بروتوكولترجمة

ثورة تشرين الأول العراقية لعام 2019 والصراع الإيراني الأميركي

الاتحاد برس – ترجمة ولاء تميم

الكاتب: ديرك أدريانسينس – Global Reaserch

خوفٌ كبير يسود الشرق الأوسط والعالم من تحوّل العراق لساحة حربٍ بين الولايات المتحدة الأميركيّة وإيران. كون الأول هو دائرة صراعٍ على شفير النار وموطنٌ لآلاف القوات الأميركية والميليشيات القوية المدعومة من إيران.

الثورات التي اجتاحت العراق منذ 1 تشرين الأول / أكتوبر 2019 أتت في لحظة حرجة من التوتر المتزايد بين إيران والولايات المتحدة الأميركية واللتان تعتبران حليفًا للحكومة العراقية.

ازدياد التنافس والصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران

في 29 آب / أغسطس 2019، نشرت مجموعة إدارة الأزمات الدولية (منظمة غير حكومية مستقلة وغير ربحية ملتزمة بمنع نشوب النزاعات الفتاكة وإيجاد الحلول لها) نشرت تقريرًا يدعو إلى عدم تسوية الصراع الأميركي الإيراني في العراق.

في حزيران / يونيو تم إطلاق صواريخ مختلفة على المنشآت الأميركية في العراق، وفي تموز / يوليو-آب/ أغسطس، دمرت الانفجارات مواقع تخزين الأسلحة وقافلة من التجمعات شبه العسكرية العراقية المرتبطة بإيران، وساعدت هذه الحوادث في دفع التوترات الأميركية الإيرانية إلى حافة المواجهة وأكدت على خطورة الوضع في العراق والخليج.

على الرغم من أن الولايات المتحدة الأميركية وإيران لم تصطدما بشكل مباشر حتى الآن، إلا أنهما يجبران الحكومة العراقية على الوقوف جانبًا على الحياد ويعمل القادة العراقيون من جهتهم بجد للحفاظ على حالة حياد البلاد لكن الضغط الخارجي المتزايد والاستقطاب الداخلي يهددان بقاء الحكومة.

ما يجب القيام به؟

يتعين على الولايات المتحدة وإيران الامتناع عن إشراك العراق في تنافسهما، لأن هذا الأمر من شأنه أن يقوض استقرار العراق الضعيف بعد الحرب ضد “داعش” بمساعدة الأطراف الدولية الفاعلة، وينبغي للعراق هنا أن يواصل جهوده السياسية والدبلوماسية الداخلية ليبقى محايدًا.

لأسباب جغرافية وتاريخية، العراق اليوم في قلب العاصفة حيث وضعت حملة “الضغط الأقصى” لواشنطن على إيران وردّ طهران ضغطًا شديدًا على الحكومة العراقية _الشريك لكليهما-،  وتتوقع الولايات المتحدة هنا من بغداد أن تقاوم إيران، و إيران تتوقع من بغداد أن تقاوم الولايات المتحدة، وهذا يعتبر موقفًا ووضعًا شبه مستحيل.

لطالما كانت العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران ذات طابع مزدوج في العراق، حيث كان هناك تعاون بين البلدين منذ الغزو الأجنبي عام 2003 لتهدئة العراق. وفي الوقت نفسه، العلاقات بين البلدين متضاربة للغاية حيث يقاتل الندّان بعضهما البعض من أجل مدّ النفوذ في الشرق الأوسط، وهنا نستطيع الإشارة إلى انسحاب حكومة “ترامب” في أيار/ مايو 2018 من الصفقة النووية وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران في تشرين الثاني / نوفمبر 2018 قد فجّر الوضع برمتّه و في منتصف عام 2019، في أعقاب قرار واشنطن بتشديد العقوبات على إيران مرة أخرى فقد فُتح المجال لسلسلة من الحوادث التي مهدت الطريق أمام حرب جديدة قد تغمر الشرق الأوسط بأكمله.

بعد عام 2003، استغلت إيران فراغ كرسيّ السلطة الذي خلقه الغزو للاستثمار بكثافة في النظام السياسي والاقتصادي والأمني في العراق. وتم دمج العديد من الميليشيات الشيعية وفرق الموت المتحالفة مع إيران مثل “كتائب بدر” في الشرطة الوطنية الطائفية التي أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية. وقاتلت هذه الفرق والجماعات جنبًا إلى جنب مع أميركا ضدّ حركة المقاومة الوطنية وفي ذات الوقت كانوا يقاومون وجود الغزو الأجنبيّ، ونشير هنا إلى أنّ  واشنطن وطهران عملتا وقاتلتا جنبا إلى جنب بشكل وثيق خلال معركة استمرت أربع سنوات لهزيمة  تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” (2014-2017).

الميليشيات الشيعية العراقية التابعة لإيران شكلت حينها جوهر “الحشد الشعبي” (قوات التعبئة الشعبية) وهي مزيج من القوات شبه العسكرية التي استجابت لدعوة “آية الله العظمى علي السيستاني” عام 2014 لمحاربة “داعش.”

في أعقاب الغزو الأميركي عام 2003 والقتال اللاحق ضد “داعش” امتلكت بغداد أكبر سفارة أميركية في الشرق الأوسط وأكبر عدد من القوات والجنود الأميركان (أكثر من 5000 جنديّ) في ست قواعد عسكرية لا زالت تعمل حاليًا:

قاعدة العمليات الأولى “أبو غريب” و هي واحدة من أولى القواعد العسكرية التي أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية في العراق و تقع القاعدة في منطقة أبو غريب في محافظة الأنبار وتبعد 32 كم فقط عن وسط بغداد و 15 كم فقط عن المطار الدولي للعاصمة العراقية.

قاعدة معسكر القاعدة في الكاظمية – العراق معسكر العدالة، المعروف سابقًا باسم معسكر بانزاي.

قاعدة العمليات الأولى (FOB Sykes) في محافظة نينوى شمال العراق، والتي تقع على بعد بضعة أميال خارج تلعفر وتم استخدام القاعدة كموقع استراتيجي للعمليات القتالية والتكتيكية للولايات المتحدة أثناء عملية تحرير العراق.

معسكر التاجي في العراق -المعروف أيضًا باسم Camp Cooke –  والذي يقع في المنطقة المجاورة مباشرةً على بعد 30 كم فقط من بغداد ويتم استخدام القاعدة الخاصة به من قبل قوات التحالف في العراق وليس فقط من قبل الولايات المتحدة.

قاعدة البلد المشتركة وهي واحدة من المنشآت العسكرية العديدة التي تحتفظ بها وتستخدمها الولايات المتحدة في العراق كانت معروفة بأسماء متعددة بما في ذلك قاعدة بلد الجوية، قاعدة البكر الجوية، معسكر أناكوندا أو إل إس أي أناكوندا وهي واحدة من أكبر القواعد الأميركية.

مجمع قاعدة النصر  المعروف أيضًا باسم “في بي سي”  هو مزيج من المنشآت العسكرية حول مطار بغداد الدولي يضم المجمع 10 قواعد:  فيكتوري فيول بوينت، سلاير، سترايكر، كروبر، ليبرتي، قصر رضوانية، دبلن، قاعدة سثر الجوية، قاعدة لوجستيات سيتز والنصر، وأهم قاعدة من بينها هو معسكر النصر ويضم مقرًا لجميع العمليات الأميركية في العراق ويتضمن أيضًا قصر الفاو.

نهاية الوفاق الأميركي الإيراني

لقد أدت هزيمة تنظيم “داعش” وتنصيب الرئيس “دونالد ترامب” إلى وضع حد للصمت الأميركي الإيراني في العراق، مما فتح الباب أمام فترة من التنافس المتصاعد، وفي أعقاب الانتخابات البرلمانية العراقية في أيار /مايو 2018، أصبح التنافس واضحًا للغاية. وحاولت حينها كل من واشنطن وطهران ممارسة وبسط النفوذ من خلال المؤدين المفضلين لديهم. واستمرت خلافاتهم حول تشكيل الحكومة ثلاثة عشر شهراً، وأسفرت المفاوضات عن قائمة من الشخصيات المقبولة نسبيًا، لكنها ضعيفة نوعًا ما حتى داخل الأحزاب السياسية التي تنتمي إليها والتي تفتقر إلى الدعم القوي. وتمّ حينها في تشرين الأول/  أكتوبر 2018 تعيين رئيس الوزراء “عادل عبد المهدي” والرئيس العراقي “برهم صالح” وهما سياسيان منطويان بعض الشيء.

“عادل عبد المهدي” والذي يعتبر تجسيدًا للنظام السياسي المفلس والفساد الذي فرضته الإمبريالية الأميركية، بدأ حياته المهنية كعضو في حزب البعث، ثم أصبح عضوًا قياديًا في الحزب الشيوعي العراقي، وذهب بعد ذلك إلى المنفى في إيران كموالٍ لـ”آية الله الخميني“ بعد ذلك عاد “عبد المهدي” إلى العراق على ظهر الدبابات الأميركية وانضم إلى الحكومة العميلة في عام 2004 كوزير للمالية.

المجلس الأميركي للعلاقات الخارجية قال في وصف “المهدي” أنه “تكنوقراطي معتدل ومفيد للمصالح الأميركية” مثل سابقيه منذ عام 2004، وساعد في تنظيم نهب ثروة العراق النفطية لإثراء الشركات الأجنبية والأوليغارشية الحاكمة (الطبقة التي تمتلك النفوذ) والفاسدين السياسيين وأنصارهم.

في ذلك الحين، ظلت وظيفة وزير الداخلية والدفاع والعدل مفتوحة لمدة ثمانية أشهر، ويعزى ذلك إلى حد كبير إلى التنافس المستمر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية لاستمرار الصراع ولعبة شد الحبل بين البلدين منذ عام 2003، لأن على كل من الولايات المتحدة وإيران الموافقة على تشكيل الحكومة بعد كل انتخابات مجراة وإن دلّ هذا على شيء فإنه يدلّ على أن السيادة على العراق لا تزال حلمًا بعيد المنال.

نستطيع أن نشير هنا إلى أنّ السياسة الأميركية تجاه إيران فرضت ضغطًا قويًا على حكومة “عبد المهدي“. وعندما أعادت واشنطن تنشيط العقوبات ضد إيران في تشرين الثاني/  نوفمبر 2018 ، دعت حينها الولايات المتحدة الحكومة العراقية إلى وقف المستحقات إلى طهران مقابل الغاز الطبيعي والكهرباء وتنويع وإرداتها من الطاقة من خلال عقود مع شركات أميركية، وطلبت بغداد حينها من واشنطن المزيد من الوقت للبحث عن البدائل خوفاً من انتقام إيران الذي قد يؤدي إلى عجزٍ في الحصول على الكهرباء، و سمحت فترة المهلة المؤقتة من حكومة “ترامب” بغداد بمواصلة استيراد الغاز والكهرباء من إيران، لكن الولايات المتحدة واصلت حث بغداد على توقيع عقود البنية التحتية للطاقة مع الشركات الأميركية.

وبالرغم من ذلك، أبرم “عبد المهدي” صفقة كهرباء بقيمة 284 مليون دولار مع شركة ألمانية بدلاً من شركة أميركية ورفض رئيس الوزراء العراقي الالتزام بالعقوبات الأميركية وصمم على متابعة شراء الكهرباء من إيران كما سمح بتوسيع التجارة بين البلدين، التجارة التي أنتجت كميات كبيرة من العملات الأجنبية التي حفزت الاقتصاد الإيراني.

في ذلك الوقت أيضًا، أعلن “عبد المهدي” استعداده لشراء منظومات S-400 الدفاعية وغيرها من المعدات العسكرية من روسيا. وقد وقع اتفاقية مع الصين لإعادة بناء البنية التحتية الأساسية العراقية مقابل النفط، وأخيرًا حاول التوسط بين إيران والمملكة العربية السعودية وأظهر عزمه أن ينأى بنفسه عن السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، كل هذه القرارات جعلت “عبد المهدي” محطّ أنظار إعصار أميركا الذي أطاح به لاحقًا.

إسرائيل تتدخل علنًا في العراق

بعد أميركا وإيران، دخلت إسرائيل على خطّ التدخل في العراق من أوسع أبوابه، واستخدمت مقاتلات الشبح طراز F-35i لمهاجمة أهداف إيرانية في العراق في شهري تموز/ يوليو وأب / أغسطس، مما ألحق أضرارًا جسيمة بأربع قواعد عراقية كانت تستخدمها القوات والوكلاء الإيرانيون كمستودع مفترض للصواريخ الباليستية الإيرانية.

الحكومة العراقية قللت من شأن هذه القصة ولم تولها اهتمام وحاولت أولاً تجاهلها حتى أنها حاولت أن تصنع مأزقاً لإسرائيل، واستغرق الأمر أسابيعًا حتى أعلن “عبد المهدي” في مقابلة تلفزيونية أن أصابع الاتهام حول الضربة تتجه نحو إسرائيل.

الموقف المتردد والخائف للنظام العراقي من توجيه الكلام المباشر لإسرائيل كان دليلاً واضحًا على الولاء للولايات المتحدة، حيث  لم يكن هناك أي أثر للسخط من الحكومة العراقية عندما تفاخر “نتنياهو” بقصف العراق خلال حملته الانتخابية، وبدى كما لو أنّ الحكومة صمتت واحتفظت بحقّ الردّ، و أنكرت الولايات المتحدة أي تورطّ لها في هذه الهجمات. لكن من المشكوك فيه أن تضرب إسرائيل أهدافًا عراقية دون موافقة واشنطن على الأقل و نتيجة لذلك، يتعين على القوات الأميركية وقوات التحالف في العراق الآن طلب موافقة رسمية قبل بدء العمليات الجوية بما في ذلك الحملة ضد “داعش“.

خلال تلك الأوقات كان ثمة مطلب آخر لإدارة “ترامب” يتمثل في قيام الحكومة العراقية بحل الميليشيات المرتبطة بإيران، فمنذ هزيمة داعش سيطرت هذه الميليشيات على مناطق مختلفة في العراق وشاركت أيضًا في الانتخابات الأخيرة. مطلب أميركا لم يتحقق ولم يتم حل أي وحدة من الميليشيات العامة، بل على العكس من ذلك: في عام 2016، قامت الحكومة رسميًا بدمج القوات المرتبطة بإيران في قوات الأمن ولم يكن لديها أيّ سيطرة فعّالة عليهم وأصبحت “جبهة فتح” التي هي مجموعة من الميليشيات الإيرانية المختلفة ثاني أكبر تشكيل بعد الانتخابات الأخيرة.



زر الذهاب إلى الأعلى