ذات صلة

هيئة تحرير الشام: آلية احتكار التمثيل الجهادي في الساحة السورية

محمّد حلاّق الجرف
مقدّمة 
يعتمد الباحثون ثلاثة تصنيفات للحركات السلفية في الدراسات الأكاديمية، وهي السلفية العلمية التي تهتم بالدعوة فقط، والسلفية الحركية التي تعتمد على العمل السياسي، والسلفية الجهادية التي تقوم على العمل المسلّح. وفيما تقول السلفية العلمية بمفهوم مدني للحكم، فإنّ السلفية الحركية تستند إلى آليات الحكم المدنية للوصول إلى "التمكين"، وبالتالي إلى إقامة مفهوم إسلامي للحكم "خلافة، دولة إسلامية، إمارة. الخ". السلفيتان السابقتان، العلمية والحركية، اعتبرتا أنّ للثوار (المجاهدين) سلطة مؤقتة طارئة في الشأن السوري، ذات صلاحيات محدودة تفسح للسياسيين اللعب بشكل مستقل عن العسكر، والسلفية الحركية خصوصاً، ترى أنّ المجتمع هو المجال الأساسي لنشاطها، ويعتمد منهج العمل لديها على العمل والتوعية، وللسلفية الحركية موقف متحفّظ من التنظيم السياسي نتيجة الخوف من الحزبية، ولا تملك السلفية الحركية طريقة واضحة للوصول إلى الحكم. بينما تعتبر السلفية الجهادية أنّ التنظيم العسكري هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق هدفها في الوصول للحكم، لذا تُشكّل السيطرة على الدولة أولوية مطلقة بالنسبة لها. 
بالنسبة إلى "هيئة تحرير الشام"، موضوع هذه الورقة، فإنه من المهم التأكيد على أنها ليست وليدة اللحظة السياسية في سوريا، وإنما خضعت لمراحل تطور نتيجة لتفاعل السياق المحلي والدولي، إضافةً إلى علاقات التفاعل والتنافس القائمة ضمن الوسط الجهادي، وتستند أيديولوجيا "هيئة تحرير الشّام" إلى مصادر سلفية جهادية متنوعة، غير أنها تفتقر إلى التجانس والتماسك نظراً إلى حداثة نشأتها عقب انطلاق الثورة السورية في مارس/ آذار 2011، وإعلان تأسيسها باسم "جبهة النصرة" في يناير/ كانون الثاني 2012. والتي تكونت من خليط هجين من المقاتلين بدعم وإسناد الفرع العراقي، وبالتالي فإن السلطة العلمية المرجعية لـ "هيئة تحرير الشّام" تستند أساساً إلى السلفية الحركية التي نشأت من رحم جماعة الإخوان المسلمين، وتتبع المدرسة الجهادية التي وضع أصولها النظرية سيد قطب، وأخذ بها أيمن الظواهري زعيم جماعة "الجهاد المصرية" و"القاعدة" لاحقاً، وتبنّاها مروان حديد، مؤسس جماعة "الطليعة المقاتلة" في سوريا، وبلور أطروحاتها عبد الله عزام، الأب الرّوحي للأفغان العرب في أفغانستان، وطوّر مستنداتها أبو مصعب السّوري في الشتات..
إذاً، ثمة روافد متعددة لأيديولوجيا الهيئة، ويعود خيطها الرّئيس إلى فكر السلفية الجهادية العام، وما مرّ به من تحولات، وصولاً إلى ما استقرت عليه مراجعات القاعدة المركزية، والتي كشفت عنها وثائق حصل عليها الأميركيون في مخبأ أسامة بن لادن لحظة مقتله، ونُشرت لاحقاً.