أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

استعدادات “قسد” لمواجهة التهديدات التركية

كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قد لوّح في شهر أيار/مايو الماضي، بشن عملية عسكرية خامسة على طول الحدود الشمالية في سوريا، وكان قد صرّح أن بلاده “ستبدأ خطوات تتعلق بالجزء المتبقي من الأعمال التي بدأتها، لإنشاء مناطق آمنة في عمق 30 كيلومتراً على طول الحدود الجنوبية مع سوريا”، وقد أيّد مجلس الأمن القومي التركي تلك الخطوة.

وبموازاة ذلك، خرج قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في مؤتمر صحفي في الخامس عشر من هذا الشهر معلناً عن طبيعة التهديدات وجديتها، والأدوار التي تولتها واشنطن وموسكو للحؤول دون قيام تركيا بعمليتها العسكرية، فيما عكست كلمته جدية التهديدات التركية، وسياسات قسد للتعاطي مع هذه “الأزمة” لا سيما مسألة “الدفاع” وصد التوغّل التركي.

ما الذي يجعلها “تهديدات جدية”؟

في وقت قريب من إطلاق أنقرة تهديداتها اعتبرت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) أن التصريحات التركية عن عمل عسكري تهدف إلى “تسخين الأجواء”. وقد جاء في بيان لها، نُشر في وقت لاحق من التهديد التركي، أن “قسد” تدرس مستوى التهديدات التركية الفعلية والمتوقعة لمناطق شمال وشرق سوريا، وأنها تتبادل المعلومات مع “القوى الدولية الضامنة”(1).

وفي يوم الجمعة 15 تموز/يوليو، في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، خرج قائد قوات سوريا الديمقراطية في مؤتمر صحفي، ليؤكد “أن هناك تحشيدات للقوات التركية وتحضيرات لغزو جديد وإذا سنحت الفرصة لها ستطلق عملية عسكرية جديدة، مشيراً إلى أن تركيا لم تلترم باتفاقية أكتوبر  ٢٠١٩”. وذكر “أن التهديدات التركية على شمال شرقي سوريا مستمرة وهناك تحشدات عسكرية لقواتها على خط التماس مع قواتنا.”(2)، لكن عبدي يربط بين الظروف المواتية لتركيا وموعد العملية ذلك أنه “حتى الآن لم تسنح لتركيا الفرصة للهجوم، وإن سنحت ستنطلق العملية العسكرية”(3)، ويستشف من تصريح عبدي أن التهديدات ضد مدن منبج وتل رفعت وكوباني بدأت منذ 23 من أيار الماضي ولا تزال مستمرة(4)، بمعنى أن نطاق العملية التركية سيكون في هذه المناطق، وهو ما مرّت عليه قيادات ومسؤولون أتراك كانوا قد حددوا نطاق العملية الجغرافيّ.

ثمة قراءة أخرى لاحتمال شنّ تركيا عمليتها العسكرية، وهي القراءة التي يقدّمها قائد قسد حيث ربط الأوضاع الداخلية التركية وأزمتها الاقتصادية بالحرب الخارجية “الأوضاع مختلفة بالنِّسبة للدَّولة التُّركيّة عمّا كانت في أعوام 2018 و2019، فهي الآن ليست بتلك القوّة السّابقة، بل تعاني من أزمات عديدة خانقة في الدّاخل وتحاول تصديرها إلى الخارج عبر شن الحروب”(5)، وهو ما يعني أنه ورغم التناقض بين الظروف الخارجية المحيطة بالحرب التي لن تكون في صالح تركيا ،إلّا أن أزمات الداخل التركي تدفع باتجاه وقوع حرب جديدة، وهو ما يجعلها تهديدات جدية بدرجة أكبر.

مساعي قسد  لوقف العملية المرتقبة!

سعت الولايات المتحدة للقول في مناسبات متكررة، للقول بأنها لا تؤيد عملية تركية جديدة في سوريا. وكان الطرف الأمريكي، الداعم لـ”قسد” في سياق التحالف الدولي، أبدى في آخر تصريح له، في 13 من تموز/يوليو الحالي، رفضه للعملية التركية، إذ صرحت نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشرق الأوسط، دانا سترول، عن معارضة بلدها للعملية العسكرية التركية المرتقبة على شمالي سوريا. وقالت خلال ندوة نظمها معهد “الشرق الأوسط”، “إننا نعارض بشدة أي عملية تركية في شمالي سوريا، وقد أبلغنا تركيا بهذا بوضوح، لأن تنظيم (داعش) سيستفيد من تلك الحملة، ناهيك عن التأثير الإنساني”. وعلة الرفض الأمريكي هي أن “أي هجوم تركي على شمال شرقي سوريا، يعرض القوات الأمريكية في المنطقة للخطر، ويلفت أنظار (قوات سوريا الديمقراطية) عن مواجهة (داعش) التي هي هدفنا الرئيس”(6)، وقد سبق أن أكد البيت الأبيض والخارجية ما ذهبت إليه سترول في تحديد موقف واشنطن من الحرب.

في إزاء محاولة واشنطن خفض التوتّر، جاءت زيارة السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي حمل مبادرة لأنقرة وقسد وذلك لـ”معالجة مصالح الأمن القومي لتركيا مع تطوير علاقة تجارية في الوقت نفسه بين الحكومة التركية وسكان شمال شرق سوريا”، وذلك بالاعتماد على حقول نفط في شمال شرق سوريا وزيادة الاستثمار لإنتاج كميات أكبر من النفطـ، فضلاً عن غراهام اقترح على بلاده أن تنشئ “مناطق عازلة بين العناصر التي تعتبرها تركيا جماعات إرهابية، وأن ندعم أولئك الذين ساعدونا في تدمير الخلافة الإرهابية، ونضمن عدم ظهور داعش مرة أخرى.”(7)، ولعل المواقف الأمريكية هذه دعت عبدي للتعبير عن قلقه إذ “أكد أنه بالرغم من الموقف العلنيّ لقوّات التحالف الدولي والولايات المتّحدة بمعارضتها لأي عدوان تركيّ على مناطقهم؛ إلا أنَّها ضعيفة وغير كافية لردع دولة الاحتلال التركي”(8).

وفي موازاة الدور الأمريكي، يعوّل عبدي على الدور الروسي أيضاً، إذ إن “هناك جهود روسيّة لوقف التَّهديدات التُّركيّة وأيّ هجوم محتمل على تلك المناطق (تل رفعت ومنبج)”، فيما يبدو أن نتائج الاتصالات طفت على السطح، فبحسب عبدي “إحدى نتائج اتّصالاتنا ومباحثاتنا مع الجانب الرّوسيّ، أسفرت عن نشر قوّات الحكومة السوريّة في بعض المناطق الحدوديّة التي تتعرَّض للتهديدات مثل كوباني، فهي المُكلَّفة بحماية الحدود والسيادة السوريّة فيها”(9). وفيما يخص القوات الحكومية، قال عبدي: “قبلنا بتعريز نقاط الجيش السوري في كوباني ومنبج وكذلك مناطق حدودية لتقوم بمهمتها في حماية الحدود السورية وسنقوم بما يلزم لتجنيب الحرب على مناطقنا”(10). وفضلاً عن ذلك تعوّل قسد على اجتماع طهران “ننظر بأهمية للاجتماع الثلاثي بين تركيا وروسيا وايران في 19 تموز، ونعتقد بأن الأطراف الأخرى لن تسمح للقوات التركية بتنفيذ هجماتها على مناطقنا”(11). لكن مسألة التعويل على أدوار خارجية يذكّر بالعمليات التركية الأسبق إذ نجحت أنقرة في إبرام تسويات حازت بموجبها على “ضوء أخضر” غير مرة.

خيار الحرب والدفاع

سبق لقسد أن خاضت حربين في عفرين ورأس العين/سرى كانيه وتل أبيض، انتهت لصالح القوات التركية والفصائل المسلحة السورية الموالية لها، غير أن عبدي يرى أن فرص الدفاع عن المنطقة متوفّرة فبحسب قوله “أجرينا تقييمات دقيقة حول العدوان التُّركيّ على عفرين وسري كانيه/ رأس العين وكري سبي/ تل أبيض، وتجاوزنا الأخطاء التي وقعت فيها قوّاتنا، واستفدنا من تلك التَّجارب، كما أنَّ استعداداتنا جيّدة، ونؤكّد اليوم أننا أقوى من السّابق، وسنتمكّن من صد أيّ عدوانٍ على مناطقنا”(12). لذلك يصبح خيار الحرب أقرب للتصوّر من الوصول إلى تسوية تؤدي إلى توسّع السيطرة التركية دون قتال، ويوسّع عبدي من تقديم رؤيته لخريطة التحالفات العسكرية وأنَّهم لن يكونوا وحدهم في هذه المعركة، في إشارة إلى التفاهم مع القوات الحكومية التي يبدو أنها بدأت تنتشر على نحو أوسع في المناطق التي قد تشهد أعمالاً حربية.

بل إن حديث قائد قسد، الذي تطابق مع تصريحات أسبق لقياديين في الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا، تؤكّد على احتمال أن تكون الحرب موسّعة، فبحسب عبدي “الحرب ومقاومتنا لها ستمتد إلى كافّة المناطق المحتلّة، ولن تبقى محصورة في المناطق التي يستهدفها الاحتلال التُّركيّ فقط، وستكون حرب الشعب السوري برمّته”(13)، وهو ما يؤشّر إلى تطوّر خطير في نطاق رقعة الحرب والدفاع، عكس الحالات السابقة التي تركّزت فيها المعارك في المناطق المستهدفة. ولعل هذا التطوّر، حال حدوثه، قد يدفع واشنطن وموسكو إلى إعادة تقييمهما، على اعتبار أن مناطق تواجدهما ستعاني من انعدام الاستقرار ومن هشاشة أمنية، وهو ما قد يستفيد منه تنظيم داعش مرة أخرى.

خاتمة

مع ازدياد احتمالات تنفيذ تركيا عملية خامسة، ترتفع نسبة فرص التعاون بين الأطراف التي ترى في العملية التركية تهديداً لمصالحها. فمن جانبها ترى واشنطن بأن هذه العملية ستؤثر على حربها ضد داعش، وتقوّي من حضور التنظيم نتيجة غياب الاستقرار، فيما ترى موسكو أن الحرب تعني زيادة النفوذ التركي على حساب نفوذها، كما أنها لم تحقق صفقة مع الجانب التركي لتسمح بموجبها بالتدخل العسكري كما حالة عفرين حين أشيع عن صفقة إبان احتلال تركيا لها مطلع عام 2018.

إضافة لذلك، هناك احتمالات تعاون عسكري، قد يتطوّر، بين قسد ودمشق، وهو ما قد يؤدي إلى تنشيط فكرة شن هجمات على مناطق سيطرة تركيا والفصائل الموالية لها، وأما تلويح قسد بتوسيع نطاق الحرب ينبغي أن يوضع في الحسبان نظراً لعدم قدرة قسد تحمل المزيد من الخسائر والتي باتت تعني تآكل سيطرتها على الأرض، وهو ما أكّدت عليه تصريحات مظلوم عبدي في هذا السياق.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
قائمة بالمصادر المستخدمة في التقرير
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa