أمنية وعسكريةالرئيسيتقدير موقف

أسباب سحب منظومة “إس-300” من سوريا إلى البحر الأسود

خلال الأيام القليلة الماضية تناقلت وسائل الإعلام خبر سحب  الجيش الروسي لمنظومة “إس- 300” للدفاع الجوي من مرتفعات مطلة على الساحل السوري. وكانت روسيا  قد جلبت 24 بطارية “إس- 300” إلى سوريا، فيما ليس معروفاً  عدد البطاريات التي أُرجِعَت إلى روسيا.

ويبدو أن ظروف تنصيب المنظومة الصاروخية الروسية/البطاريات في سوريا، بعد أن وصفت ب”الهدية”، بقيت على حالها، ثم إن مسألة الجدوى العملية من بقاء تلك المنظومة المتقدمة، كانت من أسئلة المطروحة على الدوام، فهي كانت أقرب للمنظومة الدفاعية المجمّدة منذ تنصيبها في تشرين الأول/أكتوبر 2018. ومع إسترجاع موسكو بعضاً من تلك المنظومة ذهبت الترجيحات إلى اعتبار مسألة “الاسترجاع” جزءاً من رغبة الروس الاستفادة قدر المستطاع من إمكانيات هذه المنظومة في أوكرانيا مع اشتداد الصراع فيها.

ظروف تنصيب منظومة “إس-300”

في أكتوبر/ تشرين الأول 2018 أعلنت روسيا عن  تسليم منظومة الدفاع الجوي “إس-300” إلى سوريا، وقد جاء التسليم عقب مرور أسبوعين على إسقاط طائرة عسكرية روسية قبالة سواحل سوريا(1). وقد بلغ عدد المنصات التي سلمتها موسكو  إلى دمشق  4 منصات لإطلاق الصواريخ، فيما تداولت معلومات عن أن عدد البطاريات بلغ 24 بطارية

وكانت المنظومة الدفاعية بمثابة هدية إلى الرئيس السوري، بشار الأسد،  بغية تحديث نظام الدفاع الجوي السوري “القديم والخطير أحياناً”. ولم تضعها روسيا في قاعدتها الجوية جنوب اللاذقية، أو قاعدتها البحرية في طرطوس اللتين لا تزالان محميتين بأنظمة دفاعية جوية متقدمة، بل نشرتها في الداخل السوري لحماية أهداف سورية حيوية. وفي حين وصفت روسيا البطارية بأنها باتت نظاماً عسكرياً سورياً، لم تسلم مقاليدها إلى النظام الحليف ولم تنقل هذه السيطرة إلى الجانب السوري(2).

 ولعل الأسباب المباشرة لنشرها جاء بعد إعلان وزارة الدفاع الروسية أن التحقيقات بشأن فقدان طائرة إيل 20 العسكرية فوق مياه البحر المتوسط، أثبتت أن الطائرة أسقطت بصاروخ دفاع جوي سوري عن طريق الخطأ، قبالة قاعدة حميميم الجوية، وقتل كل من كان على متنها، وهم 15 عسكرياً روسياً(3). وقتذاك نفت إسرائيل على الفور مسؤوليتها عن الأمر، واعترضت على تسليم المنظومة الدفاعية الروسية إلى دمشق، وقالت إن تقديمها إلى “لاعبين غير مسؤولين” من شأنه أن يجعل المنطقة المضطربة أكثر خطورة(4). وكانت روسيا قد علقت تسليم منظومة الدفاع الجوي المتطورة إلى سوريا في عام 2013، بناء على طلب من إسرائيل، إلى أن بدّلت موسكو رأيها في أكتوبر 2018.

جدوى بقاء المنظومة الدفاعية الروسية

في يوليو 2022 كشف وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس، عن إطلاق بطارية صواريخ من طراز “إس-300” النار على طائرات سلاح الجو الإسرائيلي في سوريا في مايو الماضي. وذكر غانتس، خلال مقابلة تلفزيونية، أن إطلاق الصاروخ حدث مرة واحدة، مضيفاً “عندما أُطلق الصاروخ، كانت الطائرات الإسرائيلية تبتعد بالفعل عن المنطقة”(5). وقد كانت تلك الحالة الوحيدة التي صرّحت فيها تل أبيب عن استعمال المنظومة الدفاعية الروسية ضد مقاتلاتها، وهو ما فتح سؤال جدوى وجود هذه المنظومة شبه المعطّلة، والتي بدا وجودها أقرب لاستعراض القوة وامتلاك ورقة ضغط روسية إضافية في مواجهة كل الأطراف المتدخّلة في سوريا.

بمعنى آخر، لم يكن هناك جدوى فعلية للإبقاء على منظومة  “إس-300″، إذ أنه لم يسبق لها أن حقّقت وظيفتها في حماية السماء السورية خاصة في مواجهة الطيران الإسرائيلي، فروسيا تغض الطرف عن الهجمات التي تشنها إسرائيل، وهي بذلك تشجّع من الناحية التكتيكية الحملات ضد إيران. ومثل إسرائيل، تريد روسيا أيضا رؤية القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية وحزب الله يغادرون سوريا(6). ففي وقت سابق برز تساؤل في تقرير لصحيفة هاآرتس الإسرائيلية عن سر عدم استخدام سوريا منظومة  “إس-300” الروسية المتطورة، على الرغم من الغارات الجوية الموسعة المنسوبة لإسرائيل داخل الأرضي السورية، وليخرج التقرير إلى ثلاثة أسباب لعدم استعمال هذه المنظومة؛ أولها أن  “آليات تشغيل أنظمة إس-300 تقع تحت السيطرة الكاملة للمستشارين والمشغلين الروس”. والسبب الثاني هو أن “المستشارين الروس لا يسمحون لجيش بشار الأسد بإطلاق الصواريخ. وهذا دليل إضافي على اللعبة المزدوجة التي يلعبها الكرملين منذ عام 2015، عندما نشر آلاف القوات الروسية والمقاتلات والسفن الحربية، فضلا عن أنظمة “إس-400″ الأكثر تقدماً، في محاولة لإنقاذ نظام الأسد”. أما السبب الثالث فيتمثّل في خوف روسيا من ألا تظهر تلك الأنظمة نجاحا يوازي فخر الرئيس بوتن بالصناعات الدفاعية في بلاده، وعجزا أمام التفوق التكنولوجي والتشغيلي لإسرائيل والغرب عموماً(7).

ومباشرة أراح إرجاع المنظومة الإسرائيلية الطيران الاسرائيلية، قالت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، اليوم الأحد، إن إسرائيل هاجمت الخميس الماضي “مجمع البحوث العلمية” السوري في مدينة مصياف، شمال غربيّ سورية، بعدما نقلت روسيا بطارية منظومة الدفاع الجوي “إس – 300” التي كانت تستخدم في تأمينه إلى أراضيها لمواجهة تبعات تواصل حربها ضد أوكرانيا(8).

لكن الجدوى الوحيدة لمنظومة “إس – 300”  أنها مثّلت تهديداً جدياً خطيراً على هامش المناورة الذي يتمتع به سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، رغم أن الروس لم يستخدموها حتى الآن في التصدي للطائرات جيش الاحتلال(9).

وثمة ما يبعث على القلق لدى المسؤولين الإسرائيليين من  أن روسيا يمكن أن تسمح لإيران بنصب منظومات دفاع جوي خاصة بها ذات قدرات وإمكانات تشبه تلك الخاصة بـ “إس – 300” يطلق عليها “باور 373″(10). وهو ما يجعل من بقاء المنظومة الروسية، المضمونة لجهة عدم اعتراضها على الطيران الإسرائيلي، أفضل من المنظومة الإيرانية التي يحتمل أن تكون بديلاً عنها.

أسباب سحب المنظومة

يوم الجمعة الفائت أعلنت شركة الاستخبارات الفضائية الإسرائيلية “إيمدج سات إنترناشيونال”، أن روسيا شحنت منظومة دفاع جوي متطورة كانت مخصصة لحماية قواعدها في سوريا، إلى روسيا، انطلاقاً من ميناء طرطوس البحري وقاعدة حميميم، من أجل تعزيز قدرات قوات الدفاع الجوي للجيش الروسي في إطار حربه التي يخوضها ضد الجيش الأوكراني(11). الجيش الروسي نقل الرادار الخاص بالمنظومة إلى مطار حميميم بريف اللاذقية، في الوقت الذي جرى فيه تحميل البطارية على متن سفينة روسية راسية في ميناء طرطوس، ووجهتها إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي، على البحر الأسود(12). أما الموقع الإخباري “ذا درايف” رجّح نشرها في القرم الأوكرانية التي ضمتها روسيا عام 2014 أو في روسيا قرب الحدود مع أوكرانيا. وأضاف أن الدفاعات الجوية الروسية تعاني إخفاقات في صد الهجمات الجوية الأوكرانية، ولا سيما تلك المنفذة بواسطة مسيرات. وثمة تقارير تفيد بأن مقاتلات “ميغ-29” الأوكرانية باتت تحمل صواريخ “أي جي أم-88” المقاومة للإشعاعات والقادرة على تعطيل الدفاعات الجوية الروسية وتدميرها. ويبدو أن روسيا تفشل في صد صواريخ “إم-31” الأوكرانية بنظام “إس-300” أو غيره، فهذه الصواريخ تتساقط بانتظام على مواقع روسية قريبة من مدينة خيرسون الأوكرانية، لكن يبدو أن الهجمات الأكثر إحراجاً لروسيا هي تلك التي تستخدم مسيرات يمكن شراؤها عبر الإنترنت وتستهدف عمق الأراضي التي تحتلها روسيا في أوكرانيا. فهناك يعزز الجيش الروسي مواقعه بدفاعات جوية(13).

ويرجح أن استقدام البطارية التي كانت في سوريا ينم عن نقص في العتاد المماثل لدى الجيش الروسي وتحول الأولوية العسكرية لدى موسكو من الدفاع عن حليفها السوري إلى محاولة معالجة شوائب الوضع العسكري الروسي المضعضع في غزوها لأوكرانيا(14). ولعل هذه المعالجة التقنية لقضية سحب المنظومة الروسية تبدو شديدة الارتباط بما يدور على المستوى العسكري في أوكرانيا، وينزع عن قصة السحب أي معانٍ سياسية أخرى، خاصة تلك التي تتحدّث عن تغيّرات في عقيدة موسكو العسكرية في سوريا.

خاتمة

تبدو الأسباب المنطقية في إسترجاع منظومة “إس-300” من إحدى المرتفعات الساحلية السورية، مرتبطة بالحرب الروسية الدائرة في أوكرانيا، خاصة وأن تلك المنظومة كانت شبه معطّلة، وأنها كانت فقط لحجب الأنظمة الدفاعية الجوية السورية القديمة، من أن ترتكب أخطاء من قبيل خطأ إسقاط طائرة روسية قبل تنصيب منظومة “إس-300″، وإذا كانت إسرائيل تستفيد من حالة بقاء تلك المنظومة بيد القوات الروسية، الأمر الذي سمح لها بالحفاظ على هامش التدخل والمناورة في السماء السورية دون أن تتمكّن دفاعات الجيش السوري من ردعها، فيما يكمن قلق تل أبيب من أن تحل بطاريات إيرانية محل الروسية، الأمر الذي سيدفع نحو مزيد من التصعيد.

 رغم سحب روسيا منظومتها من منطقة محددة على الساحل السوري، وعدم سحبها كامل بطارياتها المتبقية، فمن المحتمل أن لا تفسح موسكو المجال لطهران من أن تحلّ محلّها في التحكم بالسماء السورية، لكي لا تُسحب من يدها هذه الورقة المؤثّرة في مجرى الصراع السوري.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
(13)
(14)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa