الرئيسيتقدير موقف

الأسد في طهران.. التوقيت والرسائل والدلالات

مطلع الشهر الجاري قام رئيس النظام السوري بشار الأسد يزيارة إلى طهران التقى من خلالها بالمرشد الأعلى آية الله على خامنئي، والرئيس إبراهيم رئيسي، وهي الزيارة الثانية للأسد منذ عام 2011، وتعود آخر زيارة قام بها الأسد لإيران  إلى شباط/فبراير 2019.

زيارة الأسد حملت العديد من الرسائل فهي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث الحرب في أوكرانيا تزيد من احتمال اعتماد موسكو على قوّاتها الموجودة في سوريا، على اعتبارها الأكثر جهوزية للمشاركة في المعارك في أوكرانيا، وهو ما يعني أن الفراغ الذي سيتسبب فيه انسحاب القوات الروسية من بعض النقاط والجبهات ستقوم طهران بملئه عبر الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي حزب الله، كما تأتي الزيارة في توقيت تعثّرت معه المفاوضات النووية الإيرانية، بالإضافة إلى رغبة النظام في الاعتماد على الدعم المالي والاقتصادي الإيرانية، لا سيما في مجالات الطاقة وإعادة الإعمار.

ربط الزيارة من حيث توقيتها ودلالاتها بما يجري في أوكرانيا واحتمال تراجع الحضور الروسي، يفتح المجال للتكهّنات حول الأدوار المقبلة التي ستلعبها إيران في سوريا، وما يستتبعه من احتمالات تصاعد العنف، والتوترات الحدودية مع الجوار، فضلاً عن إمكانية أن تنخرط إسرائيل في الصراع مع إيران في سوريا على نحو أكثر حدّة، وذلك عبر اعتمادها على سلاح الجوّ بشكل أوسع بعد أن يرفع الانسحاب الجزئي أو إعادة التموضع الروسي الحَرجَ عن تل أبيب لشنّ ضربات تسعى من خلالها إلى تقويض أو احتواء النفوذ الإيراني في سوريا.

توقيت الزيارة ودلالاتها

جاءت زيارة الأسد لطهران في ظل أوضاع دولية وإقليمية بالغة الحساسية، فالوضع الدولي مع الحرب في أوكرانيا وتعثّر مفاوضات الملف النووي أطّرا الأجواء التي أجريت فيها هذه الزيارة، ويبدو للمراقبين أن طهران تحرك أوراقها للاستفادة من هكذا وضع، بتأكيد نفوذها السياسي والشيعي إقليمياً، ومحاولة جني مكاسب بخصوص المحادثات النووية(1).

اقرأ أيضاً: العلاقات السعودية التركية..مؤقتة أم مستدامة؟

والدلالة الأخرى لزيارة الأسد  لجهة توقيتها أنها جاءت بعد فترة وجيزة من التحليلات التي تحدثت عن انفتاح عربيّ على نظام الأسد، بما في ذلك التفسيرات التي تحدّثت عن الانفتاح كان يطمح إلى إبعاد سوريا عن إيران، وبما يحافظ على الأمن القومي العربي في مواجهة تنامي دور وانتشار إيران في المنطقة العربية. “الزيارة بهذا المعنى جاءت معاكسة لما تأمله دول خليجية بإعادة وصل ما انقطع مع النظام السوري بهدف إضعاف النفوذ الإيراني في بلاد الشام، مقابل وعود بتقديم مساعدات مالية لسوريا، إذ إن بنداً أساساً من بنود محادثات الوفد الرئاسي السوري في العاصمة الإيرانية كان التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، فبعد استقبال خامنئي للأسد انفتحت الأبواب للقاءات شملت وزراء معنيين بالوضع الاقتصادي ومسألة إعادة الإعمار، للبحث في التعاون الثنائي في هذا المجال” (2).

كما جاءت الزيارة في ظل أوضاع اقتصادية صعبة يعيشها النظام السوري، وتعتمد دمشق على المساعدة الإيرانية، حيث قدمت طهران خطوط ائتمان لحكومة دمشق وفازت الشركات الإيرانية بعقود تجارية مربحة. كما قدمت طهران مساعدة عسكرية ومالية مهمة للأسد في الحرب السورية(3). ومن النتائج الاقتصادية لزيارة الأسد إلى طهران واجتماعه بخامنئي أنه بعدما أوقفت طهران قبل زهاء شهرين الخط الائتماني الذي كانت دمشق تحصل بموجبه على تسهيلات مالية لاستيراد مواد وسلع غذائية سواء من إيران أو من السوق العالمية، جرت إعادة تفعيله بعد الزيارة، بحسب ما أعلن رئيس الوزراء في حكومة النظام السوري حسين عرنوس لاحقاً، وتسبب تراجع المساعدات الإيرانية خلال الأشهر الماضية في تفاقم أزمة شح المحروقات (4).

البعد الإيديولوجي كان حاضراً في الزيارة أيضاً، ففي هذا الصدد نُقل عن الأسد قوله أن “العلاقات الاستراتيجية بين إيران وسوريا حالت دون سيطرة النظام الصهيوني على المنطقة”، فضلاً عن سعي النظامين للتصدّي للحضور الأمريكي في سوريا، إذ نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن الأسد قوله: “أمريكا اليوم أضعف من أي وقت مضى. يجب أن نواصل هذا المسار”(5).

إيران تملأ الفراغ الروسي

كان تقرير لموسكو تايمز قد أشار إلى أن “روسيا بدأت عملية سحب قواتها العسكرية من سوريا وتركزها في ثلاثة مطارات قبل نقلها إلى الجبهة الأوكرانية”. وحتى قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا ، كانت سوريا هي أوسع ساحة للحضور العسكري الروسي، حيث تم نشر الجيش الروسي بشكل دائم. وتتكون القوة العسكرية الروسية في سوريا من حوالي 10.000 جندي في 12 قاعدة (قاعدتان رئيسيتان: طرطوس وحميميم ، وعشر قواعد أصغر) (6).

وتذهب آراء إلى اعتبار الزيارة تنسيقاً لجهود إعادة نشر الحرس الثوري الإيراني وحزب الله والمليشيات الشيعية في بعض المناطق التي انسحبت أو ستنسحب منها روسيا. ويوجد اتفاق مسبق بأن تحل القوات الإيرانية محل القوات الروسية على الأراضي السورية، وهناك تنسيق إيراني سوري عالي المستوى بشأن المرحلة المقبلة، منها إعادة إعمار سوريا ومواجهة الغارات الإسرائيلية(7). وتتحدث الأنباء إلى أن القوات الروسية قامت بإخلاء العديد من مواقعها في ريف اللاذقية الشمالي وريف حمص، وتسليمها لحزب الله اللبناني. كما قامت روسيا بإخلاء العديد من مواقعها في جبلي التركمان والأكراد ومحيط بلدة كسب شمال اللاذقية، وتسليمها لحزب الله اللبناني (8)، وتشير المعلومات الأولية إلى أن موسكو بدأت بسحب قواتها من نحو 30 نقطة عسكرية، منذ بداية الشهر الثاني من حربها على أوكرانيا، وأن القوات الإيرانية وقوات من حزب الله حلت بالفعل محل الوحدات الروسية على الأراضي السورية(9).

من شأن توغّل إيران في سوريا على حساب الفراغ الذي قد يخلّفه الروس حصول توترات مع دول الجوار، إذ قال ملك الأردن، عبد الله الثاني، إن هناك “تصعيدا محتملا” على حدود بلاده مع سورية، مشيراً إلى أن الوجود الروسي في جنوب سورية، كان يشكل مصدرا للتهدئة، مضيفاً أن “هذا الفراغ سيملؤه الآن الإيرانيون ووكلاؤهم”(10).

خروج روسيا من سوريا يشكل الآن خطراً وفرصة لإسرائيل طبقاً لمقال نشرته نيوزويك. فمن الواضح أن الإيرانيين يسعون لملء الفراغ في الأراضي الرئيسية التي أخلتها روسيا. لكن مثل هذه الخطط يمكن التنبؤ بها. يمكن للعمليات العسكرية الإسرائيلية أن تجبر الإيرانيين على الخروج. في الواقع، بدون الروس وأنظمة دفاعهم الجوي المتقدمة ، يجب أن يتمتع سلاح الجو الإسرائيلي بحرية أكبر للمناورة (11). ومن شأن هذا الشكل للاشتباك أن يجعل من سوريا أرضاً للحرب الإيرانية والإسرائيلية، الأمر الذي سيلحق ضرراً بقوات النظام، وبالمرافق والمنشآت السورية، فضلاً عن أن سوريا ستتحوّل في حال المضي في هكذا سيناريو إلى بؤرة صراع إقليمي.

خاتمة

قبل زيارة الأسد إلى طهران سادت قراءات رأت في محاولات الانفتاح العربي على نظام دمشق فرصة لتقليص حضور إيران، وإمكانية أن يحقق الانفتاح بديلاً عن الاعتماد على إيران، وتؤكد الزيارة على البعد الاقتصادي والمالي ومدى اعتماد النظام السوري على المساعدات الإيرانية لا سيما في قطاعي المحروقات وإعادة الإعمار وإعادة إحياء الخط الإئتماني.

وتبقى المسألة الأهم في مجمل ما نجم عن الزيارة هو أن إيران ستقوم بملئ الفراغ الروسي الذي يحدث نتيجة حالة إعادة التموضع للقوات الروسية، ما يعني ان احتمالات التصعيد قد تبلغ المدى الأقصى مع إسرائيل، هذا من جهة، ومع الولايات المتحدة في شمال وشرقي سوريا من جهة أخرى، فيما تعوّل إيران على أن تساعد روسيا كلاً من النظام والحرس الثوري في سوريا بالاستفادة من تراجع العلاقة بين تل أبيب وموسكو، ذلك أن العلاقات الروسية الإسرائيلية شهدت خلافاً في الآونة الأخيرة بعد أن قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الأصول اليهودية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وتعول طهران على غطاء صاروخي روسي يردع الطيران الحربي الإسرائيلي.

وفي مجمل الأحوال لن تكون الأوضاع في سوريا قبل زيارة الأسد لطهران مثلما كانت عليه قبل بدء الحرب الروسية على أوكرانيا، وهو ما سيعني أن سوريا قد تشهد تصعيداً على مختلف الجبهات الداخلية، ومع إسرائيل كذلك، مع حذر شديد قد يعم جوار سوريا، فضلاً عن أن المراهنة على الدعم المالي الإيراني يبدو أنه المنفذ الوحيد للنظام في ظل الحصار الدولي/الأمريكي المفروض عليه.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
قائمة بالمصادر المستحدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa