أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

سوريا في مرآة قمة طهران

بدت سوريا خلال القمة التي انعقدت في طهران في 18 تموز/يوليو بين الرؤساء رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين وإبراهيم رئيسي، أنها تشكّل النطاق الجيوسياسيّ الأهم الذي يجمع هذه الدول إلى بعضها، ودائماً تحت ثقل مسألتين: تواجد هذه الدول بقوّة على الأرض السورية، وأنها رغم خصامها وتعارض مصالحها فإنها تشترك في معاداتها للوجود الأمريكي في سوريا.

المطالب التركية تتجلّى في التغوّل داخل الأراضي السورية وشن عملية عسكرية خامسة، وبالتالي فهي تسعى لأن تفسح لها موسكو وطهران مساحة إضافية للتمدد داخل الأراضي السورية بحجة محاربة القوات الكردية وحماية أمنها القومي. ويبدو جلياً أنه دون موافقة واضحة من هاتين الدولتين أو إحداهما فإنه من الصعب أن تشرع أنقرة بتنفيذ أي عملية عسكرية.

مطالب تركية ثابتة

خلال أعمال قمة طهران أكد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أن روسيا وإيران تتفهمان مخاوف تركيا الأمنية، لكن الكلمات ليست كافية، مشدداً على أن بلاده ستواصل معركتها ضد وحدات حماية الشعب والمليشيات الأخرى دون النظر لمن يدعمها (في إشارة للولايات المتحدة الأمريكية)(1)، وفي بيان للرئاسة التركية بعد ختام القمة، قال أردوغان إن خطط شن هجوم تركي جديد على وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا سيظل مدرجا على جدول أعمال بلاده إلى أن يجري التصدي لمخاوف أنقرة الأمنية(2). إذ اعتبر الرئيس التركي وحدات حماية الشعب الكردية تتخذ خطوات لتقسيم سوريا بدعم أجنبي، وإن تخليص البلاد منها سيعود بالفائدة على الشعب السوري، كما جدد أردوغان، مطالبته الولايات المتحدة بالانسحاب من المناطق الواقعة شرق نهر الفرات في سوريا ووقف دعمها “للجماعات الإرهابية”، في إشارة إلى القوات الكردية التي تسيطر على أجزاء واسعة في الشمال السوري(3).

 نقطة الخلاف الأهم

وتنتظر أنقرة الدعم من روسيا وإيران بصفتهما دولتين ضامنتين بمسار أستانا(4). فيما يلتقي الطرفان الإيراني والروسي على رفض عملية عسكرية تركية شمال سوريا، وهو ما أوضحه المرشد خامنئي لإردوغان(5). ذلك أن العملية المحتملة  لأنقرة في الشمال السوري، “ستعود بالضرر” على مختلف دول المنطقة(6) طبقاً لما قاله المرشد، ويعني هذا التضارب في الرؤى أن القمة الإيرانية – الروسية – التركية، رسخّت الخلافات حول الملف السوري وتحديداً العملية العسكرية التركية المرتقبة ضد “وحدات حماية الشعب” الكردية(7).

وعلى عكس الموقف التركي، لا ترى روسيا، وكذلك إيران، في “وحدات حماية الشعب” الكردية خطراً كون “قسد” توجد مع قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية الداعمة له في المناطق نفسها في شمال وشرق سوريا التي تخضع في المجمل لإشراف روسيا، ما يضع تركيا في جانب وروسيا وإيران في جانب آخر(8). في الواقع، قد يؤدي التوغل التركي إلى تقريب قسد من دمشق، وربما من طهران أيضاً، كجزءٍ من المساومات الدائمة التي تقوم بها الجهات الفاعلة المختلفة التي قسّمت البلاد إلى مناطق نفوذٍ خاصة. وسيذعن نظام الأسد على الأرجح لهذا التحوّل لأنه بحاجة ماسة إلى المزيد من الطاقة الكهربائية وإمدادات الوقود، والتي يمكن الحصول عليها بسهولة أكبر من خلال زيادة عمليات نقل النفط والغاز الطبيعي من المناطق التي تسيطر عليها قسد في الشرق. وستصبح تجارة الطاقة الآن أكثر سهولة بعد صدور قرار “مجلس الأمن الدولي” رقم 2642 بداية هذا الشهر بشأن المساعدات عبر الحدود، والذي يُدرِج الكهرباء على وجه التحديد كجزء من أنشطة التعافي المبكر المسموح بها(9).

إضافة إلى ذلك فإنه غداة القمة، أعطى وزير الخارجية الإيراني أمير حسين عبد اللهيان مؤشراً واضحاً جديداً على عدم التوصل إلى موقف مشترك مع تركيا في قمة طهران، بشأن الوضع في شمال سوريا؛ حيث جدّد، في مؤتمر صحافي مشترك، مع نظيره السوري فيصل المقداد الذي وصل إلى طهران بعد ساعات قليلة من القمة الثلاثية، قلق بلاده من احتمال قيام تركيا بعمل عسكري جديد داخل الأراضي السورية. وعبّر عبد اللهيان عن أمله في أن يهتم المسؤولون الأتراك بالتوصيات التي أكدت عليها الدول المشاركة في القمة الثلاثية لقادة الدول الضامنة لمسار أستانة، مشيراً إلى أن القمة ساعدت على وضع الأزمة السورية على مسار الحل السياسي(10). الأمر الذي فهم أنه رفض قاطع لأي عملية تركية، ولكن في مقابل هذا الموقف الواضح يرى خبراء أن ارودغان سيسعى للحصول على موافقة إيران وروسيا لشنّ العملية، إلا أن ذلك دونه حسابات معقّدة، اذ سبق لموسكو أن أعربت عن أملها في أن “تُحجِم” أنقرة عن شنّ الهجوم، بينما حذّرت طهران من عملية تؤدي الى “زعزعة أمن المنطقة”(11).

نقاط الاتفاق

ثمة عناوين ثابتة للمؤتمرات التي تجمع الدول الثلاث إذ إنها تؤكد دائماً على جملة مسائل من ذلك ما قيل في هذه القمة، إذ أكدت الأطراف على أهمية إنهاء الأزمة السورية عبر حلول مستدامة، وعلى وضع آلية عمل لصياغة دستور جديد للدولة السورية، وضرورة توفير الأرضية من أجل عودة فورية للاجئين السوريين من دول أخرى(12).

من خلال بيان قمة طهران الختامي بدا أن هناك نقاط اتفاق أيضاً إذ إنّ روسيا وإيران وتركيا تدين الهجمات الإسرائيلية المستمرة على سوريا، وقد دعت الدول الثلاث إلى ضرورة مكافحة المخططات الانفصالية، والهادفة إلى تقويض سيادة سوريا، ما اعتبره البعض أجواءً تفاؤلية ستعود بارتدادات إيجابية على الأزمة في سوريا(13). دون توضيح للمقصود بالمخططات الانفصالية هنا، ولعلها عبارة غامضة تضاف إلى عبارة “محاربة الإرهاب” دون توضيح للجماعات الإرهابية والتي قد تحمل معانٍ متباينة، إذ إن من تعتبرهم أنقرة جماعات إرهابية لا تعتبرهما إيران وروسيا كذلك، والعكس بالعكس.

إلى ذلك فإن القمة سارت بأجنداتٍ متعددة واستراتيجية؛ إيرانية تركية، وباتفاقات تجارية واقتصادية قد تبلغ الثلاثين مليار دولار، وإيرانية روسية، مع رسالة استثمار في غاز إيران. وتتشارك إيران وروسيا في مواجهة حرب العقوبات الغربية والأحلاف الأميركية، فيما تؤشر قمة طهران إلى تلاق مع الشريك التركي في هواجس أمنية واقتصادية(14).

ولعل رسالة قمة طهران، بُعيد قمة جدة بين بايدن وزعماء عرب، تفيد بأن المعادلات الإقليمية والدولية لم تعد رهن استراتيجيات واشنطن، فما بين روسيا وإيران هو مصالح مشتركة في قضايا على الصعيدين الاقليمي والدولي، في ظل التطورات على الساحة الدولية(15). خاصة فيما خص طبيعة الدور والتواجد التركيين في هذه القمة، إذ اتقدت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لظهوره في صورة مع الرئيسين الروسي والإيراني، وقالت في مقابلة مع صحيفة “بيلد” إن “حقيقة وجود الرئيس التركي في هذه الصورة، أقل ما يمكن قوله، تمثل تحديا لحلف شمال الأطلسي”، مضيفة أن هذا الأمر “ىبساطة غير مفهوم”(16). وقد يكون إصرار أنقرة على السير منفردة دون بقية شركائها الغربيين في طريق التفاهم مع موسكو وطهران دليلاً إضافياً على إمكانية تطوير نقاط الاتفاق، خاصة وأن الناتو بدأ يبدي شيئاً من الانزعاج بحسب ما فُهم من كلام الوزيرة الألمانية.

خاتمة

رغم نقطة الخلاف الأهم وهي عدم منح تركيا الضوء الأخضر لتنفيذ عملية عسكرية أخرى في الأراضي السورية، إلّا أن القمة تثبت احتياج الأطراف الثلاثة للحوار والتفاهم في ظل فقدان حلول دولية ممكنة واشتراكهم في رفض أي دور أمريكي في سوريا، بيد أن ما اتضح من القمة هو نجاح كل من طهران وموسكو في كسب النقاط نظرياً ودعائياً لصالحهما على حساب عدم تحقيق أنقرة لأي شيء يخدم مصالحها في هذه القمة خلا تحدي أردوغان للولايات المتحدة والقول بإمكانية أن يسبح عكس تيار واشنطن وممارسة الضغط عليها لثنيها عن التعاون مع أكراد سوريا و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

تبقى النقطة التي أثارت اهتمام وسائل الإعلام كانت تلك المتعلّقة بفشل تركيا في التحصّل على أي مكاسب فعلية في مواجهة الأكراد وقسد، وكل ذلك في ظل صعوبة قيام تركيا بعملية منفردة دون إذن إيران وروسيا والتي قد تعني تصاعد الخلافات والصراع على الأرض السورية وهو ما لا يصب في مصلحة أنقرة.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
(14)
(15)
(16)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa