ذات صلة

انتفاضة “الصدور العارية” العراقية: قراءة في الأسباب والسيناريوهات

محمد حلاّق الجرف
مقدّمة 
انطلقت الاحتجاجات في العراق في الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، على أعتاب الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في أبريل/ نيسان 2020، وتزامناً مع مرور عامٍ كاملٍ على تولي السيد عادل عبد المهدي مسؤولياته كرئيس لوزراء الجمهورية العراقية. عامٌ لم يستطع فيه هذا السياسي المتقاعد والقادم من خارج الخريطة الحزبية في العراق من تقديم شيء يُذكر على صعيد تحسين الخدمات المعيشية للعراقيين، أو إنهاء حالة الفساد المستشرية في القطاع العام العراقي، أو إيجاد حلّ للبطالة المتزايدة التي يعاني منها خريجو الجامعات والمعاهد المتوسطة هناك.
شكّلت هذه المطالب (تحسين الخدمات، والقضاء على الفساد، وإيجاد فرص العمل) الشعارات الأساسية لمتظاهري تشرين أو ما بات يُعرف بـ "انتفاضة الصدور العارية" التي توقفت مبدئياً في العاشر من الشهر الماضي، على أن تُستأنف في الخامس والعشرين منه، بعد الانتهاء من مراسم أربعينية كربلاء، كما أوضح الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي. 
الأرقام المتداولة عن الخسائر مخيفة، فهناك بحسب التقارير الإعلامية أكثر من 165 قتيلاً، و6500 جريحاً، وما يزيد عن 1500 معتقلاً، إضافةً إلى 19 مفقوداً لم يُعرف مصيرهم حتّى الساعة. وهذه الأرقام هي حصيلة أسبوعٍ واحد فقط، ما يدلّ على حجم القمع الكبير الذي مارسته حكومة عبد المهدي ضدّ المتظاهرين.
ربمّا تعكس طريقة اختيار عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء قبل عام ملامح الأزمة السياسية الحالية، فهذا الرجل تمّ تعيينه "برلمانياً" بطريقة مخالفة للدستور العراقي الدّائم عام 2005، والذي تنصّ المادة 76 منه على أن "يكلّف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء". فقد أفرزت انتخابات العام الماضي كتلتين كبيرتين إلى مجلس النّواب هما "سائرون" بـ 54 مقعداً، و"الفتح" بـ 48 مقعداً. ولم تستطع أيّ من هاتين الكتلتين تشكيل تحالفٍ يحظى بالأغلبية لتسمية رئيس للوزراء، فبقي البلد في حالة شللٍ سياسي لمدة خمسة أشهر، قبل أن يتوافق البرلمانيون على اسم عادل عبد المهدي المعتزل منذ العام 2016، وخريج العلوم الاقتصادية، ووزير المالية والنفط في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي 2003، وواضع استراتيجيات الإصلاح الاقتصادي لتلك المرحلة، ليكون رئيساً للوزرا،ء في ظرفٍ كانت فيه البلاد خارجةً من حرب منهكة مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وكذلك من انتفاضة البصرة التي قضت على أحلام رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في تولي فترة ثانية، على الرغم من كونه مرشّح كتلة "سائرون"، التي يقودها رجل الدين ذو النفوذ الواسع مقتدى الصدر، وعلى الرغم كذلك من الدعم الأمريكي والسعودي له.