الثقافة الاستراتيجية الروسية في القرن الحادي والعشرين
بين الواقع والطموح
صلاح نيُّوف
أولا ـ الإطار المفاهيمي للثقافة الاستراتيجية
1ـ المفهوم والتعريف
فرض مفهوم "الثقافة" نفسه في مجال الدراسات الاستراتيجية والأمنية بشكل واضح منذ منتصف التسعينات من القرن الماضي. تمت إعادة التأكيد على طريقة تاريخية وروائية ووصفية لتحليل الأسئلة الاستراتيجية. ظهر مفهوم "الثقافة الاستراتيجية" خلال السبعينيات، ولكن الإشارة إلى "الثقافة" بهدف دراسة سلوك المحاربين والسلوك الأمني هي أقدم بكثير. إن فكرة وجود أنماط معينة، أو أنماط وطنية، في الاستراتيجية تم العثور عليها في كتابات Xenophon أو كتابات Machiavelli. أشار الأميرال الأمريكي ألفريد ماهان، في القرن التاسع عشر، أيضًا إلى "الطبائع الوطنية" في عمله على "تأثير القوة البحرية عبر التاريخ". وأخيرًا، انتشر تعبير (الأسلوب في إدارة الحرب) عبر المؤرخ العسكري البريطاني "باسيل هـ. ليدل هارت"[1]، ويؤكد المؤلف أن هناك خصوصيات استراتيجية وطنية ترسبت تاريخيا. وبالتالي فهو يؤكد على وجود أسلوب استراتيجي بريطاني غير مباشر، يقوم، من بين أمور أخرى، على المناورة والتطويق بدلاً من الهجوم الأمامي. سوف يكون لوجهات نظره صدى دائما بين المؤرخين العسكريين البريطانيين[2]. أما في الولايات المتحدة، تم تعميم مفهوم "الأسلوب الاستراتيجي" من قبل (راسل ويغلي) في كتابه الشهير "الطريقة الأمريكية في الحرب"، قدم أسلوبًا أمريكيًا للحرب يركز على إبادة العدو[3].
إذا كانت دراسة السياسة الخارجية ظلت لفترة طويلة تحت هيمنة فرضية تقول بإن السلوك الدولي للدول محددٌ أولا بعوامل مادية (مثل القوة العسكرية، الموارد الاقتصادية أو الموقع الجغرافي) فإن صياغة مفهوم "الثقافة الاستراتيجية" هي إحدى محاولات كسر هذا التقليد. تم تطوير هذا المفهوم في أوائل الثمانينيات، وعاد بشكل دوري منذ ذلك الحين إلى المناقشات حول السياسة الخارجية والدفاع. يذكرنا، بشكل خاص، أن الأفكار (الرموز، الاستعارات، التشابهات، تفسيرات التاريخ، اللغة، القيم وغيرها) هي أيضًا متغيرات مهمة عندما يتعلق الأمر بفهم القرارات حول استخدام القوة. وبعبارة أخرى، "فإن القادة، في سلوك سياستهم الخارجية والدفاعية، ليسوا مجرد جهات باردة وعقلانية وحسابية، بل هم أيضًا كائنات مشروطة بالبيئة الثقافية والتاريخية والاجتماعية التي يعملون فيها"[4].
كُتب الكثير لإثبات فائدة التحليل الاستراتيجي للثقافة في التنبؤ بالمشكلات وتحسين أداء السياسات في العلاقات الدولية. يعتبره معظم مؤيديه مكملاً للنظرية الواقعية والواقعية الجديدة والبنائية/البنيوية. هنا، وعندما تفترض الواقعية أن يتصرف فاعلو الدولة بعقلانية، يؤكد تحليل الثقافة الاستراتيجية على أن السلوك العقلاني يعتمد على الثقافة. غالبًا ما تكون القيم التي يزنها الفاعل العقلاني في تحليل التكلفة / الفائدة مثالية أكثر مما هي مادية ولا يمكن تقييمها بدقة دون معرفة دقيقة بتفضيلات الفاعل. هذه المعرفة، مهما كانت معقدة وفوضوية، هي مهمة جديرة بالثناء. إن الثقافة الاستراتيجية تعاني من غياب مجموعة محددة من الافتراضات أو بنية نظرية محدَّدة ومعرَّفة.
الثقافة الاستراتيجية مزيجٌ من التاريخ والجغرافيا والفلسفة السياسية أو حتى الثقافة المدنية. يتم تقديم التحليل الثقافوي culturaliste (الذي يمزج بين الأنثروبولوجيا والسيكولوجيا) كوسيلة لفهم الفاعلين من خلال مراعاة التصورات التي يقدمونها لأنفسهم أو لأساطيرهم. إجمالاً، يرى هذا التيار التحليل الثقافوي كوسيلة لفهم الاتجاهات بدلاً من العوامل المتغيرة التي تحدد بدقة الأفعال. ويمكننا هنا تقديم بعض العناصر المنهجية، حيث تتكون الثقافة الاستراتيجية من الجغرافيا السياسية، والعلاقات الدولية، والثقافة السياسية والأيديولوجيا، والثقافة العسكرية (التاريخ العسكري، وتقاليد وتعليم الجنود)، والعلاقات المدنية ـ العسكرية في التنظيم البيروقراطي، المعدات والأسلحة والتكنولوجيات المتاحة[5].
- يكن مسار الثقافة الاستراتيجية واضحا رغم كل هذا. شهدنا، خلال السنوات 1970-1980، اهتمامًا متجددًا بالظاهرة العسكرية بين المؤرخين وبشكل خاص في البلدان الأنجلو سكسونية. أعاد الباحثون تناول سلسلة من الأسئلة السيسيولوجية، لا سيما تلك المتعلقة بالبيروقراطيات العسكرية والمجموعات الاجتماعية في الجيش. يمكننا ملاحظة ذلك مع ظهور مجلات متخصصة مثل "الأمن الدولي" أو "مجلة الدراسات الاستراتيجية"، حيث جمعت بين مساهمات علماء السياسة وعلماء الاجتماع والمؤرخين[6]. ضمن هذا السياق، ظهرت الأعمال اتعلقة بالثقافة التنظيمية والثقافة العسكرية. تم تقديمها أحيانًا على أنها تحليلات تاريخية أو اجتماعية أو سياسية.
سنشهد، بدءً من ثمانينيات القرن الماضي وما بعده، ظهورًا في المجال التاريخي للعمل حول "ثقافة الحرب" و "الخيال الاستراتيجي" و "الأطر العقلية" و "الثقافة الاستراتيجية". هذه الأفكار مستوحاة بدورها من École des Annales (هو تيار تاريخي فرنسي أسسه لوسيان فبر (1878-1956) ومارك بلوخ (1886-1944) في نهاية عشرينيات القرن العشرين)، والفكرة الاجتماعية لبناء الواقع الاجتماعي، مفهوم الحرب و / أو مفهوم الثقافة السياسية. هذه المفاهيم هي إما فرصة للمؤرخ لتأكيد الروابط بين الممارسات الحديثة والقديمة، أو وسائل للكشف عن كيفية توجيه الممارسات الاستراتيجية عبر التصورات (المشوهة بشكل أو بآخر) التي يقوم بها الفاعلون السياسيون، العسكريون أو المدنيون الذين أثبتوا فعاليتهم العسكرية.
بداية، يمكننا طرح سؤال جيد: ماذا يمكن أن تضيف دراسة "الثقافة الاستراتيجية"؟ النقطة الأولى هي أن الثقافة الاستراتيجية تسمح بوضع عدسة للأمن على العديد من الدراسات ومنها العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، ومن خلال هذه النقطة يقوم الباحثون بمهمات محددة ويجمعون البيانات بطريقة مفيدة بشكل خاص للسياسة الخارجية. ثانياً، تسد الثقافة الاستراتيجية فجوة في نظرية العلاقات الدولية. تسمح هذه النقطة لمعظم الممثلين بأن يكونوا عقلانيين على الأرجح، لكنها تصر على أنه يجب فهم العقلانية في سياق ثقافي. ثالثا، تستكشف الطرق التي يستخدمها الفاعلون ضمن السكان الوطنيين والإدارات السياسية والمؤسسات ذات الصلة بالأمن، لاستخدام التعبير الأكثر شيوعًا "المحدود عقلانيًا" في عملية اتخاذ القرار. إن البحث حول الثقافة، من حيث صلتها بالقضايا الأمنية، ليس فنا معروفا جيدا في مجال العلوم السياسية، لذلك، سوف يحتاج المحللون إلى التوسع ليشمل منهجهم تخصصات أخرى، لا سيما الأثنوجرافيا وعلم الاجتماع. غالبًا ما تتضمن هذه الطرائق تقنيات مستخدمة على نطاق واسع مثل الاستطلاعات ومجموعات النقاش والحوار. ومع ذلك، فإن الأنظمة المغلقة لا تخضع بسهولة لبعض هذه الآليات ويجب استخدام حلول أكثر إبداعًا.
تركز العمليات الاستخباراتية الأمريكية حاليًا، على سبيل المثال، على التحليل السياسي والاقتصادي والأمني والقيادي للنظام. لا يوجد محللون مدربون بمهارات محددة في أي مكان لاستخراج المعطيات الثقافية، ولا هم مكلفون بتحديد معايير عقلانية المجتمعات الأجنبية. غالبًا ما يدرك المحللون الحاجة إلى معرفة بعض المعلومات الأساسية حول الثقافة الأجنبية والبحث عنها بمفردهم، لكن هذه الممارسة ليست مؤسسية ولا يتم منحها الكثير من الاهتمام أو الموارد. ونتيجة لذلك، يتعرض مجتمع الاستخبارات لأخطاء سياسية خطيرة. يعد فهم الثقافة أمرًا ضروريًا للتنبؤ بالأحداث، وبناء حسن النية على أرض الواقع، والانخراط في مفاوضات ناجحة ومجموعة كاملة من المهن الأخرى داخل بنى السياسة الخارجية. حروب القلوب والعقول لا ينتصر بها الجاهل الثقافي….
متابعة القراءة عبر ملف PDF
[1]– Basil H. Liddell Hart, “The British Way in Warfare. Adaptability and Mobility”, 1932, New York, Penguin, 1942.
[2]– Hew Strachan, « The British way in warfare revisited », The Historical Journal, 1983, vol. XXVI, no 2, p. 447-461.
[3]– Russell F. Weigley, “The American Way of War”, A History of United States Military Strategy and Policy, Indiana, Bloomington, 1977.
[4]– Stéphane Roussel, «La recherche sur la culture stratégique : quelques pistes de réflexion.», Diplomatie, no 29 (novembre – décembre 2007), p. 23 – 25.
[5]– Carnes Lord, « American strategic culture », in Fred E. Baumann, Kenneth M. Jensen, American Defense Policy and Liberal Democracy, Charlottesville, University Press of Virginia, 1989, p. 44-63.
[6]– Pascal Vennesson, « Science politique et histoire militaire : comment (mieux) pratiquer l'interdisciplinarité ? », in Laurent Henninger, « Histoire militaire et sciences humaines », Bruxelles, Complexe, 1999, p. 155-198.

