ذات صلة

بين طهران و واشنطن: الشرق اﻷوسط ما بعد الفجر اﻷزرق

 

بين طهران و واشنطن:
الشرق اﻷوسط ما بعد الفجر اﻷزرق!

كمال شاهين

 

جاء اعتراف إيران أنها أسقطت طائرة الركاب الأوكرانية بعد إنكار استمر أياماً، ليضيف إلى تخبطها في إدارة اﻷزمة الراهنة مع واشنطن عنصراً أشعل عليها جهات العالم اﻷربع، فإذا كان البعض "يتفهم" الرد اﻹيراني على الاستفزاز اﻷميركي باغتيال سليماني، فإن كارثة الطائرة المدنية الناتجة عن خطأ بشري "غير مقصود" جعلت صورة إيران تقترب من صورة "الشيطان" التي عملت زمناً طويلاً لإلصاقها بواشنطن.
لم ينته اﻷمر هنا، إذ استعاد الشارع اﻹيراني بعد تشييع سليماني حضور احتجاجاته على الوضع الاقتصادي السيء الذي تعيشه البلاد نتيجة الحصار الاقتصادي اﻷميركي، وبلغ سعر الصرف أرقاماً خيالية (112 ألف تومان مقابل الدولار)، إضافة إلى المطالبة بالتوقف عن تشويه صورة البلاد خارجياً وداخلياً، فيما تشهد بلدان "محور المقاومة" اﻷخرى أوضاعاً أكثر مأساوية، أولها الاحتجاجات الشعبية في لبنان والعراق، بما يشي باقتراب حصول تغيرات أكثر دراماتيكية في العام الحالي وليس في السنوات القادمة.
لسنوات طويلة، ومنذ ثورة 1979، كان النزال بين واشنطن (ومعها تل أبيب بالضرورة) وطهران واحداً من المحددات اﻷساسية للسياسات اﻹقليمية والدولية في الشرق اﻷوسط، لتبدو الاصطفافات خلفهما معياراً رئيسياً في تطورات أوضاع المنطقة، ورغم تفاوت القوى الكبير بين الطرفين، خاصةً بعد دخول تركيا لاعباً رئيسياً فيها، فإن ذلك لم يدفع طهران إلى تغيير سياساتها وفق رغبات واشنطن، مستندةً في ذلك إلى مجموعة نقاط قوة صاغتها بناء على استراتيجية "تصدير الثورة" دون فصلها عن "الدولة" في محاولة دؤوبة لصياغة موقع إقليمي ودولي مؤثّر لم تكن واشنطن لتسمح به بسهولة في ظل وجود "إسرائيل" في المنطقة وضرورة بقائها سيدةً على الجميع، إضافة بالطبع إلى تعارض ذلك مع المصالح اﻷميركية في منطقة الخليج.

الداخل اﻹيراني: صورة الثورة ومخزونها

 

لم يكن ممكناً أن يتأخر رد "مدروسٌ" بعناية على اغتيال الجنرال سليماني، فهناك معضلة حقيقة ستصيب طهران إن لم ترد فعلاً، ليس اﻷمر متعلق فقط بالتصريحات النارية التي تسابق قادتها ﻹطلاقها على أعلى مستويات البلاد، بما في ذلك الرئيس روحاني، وهو ما أسمته طهران "الرد الثقيل"، فهناك جمهور خرج بالملايين في أضخم جنازة لم تشهدها البلاد منذ وفاة الخميني، مع ما يشكل ذلك من عبء على سياسات النظام تجاه الرد "المزلزل" المطلوب رداً على الاغتيال.
معضلة طهران الأساسية تمثلت في أنها "يجب" أن ترد وإلا لتحولت صورتها الداخلية المهزوزة أصلاً منذ تفاقم اﻷوضاع الاقتصادية والاحتجاجات التي ضربت البلاد قبل عام واحد، إلى صورة تتطابق مع أي من دول المنطقة المستباحة السيادة والحدود واﻷركان، دون نسيان الدور المركزي للجنرال سليماني في تظهير صورة "الثورة اﻹيرانية" أمام شعوب المنطقة، وأمام اﻹيرانيين أنفسهم، وهو دور ظهر للعلن بوضوح إبان سنوات اﻷزمة السورية وتحولاتها الكبرى، خاصة في معارك حلب مع قوات المعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا، التي أشرف عليها رجل الحرس الثوري القوي.
من جانب ثان، فإن الحرس الثوري كان معنياً قبل غيره بما حصل من اختراق أمني لصفوفه الأمنية والاستخباراتية، وبنفس الوقت أمام جمهوره اﻹيراني وغير اﻹيراني، فالعلامة الفارقة في مسيرة الحرس الثوري عماد الثورة اﻹيرانية في القرن الحالي صنعها سليماني، وحضوره في المنطقة يعود فضله كذلك إلى الجنرال الرمز القادم من شرق البلاد (كرمان) لذلك كان لا بد من الرد على عملية "الفجر اﻷزرق" اﻷميركية،.
معضلة طهران الداخلية المضافة، هي في أن صراخها اﻹعلامي على كل المستويات، إذا أريد له أن يتحول إلى فعل حقيقي، فستكون النتيجة كارثية على الداخل اﻹيراني، وهو ما أعلنه بوضوح الرئيس اﻷميركي محذراً وبوضوح شديد أن "أذى أي مواطن أميركي" سيتبعه ما لا يحمد عقباه بالنسبة لطهران، 52 هدفاً "ثقافياً" ستكون عرضة للصواريخ اﻷميركية، وبنفس الوقت الذي أعلن فيه ترامب "إن المطلوب من النظام اﻹيراني تغيير سلوكه اﻹقليمي"، وأن باب المفاوضات "الذي لم تخسره طهران يوماً، مفتوح لها" وفق تغريدة تلت عملية الاغتيال.
إيران التي أكملت التحدي "اﻹعلامي" عمدت هي اﻷخرى إلى تحديد عدد من اﻷهداف اﻷميركية في المنطقة، وأهمها القواعد المنتشرة في دول الخليج والعراق (بتعداد جنود إجمالي يصل إلى أكثر من مئة ألف مقاتل ألحقت بها واشنطن خمسة آلاف من قوات التدخل السريع خاصتها، مع بوارج جاهزة في المتوسط لضرب اﻷهداف اﻹيرانية)، إلا أن الجميع فهم أن هذه الرد اﻹيراني لا يعدو أن يكون هو اﻵخر صراخاً، فيما بدا أن التصعيد غير مطلوب من قبل الجميع، وعلى هذا اﻷساس أعادت طهران حساباتها مرة ومرات لحين الوصول إلى ما يمنحها حفظ ماء الوجه أمام جمهورها ومناصريها. 
لكن كل هذا لم يمنع الجمهور اﻹيراني من النزول إلى التظاهرات رغم احتمال القمع الكبير من قوات الباسيج، إذ شهدت جامعات عدة (منها طهران) مظاهرات طلابية تندد بسياسات النظام في تناقض واضح مع مشهد الجموع المتدافعة في جنازة سليماني حيث توفي أكثر من 80 شخصاً نتيجة التدافع، وتمثل التظاهرات اﻷخيرة تياراً مختلفاً كلياً عن تلك الجموع من ضمن الانقسام الذي يطبع المجتمع اﻹيراني منذ سنوات، إذ تضم العمال والطلاب، الذين لهم دور مشهود في عملية خلع الشاه عام 1979، ولم يكن مفاجئاً أن يهتف المتظاهرون في عطلة اﻷسبوع أن "سليماني قاتل، وزعيمه خائن" ، و "الموت للديكتاتور"، في إشارة إلى المرشد الأعلى "علي خامنئي" في حين دعا متظاهرون آخرون إلى استقالة كبار مسؤولي الأمن المسؤولين عن سقوط الطائرة وعن محاولة التستر على العملية.

الرد الباهت:

 

ضربت طهران ستة عشر صاروخاً بالستياً على قاعدة "عين الأسد" وأخرى قرب أربيل، دون وقوع ضحايا كما يبدو، رغم أن الحرس الثوري أفاد بمقتل أكثر من 80 جندياً أميركياً ومن التحالف الدولي، اﻷمر الذي تبين عدم صحته في لاحق الوقت، وهو ما جعل الرد اﻹيراني أقل بكثير من الوزن المفترض له، فقد سقطت الصواريخ على أرض فارغة كما نقلت الصور الجوية، ولم يصب أحد من الجنود، وهو سبب عدم تحرك المضادات اﻷرضية اﻷميركية الي رصدت الصواريخ.
حسبت طهران حدود ردها بدقة شديدة، فهي غير قادرة على الانزلاق إلى حرب إقليمية لا تحتاج هي لها في منطقة مشتعلة أصلاً، وإن كانت لا تنفي استعدادها لها في حال فُرضت عليها كما ورد في رسالتها إلى اﻷمم المتحدة، إلا أن حجم الرد وطريقته، ومقارنة مع ما صرّح به مناصرو طهران من محور المقاومة، خاصة تصريح اﻷمين العام لحزب الله اللبناني (لا توجد أهداف بحجم سليماني حتى ترامب ذاته الذي لا يساوي حذاء سليماني) يجعل مما قامت به طهران باهتاً جداً من الناحية العسكرية والرمزية، يضاف إلى هذا الشعور الكبير لدى أنصار المحور أن الوهم أكبر من الحقيقة بكثير بشأن قوة المحور وتماسكه حتى داخل المظلة اﻹيرانية، ومثاله مناشدة "زينب" بنت قاسم سليماني الرئيس السوري للنيل من قتلة والدها دون أن تلقى ولو حتى رداً إعلامياً. 
من جانب آخر، كان الملفت في رد الفعل الدولي على الفعل اﻹيراني أن هناك تحميلاً ضمنياً للمسؤولية على طهران، دون أن تنال واشنطن مجرد إدانة لفظية من أحد لاغتيالها سليماني، اﻷمر الذي جعل إيران شبه وحيدة في موقفها وفعلها، وهو ما جعلها تعيد حساباتها، على الرغم من التصريحات النارية لبعض مناصريها (مثل حزب الله في العراق ولبنان)، وكان اﻷهم بيان مقتدى الصدر الذي طالب بوضوح بعدم التعرض للمصالح اﻷميركية في المنطقة اﻵن.
ما جرى إقليمياً بشأن مقتل سليماني يوضح تماماً العزلة التي وقعت فيها طهران بسبب سياساتها في المنطقة، واﻷسوأ من ذلك، أن واشنطن نجحت عبر سنوات كثيرة من العمل المكثف على كل الجبهات المحيطة بإيران في تحويلها إلى العدو الأبرز، وفي ذلك لحقها العرب كلهم، عدا دمشق وحزب الله اللبناني، ومعهم روسيا التي لا تضع نفسها في محور طهران بقدر ما تحاول استخدامها ضمن أجندتها الشرق أوسطية والآسيوية، ومعها الصين التي توقفت مؤخراً عن استيراد النفط اﻹيراني مقابل انفتاحها على الخليج.

واشنطن تفهم طهران جيداً:

 

إيران دولة من الحجم المتوسط، وتمتد على هضبة كبيرة تشكل معبراً استراتيجياً بين الشرق والغرب، وتستند إلى إرث تاريخي وحضاري عظيم لاشك، إلا أن انشغالها الدؤوب بمحيطها القريب والبعيد نسبياً، وتجاهلها تنمية داخلها بحيث يتحول إلى قوة حقيقية، جعلا من نزاعاتها الخارجية عوامل إضعاف مستمرة لهذا الداخل، من هنا نفهم الإصرار اﻷميركي على عدم الانجرار إلى حرب مباشرة مع طهران وترك العقوبات الاقتصادية تفعل فعلها، إذ أن عوامل "اقتصاد المقاومة" الذي طرحه النظام الإيراني بعد بدء العقوبات اﻷميركية اﻷخيرة (علماً أنها حاضرة منذ العام 1979) لم يكن مستنداً على عوامل قوة داخلية بقدر ما كان مستنداً إلى ترتيب الواقع الاقتصادي الراهن واستدامة الحلول المؤقتة للأزمات العاصفة بالمجتمع اﻹيراني، وقد أدى اعتماد طهران طويل اﻷمد على تصدير النفط دون إنشاء اقتصاد صناعي حقيقي إلى سهولة التأثير على هذا الاقتصاد بإغلاق أبواب التصدير بكاملها ومن كل الجهات سعياً من واشنطن لخنق البلاد وهو ما أنتج مثلاً تضخماً اقتصادياً كبيراً.
تعي واشنطن هذا بوضوح، وتعي أن قص أذرع طهران اﻹقليمية ليس بتلك الصعوبة في ظل تحوّل إقليمي للعداء صوبها، ولعل القرار الرئاسي اﻷميركي باغتيال الرجل الثالث في النظام اﻹيراني (وقد كان احتمال ترشحه للرئاسة وارداً) بهذه الطريقة يوضح أن واشنطن تفهم تماماً حدود الصراخ اﻹيراني، سواء كان ذلك عبر النظام نفسه، أو عبر جمهوره المستلب، أو حتى عبر الاختبارات السابقة التي نالتها قصفاً في سوريا ولبنان والعراق، وهو موقف تؤازر واشنطن فيه بشكل رئيسي كلاً من روسيا والخليج الخائف من توسعات طهران وسياساتها المشغولة من منطق "تصدير الثورة" التي لم يعد فيها شيء للتصدير.
في جزء كبير من سياساتها لا ترغب واشنطن باختفاء "العدو"، رغم أن الديمقراطيين في مجلس النواب نجحوا في إصدار تقييدات لتوجهات ترامب الحربية ضد طهران، إلا أن هذا لا يعني أن محاكمة ترامب القادمة على الطريق بنية عزله ستؤثر على الاتجاهات الاستراتيجية لطهران التي أعلنت عودتها للتخصيب النووي من جديد وحلها من الاتفاق مع واشنطن كلياً، وهو الرد السياسي الثاني في مسلسل الردود على اغتيال سليماني، بنفس الوقت الذي لا تغلق إيران فيه الباب أمام التواصل مع واشنطن خاصةً في شأن موضوع رفع العقوبات عنها مقابل توقيف برنامجها النووي، وما زال ترامب مصراً على عدم امتلاكها هذا البرنامج بأي شكل كان رغم أن البرنامج نفسه كان قد انطلق أيام الشاه برعاية أميركية.

ساحة حرب فوق دماء العراقيين: 

 

كان رئيس وزراء حكومة تصريف اﻷعمال "عادل عبد المهدي" على موعد في الثامنة والنصف صباحاً مع سليماني، مع أن الموعد كان يوم الجمعة، وهو يوم عطلة رسمية في العراق، لكنه الموعد الذي لم ولن يتم، وبدلاً من مناقشات سياسية وعملانية بشأن الاحتجاجات التي تغطي مناطق العراق المختلفة، فإن المشهد انقلب وتغيّر جدول مواعيد الشرق اﻷوسط كله.
الصيف الفائت كان أسخن صيف مر على العراق المنهك في ظل صراع العدوين فوق أرضه، فلم يمض أسبوع دون قصف طائرات الدرون اﻷميركية مواقع تابعة للحشد الشعبي المحسوبة كلياً على طهران، شاركت فيها إسرائيل عدة مرات باعتراف أميركي، وبالمقابل، لم تهدأ قذائف الكاتيوشا فوق المنطقة الخضراء محاولة استهداف السفارة اﻷميركية، ولم تعترف أية جماعة تابعة لطهران بهذه العمليات، وبين هذا وذاك، بقيت أرض العراق وساحاته مدار المعارك بين شريكي القضاء على تنظيم داعش وعدوي المحاولات الدؤوبة للسيطرة على مقدرات العراق.
بعد اغتيال سليماني كان على بغداد انتظار الرد اﻹيراني المتوقع حدوثه فوق اﻷرض العراقية، ليس ﻷن اغتيال سليماني ـ القادم من دمشق تم على أرضه ـ وليس ﻷن إيران تعتبر العراق "منقوص السيادة" في ظل الوجود اﻷميركي فقط، بل ﻷن طهران تعي جيداً أن جزءاً من الفوائد التي عادت عليها منذ الغزو اﻷميركي للعراق لم تترجم عملياً بالنسبة لواشنطن تغيراً في سياسة طهران، وهو ماكان يشغل إدارات البيت اﻷبيض المتعاقبة رغم سياسات العصا والجزرة التي اتبعتها تلك اﻹدارات مع طهران ومنها الاتفاق النووي في عهد أوباما.
بالمقابل، فإن واشنطن التي تعرف جيداً المطبخ السياسي العراقي، وتدرك قوة إيران داخل هذا المطبخ، تدرك  أن المستفيد اﻷول من سقوط بغداد كانت طهران (ومعها تل أبيب دون شك)، سواء كان ذلك إقليمياً عبر إمكانية الوصول إلى اﻷزمة السورية بسهولة نسبية، أو عبر الاستمرار بسياسة تخويف دول الجوار من النمر اﻹيراني بغاية استنزاف المزيد من الأموال عبر شراء كميات خرافية من السلاح، عملية قصف مصفاة  أرامكو التي اتهمت بها إيران دون دليل دامغ، هي جزء من سياسات ترامب في استمرار حلب الدول الخليجية مالياً وعسكرياً.
السيادة العراقية هي آخر ما كان ممكناً للساسة العراقيين الحديث عنه، مثلهم مثل نظرائهم في المنطقة، إلا أن ذلك لم يمنع الكتلة الشيعية في البرلمان العراقي من التوجه لعقد جلسة برلمانية على جدول أعمالها بندٌ إيراني مشتهى: إخراج القوات اﻷميركية من العراق، وعند هذه النقطة اتفقت الكتلة المنقسمة أصلاً على نفسها، بينما غابت الكتلتين السنية والكردية عن الجلسة التاريخية التي انتهت إلى توصية حكومة تصريف اﻷعمال بضرورة جدولة الانسحاب اﻷميركي من العراق.
انتهت الجلسة ولم يكن جثمان سليماني ولا المهندس قد ووريا الثرى بعد، خمسة أيام من التشييع الجماهيري بين العراق وإيران راح فيها قرابة 80 قتيلاً وعشرات الجرحى في مدينة كرمان، مسقط رأس الجنرال سليماني، ولكنها رغم رسالتها الواضحة لم تترك أثراً كبيراً أقله في الوقت الراهن، فقد هدد الرئيس اﻷميركي فوراً بتدفيع العراق مليارات الدولارات ثمناً لقواعد واشنطن العسكرية، إضافة إلى تسريب وثائق بأرقام مبالغ الحسابات المصرفية لمختلف الساسة العراقيين المودعة في بنوك واشنطن والتي بلغت قيمتها أكثر من 580 مليار دولار، في وقت يرزح فيه العراق تحت وطأة الفقر والجوع والخراب، ولم تكن تلك رسالة بريئة بالتأكيد.
الشعب العراقي المنتفض منذ ثلاثة أشهر على حكومته وسياساتها صارخاً "إيران برا برا" يصرخ بنفس الوقت "أميركا برا برا"، وهي المعادلة التي ولّدت وطنية عراقية عزيزة أثيرة على قلوب أهل العراق بعد غياب أخلى فيه العراقيون الساحات لعراقيتهم بدل طوائفهم، وهو ما تسبب في الرعب اﻹيراني كما اﻷميركي، وليس مستبعداً في هذا اﻹطار، أن يكون هذا الكباش الإقليمي ـ الدولي فوق أرض العراق مقدمة لتصفية الثورة العراقية، خاصة، بوجود اتهامات أميركية لطهران بنية تدبير عملية اقتحام للسفارة اﻷميركية مشابهة لما حدث في طهران 1979، وهو ما حدث حين حاولت جماعة الحشد الشعبي الالتفاف على المتظاهرين وحرق السفارة اﻷميركية، وفق ما نقله اﻹعلام.

دمشق على وقع اغتيال سليماني:

 

دمشق هي الخاسر الأكبر الثاني بعد طهران من اغتيال سليماني، إذ يبدو أنها فقدت مناصراً قوياً لها كان قد عمل قبيل رحيله بوقت قصير على دعوة عشائر الجزيرة السورية لتأسيس مقاومة سورية للوجود اﻷميركي في مناطقهم، مع الاستعداد لدعمها لوجستياً، وهو ما تجلى بزيارة وفد من العشائر إلى طهران قبيل اغتيال سليماني بوقت قصير جداً.
القناعة اﻹيرانية بأن وجود القوات اﻷميركية في العراق مرتبط بوجودها ومشاركتها في الملف السوري، وتحديداً ملف الشمال والشرق، هو أحد اﻷسباب المضافة في العملية اﻷميركية، يتضح ذلك بقيام القوات اﻷميركية في الحسكة السورية بعمليات إخلاء لعدد من قواعدها وإعادة تمركزها في مناطق أقرب إلى الحدود العراقية.
على المستوى الشعبي والسياسي، أعاد اغتيال سليماني الاصطفاف السوري بين موالاة ومعارضة إلى نقطة الصفر، بعض من السوريين المقيمين خارج مناطق سيطرة الحكومة وفي مناطق اللجوء وزعوا "البقلاوة" السورية ابتهاجاً باغتيال الرجل الذي لعب دوراً بارزاً في معارك حلب بين الجيش السوري وقوى المعارضة المسلحة متسبباً باستعادة الحكومة السيطرة على ثاني مناطق البلاد الاستراتيجية، وتهجير أعداد غير معروفة من سكان ريف حلب وحماة ومناطق أخرى، فيما تناقل الموالون التعازي برحيل "الرجل والصديق الوفي لسوريا".

حزب الله ولبنان واﻹقليم:

 

التصريحات اﻷقوى بين جملة تصريحات محور المقاومة كانت من نصيب أمين عام حزب الله حسن نصرالله الذي ذهب بعيداً في التهديد والوعيد، خلافاً لما قاله رئيس الكتلة الشيعية اﻷكبر في البرلمان العراقي مقتدى الصدر، يُفهم ذلك باعتبار نصر الله الوريث الفعلي في شرق المتوسط لسياسات سليماني، ويكون بالتالي أن الهدف الثاني المتوقع في عمليات الجراحة اﻷميركية الدقيقة في تفكيك محور المقاومة سيكون حزب الله، وإذ بدأت واشنطن بها قبل عدة سنوات عبر تجميد أصول الحزب المالية وملاحقة البنوك الداعمة له، فإن تصريحات مايك بومبيو في آذار 2019 كانت أوضح من ذلك بكثير إذ سرّب كلام للبنانيين أن أمامهم خيارين لا ثالث لهما: "إما التخلي عن حزب الله ومواجهته، وإما تحمّل الضربات اﻷميركية التي سترتفع وتيرتها".
على هذه النبرة المرتفعة راقبت واشنطن الاحتجاجات اللبنانية معلنةً في تشرين الثاني الماضي على لسان بومبيو دعمها لها، وهو ما كان يعني بشكل أو بآخر الوقوف ضد حزب الله وتشجيع الشيعة تحديداً على الاستمرار بالخروج عن طاعة الولي الفقيه ووكيله اللبناني، وهو ما أعلنه بومبيو أيضاً في تصريحات صحفية عربية، مما يعني باﻹجمال أن لبنان معرّض للدخول في الكباش اﻹيراني اﻷميركي فوق أرض شهدت نزالات سابقة بينهما، مع ما يجر ذلك من مخاطر على الوضع اللبناني الذي بدأ اقتصاده بالتراجع الشديد.

مستقبل المنطقة الراهن: 

 

مع قرار الديمقراطيين اﻷميركيين تضييق خيارات الحرب على إيران ومنع ترامب من التمادي في سياساته، وعدم القدرة اﻹيرانية كذلك على الدخول في حرب مباشرة مع القوة اﻷكبر في العالم، فإن المتوقع استمرار عمليات تقليم اﻷظافر اﻹيرانية في المنطقة، من لبنان إلى العراق مروراً باليمن، وهي اﻷهداف المعلنة أميركياً، إلا أن سبل الرد اﻹيرانية، خاصة في العراق ولبنان، ما تزال فاعلة عملياً، ورغم تضاؤل قوتها إلا أنها قادرة على خدش التمساح اﻷميركي، ولكن هل تتجرأ طهران أبعد من ذلك؟ ربما، في حالة واحدة، هي امتداد النار إلى الداخل اﻹيراني الملتهب على وقع الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة يوماً إثر آخر، وهو ما يبدو وضعاً غير سهل للنظام اﻹيراني.
بعد أيام فقط من موكب جنازة سليماني، كان هناك تجاهل شعبي واضح لتعليمات النظام اﻹيراني، وأظهرت مقاطع فيديو طلاباً في جامعة "شهيد بهشتي" في طهران وهم يتفادون المشي فوق الأعلام الأمريكية والإسرائيلية التي وضعها مسؤولو النظام على الأرض، وجاءت ضربة أخرى عندما أعلنت الحائزة على الميدالية الأولمبية، اﻹيرانية "كيميا علي زاده" أنها لا تريد أن تتواطأ مع "فساد النظام وأكاذيبه".
أخيراً، يشي قيام الاتحاد اﻷوربي بالتوجه إلى المحكمة الدولية في فض المنازعات بشأن الاتفاق النووي إلى مشوار طويل على طهران أن تقطعه مجبرةً كي تتمكن من العودة إلى نقطة الصفر، ما قبل اغتيال سليماني، وهو اﻷمر الذي لن ينتظره الشارع اﻹيراني على الأكيد.