الرئيسيمقالات

تداعيات إحياء الاتفاق النووي الإيراني في سوريا

تداعيات إحياء الاتفاق النووي الإيراني في سوريا

يبدو أن التوصل لاتفاق بشأن برنامج إيران النووي غدا أقرب الآن مما كان عليه في الفترة القصيرة الماضية، لكن النتيجة ما زالت غير مؤكدة لوجود بعض نقاط الخلاف. وكان الاتحاد الأوربي قد قدم مقترحات سعى من خلالها إلى تحديث الاتفاق النووي المبرم عام 2015 في أعقاب محادثات غير مباشرة بين الولايات المتحدة وطهران استمرت 16 شهراً.

وفي حال تم التوقيع على الاتفاق، بحسب المقترحات، فإن من شأن ذلك أن يؤدي إلى رفع العقوبات عن 17 بنكا و150 مؤسسة اقتصادية إيرانية، في مقابل أن تبدأ إيران من اليوم الأول لتنفيذ الاتفاق بالتراجع التدريجي عن خطواتها النووية، كما سيتزامن ذلك مع الإفراج عن 7 مليارات دولار من أموال إيران المجمدة في كوريا الجنوبية. فضلاً عن ذلك يتضمن الاتفاق المقترح تصدير طهران 2.5 مليون برميل نفط يوميا، بعد 120 يوماً من التوقيع. كما ينصّ  المقترح الأوربي على دفع واشنطن غرامة مالية في حال انسحبت مجدداً من الاتفاق النووي.

ثمة تفاؤل طفى على السطح، من ذلك ما عبّر عنه مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، يوم الاثنين 22 آب/أغسطس الجاري، حيث اعتبر أن رد إيران على الاقتراح الذي قدمه الاتحاد في الآونة الأخيرة بشأن اتفاق نووي مع الولايات المتحدة “معقول” (1). بيد أن الجانب الإيراني بدا حذراً تجاه الإفراط في التفاؤل، فقد صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني الاثنين15 آب/أغسطس أن : “الأمريكيون يماطلون وهناك تقاعس من الجانب الأوروبي. أمريكا وأوروبا بحاجة إلى اتفاق أكثر من (حاجة) إيران”(2). غير أن كنعاني عاد للقول لاحقاً، في مقابلة مع وكالة “إرنا” الإيرانية الرسمية يوم الأحد الماضي، أن مسار المفاوضات النووية “إيجابي ويمضي إلى الأمام”، قائلاً إن “المواضيع المتصلة بالاتفاق النووي قد جرى حلها بين الطرفين” الإيراني والأميركي(3).

وفيما كان التفاؤل يخيّم على أجواء الأفرقاء في الاتفاق النووي،  قصف الجيش الأمريكي يوم 24 أغسطس/آب “منشآت وبنى تحتية” في شرق سوريا، ذات صلة بـ”الحرس الثوري” الإيراني، وفق ما أعلن متحدث عسكري أمريكي (4)، بالتالي فإن الأوضاع على المسرح السوري بدت مفصولة عن طبيعة المفاوضات النووية، وأن التواجد الإيراني على الأراضي السورية ليست له علاقة بما يجري في فيينا، ذلك أن الولايات المتحدة ما تزال تدعم التوجّه الرامي إلى تقليص النفوذ الإيراني في سوريا، كما أنها تدعم المنطق الإسرائيلي القائم على استهداف القوات والمليشيات والمنشآت ومكامن الذخيرة الإيرانية في سوريا، وخاصة محاولات تل أبيب إبعاد الإيرانيين قدر المستطاع عن المنطقة الجنوبية- الحدودية.

وبالتضاد مع الموقف الأمريكي تخوض إسرائيل حملة مكثفة لثني الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة عن إعادة إحياء اتفاق 2015 حول البرنامج النووي الإيراني، والخشية الإسرائيلية في هذه الأثناء عبّر عنها رئيس الوزراء يائير لابيد، إذ قال للصحفيين تعليقاً على الاتفاق: “على الطاولة الآن صفقة سيئة، ستمنح إيران 100 مليار دولار سنويا”. وأضاف أن هذه الأموال ستستخدمها فصائل مسلحة مثل حركة حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي “لتقويض الاستقرار في الشرق الأوسط ونشر الرعب في جميع أنحاء العالم”(5). ويعكس هذا التشدد الإسرائيلي مخاوف استفادة طهران من العوائد المالية التي ستسمح لها بالتمدد أكثر داخل المنطقة، بما في ذلك سوريا.

ظاهرياً، يبدو أن هناك فصل مسارات بين الملف النووي وتمدّد إيران في المنطقة. الولايات المتحدة تعارض من خلال تركيز ضرباتها الأخيرة على مناطق التواجد الإيراني شمالاً، تحديداً في محافظة دير الزور الحدودية مع العراق، فيما تركّز إسرائيل على توجيه الضربات في بقية مناطق انتشار قوات الحرس الثوري وفيلق القدس والمليشيات الشيعية، الأمر الذي يمكن أن يعكس شكلاً من أشكال التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب.

ستسمح العوائد المالية لطهران في تدعيم وجودها داخل سوريا، وقد يتجاوز ذلك التعاون العسكري والأمني والاقتصادي، إلى مرحلة التحكم بمعظم مفاصل الدولة السورية مستفيدة من حاجة دمشق للأموال والمساعدات، وهو ما قد يدفع الثنائي الأمريكي الإسرائيلي إلى تشديد المراقبة على تحرّكات طهران داخل سوريا، والإصرار على التعاون بينهما  لاستهداف أنشطتها العسكرية، ولعل واشنطن بحاجة إلى إثبات جدّيتها ومساعدتها لتل أبيب، التي لم ترضها نتائج الاتفاق النووي، عبر تعميق الضربات وتكثيفها للقوات الإيرانية والمليشيات التابعة لها، وهو ما قد يجعل من سوريا أرض مواجهة مفتوحة بعد أن كانت طيلة السنوات السابقة أرض حرب غير معلنة بين طهران وواشنطن.

وإذا كانت إسرائيل تصرّ على اعتبار الاتفاق النووي “كارثة استراتيجية” فإنها لن تعدم الوسيلة للتوصّل إلى اتفاقات أمنية مع الولايات المتحدة تبدّد من مخاوفها المتنامية، في الوقت الذي تزداد فيه أدوار طهران في سوريا خاصة بعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد الأخيرة إلى طهران مطلع شهر أيار/مايو الماضي، وإعلانه أن “إيران جزء من العقيدة السياسية للنظام السوري”، وهو ما يعني توحيد المسارين السوري الإيراني في مواجهة واشنطن في سوريا وكذا مضايقة تل أبيب وإرباكها.

في مطلق الأحوال، ينبغي التمييز بين نجاح الاتفاق النووي، الذي يبدو وشيكاً، وبين رفض واشنطن لتنامي دور طهران في سوريا، وهو ما يعني أننا قد نكون أمام معضلة مفادها، أن إيران ستتحصّل على الأموال اللازمة للبقاء في سوريا وتطوير حضورها العسكري والأمني، فيما سيكون على واشنطن ضمان أمن إسرائيل، في حين أن المفارقة ستتمثّل في أن لاتنجرف طهران وواشنطن إلى ما قد يؤدي إلى التراجع عما تحقق في مستوى الملف النووي.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المقال
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa