الرئيسيتقدير موقف

إعادة اللاجئين السوريين– السياق والمواقف والمخاطر

مطلع هذا الشهر قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن حكومته تنفذ مشروعاً في ثلاث عشرة منطقة بشمال غرب سوريا، وأنها تهدف للسماح لنحو مليون لاجئ سوري مقيم في تركيا بـ”العودة الطوعية” إلى “المناطق الآمنة” التي أنشأتها أنقرة على طول حدودها. وخلال مشاركته عبر رسالة مصورة في مراسم تسليم منازل مبنية من الطوب في إدلب السورية شارك فيها وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، لفت الرئيس التركي إلى أن نحو 500 ألف سوري عادوا إلى المناطق الآمنة التي وفرتها تركيا منذ إطلاق عملياتها في سوريا عام 2016.

وتستضيف تركيا أكثر من 3,6 مليون لاجئ سوري على أراضيها، إلّا أنها بدأت تغيّر من سياسات الاستضافة على وقع التنافس الانتخابي وتفشّي خطابات الكراهية وأعمال العنف ضد اللاجئين السوريين فيما يصف متابعون الأمر بأنه بداية انتهاء صلاحية ورقة اللاجئين، ويأتي كل ذلك في ظل عدم رغبة الكثير من اللاجئين في العودة والتي يصفونها بأنّها “ترحيل قسري”، وفي الوقت الذي يرى كرد سوريا بأن الموضوع يدخل في سياق التغيير الديمغرافي، ويأتي كل ذلك في غياب البيئة  الآمنة للعودة وعدم الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية.

الأسباب الكامنة خلف خطابات إعادة اللاجئين

حتى قبل أسابيع قليلة فقط، كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يحافظ على تعهده بعدم إعادة السوريين. كان هذا جزءاً من موقفه الأوسع المناهض للأسد. لكن الرئيس الآن في موقف ضعيف بشكل خاص بالنظر إلى معدلات تأييده المتدنية وخطر خسارة الانتخابات المقبلة. على الرغم من سياسة الباب المفتوح الشاملة التي تنتهجها تركيا ، فمن الواضح أن أردوغان يشعر الآن بالضغط.  ولتهدئة الرأي العام، سعى الرئيس إلى التأكيد على دور بلاده في توفير منازل جديدة للسوريين داخل سوريا لتسهيل عودتهم (1).

وقد خرج الرئيس التركي في رسالة مصورة بُثت أمام مئات السوريين خلال حفل تسليم مفاتيح تعود لآلاف المنازل المخصصة للاجئين عائدين إلى شمال غرب سوريا “كانت المنازل الإسمنتية خطوة. نحن الآن نعدّ مشروعاً جديداً سيسمح بعودة طوعية لمليون من الإخوة والأخوات السوريين في بلادنا”، وذلك بمساعدة المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية، بحسب ما نقلت عنه وسائل إعلام رسمية (2)، وتسعى تركيا توسيع برنامجها الخاص بمساعدة السوريين على العودة إلى وطنهم، في ظل وجود مشاعر أكثر عدائية تجاه اللاجئين في البلاد، حيث يلقي معظم المعارضين باللوم عليهم في المشاكل الاقتصادية الحالية ويطالبون بإعادتهم إلى أوطانهم.

وتعتزم تركيا التخلص من عبء اللاجئين السوريين بعد نحو عقد من استثمار ورقة اللجوء في معارك خارجية مع الشركاء الأوروبيين وبعد حملات يصفها مسؤولون أوروبيون بـ”ابتزاز تركي ممنهج” سياسياً ومالياً لتلك الورقة.  ويعتقد كثيرون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بات أكثر قناعة بانتهاء صلاحية تلك الورقة بينما يسعى لمصالحة شاملة ضمن سياسة “تصفير المشاكل” مع الأوروبيين والتي جاءت نتيجة أزمة مالية طاحنة في تركيا(3).

وقد كانت المعارضة قد بدأت منذ العام الماضي بالتركيز على مسألة اللاجئين مستفيدة من المزاج الشعبي المتنامي ضد اللاجئين، فقد تعهد زعيم المعارضة ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو بترحيل جميع اللاجئين السوريين من تركيا في مدة زمنية أقصاها سنتان حال وصل حزبه إلى الحكم (4). وفي هذه الأثناء أصبحت المعارضة التركية موحدة وتشكل تحدياً لأردوغان، وتهاجم بانتظام الحكومة بسبب سياسة الحدود المفتوحة وسياستها تجاه اللاجئين. وقد أظهر استطلاع للرأي أجري العام الماضي أن  أكثر من 70 في المائة من الأتراك سيصوتون لأي حزب يعد بأقوى إجراء بشأن اللاجئين(5).

مواقف سورية من مسألة العودة

نظراً لتصاعد كراهية الأجانب، تريد حكومة حزب العدالة والتنمية تقليل عدد اللاجئين السوريين في البلاد قبل الانتخابات الحاسمة العام المقبل، خوفاً من رد الفعل الشعبي العنيف. كما أن عدداً كبيراً من اللاجئين السوريين غير مستعدين للعودة إلى ديارهم لأن الحرب في سوريا لم تنته بعد (6).  

وقد فُسّر تنامي موجة العداء تلك، برغبة رسمية في تهيئة المناخ لعمليات ترحيل قسري وطوعي للاجئين السوريين بينما لا يرغب هؤلاء في العودة لمناطق ليست آمنة ومعظمهم لا ينحدرون منها أصلاً(7). ويرى سوريون كثر الأمر على أنّه “ترحيل قسري”، متّهمين أنقرة بـ”تموضع جديد” ومخالفتها مواثيق دولية(8).

ويعتبر مراقبون أن إعادة هذا العدد الكبير، من اللاجئين السوريين إلى بلادهم وفق الخطة التركية، لايمكن أن يتم إلا عبر تعاون وحوار مع النظام السوري، وهم لايستبعدون أن يكون ذلك يجري بالفعل، وأنه يأتي ضمن خطة أكبر، يقودها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لتحسين علاقات أنقرة مع قوى إقليمية، كانت قد ناصبت تركيا العداء لفترة طويلة بسبب عدة ملفات (9).

بدورهم يرى كرد سوريون أن إعادة اللاجئين يأتي ضمن مخطط يسعى إلى إحداث تغيير ديمغرافي، حيث أبرز ما تخفيه الخطة التركية لتوطين مليون لاجئي سوري من تبعات هي تلك التي تتعلق باستغلال المساعدات الدولية ومشروع تغيير ديموغرافي من خلال ترحيل اللاجئين وتوطينهم في منطقة هُجّر منها سكانها الأصليين (10)، خاصة وأن المناطق المراد إعادة اللاجئين إليها تشمل في معظمها المناطق الحدودية والتي شكّل قسم كبير منها مناطق تقليدية للتواجد الكردي في سوريا، وكان الرئيس التركي قد حدّد بالاسم تلك المناطق ومن ضمنها منطقتي رأس العين/سرى كانيه وتل أبيض، وهما المنطقتان اللتان سيطرت عليهما تركيا في أعقاب عملية “نبع السلام” نهاية عام 2019، وتسببت بنزوح عشرات الآلاف من سكانها عنها.

خاتمة

بحسب المراقبين يدخل ملف إعادة اللاجئين في باب المنافسة الحزبيّة والاستعداد للانتخابات المزمع إجراؤها في  حزيران من العام المقبل، أو حتى الاستعداد لانتخابات مبكّرة، فيما تشكك أصوات تركية من إمكانية تنفيذ مشروع إعادة اللاجئين في المواعيد التي وضعها الرئيس التركي، ويأتي ذلك في ظل مخاوف أوروبية متصلة بالعودة غير الآمنة والقسرية، إذ ثمة احتمالات من أن تؤدي الإعادة القسرية “إلى وصول سوريين جدد إلى أوروبا”(11)، وهو ما يشكل واحداً من المخاوف الأوربية التي حاول الاتحاد الأوربي تطويقها خلال السنوات الماضية.

وتصاعد خطابات الكراهية ضد اللاجئين السوريين قد يؤدي إلى تنامي العنف داخل المجتمع التركي المضيف، وهو الأمر الذي ستستفيد منه المعارضة في الترويج لرؤيتها عن فشل الحكومة في إدارة ملف اللاجئين وسياساتها المتصلة بإبقاء الحدود مفتوحة، وقد يصبح تنامي العنف المحفّز الرئيسي الذي يدفع حزب العدالة والتنمية إلى الإسراع أكثر في تنفيذ مشروع إعادة اللاجئين، رغم أن الوعد بإعادة مليون لاجئ خلال سنة يمثّل إرباكاً للحكومة واللاجئين على حد سواء، وقد ينجم عنه فوضى وإرغام على العودة التي تصفها الحكومة التركية بأنها ستكون “آمنة وطوعية”، وفي ظل عدم رغبة اللاجئين العودة إلى مناطق ليست مناطق سكناهم الأصلية، وعدم الوصول إلى حل سياسي للأزمة السورية.

المصادر:

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
المصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa