فيصل علوش
هل ما جرى ويجري في سوريا هو صراع سياسي اجتماعي بين سلطة ومعارضة، أم حرب أهلية؟، لماذا عجز الخطاب الجمعي الموّحد الذي رفعه المحتجون في بداية حراكهم، «الشعب السوري واحد»، عن الصمود أمام تطورات الواقع، إذ سرعان ما أخلى مكانه لتفسيرات صنّفت الأحداث على أنها صراعات ذات طابع طائفي أو إثني، بشكل كامل أو جزئي؟، وبات النسيج المجتمعي السوري عرضة لشتى الرجّات والرضّات. تُرى لماذا استسلم كثير من السوريين إلى عملية تأجيج المخاوف المتصلة في هذا الشأن؟.
مقاربات الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، تبدو بحدّ ذاتها مشحونة بالدلالات والمواقف القَبْلية، ومحمولة على استبطانات وإحالات نفسية وثقافية واجتماعية تشوبها العديد من العيوب، والتحيّز المسبق لهذا الطرف أو ذاك!. فمن ينفي وجود قاعدة استناد طائفية للسلطة السورية، وينفي عنها أي سلوك يحمل هذا الطابع، يميل طبعاً إلى الاعتقاد أنّ الوضع في سوريا ظلّ طوال سنوات الصراع السابقة بعيداً عن أي شبهة إثنية أو مذهبية، وفي إطاره السياسي فحسب، أو في إطار تصدي النظام للمؤامرة الخارجية (الكونية) المحاكة ضده و«أدواتها المحلية المأجورة»؟!.
قد تحمل مبرّرات البعض المُقدّمة على هذا الصعيد بعض الوجاهة؛ حيث أن «القاعدة الاجتماعية للنظام تبدو عابرة للطوائف، وتستند إلى مبدأ الولاء للسلطة السياسية قبل أي اعتبار أو انتماء آخر»، وعلى سبيل المثال، فإنّ «غالبية التجار والصناعيين (السنّة) شكلوا قاعدة صلبة للسلطة؛ إضافة إلى مؤسسة الإسلام الرسمي بفروعها المتعدّدة». وثمة من يقول، مُحقّاً إلى حدّ كبير، إن النظام يستند في حكمه، إلى جانب الأجهزة الأمنية، على «الشراكة القائمة بين الشريحة البيروقراطية الحاكمة (بفرعيها العسكري والمدني) وبين وجهاء المجتمع ورجالات المال والأعمال، وخصوصاً في مدينتي دمشق وحلب».
وقد يلاحظُ البعض أنّ الخطوط الفاصلة بين المعارضة والموالاة للنظام، خلال الحراك الاحتجاجي، وخاصةً في طوره السلمي، لم ترتسم حول تخوم الانتماءات الطائفية والإثنية، بل ارتسمت داخل كلّ مدينة، أو منطقة، أو قرية، أو حي، وداخل الجماعات الطائفية نفسها، بل وحتّى داخل العائلة الواحدة.
وفي المقابل، فثمة من يرى أنّه لم يكن أحد يجرؤ على الشكوى العلنية من «المحسوبية الطائفية» التي مارسها النظام السوري في فترة ما قبل عام 2011، ولكنها «كانت من المصادر الرئيسية للاستياء الكامن لدى الغالبية». في وقت بدا فيه الصراع، أقلّه في مرحلة من مراحله، وكأنّه جزءٌ من الصراع والانقسام الطائفي على المستوى الإقليمي. وتبادلت الأطراف المشاركة فيه الاتهامات بارتكاب انتهاكات ذات طابع طائفي أو عرقي، وخصوصاً ما قامت به السلطة من عمليات حصار وتجويع، ومن ثم تهجير قسري في العديد من المدن والبلدات، يخشى البعض أن يُفضي إلى تغيير ديمغرافي.

