بروتوكولمختارات

مدن التطرف الإسلامي في بلاد الشام

السياق التاريخي

الكاتب : معاذ حسن

تقديم:

كثيرا ما يشار إلى بعض المدن وريفها في بلاد الشام, خصوصا تلك التي تقع على خط جغرافي مواز للشريط الساحلي السوري والممتد من شمال غرب سوريا حتى الجنوب وصولا إلى طرابلس مرورا بحلب وريفها, وأدلب وريفها, وحماة وريفها, وحمص وريفها. على أنها متزمتة ومتطرفة في طريقة تدينها الإسلامي وطقوس العبادة, مع ما يلاءم ذلك من نمط الحياة الاجتماعية الخاصة والعامة وأسلوب التربية في البيت, لدرجة أنها صارت خزانا يرفد باستمرار ومنذ عقود, الكثير من الحركات الجهادية الإسلامية المتطرفة في المنطقة.

قد تتفق الملاحظة السريعة الغير فاحصة تاريخيا وموضوعيا مع هذه الأحكام التي تبدو عند البعض قطعية ونهائية غير قابلة للأخذ والرد ولا تأخذ بالفهم التاريخي لأسباب ذلك, ولا بحالات التبدل والتغير التي تحصل في هذه المدن وأريافها في فترات الاستقرار المجتمعي عندما تظهر فيها شخصيات وأفكار واتجاهات وأحزاب غاية في التحرر والانفتاح بمواجهة سطوة التزمت والتطرف والانغلاق الديني. لأن التزمت والتطرف بكل أنواعه ومستوياته يظهر وينتشر أكثر ما يظهر أثناء الحروب والاضطرابات المجتمعية الكبيرة والمخيفة عندما لا تجد الروح المضطربة والتائهة ملاذا تحتمي فيه غير انتماءاتها القبلية الأولى, أو تقيتها الدينية التي تتمسك بها وبنصوصها الأولى بدون أيه محاكمة جديدة  .

 لذلك يبدو أن هذه الأحكام صارت كلية قطعية جاهزة عند الكثيرين فتسبق أي حوار مفترض لفهم أسباب ذلك, كمن يضع العربة أمام الحصان.

وهذا ما سأحاول مناقشته من خلال إضاءة تاريخية سريعة تبين أسباب هذا التزمت والتطرف المسيطر ربما على قطاع واسع من أبناء هذه المدن وأريافها, والذي له شرطه التاريخي الخاص وليس ناتج أحادي السبب من جوهر الدين نفسه كما يرى ويؤكد البعض.

إضاءة تاريخية موجزة:

فبلاد الشام عموما, التي تشمل اليوم  سوريا ولبنان والأردن وفلسطين, تشكل منطقة جيوسياسية هامة منذ عمق التاريخ القديم, كملتقى للحضارات حيث مرت عليها هجرات وغزوات وممالك وإمبراطوريات عديدة  أغلبها كان يتحارب من أجل السيطرة عليها. بعضها كان يأتي من البحر غربا, والبعض الأخر من بادية الصحراء الشمالية الشرقية المتاخمة, وبعضها من آسيا وبلاد فارس أو من الشمال البيزنطي آنذاك. فترك كل ذلك أثره الكبير ديمغرافيا وثقافيا بتعدد عرقي ثقافي غني ومتنوع حتى لحظة الفتح الإسلامي لها منذ القرن السادس الميلادي, الذي ترك هامشا متاحا لكل هذا التعدد, وأضاف عليه أيضا, بإدخال أقوام وشعوب أخرى دخلت الإسلام بعد انتشاره الواسع حتى أواسط آسيا, ليس إلى بنية المجتمع فحسب وإنما بشكل أكبر لاحقا إلى مفاصل حساسة في بنية الدولة العربية الإسلامية, لا سيما مع بداية عهد الضعف في العصر العباسي الذي بدأ كما يشير المؤرخون عام 1055م,  وهو ما اتفق اصطلاحا على تسميته بمرحلة “الشعوبية”. نسبة لتغلغل عناصر من أعراق وشعوب غير عربية, بنسبة كبيرة في المفاصل العليا ومراكز القرار في دولة الخلافة الإسلامية العباسية.
ما أود الإشارة إليه هنا هو أن بلاد الشام وفي القلب منها سوريا الحالية كانت دائما حتى بعد الفتح الإسلامي تتميز بتعددها الديني والعرقي القومي والثقافي التي دمجت ثقافيا في إطار الثقافة العربية الإسلامية طور التشكل آنذاك, مما فرض على شعوب هذه المنطقة نمطا من التعايش والألفة واحترام الثقافات والأعراق والعبادات المتعددة فيما بينها.  بالرغم من الحروب والمنازعات التي كانت تحدث بسبب تنافس الحكام والأمراء المحليين, وأغلبهم من أصل غير عربي, فيما بينهم, وبدرجة أساسية مع بدايات ضعف وتآكل وانهيار الدولة المركزية في بغداد. فالتطرف كان يظهر فقط أثناء تلك المنازعات وما ينتج عنها من حروب صغيرة واستمر الأمر هكذا حتى عام 1098م.

1098م هو العام الذي بدأت فيه حروب الإفرنج, كما سماها المؤرخون العرب والمسلمون, والتي جاءت تحت راية الصليب على المنطقة العربية الإسلامية, في لحظة ضعفها وتشتتها التاريخيين, وصولا إلى بيت المقدس في فلسطين بحجة حماية القبر المقدس من دنس المسلمين, علما أن كل الأماكن المسيحية المقدسة في القدس وبلاد الشام كانت مصانة ومحترمة ولا تتعرض لأي تهديد خطير عليها  أو أي تخريب, لأنه عدا عن النصوص الدينية الإسلامية المقدسة التي تدعو لاحترام ديانات أهل الكتاب, المسيحية واليهودية, واعتبار أتباعها بذمة الدولة الإسلامية في أوج انتصاراتها, فإن الجذر التاريخي لهذا الاحترام يعود أيضا إلى القصة التاريخية المعروفة للخليفة الراشدي الثاني (عمر بن الخطاب) عندما دخل القدس واستقبله مطران المدينة المقدسة ودعاه كي يصلي في الكنيسة فرفض دعوته قائلا له أخاف إن صليت فيها أن يحولها المسلمون من بعدي إلى مسجد’ لأنه يريدها أن تبقى كنيسة ومكان عبادة للمسيحيين في المدينة.

1098م إذا هو التاريخ الذي أحدث منعطفا تاريخيا قويا عندما أحدث جرحا نرجسيا فظيعا لم يندمل حتى اليوم في الشخصية الإسلامية, كما حكم علاقتها, وما يزال, بالغرب الأوروبي عموما حيث أحدث فجوة روحية ثقافية معنوية كبيرة لم تجسر بعد نهائيا بينها وبينه.

خط مسير الحروب الإفرنجية داخل سوريا إلى بيت المقدس:

بدأت جيوش الفرنج زحفها الأول قادمة من عمق أوروبا بعد تحضير بدأ عام 1095م بناء على دعوة وقرار من قبل بابا الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا آنذاك (أوربان الثاني), عن طريق البوسفور والقسطنطينية ومن ثم انحدرت باتجاه الجنوب باتجاه “نيقية” التي احتلتها عام 1097م ومن ثم “إنطاكية”  التي احتلتها عام 1098م  بعد معارك كر وفر عديدة بينها وبين جيوش المسلمين بقيادة أمراء وملوك سلاجقة أتراك آنذاك, حيث ارتكبت فيهما بعد هزيمة الجيوش الإسلامية مجازر وحشية كبيرة بحق السكان المدنيين المتبقين من كافة الطوائف إسلامية ومسيحية شرقية, كما يقول العديد من المؤرخين.

 وهو ما تسرده وتوثقه العديد من الروايات والمصادر التاريخية, ولعل ما يهمنا منها هنا هو الكتاب الهام “الحروب الصليبية كما رآها العرب” للكاتب والباحث اللبناني (أمين معلوف) الصادر عن دار الفارابي عام 1989م ترجمة  د. (عفيف دمشقية). الذي يعتمد على تلك المصادر بأمانة ودقة متناهية.

معرة النعمان: تتوسط بلدة معرة النعمان المسافة بين حلب 84كم وحماة 60كم لذلك كانت منذ العصور الكلاسيكية لسوريا بحكم موقعها هذا محطة للقوافل التجارية بين حماة وحلب وكذلك بين الساحل الغربي وسهول الغاب المتاخمين لها وبين دمشق.

يقول (أمين معلوف) عنها في كتابه المذكور ضمن فصل بعنوان “آكلة لحوم البشر في المعرة”:

“كان أهلها يعيشون حتى وصول الفرنجة عيشة راضية في حمى سورها الدائري, وكانت كرومهم وحقول زيتونهم وتينهم تؤمن لهم رخاء متواضعا … ومفخرة المعرة هي أنها موطن أحد أكبر وجوه الأدب العربي, (أبي العلاء المعري) المتوفي عام 1057م  ولقد جرؤ هذا الشاعر الضرير الحر التفكير على انتقاد عادات عصره من غير التفات إلى المحظورات. وكان لا بد من الشجاعة للقول:
اثنان أهل الأرض, ذو عقل بلا ….. دين وأخر ديّن لا عقل له.

ولسوف يهيمن بعد أربعين سنة من وفاته تعصب وافد من بعيد فيقرر على ما يبدو أن ابن المعرة كان على حق في عدم تدينه وتشاؤمه الأسطوري على السواء. فسوف تتحول مدينته بالفعل إلى ركام من الأطلال, وسيكون للارتياب الذي طالما عبر عنه حيال أبناء جلدته أشنع الصور” ص61 – 62.

فما الذي حدث في المعرة أثناء اجتياح جيوش الفرنجة لها؟.

أحاطت جيوش الفرنجة بالمعرة منذ نهاية شهر تشرين ثاني 1098م ولم يكن للمعرة قوت نظامية محاربة وإنما حامية بسيطة وصغيرة استبسلت كثيرا في الدفاع عن سور البلدة المحاصرة وعندما تمكن المحاربون الإفرنج من فتح ثغرة بالسور وسيطروا عليه, خافوا من دخول البلدة والاشتباك المباشر مع الأهالي المستبسلين داخل الأحياء, لذلك بعد التوسط بين وجهاء الأهالي وقادة الحملة الإفرنجية تم الاتفاق على استسلام الأهالي دون قتال وإلقاء السلاح مقابل تأمين السلامة لهم بعد دخول المحاربين إليها.
وعندما تم ذلك في فجر الثاني عشر من كانون الأول 1098م دخل المحاربون الفرنجة  المدينة وأعملوا السيف فورا فوقعت المذبحة التي كانت صورها واحدة من أبشع فظائع التاريخ. حيث ذهب ضحيتها 100 ألف من سكان المعرة حسب رواية (ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) كأحد مراجع أمين معلوف في كتابه, بينما (أمين معلوف) يرى مبالغة في الرقم الذي يقدره ب 10 ألاف فقط. .

 لكن ليس هنا تكمن الفظاعة وإنما في الكيفية التي تم فيها قتل هذا العدد الهائل والذي استمر لمدة ثلاثة أيام متواصلة.

 وهنا يرد (أمين معلوف) توثيقا للمؤرخ الإفرنجي (راول دي كين) يكشف فيه عن تلك الكيفية عندما يكتب:
“وكان جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور ويشكّون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين”؟!!.

طبعا المقصود بالوثنيين هنا هم العرب المسلمين أبناء المعرة.

ثم يذكر قول لمؤرخ إفرنجي شارك وشاهد معركة المعرة بنفسه اسمه (ألبير دكس) حيث يقول:
“لم تكن جماعتنا لتأنف وحسب من أكل قتلى الأتراك والعرب, بل كانت تأكل الكلاب أبضا”!.

كيف يمكن لبشري أن يفعل ذلك مع بشري بعد أن أعطاه أمانا مهما بلغ حقده عليه أو رغبته الثأرية منه؟.

إنه التعصب الديني الأحادي المغلق والأحمق المنطلق من قاعدة بؤس اجتماعي واضطراب مجتمعي كبير كما كانت عليه أوروبا آنذاك, والمدفوع بشحن ديني طائفي بغيض من قبل رجال دين يعتبرون بمثابة قديسين أو أولياء, فيتحول الإنسان المتدين عندها إلى كتلة غرائز حيوانية تدفع به للقتل الوحشي. وتلك هي سمة الحروب الدينية والطائفية أو المذهبية في كل زمان ومكان حتى يومنا هذا.

طبعا تم تناقل أخبار هذه الفظائع بعد ذلك عبر الروايات الشفوية والشعراء المحليين في كافة أرجاء المنطقة بين حمص وحماة وحلب وأريافها جميعا مما ترك أثرا بالغا وحقدا دفينا مستمرا في النفوس, حيث سيرحل الجنود الفرنجة عن المعرة  بعد شهر كامل من القتل والدمار وإضرام النار في كل منزل فيها وهدم سورها حجرا حجر.

يكتب أمين معلوف محقا في كتابه المذكور: “لسوف تسهم حادثة المعرة في حفر هوة بين العرب والفرنجة لن تكفي عدة قرون لردمها ….”

طرابلس:-  بعد تقدم جيوش الفرنجة أكثر باتجاه الجنوب واستيلائهم على حصن الأكراد والسهول المحيطة به ممارسين في طريقهم جميع أشكال القتل والنهب صار كل حاكم محلي, من حمص حتى طرابلس, يطمع بملاقاتهم واسترضاء قادتهم وغمرهم بالهدايا النفيسة خوفا منهم ودرءا لشرهم الفظيع, ومن بين ذلك حكام مدينة طرابلس التي صاروا قريبين جدا منها. لذلك تجاهلوا دخول طرابلس وهم في طريقهم إلى القدس, لكنهم عادوا إليها بعد أن طمعوا بموقعها وخيراتها.

 فطرابلس, حسب رواية أمين معلوف ومصادرها التاريخية, كانت تحكمها آنذاك سلسلة من القضاة المثقفين الذين ينتسبون لأسرة بني عمار كإحدى العشائر المحاربة التي لم تكتفي بالقوة فقط لبسط سيطرتها وتملكها, وإنما اعتمدت الثقافة والعلم فسمي ملوكها بالقضاة وجعلوا من طرابلس آنذاك “درة الشرق العربي” حيث كانت تتمتع بالأمن والازدهار واهتم حكامها القضاة ببناء فخم سموه “دار العلم” يحتوي على مئة ألف مجلد ” فكان يعد أحد أهم المكتبات في ذلك الزمن” عدا عن أن المدينة كانت تحيط بها حقول من أشجار الزيتون والعديد من الأشجار المثمرة والزراعات الأخرى, بالإضافة لمينائها البحري النشط تجاريا. فكان ذلك كله سببا هاما لأن يطمع الفرنجة بدخولها والاستيلاء عليها لاحقا.

وعندما تم لهم ذلك فعلا في الثاني عشر من تموز 1109 “وبعد مقاومة باسلة طويلة من أهلها وقضاتها, خربت مدينة المصوغات والمكتبات والبحارة البواسل والقضاة المثقفين على يد محاربي الغرب, ونهبت الألف مجلد التي كانت في “دار العلم” ثم أحرقت لكي تمحى الكتب “الملحدة” من الوجود”ص113. ثم تم بيع من تبقى من أهاليها في سوق العبيد وبعضهم طرد بعد أن نهبت أملاكه.

وهو نفس الأسلوب الذي اتبعته جيوش الفرنجة أثناء دخولها بيروت وصيدا حيث  كانت تعمل القتل والذبح للأهالي والقضاة والفقهاء وتخريب الأملاك مع تدمير وتدنيس المساجد.

أما عن الفظائع التي ارتكبت أثناء وبعد دخول جيوش الفرنجة إلى “القدس” التي احتلتها عام 1099م أي قبل طرابلس بعشرة أعوام,  فالسرد يطول ويحتاج لعنوان مستقل لكنهم لم يوفروا قتلا وذبحا أو حرقا كل من وقع بين أيديهم مسلما كان أم مسيحيا من أبناء القدس أم يهوديا حيث ارتكبوا باليهود المقدسيين يومذاك أيضا مجزرة فظيعة.

خاتمة-: وبذلك تكون حروب الفرنجة بمجازرها الوحشية البشعة تحت راية الصليب في بلدان المسلمين, والتي تسمى بالحروب الصليبية, وتقدم زحفها على الخط المذكور من نيقية وأنطاكية فالمعرة وحصن الأكراد وطرابلس وبيروت وصيدا وصولا إلى القدس, قد فرضت على المسلمين عامة ومن خلال أبرز قادتهم ورجالاتهم وفقهائهم يومذاك, رد فعل مقابل تجسد باستنفار شعوب العالم الإسلامي للعمل على توحيد الصفوف وبناء الجيوش لمواجهة هذا الغزو وتحرير القدس.

 ومدخلهم  لذلك كان بإعادة إحياء وتفعيل فريضة “الجهاد” بحماس كبير من جديد بعد أن كانت هذه الفريضة قد تلاشت نسبيا إلاّ في تنميق الخطب الرسمية والدينية. ومن ثم بالعمل الميداني الحثيث في سبيل ذلك.

حول التطرف الإسلامي المعاصر:

طبعا يتجدد  التطرف وفكرة الجهاد الإسلاميين في عالمنا الحديث والمعاصر في سياق تاريخي مختلف, ليس بسبب الفجوة التاريخية التي تم ذكرها سابقا, فقط. وإنما أيضا بسبب المآل البائس الذي وصلت إليه أغلب المجتمعات الإسلامية منذ منتصف القرن العشرين بتأثير عدة عوامل لعل أهمها:
1-: البؤس الاجتماعي الذي تعيشه هذه المجتمعات والذي يتلخص بغياب الحريات العامة والفردية وتراجع مستوى الوعي الثقافي المدني فيها المرافق لتدني كبير في مستويات الفقر والوضع المعيشي

2-:. أنظمتها الاستبدادية الشمولية القمعية التي تحرمها من مجمل عوائد الثروات الباطنية فيها وهي توثق تحالفها مع الحكومات الغربية التي تدعمها وتحميها ضد شعوبها.

3-: النتائج الظالمة للسيطرة الاستعمارية الحديثة على بلدان وشعوب المنطقة الإسلامية, والعربية منها خصوصا, عبر تقسيمها من جديد والاستحواذ على مجمل ثرواتها الباطنية, وإقامة دولة إسرائيل بتخطيط ودعم الحكومات الغربية المطلق, على حساب تهجير وتشريد الشعب الفلسطيني.

4-: تشجيع حكومات الغرب الرأسمالي إبان مرحلة الحرب الباردة, تأسيس تنظيمات وحركات إسلامية جهادية متطرفة بتمويل من حكام الخليج النفطي بقصد ملاقاة المد الشيوعي الموهوم في العالم الإسلامي آنذاك.

وهكذا فالتطرف الديني ليس وليد جوهر الدين ذاته, وإنما يكون مشروطا بسياق تاريخي ما أو ظرف مجتمعي قاهر.
فالأديان جميعها حمالة أوجه وتتعدد القراءات والتفسيرات فيها, فالدين المسيحي ذاته , مثلا, الذي يتلخص جوهره الحقيقي بالدعوة اليومية للمحبة والتسامح والرهبنة في سبيل العبادة النقية فعلا, إلا أنه ظهر من الكثير من أتباعه ومعتنقيه في الشرق والغرب, دول وجماعات, وتحت راياته أشرس الحروب والمعارك التي ارتكبت فيها بعض أكثر المجازر وحشية عبر التاريخ حتى بين المسيحيين أنفسهم كما حدث في أوروبا خلال فترة الإصلاح الديني.

ونفس الأمر ينطبق على الإسلام واليهودية.

خلاصة القول أن الخلاص من التطرف الديني عموما إسلامي أو مسيحي لا يكون  إلا ببناء مجتمعات حديثة تدار من قبل مؤسسات الدولة المدنية الديمقراطية التي تقوم بدورها على مبدأ  تداول السلطات دستوريا, فتستوعب الجميع وتضع خطط تنمية مستدامة ترفع من المستوى المعيشي للسكان وتؤمن وتصون حرية القول وفرص العمل لهم جميعا بلا استثناء.

زر الذهاب إلى الأعلى