ذات صلة

عزل ترامب بين الضرورة والإمكان

حسام أبو حامد

مدخل:
ألف يوم ونيف من فترة رئاسة دونالد ترامب، التي بدأت في 20 يناير/ كانون الثاني 2017، كانت حافلة بتحقيقات حول شبهات سياسية ومالية وسلوكية وغيرها، بدءاً بشريط الكلام الإباحي "أكسيس هوليوود"، مروراً بمحطات استنكار حاد لتبريره عنصرية البيض في شارلوتسفيل، أو تلك الناجمة عن الدعوى القضائية المرفوعة ضده من الممثلة الإباحية، سترومي دانييلز. هذه المحطات لم تنته مع "تحقيق مولر"، على خلفية التدخل الروسي لصالحه في انتخابات 2016، أو خطابه العنصري تجاه مشرّعات أمريكيات. هذه المرة، يبدو أن مستقبله السياسي على المحك، مع توافر احتمالات جدية لإقالته من منصبه، قبل احتمال خسارته الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد شروع النواب الديمقراطيين بإجراءات عزل الرئيس.
هل أصبح عزل رئيس أمريكي هذه المرة ممكناً؟ أم أن عزل ترامب بات ضرورة من أجل "أمريكا أولاً"، مع مفارقة أن "أميركا أولاً" هو الشعار الشعبوي الذي رفعه ترامب غطاء لسلوكه السياسي؟
أوكرانيا غيت
فتح مجلس النواب الأمريكي في 24 سبتمبر/أيلول الماضي تحقيقاً رسمياً لمساءلة الرئيس ترامب بتهمة التماس مساعدة أجنبية لتشويه سمعة منافسه الديمقراطي جو بايدن، قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في العام المقبل. وأُجبر البيت الأبيض رسمياً على الكشف عن مضمون مكالمة هاتفية أجراها ترامب مع الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلنسكي، في 25 يوليو/ تموز الماضي، طالبه فيها بفتح تحقيق قضائي بخصوص هانتر بايدن، نجل جون بايدن، المرشح عن الحزب الديمقراطي، ومنافس ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقررة في نوفمبر/ تشرين الثاني العام 2020. ويبدو أن إجماعا ديمقراطياً، متوفر اليوم، يقول بأن لديهم قضية متماسكة، قادرة على إقناع الرأي العام الأمريكي، والنواب الجمهوريين، لضمان المصادقة على قرار العزل بأغلبية الثلثين في الكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريين. 
أكد الكشف عن المكالمة أن ترامب ربط الإفراج عن مساعدات لأوكرانيا بقيمة 391 مليون دولار بطلب شخصي، تمثل في أن تقدّم أوكرانيا طلباً إلى وزارة العدل الأمريكية، بغية فتح تحقيق بخصوص علاقة هانتر بايدن بشركةٍ أوكرانية للطاقة، كان هانتر أحد مستشاريها، في فترة تولّي والده منصب نائب الرئيس، إبّان عهد الرئيس باراك أوباما بين 2009 و2017. وهو ما اعتبره الديمقراطيون في مجلس النواب استعانةً بحكومة أجنبية، بغية تحقيق مصلحة شخصية لترامب على حساب المصلحة العامة، الأمر الذي ينتهك الدستور ويشكل خطراً على الأمن القومي.
اعترف ترامب بتأجيل المساعدات، لكنه نفى ممارسة أي ضغط على أوكرانيا لمصلحته السياسية، وأن "لا مأخذ" قانونياً على اتصاله الهاتفي، فقد أراد مكافحة "فساد" بايدن ونجله بشكل شرعي. وحاول إظهار المسالة وكأنها اتهامات باطلة على خلفية منافسة حزبية، وسعى البيت الأبيض إلى التنصل من التعاون مع الكونغرس بشأن تبادل المعلومات في الشكوى التي تقدم بها أساساً مسؤول استخباراتي عمل في البيت الأبيض، وأطلع المفتش العام للاستخبارات الأمريكية، مايكل أتكينسون، في 12 أغسطس/آب الماضي، على فحوى المكالمة.
عزل الرئيس والنظام السياسي الأمريكي
تكررت محاولات عزل الرئيس أربع مرات في التاريخ السياسي الطويل للولايات المتحدة الأمريكية، كانت محصلتها الفشل. إذ تبدو إجراءات عزل الرئيس في النظام السياسي الأمريكي أكثر تعقيداً من إجراءات حجب الثقة في النظام البرلماني، في ظل اعتماد هذا النظام على الثنائية الحزبية، حيث الانتماء الحزبي حجر الزاوية في المستقبل السياسي للنواب، لذا يحتاج عزل الرئيس إلى تحقيق حد أدنى مناسب من التوافق السياسي بين الحزبين، وكثيراً من الدعم الشعبي. 
تمت أول محاولة لعزل رئيس أمريكي في عام 1840 ضد جون تايلور، لكنها فشلت في الحصول على الأغلبية اللازمة، أما المحاولة الثانية فكانت ضد الرئيس أندرو جونسون عام 1868، بعد إقالته وزير دفاعه إيدموند سانتون، وعرقلها مجلس الشيوخ. وفي محاولة ثالثة عام 1973 استبق الرئيس ريتشارد نيكسون قرار العزل بسبب فضيحة "ووترغيت" مقدّماً استقالته. واستطاع مجلس الشيوخ إنقاذ الرئيس بيل كلنتون في العام 1998، بعد فضيحة مونيكا لوينسكي، وكذب الرئيس بخصوص علاقته معها.