كمال شاهين
يكمن مفتاح فهم خطورة التغييرات الديموغرافية (السكانية) التي تطال البلدان أوقات الحروب في الاعتراف غير المعلن بوجود خلل في العقد الاجتماعي، المفترض فيه صياغةَ وتشكيل هوية وطنية جامعة، تبني علاقة صحيحة بين الفرد ودولته الضامنة لحقوقه وواجباته، وتحيل الانتماء الجمعي إلى مستويات وطنية.
وفي ظل الحرب السورية الدائرة منذ تسع سنوات، تحول البعد الديموغرافي إلى واحد من أهم أسباب استمرار النزاع السوري، مرتبطاً بالدرجة اﻷولى بالبنى (الطائفية والمذهبية) للجماعة الوطنية، فالطوائف ليست كيانات مجرّدة، ذاتية النمو، وهي لا تكون (طوائفاً إلا بالدولة، لا بذاتها)، والدولة (هي التي تؤمن ديمومة الحركة في إعادة إنتاج الطوائف كيانات سياسية، وهي بالدولة وحدها، مؤسسات) ( )، ومرتبطاً بالدرجة الثانية بأساس بناء الدولة الحديثة، أي القومية بشكلها التنويري المعاصر.
كما أخذ البعد الديمغرافي تأثيره اﻷكبر بانتقاله من مستوى الصراع الداخلي إلى مستوى الصراع اﻹقليمي ثم الدولي، باشتغال دؤوب على تمزيق النسيج والكيان الوطني الذي بقي في معظمه يحاول مقاومة التفكيك المقصود من قبل كل اﻷطراف المشاركة في المقتلة السورية، وأولها سياسات النظام والمعارضة معاً، يتضح ذلك جلياً في اشتغال المجتمعات المحلية المختلفة على وقاية نفسها غريزياً وثقافياً من أفعال اﻹقصاء والاستبداد والاستبعاد الجماعي ﻷشرار الحرب السورية جميعاً.
أحد نماذج الحرب التي يمكن المجادلة فيها هو واقع الساحل السوري، الاقتصادي والاجتماعي، منذ العام 2011 وحتى اﻵن، بوجود مئات آلاف المقيمين المؤيدين ـ بدرجات مختلفة ـ وقلة من المعارضين لتوجهات النظام السياسي، مع مئات آلاف النازحين الموالين والمعارضين والحياديين ـ بدرجات مختلفة- القادمين من مناطق مختلفة، حيث تسجل الوقائع السورية مدة سنوات اﻷزمة التسع نسبة ضئيلة من التصادمات بين المقيمين والنازحين، وتسجل كذلك عمليات تضامن مجتمعية كثيرة مع النازحين، باعتراف المجتمع الدولي نفسه، ربما هو بأحد أشكاله تضامنُ مشاركة اﻷلم.
هناك تفسيرات كثيرة لما حدث، أحدها، سردية البروباغندا اﻹعلامية للنظام السياسي أن ما حدث هو "امتداد حقيقي لالتحام وطني كان موجوداً قبل المؤامرة على البلاد"، وهذه لا تصمد أمام مضارب النقد في ظل سيادة الدولة اﻷمنية الشمولية، وأكثرها حضوراً وقُرباً من الواقع، النظر إلى ما جرى، في أحد وجوهه، على أنه محافَظَة مجتمعية لا واعية على نسق اجتماعي كوّن تاريخياً أحد أركان الدولة السورية منذ الاستقلال، قبل أن تبتلع السلطة الدولة نفسها، وتبتلع هذا النسق التوحيدي، وتؤطره ضمن مفاهيمها القومية الديماغوجية.
يجادل بعض المهتمين أن النظام السياسي كان قادراً على افتعال المشكلات بين المقيمين والنازحين لو أراد ذلك ( )، وهذا صحيح في المبدأ، فهذه المجتمعات ليست محصنة ضد الاختراق، وهي تخضع لسلطة أمنية شديدة الوطأة، إضافة إلى اعتبار هؤلاء النازحين تحديداً من "مؤيدي الدولة" (لا النظام) وهذا كان كافياً لمنحهم صك الغفران، من دون تجاهل أن العلاقة التي ربطت المواطن السوري/ الفرد بالدولة/ السلطة، في سياق عقودها الخمسة اﻷخيرة، هي علاقة ملتبسة بالإكراه، وليست مبنية على أساس العقد الاجتماعي (الحقوق والواجبات).

