أمنية وعسكريةالإرهاب و التطرفالرئيسيتقدير موقفسياسات دولية

مُضي تركيا ببناء المجمعات السكنية “المستوطنات” في عفرين

تثير مسألة بناء المجمعات السكنية في عفرين غضب شريحة كردية سورية واسعة ترى في الأمر مقدّمة لتغيير ديمغرافي يستهدف الوجود الكردي في المنطقة الحدودية المحاذية لتركيا، وتشير المعطيات مع إنشاء مستوطنة جديدة بالقرب من قرية كفر صفرة، التابعة لناحية جنديرس، بريف عفرين شمال غربي حلب، وبدعم من مؤسسة “خيرية فلسطينية”.

وما يزيد مخاوف السكان الأصليين في عفرين ما تعهدت به تركيا رسمياً، فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 3 أيار/ مايو الماضي، عن خطة من ثماني مراحل، تتيح العودة الطوعية لمليون لاجئ سوري.و، تستهدف تركيا بناء 250 ألف منزل مبني من “الطوب”، كما جاء على لسان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في 5 أيار/ مايو، منها 100 ألف منزل في محافظة إدلب، سيتم تسليمها لمستحقيها نهاية العام الحالي.

وتساند تركيا في هذا المنحى العديد من “الجمعيات الخيرية” خاصة تلك الفلسطينية والكويتية والقطرية وأخرى تتبع لجماعة الإخوان المسلمين.

الأهداف من بناء المستوطنات في عفرين

تم التشكيك في شرعية جهود البناء التي تقودها تركيا في شمال سوريا على مستويين: ما إذا كانت تمتثل لقوانين الملكية السورية، وللقانون الدولي الذي يحكم التزامات القوة المحتلة (في هذه الحالة تركيا) داخل الأراضي الواقعة تحت سيطرتها، ذلك أن معظم ما تم تشييده من مجمعات سكنية “مستوطنات” جرى على أراضي سُلبت من مالكيها الأصليين أو تم الحصول عليها بالإكراه.

وفي بعض أجزاء شمال غرب سوريا ، يشعر المراقبون بالقلق من أن استراتيجية النقل الجماعي التركية ستغيّر بشكل خطير التوازن الديموغرافي في المنطقة وتزيد من تجريد المجتمعات الكردية والإيزيدية التي تعرضت بالفعل للنهب “المنهجي” ومصادرة الممتلكات من قبل الفصائل المدعومة من تركيا(2). وهو ما قد يساهم في حصول تغيير ديمغرافي لاحق.

كما أن أكبر المستوطنات البشرية التي خُصصت في معظمها لإسكان مقاتلي الجيش الوطني السوري/المعارض وعائلاتهم في منطقة عفرين التي شكّل الكرد السوريون النسبة الأعظم من عدد سكانها تاريخياً(3). إذ ترى منظمة حقوقية سورية في المنظمات أنها تجاوزت تقديم “الخدمات العامّة” لعائلات المقاتلين، إلى بناء قرى بأكملها، وذلك لإضفاء صبغة مدنية على المشروع المخصص أساساً لإسكان المقاتلين وعوائلهم؛ منها قرية “كويت الرحمة” التي بُنيت بدعم من “جمعية الرحمة العالمية” ومتبرعين من دولة الكويت، وذلك بحسب “جمعية شام الخير الإنسانية” التي نفّذت مشروع المستوطنة(4).

وفيما خص الأهداف من بناء المستوطنات، ترى الادارة الذاتية في بنائها “أنه استكمال لمخططات تركيا في المضي قدماً بمشروع التغيير الديمغرافي في مناطق الشمال السوري”(5). فمخططات تركيا هي مخططات لتغيير ديموغرافية الجغرافية السورية، وتعمل على ارتكاب الانتهاكات بحق الأكراد وباقي مكونات المنطقة، والمخطط التركي الأساسي هو طمس الحقوق والهوية الكردية في عفرين. وقد وسعت تركيا مخططاتها تلك باحتلالها لرأس العين، فهدف تركيا الأساسي هو إنهاء وجود المكون الكردي في المنطقة والقضاء على الوجود الكردي في تلك المناطق(6)، وتستهدف تركيا، حسب المراقبين والمؤسسات الحقوقية، من توطين معظم اللاجئين السوريين العرب الموالين لها في المناطق الحدودية في سوريا. وتتمثل خطة تركيا في سوريا حول إنشاء حزام من المستوطنات على طول الحدود التي كان يعيش فيها الكرد والأقليات الأخرى، وتحويلها إلى سلسلة من الوحدات السكنية المؤيدة لتركيا، من جهة ستكون معزولة عن تركيا، ومن جهة أخرى ستساعد في تعزيز ولاء اللاجئين السوريين لتركيا، وهو مخطط كشف عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، متذرعاً بأنّ هذه المناطق صحراوية لا تلائم معيشة الكرد وأنّها مناسبة لتوطين العرب فيها(7).

المستوطنات في تزايد  مستمر

قامت تركيا ببناء أكثر من 18 مستوطنة في منطقة عفرين بدعم جمعيات قطرية وكويتية وفلسطينية تتبع لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، وأشهر تلك المستوطنات هي: قرية بسمة في منطقة شاديرة بناحية شيراوة، مستوطنة جبل قاذقلي في حج حسنا، مستوطنة بافلون على جبل برصا، مستوطنة آفراز في قرية آفرازة(8).فيما تشير أرقام أخرى إلى ما مجموعه ” 46 مستوطنة في عفرين” على حساب المناطق الحراجية، بعد اقتلاع الأراضي والاستيلاء على أملاك السكان الأصليين(9)،   حيث أن آخر تلك المجمعات السكنية بنيت بالقرب من قرية كفر صفرة، التابعة لناحية جنديرس، بريف عفرين شمال غربي حلب. فقد أنهت مؤسسة فلسطينية من عرب الـ48، تدعى”وفاء المحسنين الخيرية” خلال الأيام القليلة الماضية، المرحلة الأولى من بناء “مجمعات سكنية” لإيواء النازحين على أراضي عفرين التي تم تهجير سكانها إبان عملية “غصن الزيتون” التي نفذتها تركيا والفصائل الموالية لها. فإن الجمعية الفلسطينية سلمت 34 وحدة سكنية للنازحين، من سوريين وفلسطينيين، فور بعد الانتهاء من المرحلة الأولى. وتضم المنشآت السكنية 250 منزل مع بنى تحتية كاملة، ومدرسة ومسجد ومحلات تجارية(10). وترمي تركيا إلى بناء 250 ألف منزل مبني من “الطوب”، كما جاء على لسان وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في 5 أيار/ مايو.

أما المنظمات تولّت مهمّة بناء بعض المستوطنات فتشمل منظمة “أوزغور دير” التي تتخذ من تركيا مقراً لها ، وجمعية فتية، وإحسان للإغاثة والتنمية ، ومؤسسة IHH  للإغاثة الإنسانية(11)، وسواها من منظمات منفّذة، فيما تولّى مهمة التمويل منظمات “خيرية” فلسطينية وقطرية وكويتية وأخرى تتبع لتنظيم الإخوان المسلمين العالمي، في أغلب ما تم تنفيذه من أعمال.

 خاتمة

مع كل عملية بناء مستوطنات جديدة في عفرين، تتعالى الأصوات المنددة بهذه العمليات التي يرى فيها السكان تهديداً لوجودهم وإحلالاً لمستوطنين من مناطق سورية أخرى مكانهم بما يخدم السياسة التركية. ورغم تعارض هذه الخطوات مع القوانين السورية فيما خص الملكية ونزعها، وما قد يتسبب به ذلك من تغيير للتركيبة السكانية وتغيير ديمغرافي؛ فإن أعمال بناء المستوطنات جارٍ على قدم وساق، وهو ما ينذر بتفاقم مشكلة إثنية لاحقة بين السكان الأصليين ومالكي العقارات المغصوبة وبين من تمّ إسكانهم، وتذهب تقديرات حقوقية إلى أن ما يتم في عفرين يشبه ما جرى في لواء إسكندرون(12) الذي ألحق بتركيا عام 1939.

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)
(9)
(10)
(11)
(12)
قائمة بالمصادر المستخدمة في المادة
زر الذهاب إلى الأعلى
eskişehir eskort - eskort eskişehir - mersin eskort - eskort izmir - eskort bursa