ذات صلة

على طريق الحرير الجديد: القاطرة الفرنسية تقود أوروبا

حسام أبو حامد
تُعد الصين اليوم ثاني أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة، فيما الاتحاد الأوروبي هو أكبر شريك تجاري للصين. ويلتزم الطرفان بشراكة استراتيجية شاملة، على النحو المعبر عنه في الأجندة الاستراتيجية للتعاون بين الاتحاد الأوروبي والصين لعام 2020. ورغم أهمية هذه الشراكة الاستراتيجية للطرفين، وما فيها من مصالح متبادلة، إلا أن أوروبا بدأت تواجه تحديات تفرضها الصين الصاعدة، فالخلفية الحضارية الثقافية المتباينة بين الصين وأوروبا، وتفاوت النمو، والنفوذ الاقتصادي الصيني المتزايد، وبراعتها التكنولوجية، عززت ملامح المنافسة على حساب الشراكة، وبدأ الزعماء الأوروبيين يشعرون بالقلق بشأن التأثير السياسي للصين، خاصة على الدول الأصغر في الاتحاد الأوروبي، لتتحول الصين، بعد أن كانت "شريكاً استراتيجياً"، كما وصفتها الوثائق الأوروبية طوال خمسة عشر عاماً، إلى "منافس منهجي يروّج لنماذج بديلة للحكم"، وفقًا لوثيقة صدرت في 12 مارس/آذار  2019 عن المفوضية الأوروبية (الاتحاد الأوروبي والصين: نظرة استراتيجية). 
 تواجه أوروبا تحديات متنوعة فرضتها السياسية الاقتصادية الصينية، وتشعر بالحاجة إلى تعزيز مصالحها بشكل أفضل في مواجهة الصين، عبر توظيف قوتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، للحدّ من النفوذ السياسي الصيني، والدفاع عن القيم الديمقراطية في الداخل الأوروبي. وعلى عكس توجهات برلين وباريس وبروكسل، لا يزال قادة العديد من الدول الأوروبية الأصغر يركزون فقط على الفوائد الاقتصادية للتواصل مع الصين. هذا الانقسام الأوروبي يعيق الاستراتيجية الأوروبية في التصدي للنفوذ الصيني، لاسيما وأن أوروبا تجد نفسها عالقة وسط تنافس أمريكي صيني متنامي، لا يمكن معه أن تتخلى عن علاقاتها طويلة الأمد مع الولايات المتحدة، لكنها لا تستطيع أيضاً إضعاف علاقة تجارية مع الصين تتجاوز قيمتها مليار دولار يومياً.

التنافس الأمريكي الصيني
انسحبت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، ومن الاتفاق النووي الإيراني، وتهدّد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، وفرضت رسوماً على الصلب والألومنيوم الأوروبيين، ما أضرّ بمصداقية الولايات المتحدة لدى حلفائها الأوروبيين، وبدأت تهتزّ النظرة الأوروبية إلى الولايات المتحدة كشريك يمكن الوثوق به على المستوى الاقتصادي الاستثماري، وحتى على المستوى الأمني. وبالرغم من كل التحفظات الأوروبية تجاه الشريك الصيني، إلا أنها مازالت تجد فيه الملاذ الآمن والشريك التجاري الأكثر أهمية بشأن القضايا البيئية والأمنية، على عكس الحليف الأمريكي الذي يخاطر باستمرار بشراكته مع أوروبا. 
تبحث الصين في خضم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها أوروبا عن نقاط الارتكاز التي تدعم استمرارية التواجد الصيني في السوق الأوروبية، على المدى الطويل، وتمكّنت أخيراً من توقيع مذكرة تفاهم مع إيطاليا، تشمل التعاون في البنية التحتية، مثل الموانئ وشبكات النقل، رغم ضغوط مارستها واشنطن على كل من ألمانيا وفرنسا لثني روما عن الخطوة، بل نجحت في ضمها إلى مبادرة "الحزام والطريق"، ووقّعت كذلك صفقات بقيمة 45 مليار دولار مع فرنسا، كان أكبرها عقد شراء 29 طائرة "إيرباص"، وتجاهلت دول عدة أعضاء في الاتحاد دعوات أمريكية إلى حظر شراء معدات تكنولوجية صينية، فيما سمحت الحكومة البريطانية لشركة الاتصالات الصينية العملاقة Huawei بالمساعدة في بناء شبكة الجيل الخامس رغم تحذيرات واشنطن.

الاقتصاد الصيني: مزايا ومبادرات
في عام 2013، أطلق الرئيس الصيني شي جين بينغ سياسته الداخلية المتمحورة على ردّ الاعتبار للحزب الشيوعي عبر مكافحة الفساد الحكومي، والخارجية، التي طالبت الغرب بتقبل الخصوصية الفكرية والسياسية لبلاده، وسعى إلى حزمة مشاريع بنى تحتية لتعزيز نفوذ بكين الاقتصادي والجيوسياسي، للأخذ بزمام الريادة العالمية. وكان الأبرز تحدي الصين لاتفاقية الشراكة التجارية بين الدول المطلة على الأطلنطي التي تقودها الولايات المتحدة، عبر مبادرة "الحزام والطريق" لأحياء طريق الحرير القديم، كاستراتيجية للتنمية العالمية، تتضمن تطوير البنية التحتية والاستثمارات في عدد من الدول في آسيا وأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط والأمريكيتين (بلغت حتى الان أكثر من 152دولة)، والتي تتيح للصين فرصة تصدير طاقاتها الإنتاجية الفائضة، وتوفير أسواقٍ لصادرات بكين من الإسمنت والصلب والمعادن الأخرى، وإيجاد أسواق جديدة للشركات الصينية، مثل شركات السكك الحديدية للقطارات فائقة السرعة، بالإضافة الى تسهيل وصول الصين إلى مصادر الطاقة. لكن مبادرة "طريق الحرير" هي أكثر من مجرّد مبادرة اقتصادية، إذ تخدم أيضاً أهداف بكين في السياسة الخارجية: أي الوصول إلى التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في آسيا، وإعادة تشكيل مناخها الأمني. فأحد الهواجس الرئيسية هو قطع طرق التجارة الصينية في حالة المواجهة مع الولايات المتحدة، نظراُ لكونها محاطة بسلسلة من الأصدقاء والحلفاء الأمريكيين. ولتحقيق هذه الغاية فإن مبادرة "طريق الحرير" تزيد من نفوذ بكين في الولايات الواقعة على طول هذه الطرق التجارية، وبالاستثمار في دول ذات اقتصادات متقلبة وسط آسيا، ويراهن الرئيس الصيني على إمكانية بناء جوار صيني أكثر استقراراً، لا سيما بجانب الولايات الغربية لـ"التبت" و"تشينجيانج"، كما يثبّت أقدام بكين في بحر الصين الجنوبي، من خلال إحياء مشروع "طريق الحرير".
كان الاستثمار الصيني، حتى مع أعباء الديون المرتبطة به، يبدو كأنه الخيار الوحيد لمعالجة البنية التحتية المتعثرة أو غير الموجودة وبناء الصناعات المحلية، في عدد من الدول الأوروبية، التي سأمت مساعدات بروكسيل البطيئة والبيروقراطية، التي لا تضاهي القروض الصينية الرخيصة. وعموماً، تنظر العديد من الاقتصادات الأوروبية، التي ما زالت لم تنتعش بالكامل من أزمة منطقة اليورو، بشكل إيجابي إلى الاستثمارات الصينية كمصدر لرأس المال، ووسائل النمو اللاحقة، وإيرادات الضرائب، وفرص العمل، وتطوير البنية التحتية، وفرص السوق. 
هناك بعض المزايا التي تدعم توجّه الصين العالمي، فعلى عكس المؤسسات ذات الجذور الغربية، مثل صندوق النقد الدولي، فإن قروض بكين لا تشترط على الدول تغيير اقتصاداتها المحلية بحسب توجّهات السوق الحرّة. وبنفس الطريقة، فإن مبدأ الصين بعدم التدخّل يتيح لها التعامل مع الدول بغض النظر عن نوع النظام السياسي السائد، أو عن التزام هذه الدول بمبادئ حقوق الإنسان. وبالمقارنة مع الشركات الأوروبية الخاصة نجد أنّ الشركات الصينية المدعومة من قبل الدولة تتمتع بالمرونة الكافية لعقد صفقات لا تشترط أن تكون عائداتها أرباحاً نقدية في المقام الأول، بل يمكن أن تشمل النفوذ الاستراتيجي أو القوة الناعمة.
مخاوف أوروبية
تكافح العواصم الأوروبية لإيجاد التوازن الصحيح بين المبادئ الأساسية للانفتاح الاقتصادي مقابل المخاوف الأمنية المتعلقة بتزايد بصمة الصين في أوروبا. وتشمل المخاوف الدور المتصوّر للدولة الصينية في الاقتصاد، وما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وتشوّهات الأسعار بسبب الإغراق المدعوم، والظروف غير المتكافئة للوصول إلى الأسواق، فضلاً عن التمييز ضد شركات الاتحاد الأوروبي في مناقصات الحكومة الصينية. هناك أيضًا مسألة المعاملة بالمثل، حيث تقتصر قطاعات مثل المالية والاتصالات والمشتريات العامة على المستثمرين الأجانب في الصين، ولكنها مفتوحة للمستثمرين الصينيين في الاتحاد الأوروبي.
مع ذلك، لاتزال أوروبا منقسمة حول مدى جدية مواجهة التحدي الصيني؛ ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إلى جانب بولندا وإسبانيا والدول الإسكندنافية، تعمل على تطوير استجابات لتفاعل الصين الاقتصادي المتزايد مع نفوذها السياسي في أوروبا، تتجاهل الدول التي ظلت مهمشة داخل الاندماج الاقتصادي الإقليمي، التحدي الذي تمثله بكين، فالتعاون معها سيساعدها في استعادة حيويتها الاقتصادية والتأثير في سياسات المنطقة.  لذلك تستمر دول مثل، اليونان والمجر والبرتغال، في الضغط من أجل مزيد من الاستثمارات الاقتصادية من الصين، والتقليل من مخاوف مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل. 
في عام 2015، أعلنت الحكومة الصينية عن استراتيجيتها “صُنع في الصين 2025” التي تقودها الدولة، بهدف جعل الصين رائدة على مستوى العالم في تصنيع التكنولوجيا الفائقة. وتهدف إلى استبدال التكنولوجيا الأجنبية بالبدائل صينية الصنع، في السوق المحلية أولاً، ثم في الخارج، وحاولت ألمانيا، ودول أوروبية أخرى، الحدّ من الاستثمارات الصينية في الصناعات الحيوية.
أصدرت مفوضية الاتحاد الأوروبي توصيات بشأن مخاطر الأمن السيبراني، وفي سبتمبر/ أيلول 2018، بناءً على طلب ثلاث دول أوروبية هي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، اقترحت المفوضية الأوروبية تشريعاً جديداً لإنشاء إطار أوروبي مشترك لفحص الاستثمار الأجنبي المباشر. يركز التشريع على الأصول الاستراتيجية ذات الأهمية الحاسمة للأمن والنظام العام الأوروبي، بما في ذلك الاستحواذ الأجنبي على التقنيات الحيوية أو البنية التحتية أو المعلومات الحساسة.
القاطرة الفرنسية على طريق الحرير
تزامنا مع زيارة الرئيس شي جين بينغ الأخيرة لباريس، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نهاية "السذاجة الأوروبية" بشأن الصين، ودعا كلاً من المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، وجان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، للانضمام إلى اجتماعاته مع الرئيس الصيني، من أجل بناء جبهة موحدة، وتقديم رسالة مفادها أن أوروبا ستكون حازمة في مقاومة محاولات الصين لتقسيمها. 
أكد القادة الأوروبيون في اجتماعهم مع الرئيس الصيني في 26 مارس/آذار الماضي الرغبة في تعاون أكبر مع بكين، ووجوب إزالة المخاوف المتعلقة بالمنافسة غير العادلة وتبديدها لمصلحة بناء علاقة متينة. قاد ماكرون هذا التوجه وأكَّد ضرورة احترام الوحدة الأوروبية، في إشارة إلى الاتفاقية الثنائية بين الصين وإيطاليا بخصوص مبادرة "الحزام والطريق"، ولكنه أضاف في الوقت ذاته إلى أن التعاون والانفتاح أفضل من الانغلاق، فالحوار بين الصين وأوروبا أضحى على قدر كبير من الأهمية لحماية تعدّدية النظام العالمي. أراد الجانبان التلميح لواشنطن بأنهما يمكنهما إحراز تقدم من دون اللجوء إلى تكتيكات الرئيس دونالد ترامب العدائية. وتمكن الاتحاد الأوروبي من الفوز بعدد من الامتيازات، بما في ذلك تعهدات بإنهاء صفقة الاستثمار طويلة الأجل بحلول عام 2020، وتحسين وصول الشركات الأوروبية إلى الأسواق الصينية، والحدّ من عمليات نقل التكنولوجيا القسري. اتفق الجانبان أيضاً على تكثيف مناقشاتهما بشأن تعزيز القواعد الدولية بشأن الإعانات الصناعية في منظمة التجارة العالمية.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، اختتم إيمانويل ماكرون زيارته للصين بعدد من الاتفاقيات التجارية، والميثاق الأخضر، وقعت باريس وبكين 40 عقداً ثنائياً، في مجالات الطيران والأغذية الزراعية والطاقة والسياحة والصحة والمالية والرقمية، وأطلق ماكرون والرئيس الصيني شي جين بينغ "نداء بكين للحفاظ على التنوع البيولوجي وتغير المناخ"، الذي أضفى الطابع الرسمي على الدور القيادي المشترك الذي اضطلعوا به لدعم اتفاق باريس، وزاد من أهمية الحفاظ على التنوع البيولوجي. وأكد ماكرون السعي المشترك لإصلاح منظمة التجارة العالمية قبل الصيف القادم، واقترح أن تخصّص الجهود الأوروبية في الجزء الأول من العام 2020 للاقتراحات والمبادرات، ثم التفاوض عليها مع الصين والولايات المتحدة. 
خاتمة:
منذ أكثر من نصف قرن، وفي ذروة الحرب الباردة، تجاوزت فرنسا الانقسام الأيديولوجي، وأصبحت أول دولة كبرى في نصف الكرة الغربي تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية. واليوم تقود القاطرة الفرنسية أوروبا على سكة طريق الحرير الجديد، لتجد فيها فرصاً كبيرة للدول الأوروبية إذا لحقت بها.
ويدرك ماكرون سلبية "التوترات التجارية" بين أوروبا والصين في أجواء الحرب التجارية الأمريكية ضد الصين وأوروبا، لذلك يسعى إلى حل بعض القضايا العالقة التي تلقي بظلالها على تعاون الصين مع القارة الأوروبية، و"بناء روابط توازن جديدة" مع الصين، عبر تكثيف التعاون معها في عالم "محاط بالشكوك"، حسب وصفه، ودعم العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين، وتسريع وتيرة مفاوضات اتفاقية الاستثمار بينهما، وهو يدرك محاذير التسويف في هذه القضية، ومخاطر الفشل في أن تركز الاستراتيجية الأوروبية فقط على مواجهة السياسات الصينية، ويرى أن في التعاون مع الصين، وتذليل العقبات أمام هذا التعاون، سبيل لإجبار الولايات المتحدة على العودة إلى طاولة المفاوضات، وإلى التعهد المشترك لعام 2018 بالعمل من أجل صفر تعرفة جمركية، وصفر حواجز غير جمركية، وصفر دعم حكومي على السلع الصناعية ماعدا السيارات.
تعزيز التنمية وتبادل المصالح مع الصين ليس بالضرورة أن يكون تنافسياً، لكن ذلك يحتاج من الحكومات الأوروبية والشركات الغربية تشجيع الصين على رفع معايير العمل والبيئة، واستخدام العقود الشفافة، والتركيز على الاستدامة المالية في مشاريعها الاستثمارية والبنية التحتية، من خلال الجمع بين مواردها وخبراتها لتقديم استثمارات عالية الجودة إلى الأسواق الناشئة، وخلق سباق إلى القمة بين مشاريع التنمية. لا تبدو الصين مخولة لكتابة قواعد النظام الدولي الجديد، على حساب الديمقراطيات الغربية الرائدة التي تحوز الأفضلية فيما يتعلق بالتجارة، والملكية الفكرية، والازدهار الاقتصادي، والتحالفات السياسية، والتي يمكن لها وضع معايير تنظيمية وأخلاقية لبقية العالم. يمكن لأوروبا استخدام نقاط القوة هذه لمعارضة الجوانب السلبية للتأثير العالمي للصين، ولتطوير استراتيجية أوروبية أكثر تماسكًا. 
ربما أدت محاولات أوروبا لتجنب المواجهة مع الولايات المتحدة أو الصين، إلى تهميش الاتحاد الأوروبي، لكن أوروبا ليست مضطرة إلى تبني نهج واشنطن المتشدّد تجاه الصين، وفي الوقت نفسه، لا يمكن لها قبول جميع محاولات الصين لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في أوروبا. لكن تحجيم المنافسة الصينية والإبقاء عليها شراكة استراتيجية مرهون أيضاً بتمكّن أوروبا من تعزيز سيادتها واستقلاليتها الاقتصادية والتكنولوجية. وأيضا استقلالية سياستها الدفاعية، عبر تفعيل مبادرات مثل "التعاون الهيكلي الدائم"، و "صندوق الدفاع الأوروبي".