محمد مصطفى عيد:
مدخل:
تعدُّ الإيرادات الضريبية من الروافد الرئيسية للموازنة العامة في الدولة، لتمويل نفقاتها العمومية، ووسيلة فعالة تمكنها من التدخل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فهي تقوم بدور أساسي في مجال تجسيد أهداف السياسة المالية للدولة، ولتحقيق تلك الأهداف يجب اختيار نظام ضريبي ملائم، يعكس خصائص وملامح النظام الاقتصادي، وفي الحالة السورية، فإن المتابع لمسار هذا النظام الضريبي، سيلمس الخلل الواضح فيه، من حيث أن جباية الضرائب على الدخل قد تساوت بين أصحاب الدخول المرتفعة والمتوسطة والمنخفضة، ولم تحقق الغاية التي أنشأ من أجلها النظام الضريبي في إعادة توزيع الدخل بين أفراد المجتمع، وعدم فرض معدلات ضريبية عالية على أصحاب الدخول المرتفعة ومعدلات أقل على الدخول المتوسطة والمنخفضة، فضريبة الأرباح التجارية والصناعية، إحدى أهم الضرائب في التشريع الضريبي السوري، ولكن يبقى السؤال الذي يكرر نفسه منذ عقود من الزمن وحتى اللحظة، هل جميع المُكلفين قدموا إقراراتهم الصحيحة والسليمة، للمؤسسات المالية الرسمية، أم تلاعبوا ببياناتهم المقدمة وبنسب أرباحهم؟ وهل تمت محاسبتهم؟ حتى لا تقع الضريبة على قسم من المجتمع، بينما تتهرب أقسام أخرى جزئيا أو كلياً منها!!
إن الإدارة الضريبية هي الأداة لتنفيذ النظام الضريبي، وعليه فإن التطرق إليها يثير في الأساس مسألة نجاعة الأداء فيها، باعتبارها إحدى الأدوات المميزة من أجل ضمان سير حقيقي وفعّال لمختلف الوظائف والنشاطات التي تمكّن المستخدمين والممولين من ممارسة واجباتهم وحقوقهم على أكمل وجه، لكن عندما نريد أن نجري مقارنة لأهداف النظم الضريبية الحقيقية، والتي من المفروض أن تسير ضمن أسس سليمة، وتمتلك فيها مكاشفة حقيقية، للمطارح التي يجب أن تصبّ فيها الضريبية، نستنتج أن الوضع الضريبي في سوريا، قد كسر قاعدة تلك النظم الضريبية، ولم يحقق أهدافها، سواء من حيث توفير حصيلة ضريبية كافية ودائمة، يمكن الاعتماد عليها في توفير المتطلبات اللازمة لتطوير القطاعات الاقتصادية المختلفة وتحقيق التنمية المطلوبة، والهدف الاجتماعي، المتعلق بإعادة توزيع الثروات بين المواطنين، وفي المبدأ فإن فرض الضرائب ينبغي أن يقع في الجزء الأكبر، على أصحاب الدخول العالية، ولكن في الواقع نجد أن الضرائب التي تفرض على أصحاب الدخول المنخفضة، وخصوصاً العاملين في الدوائر الحكومية والخاصة، تقترب إلى حد ما من الضرائب التي تفرض على المحال التجارية، وفي هذه النقطة، الحديث يطول عن التهرب الضريبي، نظراً لغياب العقوبة القانونية الرادعة، ما أدى إلى حالة تمادي في التهرب الضريبي ، في ظل غياب المحاكم المالية في سوريا، على عكس باقي دول العالم، الأمر الذي حرم الخزينة العامة من كتلة مالية ضخمة، فمبدأ التصاعد في فرض الضريبة، يساهم في تصحيح التشوّهات في توزيع الدخل، ويساهم في تعميم الرفاه الاجتماعي، فلا يتم حصره في فئة ضيقة، كما أن النظام الضريبي يعد جزءاً من مناخ الاستثمار، وهذا لا يعني أن الإعفاء الضريبي يشكل عاملاً أساسياً لتشجيع وجذب الاستثمارات، فالمستثمر الجاد لا تهمه الإعفاءات الضريبية، بقدر ما يهمه معقولية النظام الضريبي واعتداله، أي عدم وجود ضرائب ورسوم عالية وعدم وجود ازدواجية في الضرائب أو سياسة ضريبية معقدة. والإعفاءات الضريبية بحدّ ذاتها لا تجذب إلا أسوأ أنواع المستثمرين، وفي في حال توفر المقومات الأساسية للاستثمار فلا حاجة لإعطاء امتيازات خاصة، أو منح إعفاءات ضريبية لاجتذاب الاستثمارات، وخصوصاً الأجنبية منها.
واقع النظام الضريبي
مرّ النظام الضريبي في سوريا بفترات عدّة بعد الاستقلال، وتوّجت تلك المراحل بصدور القانون رقم 85 في عام 1949 في فترة حكم حسني الزعيم، ليتم تحديد مصادر الدخل والضرائب والرسوم المفروضة، وبعدها صدر القانون المالي الأساسي للدولة رقم 96 للعام 1967، الذي أقرّ أن الدولة شخصية تجارية أو صناعية ملزمة بدفع الضرائب مثل القطاع الخاص. وفي الفترة ما بين 1985-2000، صدرت جملة من المراسيم كان أبرزها قانون المغتربين رقم 19 لعام 1990، القاضي بمنح إعفاءات جمركية متعددة للسوريين المغتربين الراغبين في العودة وإقامة مشاريع داخل البلاد، وقانون الاستثمار رقم 10لعام 1991، القاضي بمنح إعفاءات ضريبية للمستثمرين لمدة خمس سنوات وإعفاء كامل من الرسوم الجمركية عند تأسيس المشروع، وتمّ تعديله في عام 2000، في القانون رقم 7 بزيادة الإعفاءات الضريبية لمشاريع الاستثمار، وخفض ضريبة الدخل للشركات المساهمة من 32 في المئة إلى 25 في المئة.

