي يُسافر إلينا. وقد تسبب موقفه في خسارة بلاده مليارات الدولارات، لذا فإنّ أي اتفاق للتجارة يتم وفقًا لشروطنا “(2). ولعل إعادة ملف الخاشقجي إلى القضاء السعودي يعكس قبولاً تركياً بالشروط السعودية لعودة العلاقات. وفي سياق إبراز التراجع التركي عن مواقفها السابقة غرّد الأمير عبدالرحمن بن مساعد عبر منصّة تويتر قائلاً إن “حرص الرئيس التركي على زيارة السعودية ولقاء الملك وولي عهده حفظهما الله لتوطيد علاقات البلدين يأتي إيمانًا منه بحجم السعودية وتأثيرها في العالم”(3).

وتأتي مساعي أردوغان لتنقية الأجواء مع السعودية، ضمن إطار جهود أوسع بذلها الرئيس التركي في الفترة الأخيرة لتحسين العلاقة مع عدد من خصومه الإقليميين، بما في ذلك مصر والإمارات وإسرائيل، في مواجهة عزلة دبلوماسية متزايدة أدت إلى تراجع كبير في الاستثمارات الأجنبية، خصوصا من الغرب(4). كما أن ضعف الضمانات الأمنية الأمريكية لمنطقة الخليج، والرغبة في الاستفادة من المكاسب التي ستضمنها مبادرة الحزام والطريق الصينية، والتنافس الاقتصادي بين الفواعل الإقليمية، يشجع كل من تركيا والسعودية على التقارب والتعاون (5).

السياسة تلحق بالاقتصاد

تأمل أنقرة أن تبشر هذه الزيارة بعهد جديد في العلاقات بعد جهود مكثفة لإصلاحها بعدما شابها من توتر في السنوات القليلة الماضية، وأن تنهي هذه الزيارة بشكل كامل مقاطعة، غير رسمية، فرضتها السعودية على الواردات التركية في 2020 وسط حرب كلامية بسبب قضية خاشقجي. وخفّضت المقاطعة الواردات التركية للمملكة بنسبة 98 بالمئة. وقد  تسعى أنقرة إلى اتفاق مع الرياض على غرار اتفاقات قائمة لمبادلة العملة مع الصين وقطر وكوريا الجنوبية والإمارات تبلغ قيمتها 28 مليار دولار إجمالاً. وقال مسؤولون إن تركيا مهتمة أيضاً باستثمارات وعقود مماثلة لتلك التي وقعتها مع أبوظبي(6).

كان حجم التجارة بين تركيا والسعودية قد بلغ حوالي 5.6 مليار دولار في عام 2015 قبل المشكلات الدبلوماسية، ومع قرار الحظر السعودي، غير الرسمي، على المنتجات التركية في الربع الأخير من عام 2020، حدث انخفاض كبير في الصادرات إلى هذا البلد. وتشير إحصائيات رسمية، نشرها موقع التلفزيون الحكومي  “TRT”، إلى أن تركيا باعت منتجات بقيمة 2.4 مليار دولار تقريباً إلى السعودية عام 2020، لكن هذا الرقم انخفض إلى 215.1 مليون دولار العام الماضي (7).

وتراجعت الواردات التركية إلى السعودية في ديسمبر (كانون الأول) 2019، من المرتبة الـ11 لتحتل المرتبة 58 في ديسمبر 2020. واستمر التراجع عام 2021، إذ كشفت بيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن الواردات التركية بلغت 14.1 مليون ريال (3.76 مليون دولار) في يناير، انخفاضاً من 50.6 مليون ريال (13 مليون دولار) في ديسمبر، ومن 622 مليون ريال (165 مليون دولار) في يناير 2020 (8).

تذهب اتجاهات إلى اعتبار “الانعطافة التركية” جاءت بدوافع اقتصادية في المقام الأوّل. محللون ومسؤولون يرون أن التمويل السعودي قد يساعد تركيا في التخفيف من مشكلاتها الاقتصادية التي تشمل ارتفاعاً حاداً في التضخم قبل انتخابات صعبة يخوضها أردوغان العام المقبل. وتأمل أنقرة في أن تنهي الزيارة بشكل كامل مقاطعة غير رسمية فرضتها السعودية على الواردات التركية في 2020. وخفضت المقاطعة الواردات التركية للمملكة بنسبة 98 بالمئة.(9) ما يعني أن عودة العلاقات قد يخفف الأعباء التي يمر فيها الاقتصاد التركي، ذلك أن تركيا تحتاج قبل الانتخابات المقبلة عام 2023 إلى مزيد من الاستثمارات الأجنبية التي يستطيع الخليج أن يضخها، لا سيما بعد قفزت أسعار البترول (ومن ثم السيولة المالية الخليجية)،ما يعني أيضاً تراجع اهتمام أنقرة بترف الدخول في صراعات جيوسياسية بعيدة، وبات حل الأزمة الاقتصادية أولوية قصوى للحكومة الساعية إلى الاحتفاظ بموقعها الحاكم بعد 2023 (10).

خاتمة

تحقق جزء من عودة العلاقات التركية السعودية، رغم احتمالات ظهور عوائق محتملة مجدداً تقطع طريق عودة العلاقات إلى سابق عهدها، الأمر الذي يضع مستقبل العلاقة بين سؤالي هل ستكون العلاقة مستدامة واستراتيجية؟ أم أنها مؤقتة ولتحقيق منافع تكتيكية؟ ذلك أن العلاقة محكومة بطبيعة النفوذ العسكري التركي في الخارج لاسيما امتلاك أنقرة قواعد في عسكرية في البلدان العربية، وتوسيع نفوذها في القرن الأفريقي، وتعزيز وجودها في البحر الأحمر، وحتى في منطقة الخليج نفسها. ومن ثمَّ تبقى هذه الملفات مُجمدة على المدى القصير، لكنها مُعرضة للانفجار على المدى البعيد، ما يجعل استمرار التقارب الحالي مرهونا بالوضع الإقليمي والدولي (11).

يمكن مقاربة مسألة التقارب من ناحية أخرى، عبر التفكير بالطرف الذي يبدو مستعجلاً على عودة العلاقات وهي هنا تركيا، فالسعودية  أبدت تريّثاً في هذا المسار نظراً لاستقرار أحوالها الاقتصادية والداخلية، فيما دفعت عجلة الاقتصاد المتعثّر التركية الرئيس التركي إلى السير قدماً في طريق إعادة العلاقات. يضاف إلى ذلك سعي الرياض إلى التحرّك في ضوء موقف خليجي موحّد،  فالمملكة “ربما كانت تؤيد مساراً آخر للعلاقات، خاصة مع تركيا، على أن توصل عبره رسائل خليجية جماعية، تبين لتركيا أن هذه الدول لديها القوة والتأثير، وقادرة على تغيير مواقف الأطراف الإقليمية التي تظن أنها فاعلة وحيدة على الساحة”، ورغم عودة العلاقات إلّا أن التفسير الأقرب هو أنها “لن تكون كما هي قبل العام 2018″(12).

المصادر:

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa