الرئيسيترجمات

التدخل الإيراني في سوريا

اوزنور سامية اكوز

نبذة مختصرة

شاركت عدّة دول منذ بداية الحرب الأهلية السورية، في هذا الصراع من خلال تصوّراتها ومصالحها وطرقها، إيران هي إحدى هذه الدول. عندما أثرت الحرب الأهلية المستمرّة على العلاقات الدولية بكل أبعادها تقريباً، ظل الموقف الإيراني من الحكومة السورية وتورّطها في الحرب الأهلية السورية كحليف قوي بدأ بدعم من حكومة الأسد السورية لإيران أثناء وبعد الحرب الإيرانية العراقية. يحمل التدخّل الإيراني في سوريا علامة على شروط السياسة الخارجية الإيرانية غير القابلة للتغيير منذ الثورة الإيرانية عام 1979. السيادة وتوازن القوى والنفوذ على المنطقة. يهدف هذا المقال إلى شرح التدخل الإيراني في سوريا في سياق فهم السياسة الخارجية الإيرانية وتاريخ تحالف دمشق وطهران ومدى التدخّل.

المقدمة

بسبب الحرب الأهلية المستمرّة والعنف الذي جلبته الحرب، ظلّت مشكلة سوريا أكبر أزمة في الشرق الأوسط. ظهرت العديد من الجماعات المسلحة، وشاركت عدّة دول عالمية وإقليمية في هذه العملية، وتُعتبر إيران طرف مهم للغاية في هذه العملية. التدخل الإيراني في الصراع السوري له أسباب وأبعاد عديدة، ولكن في الخطاب السياسي لجمهورية إيران الإسلامية، السبب الرئيسي لهذا التحالف هو انهيار المجالين الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة. في وقت ما، تم استبدال هذا الخطاب بأهداف مكافحة داعش. كما أن الموازنة بين الدول العربية القوية الأخرى وتركيا وبعض المصالح الأخرى لإيران تمثل أبعاداً مهمّة أخرى للتحالف الإيراني السوري (Ebrahimi, 2018).

الافتراض الشائع للتحالف الإيراني السوري هو أنّ العلاقات القوية بين هاتين الدولتين في الشرق الأوسط هي طائفية. بناء على معرفة النصيرية والشيعة وتصوُّرهم المشترك ضد الدول السنية في المنطقة. يجب أن يُنظر إلى هذا الافتراض على أنه خطأ، لأن السلطات الدينية الإيرانية قبلت النصيرية على أنها من غُلات الشيعة، وهو اسم يستخدم لتعريف الطوائف المتطرّفة والمنحرفة من الشيعة. (Borumandaalam, 2012).

لذا، فإن تفسير العلاقات بين سوريا التي يهيمن عليها النصيرية ولكن العلمانية وإيران التي تقبل 12 إماماً شيعيًا كدين رسمي للدولة لأن التعاون الطائفي غير ممكن في ظل هذه الظروف. تقوم العلاقات الإيرانية – السورية على أساس التقدُّم التاريخي والجيوسياسي. أجبرت ضغوط الولايات المتحدة إيران على تعزيز علاقاتها مع تحالفاتها في المنطقة، لأن سوريا حليف استراتيجي مهم باعتبارها أهم صلة لإيران مع كل من العالم العربي وحزب الله اللبناني. (Ebrahimi, 2018).

تسبّب النظام الإيراني الجديد الذي تأسّس مع الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 في تصوّر سلبي للدول العربية، بسبب سياسة تصديرها الثورة إلى الدول العربية القوية وخاصّة العراق والسعودية ومصر. اندمجت هذه السياسة مع التدخّل الإيراني في المشاكل العراقية مع الشعب الكردي والطائفة الشيعية وتسبّبت في حرب إيران والعراق. مع هذه الحرب، دخلت إيران عصر العزلة وظلّت سوريا الدولة العربية الوحيدة التي واصلت علاقاتها الوثيقة مع إيران. السبب الرئيسي لهذا التقارب هو فهم حزب البعث العراقي كتهديد من قِبل حافظ الأسد. استمرّت الحرب بشكل مدمّر بين 1980-1988، وأثارت قلق إيران والعراق في هذه السنوات الثماني، وأزالت العراق من كونه تهديداً فعلياً للأمن السوري. في هذه الحقبة، ازداد النفوذ الإيراني في لبنان، والذي توغلت فيه إيران كجزء طبيعي من سوريا وإيران، عزَّز هذا النفوذ على لبنان من خلال المساهمات المتبادلة والدعم مع حزب الله اللبناني. في هذا الوضع، أراد حافظ الأسد استخدام هذا النفوذ على لبنان ضد إسرائيل واقترب من حزب الله الذي اعتبر أنه عامل التعادل في المنطقة وحاميه إيران. (Al-Lihaibi, 1989).

أصبح الربيع العربي نقطة الانهيار الأكثر أهمية في التقارب بين إيران وسوريا. امتدت الحركة إلى سوريا في كانون الثاني/يناير 2011 وحاول بشار الأسد قمع مطالب المواطنين بطريقة دموية، ونتج عن هذا التطوّر حرب أهلية. أصبحت هذه الحرب الأهلية في وقت قصير تهديداً للمصالح الإستراتيجية لإيران. واجهت إيران بسبب البرامج النووية، عقوبات اقتصادية دولية أضرّت بإيران، لذلك لم ترغب إيران في السماح بانهيار أكبر حليف لها في المنطقة. لعبت فكرة فقدان اتصال الأرضي مع حزب الله اللبناني وتضييق المجال في المنطقة بإسقاط نظام الأسد دوراً مهماً في سياسات إيران تجاه سوريا.

السياسة الخارجية الإيرانية بعد 1979

كان محمد شاه رضا بهلوي ممثلاً مهماً للشعب الإيراني وللغرب. كان يُنظر إليه على أنه والد إيران الحديثة، بسياساتها في التحديث والبناء. كان مهماً بالنسبة للغرب، لأنه كان يتصرّف كعين غربية في المنطقة، بنى بلاده على النمط الغربي، وكانت علاقاته الوثيقة مع الدول الغربية تلعب دوراً مهماً في السياسة الخارجية الإيرانية سواء في البُعد العالمي أو في الشرق الأوسط. لم يكن بهلوي حاكماً منتخباً ديمقراطياً للبلاد، فقد كان يلفت الانتباه إلى الإسلاميين في البلاد، وبسبب إجراءاته الموالية للغرب، كان يُنظر إليه على أنه خادم الإمبريالية من قبل الجماعات اليسارية في إيران.

كل ذلك انتهى بانتشار الاحتجاجات في البلاد، وأصبح الإسلاميون وقادتهم وأهدافهم السياسية هم الفائزون في الاحتجاجات. من تلك النقطة، دعم آية الله الخميني أهم شخصية في الثورة، بلاده من فرنسا، وأعاد تشكيل إيران كجمهورية إسلامية.

تغيّرت أشياء كثيرة منذ الأيام الأولى للثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، من الناحيتين الاجتماعية والسياسية. سيطرت الأعمدة الإسلامية على كل مجالات الدولة من القانون إلى الإجراءات الأمنية، وشملت السياسة الخارجية. ، أصبح تصدير الثورة منذ عدّة سنوات، أيديولوجيا في الأجندة الإيرانية وحجر زاوية في السياسة الخارجية الإيرانية. تسبّبت هذه الفكرة في حرب 8 سنوات بين إيران والعراق، والتي يمكن قبولها كنقطة انطلاق لعلاقات قوية بين إيران وسوريا لفهم سياسات إيران الحالية تجاه نظام الأسد. كما أن سوريا هي الدولة الأولى المعترَف بها بإيران بعد الثورة، كما ساهمت في علاقات ودّية بين هاتين الدولتين.

إلى جانب سياسة تصدير الثورة، هناك ثلاث ركائز مهمّة تشكِّل السياسة الخارجية الإيرانية، السيادة والنفوذ وتوازن القوى. على إيران وفقاً للمادة التاسعة من الدستور الإيراني، حماية سيادتها من الدول الأخرى. من خلال هذا العمود، تبدو معظم السياسة الإيرانية أكثر حرّية من معظم الدول. دعم نظام الأسد البرنامج النووي، رغم إجراءاته المدمّرة ضد المدنيين، كما دعم الحرب ضد العراق. ثانياً، يُعد التأثير على المنطقة أحد الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية، وهو مصدر حقيقي للخوف من إيران الذي تشعر به الدول الأخرى. والثالث، في كل جانب من جوانب السياسة الخارجية الإيرانية يحمل هدفاً متوازناً في الشرق الأوسط، وأحياناً التوازن مع الدول العربية الكبرى، وأحياناً مع تركيا، ولكن بشكلٍ خاص مع إسرائيل، كعدو مشترك وطبيعي لبقية دول الشرق الأوسط.

مدى التدخُّل الإيراني في سوريا

بسبب العوامل الرئيسية التي حسبناها هنا أعلاه، قضايا السياسة الخارجية الإيرانية، التقارُب التاريخي بين هذين النظامين والمصالح الإستراتيجية للحكومة الإيرانية مثل تمكين حزب الله اللبناني عبر سوريا، تتخذ إيران إجراءات مكثفة ومكلفة لجعل الإطاحة بنظام الأسد أمراً مستحيلاً.

في بداية الأزمة في سوريا، صرّح مسؤولون إيرانيون أنّ جماعات المعارضة متطرّفة وأنّ كل ما يحدث في سوريا طلب من قوى أجنبية. إلى جانب هذه التصريحات، كانت إيران تلعب دوراً سلمياً نسبياً، ودعت الأطراف إلى التنازل للوصول إلى الإصلاحات (Bakeer 2012). استمرّت كلاً من هذه المواقف والتعليقات حول الصراع السوري حتى عام 2012. مع عام 2012، وسّعت إيران دعمها لسوريا من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، بينما وسّعت الحكومة السورية تدابير مكافحة المعارضة.

في حين انخرطت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وتركيا في صراع إلى جانب جماعات المعارضة، اعتبرت إيران تدخُّلها شرعياً وبطريقة أكثر تصميماً من أجل تحقيق التوازن بين هذه الدول، باعتباره استمراراً لركيزة السيادة في السياسة الخارجية الإيرانية. أعلنت إيران بإصرار في كل من مؤتمر جنيف واجتماع خامنئي – أردوغان، دعمها للحكومة السورية، واستمرّت في اعتبار إجراءات الدول الأخرى غير شرعية وتدخُّل في السياسة الداخلية والهدف المعلَن للدول الأخرى هو كسر خط المقاومة، والتي تكوّنت من إيران وسوريا وجماعات المقاومة الإسلامية الفلسطينية.

يمكن تصنيف دعم إيران لإدارة الأسد تحت ثلاثة عناوين: سياسية وعسكرية واقتصادية.

الدعم السياسي، الحكومة الإيرانية تُظهر نظم بشار الأسد لجعل سوريا رئيساً شرعياً وتعتقد أن الأزمة السورية تقوم على تدخلات الأجانب، وتوصف المعارضين للنظام كما النظام، بالإرهابيين. (Sinkaya, 2015) تزوّد إيران نظام الأسد بالقوّة العسكرية، وبالأساس القوّة الجوية. الخوف الرئيسي لكلا الجانبين هو قطع مسار الاتصال الجوي لهذه الدول، من خلال إعلان هذا المسار كمنطقة حظر طيران. فبدون اتصال جوي، ستنخفض حصّة إيران من دعمها لسوريا بشكلٍ كبير. ثمّة تدخُّل عسكري آخر لإيران في سوريا هو ميليشيات الشبيحة، التي تستخدم لحماية الأسد الذي سقط جزئياً، لكنها تعمل بشكلٍ أساسي لإخفاء المجال العلوي للأسد في بعض المحافظات السورية. تجعل هذه الجماعة إيران أكثر قدرة على العمل بشكلٍ أكثر استقلالية من الحكومة السورية في سوريا. السبب الاستراتيجي الرئيسي لتدخل إيران في سوريا، أصبح حزب الله قوة مهمّة لحماية نظام الأسد، كمجموعة أكثر تدريباً بين قوات النظام. ((Fulton& Wyer, 2013)

تستخدم إيران مجموعات مسلحة أخرى على غرار حزب الله، وتتكوّن من جنسيات ودول مختلفة. وإحدى هذه الجماعات هو لواء أبو الفضل العباس الجماعة الشيعة العراقية المسلحة. لم تتكوّن هذه المجموعة من مواطنين عراقيين فحسب، بل تضم أيضاً ميليشيات شيعية أخرى من إيران وسوريا ولبنان. أدّى انخراط هذه المجموعة كقوّة داعمة للنظام، إلى جعل الصراع أكثر طائفية وعرضة للشيعة. كما أنّ لواء فاطميّون هو أحد المجموعات المكوَّنة من رعايا مختلفين، وشُكِّلت هذه المجموعة من قِبل الحكومة الإيرانية نفسها، والميليشيات هي في الأساس مهاجرون من أفغانستان إلى إيران، والدافع الرئيسي لهؤلاء الجنود هو أنّ الحكومة الإيرانية وعدت بمنح الجنسية لأسَر الذين ماتوا في ساحة المعركة السورية. تُقدّم إيران أيضاً دعماً مهماً آخر لقوات نظام الأسد، حيث تعمل البعثة الاستشارية والدعم الاستخباراتي والاقتصادي من خلال القوّات الخاصّة التي شكلتها إيران أو المؤسّسات الرسمية الإيرانية مباشرة.

استنتاج

إيران وسوريا حليفان أقوياء تاريخياً، ونظام الأسد يأخذ النتائج الإيجابية لكل دعم فردي قدّمه لإيران في الماضي. كما تقدّم إيران لنفسها مكاسب استراتيجية عندما تحمي صديقاً قديماً. كان التدخُّل في سوريا مكلفاً، وتسبّب في انتقادات داخلية وإدانة دولية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن الوضع الحالي للحرب الأهلية السورية يُظهر أنه من المرجّح ألا يتم قلب نظام الأسد، لذلك ستكون إيران واحدة من الفائزين القلائل في الصراع.

 
1. Abbas Borumandaalam “Cemee-ye Eleviyan-e Suriya: Ez Peydayeş Ta Karne Bistom”, Tahran, Emirkebir Press, 2012
2. Hamid Ebrahimi, “Syrian Problem as a Domestic Issue of Iran”, Matsa press, 2018
Ali Hussein Bakeer, “Analysis of Iranian attitude towards Syria,” USAK Analysis, February 20, 2012
3. Maedh Ayed Al-Lihaibi, “An Analysis of the Iran-Iraq War; Military Strategy and Political Objectives”, USA, 1989
4. Will Fulton& Joseph Holliday& Sam Wyer,”Iranian Strategy in Syria”, may 2013
5. Bayram Sinkaya, “Iranian Position Towards the Syrian Crisis and the Basis of Damascus-Tehran Alliance”, 2015
6. Bayram Sinkaya, “Iran’s Strategy towards Syria”, 2017
7. Furkan Halit Yolcu, “Iran’s Involvement with Syrian Civil War; Backgrounds, Reasons, Alternatives”, 2016
8. Thomas Juneu, “ Iran’s Costly Intervention in Syria; A Pyrrhic Victory” 2018
9. Payam Mohseni, Hassan Ahmadian, “What Iran Really Wants in Syria”, 2018
 
قائمة بالمراجع المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa