ذات صلة

اتفاقيات إبراهيم بعد غزة: تغيير السياق

رغم تداعيات الحرب، فإن الاتفاقيات العربية الإسرائيلية ظلّت صامدة إلى حد كبير، غير أن استمرارها مرتبط بتطورات أوسع في الشرق الأوسط والعالم.

تُعدّ اتفاقيات إبراهيم، التي وُقّعت في البيت الأبيض بتاريخ 15 أيلول/سبتمبر 2020 خلال ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأولى، محطة بارزة في مسار الدبلوماسية الأمريكية بالمنطقة. فقد أفضت هذه الاتفاقيات إلى إبرام معاهدات سلام بين إسرائيل وكل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وانضمت إليها المغرب لاحقاً. كما شرعت إسرائيل في خطوات للتطبيع مع السودان، إلا أن الاضطرابات الداخلية هناك حالت دون استكمال العملية.

انطلقت هذه المبادرة بهدف تخفيف التوترات في الشرق الأوسط عبر إقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية المصنَّفة بـ “المعتدلة”، مقابل حصول هذه الدول على تقنيات متطورة وفرص اقتصادية وتجارية جديدة، مدفوعة برؤية مشتركة تعتبر إيران تهديداً استراتيجياً. وجاءت الخطوة امتداداً لورشة عمل السلام من أجل الازدهار”، التي استضافتها البحرين في حزيران/يونيو 2019 بجهود جاريد كوشنر، صهر ترامب ومستشاره آنذاك، الذي استند إلى فكرة أن الحوافز الاقتصادية والفرص الاستثمارية قد تشكل مدخلاً لتجاوز صراعات سياسية مزمنة تبدو عصية على الحل.

من منظور الولايات المتحدة، حملت اتفاقيات إبراهيم هدفاً مزدوجاً؛ فهي من جهة عززت موقع واشنطن كضامن للأمن الإقليمي، ومن جهة أخرى أتاحت تجاوز الملف الفلسطيني الإسرائيلي بوضعه التقليدي، ومن خلال لعب دور الراعي والمُؤمّن لهذه الاتفاقيات، سعت الإدارة الأمريكية أيضاً إلى مواجهة تنامي النفوذ الصيني في المنطقة، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.

دعمت إدارة الرئيس جو بايدن هذه الاتفاقيات، وسعت إلى البناء عليها، مع وضع المملكة العربية السعودية في قلب جهود التطبيع الموسَّعة. غير أن هذه المساعي توقفت بعد هجمات حركة حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي تبعها اجتياح إسرائيلي واسع لقطاع غزة. وقد أسفر الرد العسكري الإسرائيلي عن سقوط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، ودمار كبير في البنية التحتية، ما أثار موجة إدانات إقليمية ودولية.

ورغم أن اتفاقيات إبراهيم تمكنت إلى حد كبير من الصمود أمام تداعيات الحرب، فإن مستقبلها يظل رهناً بتوازنات أوسع على المستويين الإقليمي والدولي.

صمود اتفاقيات إبراهيم

مع اشتداد التوترات الإقليمية خلال صراع غزة، انحصر التواصل العربي-الإسرائيلي الناتج عن اتفاقيات إبراهيم إلى حد كبير في إطار العلاقات الرسمية وروابط الأعمال التجارية المحدودة، فيما تراجع مستوى التفاعل الشعبي والمجتمعي، إن لم يكن قد انقلب تماماً. وقد ترافق ذلك مع تصاعد الرفض الشعبي للتطبيع في الأوساط العربية، ومع ذلك، بقيت الاتفاقيات قائمة في خطوطها العريضة، مدفوعة بالمكاسب الاستراتيجية التي توفرها للأطراف الموقعة.

تعاملت كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب مع تداعيات حرب غزة بما يتوافق مع أولوياتها ومصالحها كما تراها. ففي حالة الإمارات مثلاً، أدت هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى تباطؤ الزخم الذي ميّز التقارب الإماراتي-الإسرائيلي القائم على الشراكات الاقتصادية، فبعد توقيع الاتفاقيات، بادرت أبو ظبي وتل أبيب إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وإلغاء متطلبات التأشيرة لمواطني البلدين، وتسيير رحلات جوية مباشرة، ما أنعش حركة التجارة والسياحة، خاصة من إسرائيل نحو الإمارات.

كما وقع البلدان اتفاقية تجارة حرة وشراكة اقتصادية شاملة عام 2022، في خطوة أبرزت الرغبة في توسيع التعاون في مجالات متنوعة، من التكنولوجيا إلى البنية التحتية، مع هدف طموح لرفع حجم التبادل التجاري السنوي إلى 10 مليارات دولار بحلول 2027، مقارنة بنحو 2.5 مليار دولار فقط في 2022.

إلى جانب ذلك، شهد سبتمبر/أيلول 2023 إطلاق شراكة “I2U2” بين الهند وإسرائيل والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، وتركز على مجالات التقنيات المتقدمة والأمن الغذائي. ورغم أن الإمارات أدانت علناً السياسات الإسرائيلية خلال حرب غزة، فإنها لم تقدم على قطع العلاقات الدبلوماسية، وحافظت المؤسسات المدعومة من حكومتها على التعاون مع نظيراتها الإسرائيلية، وإن كان ذلك بوتيرة أبطأ. فقد تم، على سبيل المثال، تعليق مشاريع بارزة مثل استغلال أكبر حقل غاز طبيعي بحري في إسرائيل بالشراكة بين شركتي أدنوك وبي بي الإماراتيتين وشركة نيوميد الإسرائيلية.

كما تأثر قطاعا السياحة والنقل الجوي، حيث شهدت دبي تراجعاً حاداً في أعداد القادمين من إسرائيل قبل أن تبدأ الأرقام بالتعافي لاحقاً. في المقابل، أدى الصراع إلى ابتكار طريق بري جديد يربط الإمارات بإسرائيل مروراً بالسعودية والأردن، ما أتاح للشركات الإسرائيلية تجنب المرور عبر البحر الأحمر والتعرض لهجمات أنصار الله في اليمن على السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية.

أما البحرين، التي تستضيف الأسطول الخامس الأمريكي، فقد وقعت في عام 2022 أول اتفاقية أمنية رسمية بين إسرائيل ودولة عضو في مجلس التعاون الخليجي. ومع ذلك، بقي حجم التجارة بين البلدين محدوداً للغاية، إذ لم يتجاوز 20 مليون دولار خلال 2021-2022، مقارنةً بالأرقام الكبيرة للتبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل، وبعد اندلاع المواجهات في غزة، غادر السفير الإسرائيلي المنامة، لكن البحرين لم تُبدِ أي نية للانسحاب من اتفاقيات إبراهيم، مؤكدة على أهمية البعد الأمني والدفاعي، بما في ذلك التدريب الاستخباراتي وصفقات الطائرات بدون طيار الإسرائيلية.

ارتبط مسار تطبيع العلاقات بين المغرب وإسرائيل بشكل وثيق بقضية السيادة المغربية على الصحراء الغربية، إذ جاء اعتراف إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في أواخر 2020 بمطالب الرباط بالمنطقة ليشكّل نقطة التحوّل التي مهدت لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وفي عام 2021، وقع الطرفان مذكرة تفاهم دفاعية فتحت الباب أمام سلسلة صفقات تسليح شملت طائرات مسيّرة متطورة، وأنظمة دفاع جوي، وأقماراً صناعية لأغراض استخباراتية.

وإلى جانب المصالح الأمنية، تجمع المغرب وإسرائيل روابط ثقافية وتاريخية راسخة، حيث تعترف السلطات المغربية بالتراث اليهودي للمملكة، كما أن نسبة ملحوظة من يهود إسرائيل من أصول مغربية، ورغم تراجع السياحة الإسرائيلية إلى المغرب بسبب حرب غزة، استمرت مجالات أخرى من التعاون، مثل قطاع السيارات، إذ اتجهت إسرائيل لاستيراد سيارات مغربية بدلاً من تلك القادمة من تركيا، كما حافظت مؤسسات أكاديمية، منها جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، على شراكات بحثية وتعليمية مع نظيراتها الإسرائيلية.

أما المملكة العربية السعودية، فهي وإن لم توقع على اتفاقيات إبراهيم، فقد برزت كطرف محوري في مسار التقارب مع إسرائيل قبل اندلاع حرب غزة، وتعود أول إشارة رسمية سعودية للتطبيع إلى مبادرة السلام العربية عام 2002، التي أطلقها ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله، وعرضت إقامة علاقات كاملة مقابل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة. ومع توليه السلطة الفعلية في 2016، أبدى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان انفتاحاً أكبر، شمل السماح للطائرات التجارية الإسرائيلية بعبور الأجواء السعودية، بالتوازي مع سعيه لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية ضمن رؤية 2030، التي تضم مشاريع كبرى مثل نيوم، حيث يُنظر إلى القدرات الإسرائيلية في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والزراعية بوصفها فرصاً مغرية.

ورغم أن الأمير محمد بن سلمان لمح إلى تقدم في المباحثات مع إسرائيل قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023، فإن هجمات حماس ورد الفعل العسكري الإسرائيلي أوقفا المسار، ودفعا الرياض إلى اتخاذ موقف أكثر انتقاداً، مقروناً بشرط واضح: أي تطبيع سيكون مشروطاً بالتزام إسرائيلي جاد بإقامة دولة فلسطينية.

تكشف هذه المسارات مجتمعة عن تباين مستويات الضغوط التي واجهتها الدول العربية المطبّعة مع إسرائيل بفعل حرب غزة. ورغم أن أياً من هذه الدول لم تنسحب رسمياً من الاتفاقيات، ما يعكس قوة الأهداف الاستراتيجية طويلة المدى، إلا أن الكلفة السياسية للتطبيع ارتفعت بشكل ملحوظ، بفعل تعاطف الرأي العام العربي العميق مع القضية الفلسطينية واعتبارها قضية عربية جامعة وليست شأناً فلسطينياً فحسب.

بيئة متغيّرة لاتفاقيات إبراهيم

أسهمت مشاركة بعض الدول العربية في التصدي للهجمات الإيرانية على إسرائيل، خلال ذروة حرب غزة، في دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى طرح فكرة تحالف إبراهيم”، ذي طابع أمني، يهدف إلى تدعيم اتفاقيات إبراهيم وتوسيعها في مواجهة التهديدات المشتركة، وقد استندت هذه الرؤية إلى تصوير إيران باعتبارها الخصم الإقليمي الأكبر لإسرائيل ولعدد من الدول العربية.

غير أن هذه المقاربة الدفاعية بدأت تفقد زخمها مع تغيّر المعادلات الجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي، ما أضعف منطق الاصطفاف القائم حصراً على مواجهة إيران، وباتت استدامة اتفاقيات إبراهيم على المدى الطويل مرهونة بقدرتها على تقديم إطار أمني شامل يأخذ في الاعتبار مصالح ومخاوف جميع القوى الإقليمية، بما في ذلك إيران نفسها.

تغيُّر الحقائق في الشرق الأوسط

أفضى تطبيع العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران، بعد الاتفاق السعودي–الإيراني التاريخي بوساطة صينية في عام 2023 وما تلاه من أجواء انفراج، إلى تقليص الحاجة إلى التحوّط الجيوسياسي ضد طهران، وهو ما أضعف أحد أبرز المبررات التي استندت إليها اتفاقيات إبراهيم، والمتمثل في فكرة “المظلة الأمنية” المشتركة ضد إيران.

ومن المفارقات أن التطورات التي أعقبت أكتوبر/تشرين الأول 2023 بما في ذلك الضربات الإسرائيلية القاسية ضد حماس في غزة، وتراجع نفوذ حزب الله في لبنان، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا كشفت عن نقاط ضعف في الموقف الإيراني، ما دفع طهران إلى انتهاج سياسة أكثر تعاوناً مع محيطها العربي.

في هذا السياق، طرحت إيران إطارها البديل للتعاون الإقليمي تحت اسم “مودّة” (رابطة الحوار الإسلامي الغرب آسيوي)، وهو مقترح يُعد بمثابة رد موازن لاتفاقيات إبراهيم، ووفق ما عبّر عنه وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف، تهدف هذه المبادرة إلى تشجيع التعاون بين جميع الدول الإسلامية، سواء كانت سنّية أو شيعية، من أجل تحقيق الأمن والازدهار المشترك في المنطقة، وتشمل المبادرة دولاً مثل تركيا، الخصم التاريخي لإيران، لكنها تستثني إسرائيل لأسباب دينية، في انحراف واضح عن النموذج “الإبراهيمي” الذي يقوم على إشراك إسرائيل في الإطار الإقليمي.

السبيل العملي الوحيد للتوفيق بين المسارات الإقليمية المتعارضة قد يكمن في اتفاق أمريكي إيراني شامل، فمنذ عودته إلى السلطة في كانون الثاني/يناير 2025، أبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ميلاً واضحاً لتسوية مع طهران بدلاً من خوض مواجهة عسكرية مفتوحة، وهو ما يفسّر العقوبات الأمريكية الراهنة في إطار حملة “الضغط الأقصى، المتجددة، باعتبارها أداة للضغط لإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

نجاح هذه المفاوضات قد يضعف أحد أهم الدوافع التي قامت عليها اتفاقيات إبراهيم، والمتمثل في احتواء إيران، كما قد يعيد القضية الفلسطينية إلى موقعها المحوري كشرط أساسي قبل توسيع الاتفاقات لتشمل دولاً عربية أخرى، أما في حال فشل المسار الدبلوماسي، فستكون بعض الدول العربية أكثر ميلاً إلى انتهاج سياسة خفض التصعيد مع طهران، والسعي نحو تكامل اقتصادي معها، بالتوازي مع تعزيز برامجها العسكرية، خاصة إذا لم تقدّم واشنطن ضمانات أمنية قوية. وفي الحالتين، يبدو أن الزخم الجيوسياسي الذي رافق توقيع الاتفاقيات عام 2020 قد تراجع بشكل ملحوظ.

في المقابل، لا يمكن تجاهل تركيا في أي حوار حول مستقبل الأمن الإقليمي. فأنقرة، العضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وصاحبة العلاقات التاريخية مع إسرائيل، علّقت تجارتها مع تل أبيب في أيار/مايو 2024 بسبب تصاعد حرب غزة، بينما عزز الرئيس رجب طيب أردوغان صورته كمدافع عن القضية الفلسطينية، ما زاد من قوة بلاده الناعمة ورسّخ مصالحها في المنطقة، كما دخل أردوغان في مسار مصالحة مع دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما السعودية، بعد سنوات من التوتر التي أعقبت انتفاضات 2010–2011.

وبينما تتدهور العلاقات التركية الإسرائيلية إلى مستويات غير مسبوقة، طرحت أنقرة إطاراً جغرافيّاً اقتصادياً بديلاً يربط آسيا بأوروبا عبر مشروع طريق التنمية العراقي، الذي يهدف إلى إنشاء ممر تجاري يمتد من ميناء الفاو المخطط له جنوب العراق وصولاً إلى الحدود التركية، وقدمت تركيا هذا المشروع كمنافس قوي لـ الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ومع سقوط نظام الأسد في سوريا على يد فصائل مدعومة تركياً، بات لأنقرة نفوذ أكبر في صياغة المستقبل الجيوسياسي والجيواقتصادي للشرق الأوسط.

الشرق الأوسط في عالم متعدّد الأقطاب

إلى جانب التحولات الإقليمية، يشهد الشرق الأوسط دوراً متزايد الأهمية ضمن التحوّل العالمي نحو التعدّدية القطبية، الذي تسارع بفعل المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وتشكّل تكتلات جيوسياسية وجيواقتصادية متعددة، أحياناً متداخلة ومتنافسة في الوقت نفسه. وتشمل هذه التكتلات: الكتلة الغربية المرتكزة على دول مجموعة السبع، ومجموعة بريكس+ التي تضم دولاً من الشرق الأوسط مثل إيران ومصر والإمارات، إضافة إلى مجموعة أوبك+ التي تشمل جميع دول مجلس التعاون الخليجي، إلى جانب روسيا وإيران والعراق والعديد من منتجي النفط في إفريقيا وأمريكا اللاتينية.

تعكس هذه الديناميات تراجع الزخم نحو الانضمام إلى الأطر التي ترعاها الولايات المتحدة، مثل اتفاقيات إبراهيم، إذ بدأت دول مجموعة “بريكس+” في البحث عن بدائل للنظام المالي العالمي الذي يهيمن عليه الغرب، بقيادة الصين وروسيا، وقد عبّرت هاتان الدولتان عن انتقادهما المتكرر لاستخدام واشنطن للدولار الأمريكي كسلاح اقتصادي، خاصة في سياق الصراع الأوكراني.

ورغم أن إنشاء عملة احتياطية لمجموعة “بريكس+” لا يزال بعيد المنال، فإن خطوات مثل الترويج الصيني لليوان كعملة مفضلة لتسعير النفط وتسوية الفواتير، منذ إدراج أول عقد نفط خام باليوان في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة عام 2018، تمثل تحولاً ملموساً على الأرض. بالنسبة للدول المنتجة الكبرى في الشرق الأوسط، مثل السعودية والإمارات، قد يُترجم هذا التطور إلى تنويع غير مباشر لاحتياطاتهم الأجنبية بعيداً عن الدولار الأمريكي، ما يؤدي بدوره إلى إعادة توجيه أصولهم غالباً نحو مشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينية والتجارة والاستثمارات المتوافقة مع “بريكس+”.

وعلاوة على ذلك، ساهم تطوير العملات الرقمية، سواء كانت برعاية حكومية مثل العملات الوطنية والعابرة للحدود الصادرة عن البنوك المركزية، أو قطاعية خاصة مثل العملات المستقرة، في تسهيل تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي، وقد طورت الإمارات العربية المتحدة إطاراً تنظيمياً متقدماً لدعم كلا النوعين من العملات المشفرة، مع إطلاق مشاريع تجريبية مثل mBridge وعملة AED الرقمية، ما يعكس استعداد الدولة للاندماج في الاقتصاد الرقمي متعدد العملات والتدفقات المالية العالمية الجديدة.

يشكّل التحوّل العالمي في مجالي الطاقة وإزالة الكربون عنصراً محورياً في المشهد الدولي المتغيّر، مع آثار جيواقتصادية عميقة على الشرق الأوسط. فقد أصبحت الصين لاعباً مهيمنًا في سلاسل التوريد الصناعية الحيوية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، حيث توسّعت الشركات المدعومة من الدولة في طيف واسع من الصناعات، بدءاً من الطاقة المتجددة وصولاً إلى النقل المستدام، لتعزز حضورها بشكل ثابت في المنطقة، وأبدت هذه الشركات استعدادها لبناء وتمويل مشاريع عملاقة لإزالة الكربون في دول مجلس التعاون الخليجي، مع نقل التقنيات المرتبطة بها إلى شركائها الإقليميين. ويتناقض هذا النهج مع السياسة المناخية المتقلبة للولايات المتحدة، التي شهدت خلال إدارة ترامب انعطافاً حاداً عن التزامات إدارة بايدن في مجال إزالة الكربون.

إلى جانب ذلك، تبرز الصين كلاعب رئيسي في التحوّل الرقمي العالمي، إذ توسّع شركات التكنولوجيا العملاقة مثل هواوي وتينسنت وبايت دانس وعلي بابا انتشارها عالمياً، ومن أشباه الموصلات إلى الحوسبة السحابية والروبوتات المتقدمة والذكاء الاصطناعي، باتت الصين قادرة على تقديم بديل متقدم لتقنيات الغرب الرائدة، وقد أصبحت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أرضاً خصبة لنشر هذه الابتكارات، مع انخراط الدول الإقليمية في تحوّلات اقتصادية متعددة الجوانب ومواكبة تكنولوجية بقيادة الدولة، وتشجع بكين شركاتها على التعاون مع الحكومات الإقليمية وصناديق الثروة السيادية من خلال التكيّف مع الواقع المحلي وتسهيل نقل التكنولوجيا، خصوصاً لدول مجلس التعاون الخليجي، في إطار مبادرة طريق الحرير الرقمي.

في المقابل، تراجعت الشراكة السابقة المزدهرة بين إسرائيل والصين نتيجة تأثيرات مشتركة لحرب غزة، مع انتقاد صيني حاد لسلوك إسرائيل، وضغوط أمريكية متزايدة على الحكومة الإسرائيلية ونظامها التكنولوجي المتكامل مع وادي السيليكون، ما أدى إلى تقليص التعاون التكنولوجي بين إسرائيل والصين.

وبالتالي، عبر مختلف القطاعات الجيواقتصادية، من الصناعات التقليدية إلى التقنيات المالية والبيئية والرقمية الناشئة وشبكات التجارة والإنتاج الخاصة بها، أصبحت الأطر الجيواقتصادية، مثل الإطار الذي تقوم عليه ضمنياً اتفاقيات إبراهيم، أقل جاذبية. من منظور سياسي، تفاقم التحوّل نحو التعدّدية القطبية الاقتصادية والجيوسياسية بفعل انعزالية ترامب المزعومة وتفضيله لعالم منظم وفقاً لمجالات النفوذ.

في هذا الإطار، يبدو منطقياً أن تتجه قوى إقليمية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نحو تحالفات متعددة الأقطاب كإجراء وقائي طويل الأمد في مواجهة تلاشي ما يمكن تسميته بـ “لحظة القطب الواحد”، مع الحرص على الحفاظ على علاقات قوية مع الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة.

بالنسبة للإمارات، فإن توجّهها نحو آسيا، وبالأخص الصين، ليس محصوراً في التنافس أو لعبة محصلتها صفر، إذ تواصل الإمارات التزامها العميق بشراكتها الأمنية مع واشنطن. وقد رفعت الإمارات إجمالي استثماراتها في الولايات المتحدة إلى تريليون دولار، مع تركيز خاص على التكنولوجيا المتقدمة، من خلال أدوات استثمارية رائدة مثل ADQ وMGX.

أما السعودية، فاستياءها من تردّد إدارة بايدن في تقديم ضمانات أمنية شاملة دفعها لاستكشاف شراكات بديلة، بما في ذلك تعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا. ولا بد من التذكير بأن المملكة لعبت دوراً محورياً في قيادة أوبك+ مع روسيا، مسهّلة تنسيق آلية هذه المنظمة بين أوبك ومنتجي النفط من خارجها منذ تأسيسها في شباط/نوفمبر 2016. وفي الآونة الأخيرة، مُنحت السعودية وضع شريك الحوار، من قبل منظمة شنغهاي للتعاون، ورغم دعوة دول بريكس الأساسية للمملكة للانضمام رسمياً إلى مجموعة بريكس+ خلال قمة جوهانسبرغ في آب/أغسطس 2023، امتنع السعوديون عن الإدلاء بأي موقف نهائي بشأن هذه الدعوة.

ومع ذلك، لا تزال السعودية ملتزمة بشراكتها الاستراتيجية الطويلة الأمد مع الولايات المتحدة، مستفيدة من نهج الرئيس ترامب المتمثل في الدبلوماسية المعاملاتية. ومن الأمثلة على ذلك، استغلال علاقاتها الجيدة مع روسيا وأوكرانيا لاستضافة جولات متعددة من محادثات السلام المدعومة أمريكياً بين موسكو وكييف.

الخلاصة: مؤشر غزّة

أعاد دونالد ترامب إحياء فكرة توسيع نطاق اتفاقيات إبراهيم. ويتمثل جوهر هذه المساعي الجديدة في توسيع نطاق الاتفاقيات لتشمل المملكة العربية السعودية. ومع ذلك، قد لا تتحدّد مبرّرات الاتفاقيات وفوائدها بمكاسبها الجيوسياسية، التي لم تعد حيوية، بقدر ما تتحدّد ببعدها الاقتصادي، كما كان مُتوخّى في الأصل. لا يزال الازدهار الاقتصادي المشترك المرتبط باتفاقيات إبراهيم بحاجة إلى إثبات على نطاق أوسع، في مقابل الجهود الهائلة المطلوبة لإعادة إعمار غزّة ودعم إعادة الإعمار في الدول العربية المنكوبة بالأزمات مثل سوريا ولبنان وليبيا واليمن.

يمكن أن تُصبح طريقة إعادة إعمار غزّة وحكمها مؤشراً حاسماً على الازدهار الاقتصادي المشترك المرتبط بالاتفاقيات. ويمكِن لمشروع إعادة إعمار منسّق يضم الدول العربية والجهات الدولية المعنية الأخرى، مستوحى من الخطة المصرية التي كشفت عنها جامعة الدول العربية في أوائل آذار/مارس 2025، أن يمهّد الطريق لتسوية سلمية إقليمية شاملة وإطار لإعادة الإعمار. في المقابل، فإن ربط إحياء غزّة بالمبادرات الاقتصادية الإقليمية – بما في ذلك إعادة الإعمار في سوريا ولبنان، والممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ومبادرات الطاقة المشتركة، واستكشاف الغاز البحري وتصديره – يمكن أن يعزّز المصالح المشتركة ويزيد الثقة بين المشاركين. ويمكن للشراكات الاقتصادية، لا سيّما في مجالات التكنولوجيا والتجارة والطاقة المتجدّدة، أن تدعم جهود التطبيع التي تقودها قطاعات الأعمال والمجتمع المدني.

ومع ذلك، إذا شهدنا أي شيء في الماضي القريب، فهو أنه في غياب التزام موثوق تجاه الدولة الفلسطينية (القضية الخلافية التي حاولت اتفاقيات إبراهيم الالتفاف عليها)، فإن أي تطبيع من الأسفل قد يكون مهمّة سيزيفية – شيء يتكرّر إلى الأبد ولا يكتمل أبداً.

ألكسندر كاتب:

خبير اقتصادي ومحلل مالي معتمد (CFA). وهو مؤسِّس ورئيس مجلس إدارة “تقرير التعدّدية القطبية”، الذي أسّسه بعد عشرين عاماً من الخبرة كخبير اقتصادي ومستشار سياسات واستراتيجي استثمار.

25 نيسان/أبريل 2025

مركز أسبار

رابط البجث

https://carnegieendowment.org/research/2025/04/the-abraham-accords-after-gaza-a-change-of-context?lang=en&center=middle-east