ذات صلة

ما وراء العنف الجديد والضربات الإسرائيلية في سوريا

تستمر الاشتباكات الطائفية في سوريا، وسط توتر متصاعد على خلفية التوترات بين الأقليات والمجموعات الأخرى، في ظل تعهد الرئيس الجديد أحمد الشرع بحماية الأقليات، وخاصة الدروز والعلويين، الذين كانوا لفترة طويلة يشكلون النخبة الحاكمة في البلاد. بدأت أحدث موجة العنف بأحداث دامية في السويداء، حيث اختُطف تاجر درزي من قبل مسلحين ينتمون إلى القبائل البدوية، مما أشعل فتيل نزاع طائفي وعنف متبادل في المحافظة.

ردّت إسرائيل على هذا التصعيد بتوجيه ضربات جوية استهدفت مواقع عسكرية سورية في السويداء، في خطوة أكد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أنها تهدف إلى نزع السلاح عن المناطق السورية القريبة من حدودها، وحماية الطائفة الدرزية التي تعتبرها حليفة استراتيجية. هذه التدخلات الإقليمية تزيد من تعقيد المشهد السوري وتوسع دائرة الاشتباكات الطائفية التي لم تهدأ حتى الآن.

تأتي هذه التطورات بعد أكثر من ستة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد، الذي أطيح به على يد فصائل إسلامية سنية في ديسمبر/كانون الأول، مما أدخل البلاد في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار. على الرغم من تعهد الشرع بحماية الأقليات، إلا أن الدمار الكبير الذي لحق بالبنية التحتية والمؤسسات الاقتصادية، بالإضافة إلى الانقسامات العميقة داخل المجتمع السوري، تجعل تحقيق هذا التعهد تحديًا كبيرًا.

وقد شهدت الأشهر الأخيرة اندلاع بعض من أعنف الاشتباكات الداخلية في سوريا منذ الإطاحة بالأسد، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة وتركيا وعدد من الدول العربية إلى القيام بوساطات تهدف إلى تهدئة الوضع ومنع تفاقم الأزمة، إلا أن استمرار العنف يهدد بتحويل الصراع إلى أزمة إنسانية وأمنية أوسع في المنطقة.

ما وراء أعمال العنف الأخيرة في سوريا؟

اندلع القتال في محافظة السويداء الجنوبية بين مسلحين من طائفتين عربيتين رئيسيتين: البدو السنة، وهم بدو تقليديون ينتمون إلى الطائفة السنية، والدروز، الذين تُعد معتقداتهم تطورًا فريدًا من الإسلام الشيعي، ويشكلون غالبية سكان المحافظة. بدأت الاشتباكات في 11 يوليو/تموز بعد اختطاف تاجر درزي على يد مسلحين من البدو، مما أدى إلى تصاعد حاد في أعمال العنف والردود المتبادلة بين الطرفين داخل مدينة السويداء، التي تحمل الاسم نفسه وتحظى بأغلبية درزية.

تفاقمت الأوضاع بشكل كبير بعد انتشار قوات الحكومة السورية في المنطقة، في محاولة لاستعادة السيطرة على المحافظة التي كانت تدار إلى حد بعيد من قبل المجتمعات المحلية، خاصة المقاتلين الدروز المرتبطين بشيوخ ورجال دين نافذين. وأفادت تقارير مستقلة عن وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبل جميع الأطراف، بما في ذلك عمليات إعدام ميدانية بحق المدنيين الدروز، بالإضافة إلى جرائم أخرى ارتكبها مسلحون من الطرف الدرزي.

بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يتابع النزاع منذ سنوات، قُتل أكثر من 1120 شخصًا منذ 13 يوليو/تموز، من بينهم 531 من المقاتلين والمدنيين الدروز، و373 من القوات الحكومية، إلى جانب وقوع إعدامات جماعية لمدنيين دروز ونساء وأطفال من البدو. هذا التصعيد أثار قلقًا إقليميًا ودوليًا واسع النطاق.

تدخلت الولايات المتحدة بوساطة لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 16 يوليو/تموز، حيث انسحبت القوات الحكومية من المدينة، تلاها توقّف القوات الإسرائيلية عن شنّ غاراتها على دمشق. بعد انهيار الهدنة الأولى، تم الإعلان عن وقف إطلاق نار جديد في 19 يوليو/تموز، استمر إلى حدّ كبير حتى 21 يوليو/تموز.

أما إسرائيل، فقد قصفت أهدافًا عسكرية سورية في السويداء في 14 يوليو/تموز، مبررةً ذلك بالدفاع عن الطائفة الدرزية التي تعتبرها جزءًا من حلفائها في المنطقة، ثم استهدفت لاحقًا مواقع في العاصمة دمشق. وأعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن إسرائيل تسعى إلى نزع السلاح من المناطق السورية القريبة من حدودها، مع دعم خاص للطائفة الدرزية التي ترى في حمايتها جزءًا من استراتيجيتها الأمنية الإقليمية.

إسرائيل تقصف سوريا

هاجم جيش الدفاع الإسرائيلي مقرًا عسكريًا في دمشق عقب اندلاع اشتباكات في السويداء، مما يُظهر تصعيدًا ملحوظًا في العمليات الإسرائيلية داخل سوريا منذ سقوط نظام الأسد. تخشى إسرائيل من نشوء حكومة إسلامية معادية على حدودها، فاتبعت استراتيجية جديدة تُركز على ضرب البنية التحتية العسكرية والأسلحة السورية خارج حدودها، بهدف منع وقوع هجمات محتملة داخل إسرائيل. وكان جزء من هذه الاستراتيجية احتلال ما كان يُعرف سابقًا بالمنطقة العازلة، وهي شريط بطول 80 كيلومترًا (50 ميلًا) على الحدود بين البلدين، كانت تُشرف عليه قوات الأمم المتحدة سابقًا.

تدخلت إسرائيل سابقًا دعماً للطائفة الدرزية خلال اشتباكات وقعت في أبريل/نيسان، وتعتبر نفسها حامية لهذه الأقلية التي لعبت دورًا في تاريخ تأسيس إسرائيل. ففي حرب 1948، دعم بعض أفراد الطائفة الدرزية القوات اليهودية، ويعيش اليوم في إسرائيل جالية درزية كبيرة، يخدم العديد من أعضائها في الجيش الإسرائيلي.

من هم الدروز؟

الدروز هم أقلية دينية تضم نحو مليون نسمة يعيشون أساسًا في سوريا ولبنان وإسرائيل ومرتفعات الجولان. هذه الهضبة استولت عليها إسرائيل من سوريا في حرب 1967، وضمّتها لاحقًا رسميًا، وهو أمر اعترفت به الولايات المتحدة فقط خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى، بينما أغلب دول العالم ترفض هذا الضم.

يتعرف الدروز في الغالب على أنهم عرب، ويُصنف دينهم غالبًا كفرع من الإسلام، لكن معظم أتباعهم لا يعتبرون أنفسهم مسلمين، ويفضلون تسمية دينهم بـ”التوحيد”. يُعرف عن هذه الطائفة طابعها السري وانغلاقها على نفسها في كثير من ممارساتها الدينية والاجتماعية.

أكبر تجمع درزي يوجد في سوريا، حيث يتركز أكثر من 700 ألف منهم في محافظة السويداء. وخلال الحرب الأهلية السورية، تمكنت الطائفة الدرزية من الحفاظ على استقلال ذاتي نسبي، وأمنت مناطقها بنفسها.

على الرغم من تعهد الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع بحماية الأقليات، لا يثق العديد من الدروز في حكومته، خصوصًا أن الشرع نفسه قائد سابق في تنظيم القاعدة وجماعة هيئة تحرير الشام التي أطاحت بنظام الأسد.

تجدر الإشارة إلى أن الصراعات الطائفية ليست جديدة على سوريا، فثورة 2011 التي انطلقت ضد نظام الأسد تحولت إلى حرب أهلية دامية أدت إلى مقتل ما بين 300 ألف إلى 500 ألف شخص، ونزوح أكثر من عشرة ملايين، فر معظمهم إلى أوروبا وتركيا.

في إسرائيل، يعيش حوالي 140 ألف درزي، ويعتبرون المجموعة العربية الوحيدة التي يخدم رجالها في الجيش الإسرائيلي، ويتميزون بولائهم للدولة وببراعتهم في اللغة العربية، ما ساعدهم على الوصول إلى مناصب رفيعة في الجيش. وقد حاول العديد من الدروز في إسرائيل، الغاضبين من الانتهاكات التي تتعرض لها الطائفة الدرزية في سوريا، عبور الحدود للانضمام إلى أقاربهم، لكن الحكومة الإسرائيلية منعتهم.

أما في مرتفعات الجولان، فيعيش نحو 20 ألف درزي، يعرفون أنفسهم غالبًا كسوريين، لكن أعدادًا متزايدة منهم حصلوا على الجنسية الإسرائيلية، في لبنان، يشكل الدروز حوالي 5% من السكان، ولهم ممثلون في البرلمان والحكومة، وهم فاعلون سياسيًا في المشهد اللبناني..

هل يمكن أن تندلع حرب بين سوريا وإسرائيل؟

سوريا اليوم لا تملك لا القدرة ولا الرغبة في خوض قتال مفتوح مع إسرائيل، وهو ما أكّده الرئيس الجديد أحمد الشرع بوضوح. فقد أدت الضربات الإسرائيلية المتكررة إلى إضعاف الجيش السوري بشكل كبير، ما دفع الشرع إلى اتخاذ قرار استراتيجي بالانسحاب من مدينة السويداء وتسليم الملف الأمني إلى الطائفة الدرزية المحلية، في خطوة تُظهر تفضيله للمصلحة الوطنية وتجنب تصعيد الصراع إلى حرب شاملة مع إسرائيل. تركّز الحكومة السورية الجديدة الآن على معالجة القضايا الداخلية الملحّة، مثل تهدئة الفصائل المسلحة والجماعات الدينية المتطرفة، وإعادة بناء البنى التحتية المتضررة، وتعزيز اقتصاد البلاد الهش الذي يعاني من تداعيات الحرب الطويلة.

يحظى الشرع بدعم من دول إقليمية مثل السعودية وقطر وتركيا، التي تسعى جميعها لمنع سوريا من العودة إلى تأثير إيران، التي كانت تستخدم البلاد كقاعدة لتحويل الأموال والأسلحة إلى جماعات مثل حزب الله في لبنان المعادية لإسرائيل. في مايو/أيار، التقى الشرع بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الرياض، وبعد فترة قصيرة أُعلن عن رفع بعض العقوبات الأمريكية عن سوريا، ما يعكس محاولة دولية للضغط على دمشق نحو مسار مستقل عن طهران.

على الجانب الآخر، لدى إسرائيل أولويات أخرى لا تقل أهمية، خاصة الحرب المستمرة مع حركة حماس في غزة، لكنها لم تتخلّ تمامًا عن نهجها في سوريا، حيث تعهد رئيس الوزراء نتنياهو بالحفاظ على منطقة منزوعة السلاح قرب الحدود السورية الإسرائيلية لمنع تهديدات عسكرية مباشرة.

رغم التصعيد، بدا أن هناك بعض المرونة في الموقف الإسرائيلي، إذ أفادت وسائل إعلام في يوليو/تموز بأن إسرائيل سمحت بدخول قوة أمنية محدودة إلى السويداء لفترة قصيرة، في مؤشر إلى إمكانية إدارة الأوضاع دون تصعيد عسكري واسع.

كما كشف الشرع في مايو/أيار عن بدء محادثات غير مباشرة مع إسرائيل لتخفيف التوترات، وهو أول تواصل منذ 17 عامًا بين الجارتين اللتين لا تعترف إحداهما بالأخرى رسميًا، مما يفتح نافذة أمل لمباحثات سلام محتملة في المستقبل، رغم تعقيدات المشهد الإقليمي.

مركز أسبار

رابط البحث

https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-07-21/syria-clashes-why-did-israel-intervene-who-are-the-druze