دراسات وأبحاثسوريا

نار تحت الرَّماد: الصحة العقلية والنفسية للسوريين وتأثيرات النزاع الوطني

 

نار تحت الرَّماد

الصحة العقلية والنفسية للسوريين وتأثيرات النزاع الوطني

 

آدم موصللي

مركز أسبار للدراسات والبحوث

تهدف هذه الدراسة الى توفير معلومات عن الجوانب المتنوعة للصحة النفسية للسوريين. تعتمد الدراسة على مراجعة للأدبيات المتوافرة حول الصحة النفسية والدعم النفسي في سياق النزاع الحالي.

تتضمن الدراسة إضاءة على العوامل الأساسية التي ساهمت في تدهور الصحة النفسية للسوريين على المستوى السياسي (الاستبداد) والمستوى الاقتصادي (الفقر والحرمان)، ودور كل المستويين، من حيث ارتباطهما عضوياً، في تعميق أزمة الرفاه النفسي لدى اللاجئين والنازحين والسوريين على العموم.

تعرض الدراسة عرضاً مفصّلاً لأنواع الاضطرابات النفسية المسجلّة لدى السوريين وكيف يتم التعامل معها، وتأثير عنف النزاع على تفاقمها. وتبيّن الدراسة كذلك إعادة الرعاية الصحية النفسية وأهميتها في إعادة بناء سوريا.

 

أولا-الاستبداد والصحة النفسية

الإكراه النفسي كأسلوب في إدارة حكم الاستبداد

ظهرت الدول الاستبدادية مع ظهور الدولة كظاهرة اجتماعية سياسية. فالدولة إبداع جديد في سياق التطور البشري. تم اختراع شكل حديث وخبيث من الطغيان خلال القرن العشرين على شكل دولة شمولية totalitarianism. تستخدم دولة الطغيان الإكراه الجسدي والنفسي كأسلوب أساسي في الحكم. وهذا سيكون له عواقب صحية نفسية على كل من الحكام والمحكومين. يتم استكشاف الجذور النفسية للأنظمة الاستبدادية ومناقشة بعض الآثار الاجتماعية والنفسية المحتملة. كان نظام البعث السوري منذ استيلائه على الحكم عام 1963 وما زال يشكل نموذجاً لدولة شمولية.

تسبّب الاستبداد على مدى القرن العشرين بحروب مدمرة وفظائع لا توصف. علاقة الاستبداد وتأثيره على صحة الناس العقلية ورفاههم مسألة غير مفهومة تماماً.

باعتبار الدولة ظاهرة اجتماعية – سياسية فإن الاستبداد الحقيقي لا يمكن أن يوجد إلا في مجتمعات الدولة. [1,2]. عرف ماكس ويبر Max Weber الدولة على أنها "علاقة بين الرجال الذين يسيطرون على الرجال "، واعتبر ماركس Marx الدولة أداة للطغيان الطبقي. [3]

حتى مجيء الديمقراطية الليبرالية الغربية، كانت الدول كلها، مع استثناءات قليلة، دولا استبدادية بدرجات متفاوتة من حيث أن الحكام يحوزون سلطة مطلقة وكان للمحكومين رأي ضئيل أو معدوم في كيفية حكمهم، وتمتعوا بحماية قليلة أو معدومة ضد سلطة الدولة. وبالتالي، أدت الممارسة المفرطة للسيطرة القسرية عاجلاً أم آجلاً إلى الثورة، وهي ظاهرة متكررة على مدار تاريخ الدولة.

اعتقد أرسطو أن الطغيان tyranny حالة إنسانية غير طبيعية وعرّفها على أنها نوع من الملكية التي تأخذ في الاعتبار مصالح الملك فقط. [3]. تُعرِّف الفيلسوفة حنّة أرندتArendt الطغيان على أنه "سلطة تعسفية، غير مقيدة بالقانون، تُمَارس لصالح الحاكم ومعادية لمصالح المحكومين". [4]

 

 

الاستبداد وإرهاصات خلْق الأزمات النفسية

شهد القرن العشرون ظهوراً جديداً وشكلاَ خبيثاً من الاستبداد، وهو الشمولية. هذا الشكل من الحكم يختلف في نواحٍ مهمة عن الأنواع الأخرى من الاستبداد.

تختلف تجربة المواطن الفرد في ظل النظام الشمولي اختلافاً جذرياً عن تجربة أشكال أخرى من الاستبداد، وقد يؤدي ذلك إلى عواقب نفسية اجتماعية متميزة. [4,5]

تميل أنظمة الاستبداد القديمة والأنظمة الاستبدادية الأكثر حداثة إلى إقامة دولة تقع على قمة نظام اجتماعي قائم وراسخ. تُظهر النخبة الحاكمة القليل من الاهتمام بتغيير الوضع الاجتماعي والاقتصادي الراهن إلا بقدر ما يُسهّل ذلك عملية الحكم. من الأمثلة على الأنظمة الاستبدادية الحديثة إسبانيا فرانكو والحكم العسكري في الأرجنتين وتشيلي في السبعينيات والثمانينيات.

تقوم الأنظمة السلطانية [6,7] بتخريب جزئي لقطاعات المجتمع المدني والاقتصاد، وتخصّص بعض مؤسسات الدولة لخدمة مصالح النخبة الحاكمة. [8]. ومن الأمثلة على هذه الدول إيران تحت حكم الشاه وهايتي تحت حكم دوفالييه. [8]

في ظل الأنظمة السلطانية تظل قطاعات كاملة من المجتمع سليمة أو متأثرة قليلاً. في ظل الأنظمة الشمولية نشهد تخريباً هائلاً لمؤسسات المجتمع المدني من أجل خلق واقع اجتماعي جديد في خدمة أيديولوجية الدولة. في ظل الأنظمة الشمولية تتم إعادة التفكير في المجتمع وفقاً لأيديولوجية الدولة (الشيوعية، والقومية، والأصولية، وما إلى ذلك) في عملية تؤدي في كثير من الأحيان إلى معاناة شديدة، وقتل جماعي وانتهاكات جسيمة مختلفة لحقوق الإنسان. يقوم النظام الشمولي على عزلة الفرد، ويتفتّت المجتمع إلى أفراد منعزلين غير فاعلين، وتفرض الدولة أيديولوجيتها، وتستخدم الإرهاب الممنهج أداة فعّالة للحكم والسيطرة. [4]

يقود الحكم الشمولي الى اختفاء أي مظهر من مظاهر الحماية القانونية للفرد، وهذا يشعره بحالة ضعف مستمرة وعجز شبه كامل، فيتحوّل الى فرد سلبيّ. عندما يُحرم الفرد، بشكل ممنهج، من اتخاذ القرار في حياته، يمكن أن يؤدي هذا إلى إحساس ضعيف بالمسؤولية الشخصية وميل إلى إلقاء اللوم على القوى الخارجية في جميع الأحداث السلبية.

يستخدم الحكم الشمولي الإرهاب كأداة روتينية للحكم وليس فقط كرادع أو كعقاب لخصوم النظام. ويستند على استراتيجيات تنفيذية من قبيل الاختطاف والاختفاء ومصادرة الممتلكات والترحيل والتعذيب والقتل خارج نطاق القضاء ومجموعة متنوعة من العقوبات الجماعية. وتُظهر الدولة الشمولية قدرة فريدة على تنفيذ مثل هذه الانتهاكات على نطاق لم يكن من الممكن تخيله من قبل.

تدمّر الأنظمة الشمولية الثقة بين الأفراد بما يجعل كل مواطن مُخبراً محتملاً للدولة. وتقمع المجتمع المدني، وبالتالي تخنق أي احتمال للعمل الجماعي العفوي من قبل الأفراد دفاعاً عن مصالحهم الجماعية، مهما كانت عادية وغير ضارة. وتعمل الأنظمة الشمولية على تخريب القواعد الأخلاقية، وتعيش حالة تطبيع مع التجاوزات الأخلاقية والإجرام في مجالات الحياة الاجتماعية بأكملها من خلال السماح بالعنف ضد " أعداء الدولة ". يؤدي تدمير الثقة بين الأفراد وقمع المجتمع المدني الى قمع أوسع للسلوك التعاوني وربما إلى قمع السلوك الإيثاري تجاه الآخرين.

تنشغل الأنظمة الشمولية بالسيطرة على الإعلام، وتبذل كل جهد لضمان منع السكان من الوصول لمصادر " معلومات دخيلة ". تضخ وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة الشمولية سيلاً مستمراً من الأكاذيب التي تمزج بين الخيال الكامل وأنصاف الحقائق. بينما لا أحد يصدق ما تقوله وسائل إعلام النظام الشمولي، قد لا يكذّبه تماماً. يظل السكان محاصرين في عالم غريب حيث لا يوجد شيء معروف على وجه اليقين وحيث يبدو أي تفسير، مهما كان سخيفاً، معقولًا. هذا يخلق مزيجاً غريباً من السخرية والسذاجة. [4]

بحسب الفيلسوفة أرندت، لا تستخدم وسائل الإعلام في ظل الاستبداد للإعلام بل للتنظيم. [4]. تلقّن وسائل إعلام الأنظمة الشمولية السكان أيديولوجية الدولة. ويصبح التلقين تقنية مفهومة مكوّنة من عناصر أساسية مثل التخويف والتحكم في المعلومات والولاء وطقوس الكراهية " للعدوّ ". [9]

ظاهرياً، تتم جميع أعمال النظام الشمولي باسم أيديولوجية الدولة. ولأنّ الدولة الشمولية غير مقيدة تماماً بالحسابات التقليدية للربح والخسارة، يمكن أن تنخرط في سياسات غير نفعية قد تسبب في النهاية، ضرراً لمصالح الدولة نفسها. [4,5]

متابعة القراءة عبر ملف PDF



زر الذهاب إلى الأعلى