أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقف

هل بات تشكيل  “ناتو عربي” أقرب؟

طرحت مسألة تشكيل تحالف أمني إقليمي/عربي، والذي يرمز إليه بتسميته “الناتو العربي” منذ عام 2017، غير أن إقامة هذا التحالف والذي طرحته المملكة العربية السعودية ولقي ترحيباً من إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب في وقت لاحق، أعيد الحديث عن تشكيله مجدداً ضمن مناخٍ إقليمي يشهد توترات أمنية متصاعدة، فمن جهة  تأتي هناك حاة للتصدي لسياسات إيران في المنطقة، فيما تسرّع الحرب الروسية على أوكرانيا من المضيّ في تشكيل أحلاف تحاول منع ارتدات تلك الحرب على المنطقة في ظل حالة الاستقطاب الدولي القائمة من جهة أخرى، ورغم دخول العراق على طريق الوساطة السعودية الإيرانية إلّا أن أسباباً واقعية باتت تعزّز من فرضية تشكيل هذا الناتو العربي كمقدمة لتحالف أوسع.

الغاية من تشكيل ناتو عربي

استباقاً لزيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للشرق الأوسط، صرّح العاهل الأردنيّ الملك عبدالله الثاني لقناة سي إن بي سي الأمريكية، أنه سيدعم تشكيل نسخة شرق أوسطية من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومن المرجّح أن توافق إدارة بايدن على تشكيل هذا التحالف تخفيفاً للانتقادات التي يتعرّض له في الكونغرس لكونه ينتهج سياسة أكثر تصالحية مع إيران(1).

وقد يكون المطلب الرئيسي لدول مجلس التعاون الخليجي في القمة المرتقبة التي ستجمع قادتها بالرئيس الأمريكي  ” بألا تكون النتيجة النهائية للاتفاق النووي الجديد بين إيران والغرب هو تسليم المنطقة من جديد لإيران”(2) إذ ثمة مخاوف من أن يفسح الاتفاق النووي الطريق أمام إيران لتكون القطب الأساسي في المنطقة، ما يعني أن واحداً من غايات تشكيل التحالف سيكون محاولة إيجاد تكافؤ مع القدرات الإيرانية المتنامية، خاصة إذا حظيت سياسة طهران بغض الطرف من قبل الأمريكان.

ولم تفصح الدول الساعية إلى إقامة هذا التحالف الأمني عن الأسباب المباشرة لإقامة هذا التحالف، فيما تشير كل الأصابع إلى أن الغاية الأساسية تنصبّ نحو مواجهة التوسّع والنفوذ الإيراني، الأمر الذي قد يقرّب أفق التعاون بين هذه الدول الساعية إلى إقامة هذا التحالف وإسرائيل، ليصبح التحالف العربي مقدّمة لتحالف شرق أوسطي، وبحسب التخمينات، قد يتكون التحالف مؤلّفاً من الدول التي وقعت معاهدات سلام مع إسرائيل وغيرها من الدول التي “ليس لديها معاهدات بعد”، ويعتقد أن الأخيرة تشمل المملكة العربية السعودية. وقد أعطى وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتس، مصداقية لمثل هذا الحديث مؤخراً عندما تحدّث عن إنشاء تحالف دفاع جوي للشرق الأوسط بقيادة الولايات المتحدة من شأنه أن يساعد في الدفاع عن أعضائه من الصواريخ والطائرات بدون طيار المعادية. ومع ذلك، نفت الدول العربية أن تكون جزءاً من أي تحالف من هذا القبيل مع أو ضد دولة أخرى في المنطقة(3). وعليه فإنه ثمّة تطوّرين يعجلان في إنشاء الناتو العربي يمكن ملاحظتهما: أولاً ، قامت إسرائيل بتطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية وتتجه نحو ترتيبات مماثلة مع دول أخرى، ما يعني أن جيش الدفاع الإسرائيلي  سيكون على الأرجح جزءاً من أي تحالف جديد . ثانياً ، الخطر الذي تمثله إيران أوضح وأقوى من أي وقت مضى(4).

إيران وروسيا تتسبّان في ولادة الناتو

تشير التقديرات إلى أن إيران على وشك  امتلاك القدرة على صنع الأسلحة النووية، حيث قامت ببناء مخزون كبير من اليورانيوم المخصب بعد فترة طويلة من الاستخدام المدني. وتعتقد إدارة بايدن أنه يمكن تخفيف التهديد من خلال إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمته  إيران مع القوى العالمية. لكن الاتفاق النووي من شأنه أن يزيل العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، ويمكّنها من ضخ مئات المليارات من الدولارات في بناء كل من قواتها التقليدية وشبكتها من الميليشيات والجماعات الإرهابية في جميع أنحاء المنطقة(5). الأمر الذي يعني أنه في حالتي امتلاك إيران الأسلحة النووية، أو في حال نجاح المفاوضات وما يستتبعه من تدفّق الأموال على إيران فإنه في كلتا الحالتين ستعزّز من حضورها الإقليمي على حساب أمن دول المنطقة وهو ما يجعل من فكرة إنشاء تحالف أمني شرق أوسطي أقرب من أيّ وقت مضى.

 وأبعد من ذلك يرى خبراء أن أحد أهداف فكرة “ناتو شرق أوسطي” هو أن يكون ذراعاً للحلف الأصلي في المنطقة لمواجهة التمدد الروسي وليس الإيراني فقط، خاصة وأن موسكو ترتبط بعلاقات شديدة التميز مع عدة دول عربية على رأسها الجزائر ومصر. كما أنها أمدت الجزائر بصواريخ “اسكندر الاستراتيجية” التي أثارت قلقاً أوروبياً نظراً لقدراتها الهجومية الكبيرة ومداها شديد الاتساع(6). وهو ما يعني أن ثمة غايات أمريكية في دعم تشكيل هذا التحالف الأمني بما يساهم في تقليص النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وليس إلى مجرّد ثني إيران فحسب.

العراق لديه وجهة نظر مغايرة

في مقابل السعي إلى رفع الجهوزية عبر سياسة التحالفات، يمتلك العراق وجهة نظر مغايرة، فقد شهدت العلاقات بين الخليج والسعودية على وجه الخصوص وإيران هدوءاً نسبياً في الأشهر الأخيرة. حتى الآن، استضافت بغداد خمس جولات من محادثات المصالحة، وعلى الرغم من أن هذه لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن، فإن وجود آلية الحوار هو مؤشر على تغيير كبير في هذه العلاقة. ومن المهم أن نأخذ بعين الاعتبار في هذا الصدد حقيقة أن حركة أنصار الله (الحوثي) المدعومة من إيران في اليمن أوقفت هجماتها الصاروخية على السعودية في إطار الهدنة التي بدأت في أوائل أبريل/نيسان، ويضفي هذا قيمة مضافة على آلية الحوار الإيراني-السعودي التي يرعاها العراق، خاصة وأن الولايات المتحدة والأمم المتحدة حريصان على الترويج لاتفاق أكثر ديمومة لوقف إطلاق النار في اليمن والشروع في عملية سلام جديدة(7).

وبعد يوم واحد من زيارة لجدة التقى خلالها ولي العهد محمد بن سلمان، بدأ رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الأحد زيارة إلى طهران في مسعى لإحياء المحادثات بين السعودية وإيران، ليعلن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 26 يونيو/حزيران 2022 إن العراق وإيران اتفقتا على السعي من أجل تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط بعد يوم من زيارته السعودية، في محاولة لإحياء المحادثات بين الخصمين الإقليميين لتهدئة توتر مستمر منذ سنوات. وقال الكاظمي في مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إنهما اتفقا “على التهدئة في المنطقة” والعمل معاً لإحلال الاستقرار والهدوء فيها(8). ولعل لبغداد مصلحة في خفض التصعيد والوصول إلى مصالحة خليجية/سعودية وإيرانية من شأنها أن لا تضع العراق في مفاضلة بين أحد طرفي الاستقطاب، على ما يجمعها من علاقات وثيقة بإيران من جهة ورغبتها بالمقابل الإبقاء على علاقاتها مع بقية الدول العربية لاسيما السعودية.

خاتمة

ثمة ثلاثة احتمالات تجعل من فرص تشكيل الناتو العربي أقرب من أي وقت مضى، الأول تمكّن إيران من إنتاج سلاحها النووي، وثانيها نجاح المفاوضات النووية ووقف البرنامج النووي الإيراني في مقابل تدفّق الأموال اللازمة على طهران ما يعني إطلاق يدها في المنطقة وغض واشنطن النظر عن تصرّفاتها، فيما ثالث الأسباب هو وجود مصلحة مشتركة تجمع دول مجلس التعاون وإسرائيل وواشنطن وكل بحسب منظوره الخاص والذي تبقى إيران الجزء الأساسي منه، فيما تحلّ مسألة تقليص النفوذ الروسي في المنطقة في مرتبة ثانية، وبطبيعة الحال تستفيد دول الخليج وفي مقدّمتها السعودية من نفوذها العالمي بسبب امتلاكها قدرات زيادة الانتاج النفطي الأمر الذي يدفع بواشنطن إلى بذل المزيد من الدعم للرياض وأخذ الأمن الخليجي بعين الاعتبار بعد فترة من توتر علاقات البلدين.

أما في حال نجاح مسار المصالحة العراقي فإنه قد يؤخّر المضي في طريق بناء تحالف أمني عربي وبالتالي تحالف شرق أوسطي تكون إسرائيل قطبه الثاني. لكن المضي في مفاوضات مديدة دون تراجع إيران عن سياساتها وربط المصالحة بسياسة كسب الوقت لأجل المضي في البرنامج النووي الإيراني، قد يؤدي إلى مفاقمة الأوضاع لاحقاً ويزيد من الحاجة إلى بناء إطار تحالفي موسّع لمواجهة إيران، سواء عبر الناتو العربي أو عبر إطار شرق أوسطي أوسع.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
قائمة بالمراجع المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa