حسام أبو حامد
لمواجهة توسع النفوذ السوفييتي بعد الحرب العالمية الأولى، سعت فرنسا إلى توثيق العلاقات مع إيران، لاسيما في عهد رضا شاه (1926-1941)، وأطلقت من طهران مشاريع فرنسية عدة، طالت الاقتصاد والبنى التحتية. بعد فتور في العلاقات بين البلدين، مع وصول جورج بومبيدو إلى سدة الرئاسة الفرنسية العام 1969، الذي لم يكن معجباً بالشاه، كانت التوقعات أن تتحسن العلاقات بطريقة غير مسبوقة عقب الثورة الإسلامية في إيران العام 1979، إذ أشاد الثوار الإيرانيون بكرم القادة الفرنسيين تجاه آية الله الخميني، زعيمهم الروحي، الذي احتضنته فرنسا طوال سنوات من النفي. ولم تكن لدى الإيرانيين كراهية لفرنسا التي افتقرت إلى الطموحات الاستعمارية في إيران، لكن عوامل متعددة أعاقت تحسين العلاقات بين البلدين، وفي بعض الحالات أدت إلى قطيعة ديبلوماسية بينهما.
عوامل التوتر
لعبت عوامل عديدة في توتير العلاقات بين طهران وباريس، فبعد توقف الولايات المتحدة عن دعم البرنامج النووي الإيراني عقب الثورة الإسلامية، حيث أوقفت إمداداتها من اليورانيوم المخصب، ألغت طهران عقوداً مع شركات أجنبية ومنها فرنسية. وفي ظل استمرار الدعم الفرنسي لإسرائيل، وسياسة فرنسا العربية التي بحثت عن عمق في المنطقة، وسيلة لموازنة ألمانيا في أوروبا، والعلاقة الأنجلو أمريكية عبر المحيط الأطلسي، من خلال تطوير علاقات وثيقة مع الدول العربية. هذه السياسة كانت العامل الرئيسي المسؤول عن إمالة باريس نحو بغداد، لتقدم لها مساعدات عسكرية كبيرة، خصوصاً خلال الحرب العراقية الإيرانية، ما غذى عدم ثقة إيران بفرنسا.
أدّت أزمة الرهائن التي استمرت 10 سنوات في لبنان (1982-1992)، والتي احتُجز فيها 16 شخصاً من أصل فرنسي، إلى تفاقم الأمور بين البلدين، وبلغت "حرب السفارات" في سبتمبر 1986 ذروتها في أعقاب التفجيرات التي أوقعت في باريس 100 شخص بين قتيل وجريح، والتي اتهمت باريس طهران بالتورط فيها، وأثارت مواقف باريس المرحبة بنشاطات المعارضة الإيرانية على أراضيها دائما شكوك طهران. رأت فرنسا إيران الثورية قوة مزعزعة للاستقرار تسعى إلى تخريب الحكومات العربية المحافظة، وتنشر نفوذها في العالم الإسلامي من خلال تشجيع الجماعات المتطرفة، الشيعية اللبنانية، والفلسطينية في لبنان، ودعم الأعمال العنيفة ضد المصالح الغربية في كل مكان في العالم. اعتقدت فرنسا أن هذه الجهود يمكن أن تهدد التدفق الآمن والحر للنفط عبر الخليج، وكذلك استقرار وأمن الشرق الأوسط والغرب. وكثيرا ما لعبت الولايات المتحدة دوراً رئيسياً في توجيه السياسة الفرنسية فيما يتعلق بإيران، اذ انضمت فرنسا منذ البداية إلى الدول الغربية الأخرى في فرض سلسلة من العقوبات على إيران بعد أزمة الرهائن الأمريكيين (1979-1981)، وكانت القيود المفروضة على باريس، نتيجة التزاماتها تجاه المفوضية الأوروبية، مسؤولة جزئيًا عن الركود الديبلوماسي تجاه طهران.

