الرئيسيدراسات وبحوثسوريا

الحسكة.. لا موسم للحبوب في الأفق

يعد محصول القمح من أقدم المحاصيل الزراعية في العالم وأكثرها أهميـةً، وتزداد أهميته نتيجةً لازدياد عدد السكان، اذ تعني كلمة القمح الإنتاج والدخل والاسـتقرار للمزارع، وتعني الدقيق والخبز للمستهلك في الوقت ذاته، وإن الاكتفاء الذاتي منها يحقق ما يسمى الأمن الغذائي (1).

في ضوء ما تقدم، يعد القمح المحصول الأكثر زراعةً وإنتاجاً في العالم، حيث يساهم بنحو 20 %مـن كميـة المادة الجافة المأكولة والمستمدة من النباتات في العالم بالإضافة إلـى استعماله في العديد من المجالات الصناعية، كصناعة النشاء والمشروبات الكحولية(2).

 بذلك، يحتل محصول القمح مكانة مميزة في قائمة المحاصيل الحبية الغذائية في العالم، ويتصدر المحاصيل الحقلية من حيث المساحات المزروعة حيث يزرع في 120 دولة في العالم، ويحتل أكبر مساحة مزروعة (17 %من المساحة المزروعة عالمياً) مقارنة مع محاصيل الحبوب الأخرى إذ وصلت في عام 2010 إلى 217 مليون هكتار، أنتجت ما يقارب 651 مليون طن بمتوسط إنتاجية قدره 8.2999 كغ، اذ يعتبر القمح من أهم المحاصيل الاقتصادية إذ يغطي 4.23 %من الاحتياج العالمي من الغذاء، كما يشكل مصدراً غذائياً رئيساً لنحو 40 %من سكان العالم ويغطي 20 %من السعرات الحرارية والبروتين في الغذاء البشري، حيث تنتج منطقة حوض البحر المتوسط أكثر من 85 %من إنتاج العالم من القمح القاسي، ويتراوح معدل استهلاك الفرد في هذه المنطقة من منتجات القمح القاسي 50-200 كغ ، وهي أعلى المعدلات في العالم(3).

يتم إنتاج محصول القمح في عدة مناطق في سوريا، أهمها محافظة الحسكة، إذ أن المساحة المزروعة بالقمح والقطن تشـكل قرابـة 56% و79% من إجمالي المساحة المزروعة، وأعطت إنتاجاً يقـارب 52 %و79 % مـن الإنتاج الإجمالي في سـوريا للعـام 2009(4).

اقرأ أيضاً: نظرة إلى واقع مخيّم الهول

يزرع القمح بنوعيه الطري والقاسي في سوريا على امتداد مساحات كبيرة مروياً أو بعلياً، ونظراً للأهمية الاقتصادية البالغة لهذا المحصول، انتشرت زراعته في مختلف المحافظات السورية، وازدادت المساحة الكلية المزروعة به بنسبة 30 %من 3.1 مليون هكتار عام 1991 إلى 7.1 مليون هكتار عام 2007 أنتجت 04.4 مليون طن وبمتوسط إنتاجية قدره 2423 كغ/ الهكتار(5).

تصنف المنطقة الشمالية والغربية من الحسكة ضمن مناطق الاستقرار الرابعة لمستوى الهطولات المطرية، ما يزيد المخاوف لدى المزارعين من أن لا تنبت محاصيلهم بشكل جيد في ظل عدم وصول الهطولات المطرية إلى الكميات الكافية(6).

كانت سوريا مصدرا للقمح وتنتج أربعة ملايين طن سنويا في عام جيد وقادرة على تصدير 1.5 مليون طن قبل الحرب المستمرة، حتى بات القمح والخبز جزءا لا يتجزأ من الحرب مع تأثر مزارع القمح وتوزيع البذور والمطاحن والمخابز(7).

 قدرت حكومة النظام انتاج محافظة الحسكة من القمح بـ 835 ألف و235 طن، في حين وصلت كمية الإنتاج في العام  2019 إلى مليون طن(8)، فيما بلغت المساحة المزروعة بمحصول القمح المروي في عام 2021 بلغت 78 ألف هكتار بنسبة تنفيذ 71 % والقمح البعل 177 ألفاً و250 هكتاراً بنسبة تنفيذ 40 % ، حيث زادت المساحة المزروعة بالقمح خلال أيام على 100 ألف هكتار(9).

يؤكد بعضهم ان المساحات المزروعة من القمح  تقدر بمليون و500 ألف هكتار، اذ تعرضت لظروف الجفاف والتغيرات المناخية من ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض المياه، وبعد ان كان من المتوقع أن يصل إنتاج البعل 1200 مليون طن، إلّا أن الإنتاج الفعلي لم يتجاوز 300 ألف طن(10).

لقد تراجَع إنتاج القمح في سوريا على نحوٍ كبير، في وقت يعد حرجًا للغاية؛ وتُعزى الأسباب إلى الجفاف وقلة هطول الأمطار وغلاء المحروقات ومستلزمات الإنتاج، وعدم توافُر بذور محسنة، بالإضافة إلى تراجُع دعم المنظمات والجهات المعنية لتأمين مستلزمات الإنتاج وتخفيف العبء عن المزارعين، ما أدى إلى الاتجاه نحو زراعات بديلة(11).

 أشارت تقارير بعثة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة إلى سوريا لتقييم المحاصيل والإمداد بالأغذية عام 2021، اشارت إلى انخفاض إنتاج القمح إلى أكثر من النصف عن الكمية المسجلة عام 2020، متراجعًا من 2.8 مليون طن إلى نحو 1.05 مليون طن، لاسيما ان هناك أكثر من 60% (12.4 مليونًا) من سكان سوريا عانوا انعدام الأمن الغذائي في عام 2020، بزيادة 5.4 ملايين عن عام 2019، وتفاقم الأمر أكثر في عام 2021(12).

يشير آخرون إلى أن المساحة المزروعة بالقمح في محافظة الحسكة في الأراضي البعلية والمروية تقدر بـ 436 ألف هكتار موزعة في مختلف مناطق الاستقرار الزراعي في عام 2022، اذ توزعت المساحة المزروعة من قبل الفلاحين على 80400 هكتار من القمح المروي وبنسبة تنفيذ 73 بالمئة من المساحة المخططة و193350 هكتارا ًللقمح البعل وبنسبة تنفيذ 44 %(13).

عموما، تراجعت مساحة الأراضي المزروعة بمحصول القمح  في محافظة الحسكة خلال الموسم 2022، بنحو 180 ألف هكتار(14)، حيث جفت عشرات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الزراعية في شمال شرقي سوريا، جراء انعدام الهطولات المطرية الموسمية، وتضرر موسم القمح والشعير المروية بعلاً على سلة سوريا الغذائية، ما ينذر بانخفاض كبير في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية ومرور عام قاسٍ على سكان المنطقة وعموم سوريا. وتحولت من دولة مكتفية ذاتياً بالقمح والخبز إلى جائعة تزامنا مع استمرار الأزمة الاقتصادية، وتذبذب أسعار صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة السورية، لتسجل هذه الأيام بحدود 3100 ألف ليرة للدولار(15).

بدورهم، توقع الفلاحون ان تكون الزراعة في هذا الموسم أفضل بكثير من الموسم الماضي والذي كان مأساوياً وشكّل انتكاسة كبيرة لهم، نتيجة انحباس الأمطار العام الماضي، بعد أن هطلت الأمطار والثلج، لاسيما  أن الزراعة بالنسبة أبناء المنطقة مورد الرزق الذي ينعش حياتهم وأسواقهم أيضاً(16).

لقد خرج نحو 265 ألف هكتار مخصصة لزراعة القمح من الموسم، من أصل 390 ألف من بين إنتاج العام الجاري، وقد تكون المساحات أكثر من ذلك إذ تقدر المساحات القابلة للزراعة في محافظة الحسكة نحو مليون هكتار، دون وجود معطيات كاملة حول حجم الضرر النهائي بإنتاج الموسم إلى حين انتهاء الحصاد(17).

يلاحظ ان تسبب تدني مستويات الأمطار في محافظة الحسكة، اسهم في إدخال البلاد في عجز غذائي، حيث تراجع مستوى إنتاج القمح من أربعة ملايين طن سنوياً، وهو ما يحقق الاكتفاء الذاتي مع فائض للتصدير إلى نحو 800 ألف طن لا تسد إلا جانباً من حاجة السوريين، والزراعة لم تعد مجدية في ظل ارتفاع التكاليف، بسبب أسعار البذور مرتفعة وكذلك الأسمدة والمبيدات، فضلا عن السقاية(18).

هناك من يتهم السياسات التي انتهجتها  الإدارة الذاتية في المجال الزراعي جعلت الزراعة تتراجع بدرجات مخيفة، بدءًا من عدم ثبات السعر، ومخاوف المجتمع المحلي من الشراء بالعملة السورية في الظروف الراهنة، مقابل بيع الأسمدة والمواد الضرورية للزراعة بالدولار، وصولًا إلى عدّم تمكن المزارعين من زراعة القطن.. إلخ، والتهديد بقطع التيار الكهرباء خلال الفترة المقبلة، بحجة توفير الكهرباء للمدن والأحياء، إضافة إلى تسبب قطع المياه عن سد الفرات بعدّم توفر الكهرباء. وخلال فترة جائحة كورونا، تبين حجم الخلل في التخطيط والتنظيم المفقود لجهة الاهتمام بالقرى ومستلزمات الاستقرار(19).

يبدو واضحا، انه في محافظة الحسكة تتنافس الإدارة الكردية والحكومة على شراء محاصيل القمح والشعير من المزارعين لتأمين احتياجات المناطق الواقعة تحت سيطرة كل منهما، تقدّر منظمات إنسانية دولية تراجع إنتاج المحاصيل بأكثر من 95 % مقارنة مع العام الماضي في أجزاء كبيرة من المنطقة. إضافة إلى تراجع مستوى الأمطار، يعيد سليمان الأزمة إلى غلاء البذور والأسمدة ومعدات الزراعة والنقص في المحروقات(20). أفرز ندرة القمح الى جانب التنافس في الحصول على الكميات القليلة منه، عن ظهور ثلاثة أسعار للقمح في سوريا حسب نوع السيطرة: في المناطق التي تسيطر عليها الإدارة الذاتية تم تحديد سعر 1150 ليرة لكل كيلو، بينما حددت الحكومة السورية سعر 900 ليرة للكيلو، أما في المناطق التي تخضع لسيطرة حكومة الإنقاذ فقد تم تحديد السعر بالدولار، وبمعدل 300 دولار لكل طن من القمح، يعادل الدولار وسطيا 3100 ليرة سورية”(21)، ويشير المزارعون والفلاحون في محافظة الحسكة على حد السواء، إلى وقوع كارثة زراعية قادمة في ظل الجفاف الذي خيّم على المنطقة وقلة الأمطار الموسمية، حيث زاد الجفاف الذي ضرب المنطقة، من معاناتهم، بالإضافة إلى أضرار كبيرة في الثروة الحيوانية التي يعتمدون على تربيتها في مشاريعهم الزراعية(22).

(1) هدي دقدوقة، محمد العبد االله، علي عبد العزيز، الكفاءة الاقتصادية لزراعة محصول القمح القاسي في محافظة الحسكة، مجلة جامعة دمشق للعلوم الزراعية ، 2014 ، المجلد 30، العدد 3، ص 223.
(2) باسل أحمد عوده، ياسين الحسن، التطور الاقتصادي لإنتاج القمح والقطن في المنطقة الشرقية من سورية خلال الفترة 1996-2010، مجلة جامعة دمشق للعلوم الزراعية ، 2014، المجلد، 30 ، العدد 4، ص283
(3) د. حبيب حليله، دليل القمح المحلي، ص1
(4) باسل أحمد عوده، ياسين الحسن، التطور الاقتصادي لإنتاج القمح والقطن في المنطقة الشرقية من سورية خلال الفترة 1996-2010، مجلة جامعة دمشق للعلوم الزراعية ، 2014، المجلد، 30 ، العدد 4، ص283
(5) د. حبيب حليله، دليل القمح المحلي، ص1
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
(14)
(15)
(16)
(17)
(18)
(19)
(20)
(21)
(22)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa