الرئيسيمقالات

مؤشرات فشل قمة طهران

أثبتت الأيام القليلة التي تلت قمة طهران بين الرؤساء الثلاثة؛ الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني إبراهيم رئيسي، والتركي رجب طيب أردوغان، فشل قادة الدول ذات التأثير في الملف السوري “ضامني مسار آستانه”.

فأولى تصريحات الرئيس التركي وهو على متن طائرة العودة من طهران لأنقرة حول العملية العسكرية التي يهدد بها منذ أشهر دلت على عدم قدرته في إقناع نظرائه بشنها في شمال وشرق سوريا ضد قوات سوريا الديمقراطية.

وحينها قال أردوغان إن: “ملف العملية الجديدة شمالي سوريا سيظل مدرجاً على أجندتنا إلى حين تبديد مخاوفنا المتعلقة بأمننا القومي، ونريد أن تكون روسيا وإيران معنا في مكافحة التنظيمات الإرهابية على بعد 30 كم من الحدود الجنوبية لتركيا، وعليهما إمدادنا بالدعم اللازم”، ومطالبة أردوغان لموسكو وطهران بضرورة الدعم دليل على عدم تقلي ذاك الدعم الذي يطلبه الرئيس التركي.

وترجم التوتر بين إيران وتركيا في قصف الجيش التركي لقرية سياحية بريف زاخو بإقليم كردستان العراق، ومن ثم استهداف قاعدة تركية بالقرب من قضاء آميدي شمالي دهوك بطائرات مسيرة.، كرسائل متبادلة بين أنقرة وطهران، ومؤشر على درجة التوتر بعد قمة طهران.

وإذا عدنا قليلاً إلى الأسابيع القليلة التي سبقت القمة، سنجد أن تركيا قدمت خدمات لعدو إيران اللدود “إسرائيل” بعد أن اعتقلت قوات الأمن التركية مجموعة إيرانيين، قالت أنهم أعضاء خلية “مؤامرة” لاستهداف إسرائيليين على الأراضي التركية، وقدمت إسرائيل بدورها الشكر لأنقرة.

على صعيد آخر، ترجم عدم التوافق الروسي التركي، في تجديد الروس رفضهم للعملية العسكرية التركية التي هددت بها أنقرة في شمال وشرق سوريا، والتصعيد في إدلب الخاضعة لسيطرة هيئة تحرير الشام “تنظيم القاعدة في سوريا” وحليفة تركيا.

وقبل القمة بفترة وجيزة وقعت أنقرة على إعلان مدريد لقمة حلف شمال الأطلسي والمفهوم الاستراتيجي الجديدة للحلف والذي تضمن إدانة شديدة للاجتياح الروسي لأوكرانيا، وهذا ما لا يمكن لموسكو تجاوزه في علاقتها مع تركيا.

أسباب الخلاف أقوى من أسباب التوافق

عولت قادة الدول الثلاث المجتمعين على أن الخصوم المشتركين للدول الثلاث قد يمهد الطريق للوصول لتفاهمات شاملة. فإيران كدولة خاضعة للعقوبات بسبب الملف النووي العالق، وتدخلاتها في كل من العراق واليمن وسوريا ولبنان، ما يجعلها في مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة.

وروسيا التي تعيش في حالة عزلة اقتصادية وسياسية بعد اجتياحها لأوكرانيا ودخولها في صدام مباشر مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وفرض عقوبات متبادلة بين الجانبين.

وتركيا التي تعتبر العضو المشاكس وغير المرغوب به في حلف الناتو، خاصة بعد محاولتها ابتزاز دول الحلف عبر رفضها لعضوية كل من السويد وفنلندا واضطرار الحلف للمفاوضة مع دولة عضوة فيه، الأمر الذي زاد من عدد الدول المنزعجة منها داخل الحلف، وهي ثاني أبرز الأزمات بين دول الحلف وتركيا بعد صفقة الصواريخ الروسية إس 400 التي وترت العلاقات بين تركيا ودول الناتو.

وعليه يبدو أن حالة شبه العزلة التي تعيشها الدول الثلاث لم تكن كافية لدفعها للتوصل لاتفاقات جديدة أقله فيما يخص الوضع في سوريا، حيث تدعم إيران وروسيا النظام السوري عبر الوجود العسكري المباشر، في حين تدعم تركيا المعارضة السورية المسلحة والتي أضحت مجموعات عسكرية مؤتمرة بأوامر أنقرة، في وقت تسعى فيه روسيا للوصول لتفاهمات بين حليفها النظام السوري وعدو تركيا قوات سوريا الديمقراطية.

وعن شكل العلاقة بين روسيا وإيران الداعمتين للنظام السوري، فبرغم السعي المستمر لموسكو وطهران لإعادة النظام السوري للمجتمع الدولي وإعطاء حكمه شرعية دولية.

إلا أنه لا يمكن التغاضي عن الصراع بين إيران وروسيا في سوريا، ومحاولة إيران الاستفادة من انهماك روسي بحربها في أوكرانيا للتوسع داخل الجغرافية السورية، خاصة في المناطق التي لا وجود للروسي فيها أو التي حضور روسيا فيها ضعيف.

في مطلق الأحوال لا يعني عدم قدرة الدول الثلاث على التوصل لتفاهمات أقله بشأن سوريا، أن الأمر سيتحول لعداوة أو خصومة بين هذه الدول، فعلى ما يبدو أنها ذهبت لتطبيق مفهومة فصل القضايا والتعامل مع كل قضية على حدا.

المؤكّد أن الصدام إن حدث سيكون على أراضي دول أخرى عبر حلفاء هذه الدول وسوريا والعراق أفضل ساحات تصفية الحسابات لما لهذه الدول من انتشار وتوغل داخل الدولتين المدمرتين بسبب الحروب المتتالية التي تسببت بانهيارهما.

تأكيد المؤكد

يبدو عدم قدرة الدول الثلاثة على الوصول لتفاهمات جديدة، دفعها للإبقاء على ما تم الاتفاق عليه سابقاً، لضمان عدم انهيار العلاقة بينها، خاصة أن الطريق بات مفتوحاً أمام جميع دول العالم لاختيار مواقع جديدة في الخارطة السياسية الدولية، بسبب الأجواء التي خلقتها روسيا باجتياحها لأوكرانيا.

وهذا ما ترجم في الجزء الذي يخص سوريا، فستبقى حدود التحرك والأريحية لحلفاء إيران وروسيا وتركيا من السوريين محدودة بعمليات عسكرية خاطفة غير شاملة وقصف متبادل آني، وهذا ما يعطي موسكو أفضلية كون استرايجيتها في سوريا اعتمدت منذ البداية على النفس الطويل وقضم المساحات، وكسب حلفاء بناء على التناقضات.

ومن المؤكدات التي تم التأكيد عليها أيضاً، موقف الدول من التنظيمات التي تصنفها على أنها إرهابية، فيبدو أن كل دولة بقيت على تصنيفها للمجموعات العسكرية السورية على أنها إرهابية وفقاً لمنظورها السابق، فلم ينجح أردوغان في إقناع بوتين ورئيسي بتسمية قوات سوريا الديمقراطية كمنظمة إرهابية، وأبقت موسكو وطهران تصنيفها للمجموعات المسلحة المعارضة للنظام السوري وهي المحسوبة على تركيا على أنها تنظيمات إرهابية.

إذاً لا جديد بعد قمة طهران في المدى المنظور القريب لكن من المؤكد أن هناك إعادة للحسابات ستقوم بها أنقرة وموسكو وطهران، وستخبرنا الأيام القادمة نتائج تلك الحسابات.

زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa