الرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

سوريا بين اسعافات مؤتمر بروكسل وجمود جنيف

افتتاحية أسبار

تشير المعطيات المتوافرة إلى أن الصراع في سوريا سوف يستمر على ما يحمله من استمرار للآثار المدمّرة على السكان والاقتصاد، فقد ساهم الصراع المسلّح وتدمير البنية التحتية والنزوح وإنهيار الأنشطة الاقتصادية وهشاشة المنطقة اقتصادياً في تدهور المستوى المعيشي للأسرة، والحديث الآن عن 90 في المئة من السوريين يرزحون تحت خط الفقر، فيما وبحسب الأمم المتحدة يحتاج 14.6 مليون شخص إلى المساعدة داخل سوريا (بزيادة قدرها 1.2 مليون عن عام 2021) وحوالي 12 مليون شخص في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك 5.6 مليون لاجئ سوري وأفراد من المجتمع المضيف.

تعكس لغة الأرقام حدّة الخطر المحدق بالسوريين ومستقبلهم، إذ تظهر بيانات برنامج الغذاء العالمي أن أكثر من نصف الأسر التي شملها استطلاع المنظمة أن 52 في المئة أبلغت عن عدم كفاية الغذاء في فبراير / شباط 2022 ، وهي ضعف النسبة التي كانت عليها أوائل عام 2019، وازداد انعدام الأمن الغذائي في سوريا بعد الحرب في أوكرانيا.

وداخل هذا الجوّ الملبّد بغيوم الأزمات الراهنة والمستقبلية، جاء مؤتمر بروكسل السادس حول دعم مستقبل سوريا والمنطقة الذي انعقد في 9 و10 أيار/مايو 2022، والذي تمخّض عنه حشد حوالي 6.4 مليار يورو، على الرغم من أن مؤتمر هذا العام انعقد على خلفية الحرب في أوكرانيا، وهو ما يعني التزام الاتحاد الأوربي والدول المشاركة بعدم إغفال الوضع الإنساني في سوريا، بيد أن هذه المساعدات يبدو أنها لن تسعف السوريين إذ أنذر برنامج الأغذية العالمي أنه “سيقلص برامجه أكثر في تموز المقبل، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية وتراجع مستويات التمويل، ما يؤدي إلى نتائج كارثية على الشعوب التي تعول على مساعدة البرنامج”، فضلاً عن ذلك فإن ما قاله وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة، مارتن غريفيث، عن أن “1.9 مليون شخص إضافي قد يسقطون في براثن الجوع نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية وآثار الأزمة الأوكرانية”، وهو ما يعني أن الأمن الغذائي للسوريين سيزداد سوءاً، وأن آلية إيصال المساعدات ستحتاج إلى تكثيف في وقت لاحق قريب، وستخضع إلى ذلك آلية الإيصال لمصالح الدول لا سيما روسيا المتحكّمة بمسار “تفويض المعابر” في مجلس الأمن.

وما تزال كلمة السر في كل ما يعصف بسوريا من أزمات راهنة وأخرى متوقعة متمثّلة بالانسداد السياسي في جنيف، ذلك أن العنوان الرسمي للدبلوماسية الدولية تجاه سوريا هو قرار مجلس الأمن رقم 2254، وهو ما يعني أن الانسداد الحاصل في مستوى الحل السياسي يكمن في المماطلات والتسويف التي تشهدها جلسات جنيف، فإذا كانت اللجنة الدستورية التي أعلن أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 23 سبتمبر/أيلول 2019 عن تشكيلها، ورغم مرور ثماني جلسات لأعمالها، لم تحقق ما هو مطلوب منها، الأمر الذي يعكس صعوبة الوصول إلى عناوين عامّة للحل السياسي في سوريا.

فمن جهة تشهد سوريا تسخيناً متواصلاً على حدودها الشمالية، إذ تهدد أنقرة بتنفيذ عملية خامسة في الأراضي السورية لتوجيه ضربة لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، على ما ستحمله العملية من تعقيدات إضافية في الملف السياسي، ومن جهة أخرى يسعى النظام السوري عبر لعبة المماطلة والإغراق في التفاصيل إلى كسب المزيد من الوقت، ومن ذلك مثلاً تغيير وفد الحكومة السورية اسمه من وفد “حكومي” إلى وفد “مدعوم من الحكومة” الأمر الذي يعني أن الحكومة/النظام لن يكون ملزماً بالنتائج التي قد تصل إليها اللجنة الدستورية.

وتعكس عدم جدية المفاوضات، وضعف أداء اللجنة الدستورية، رغبة النظام في كسب المزيد من الوقت بغية تبديل الوقائع على الأرض على صعيد ساحة المعركة بالتالي إضعاف المعارضة السياسية، وتعتمد دمشق في ذلك على قدرة حلفائها (موسكو وطهران) من إحداث فارق على صعيد تطويق المعارضة وكبح جماح أنقرة ودورها، خاصة وأن الأخيرة ابتعدت كثيراً عن حليفتها واشنطن في الملف السوري، الأمر الذي يعني تماسكاً في معسكر النظام وتباعداً في جهة الثنائي التركي الأمريكي، حيث يختلف الحليفان في رؤيتهما لقسد إذ تصر أنقرة على اعتبارها خطراً يتهدد أمنها القومي فيما ترى واشنطن في هذه القوات شريكاً وحيداً وموثوقاً في معركة الإجهاز على تنظيم داعش في سوريا.

هناك تلازم وثيق بين مؤتمر بروكسل وجلسات جنيف، فهدف مؤتمر بروكسل الأساسي هو دعم الشعب السوري وحشد المجتمع الدولي دعماً لحل سياسي شامل في سوريا، بما ينسجم وقرار مجلس الأمن الأممي 2254، إلّا أن هذين العنوانين (بروكسل وجنيف) لتقديم المساعدة والحل السياسي، لا يمكنهما تقديم إجابة وافية للأزمة السورية ومعاناة السوريين، إذ إن القول الفصل في سوريا بات يكمن في دور القوى الكبرى، الولايات المتحدة وروسيا والدول الإقليمية المؤثّرة في الأزمة السورية، للوصول لاتفاق يفضي إلى خارطة طريق ملزمة وجدية تنهي مأساة السوريين، غير أن الوصول إلى مثل هذا الاتفاق أمسى أبعد ما يمكن عن التحقّق نظراً لحدة الاستقطاب الدولي الذي عمقّته الحرب في أوكرانيا.

قصارى القول إن استدامة الصراع في سوريا يعني استمرار تدفّق المساعدات عبر مؤتمر بروكسل وسواها من منافذ أممية، ويعني كذلك صعوبة الوصول إلى حل سياسي في جنيف، فالأوضاع والمعطيات تشير إلى مزيد من التعقيد على الأرض السورية و إلى اشتداد الاستقطاب الدولي والإقليمي فيها.

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa