ذات صلة

النزاع الصيني ـ الأميركي: أزمة فايروس كورونا، الاستخبارات والرأي العلمي، تغيرات العلاقات الدولية والجيوسياسة

صلاح نيُّوف

مركز أسبار للأبحاث والدراسات

يبدو أن العلاقات الدولية في حالة إعادة بناء جديدة تتمحور حول تنافس استراتيجي جديد بين الصين والولايات المتحدة، ويمكن أن تتشكل هذه العلاقات بعد ثلاثين عاما من سقوط الاتحاد السوفييتي. أثار وباء كورونا أزمة صحية واقتصادية وكذلك أدى لقطيعة جيوسياسية يمكن أن تأخذ أكثر من تفسير.
 
    اتهم الرئيس الأميركي الصين بأنها مسببة وباء كورنا وأن الفايروس نشأ في معهد ووهان للفيروسيات وأشار في 30 نيسان الماضي إلى مسؤولية الصين عن انتشار الوباء مهددا بكين بالانتقام وأن منظمة الصحة العالمية هي "وكالة علاقات عامة للصين". كما كشف عن أن واشنطن تبحث عن أصل تفشي المرض مشيرا إلى أنه "واثق من أن الصين إما لم تستطع إيقافه بسبب عدم الكفاءة أو أنها سمحت فقط بحدوثه". وأكمل قائلا:" هو أسوأ هجوم في تاريخ الولايات المتحدة، بل أسوأ من (بيرل هاربور أو هجمات 11 أيلول 2001)". معتبرا أن "الصين أكبر تهديد جيوسياسي للولايات المتحدة في هذا القرن". 
 
    أما وزير الخارجية، مايك بومبيو، فقد صرّح بأن الحكومة الصينية بذلت كل ما بوسعها "لضمان ألاّ يعلم العالم في الوقت المناسب عن فايروس كورونا"، قائلا لقناة أي بي سي:" إن الحزب الشيوعي الصيني التزم في جهود التضليل الشيوعي التقليدي من خلال إسكات المهنيين الطبيين في الصين وقمع الصحافيين لمنع نشر المعلومات حول الفايروس". متابعا "لقد تصرفت الصين مثل الأنظمة الاستبدادية وحاولت التستر والارتباك" إنها " ليست المرة الأولى التي تُعَرِّض فيها الصين العالم للخطر بهذه الطريقة بسبب مختبراتها دون المستوى المطلوب". مستنكرا "منع وصول الغربيين إلى المختبرات أو أفضل الأطباء". 
 
   ووفقا لوكالة أسوشيتدت برس فإن تقريرا من أربع صفحات صدر عن وزارة الأمن الداخلي يتهم الصين بحجب المعلومات حول كورونا حتى تكون قد جهزت نفسها جيدا لمواجهة الوباء بشكل أفضل. وتقول الوثيقة إن بكين خفضت صادراتها من المعدات الطبية وزادت الواردات منها في شهر كانون الثاني الماضي، مما دفع وزارة الأمن الداخلي إلى الاستنتاج "وبثقة تصل إلى 95%" بأن الواردات من المنتجات الطبية لم تكن طبيعية. 
 
   وفي أيار الماضي، أكد تقرير سري للغاية (تمّ تكذيبه لاحقا) للاستخبارات البريطانية (MI6) أن الفايروس هرب من معمل الفيروسات الصيني السري. التقرير عبارة عن وثيقة من 15 صفحة تشارك في إعدادها 21 شخصية من وكالات تجسس من خمسة دول ويؤكد أن الفايروس تم إطلاقه عن طريق الخطأ من مختبر صيني قبل أن يخفي المسؤولون أنه معديا. تم إعداد الوثيقة من قبل "التحالف السري" لتبادل المعلومات أو ما يطلق عليه (Fives Eyes) والذي تشكل الوكالات البريطانية التالية جزء منه (SIS، MIS، MI6، GCHQ).
 
   يوجد تناقض بين تصريحات ترامب ووزير خارجيته وتحليلات الاستخبارات الأميركية. حيث أعلنت هذه الأخيرة أن الفايروس لم يتم إنشاؤه أو تعديله وراثيا من قبل البشر، مع ذلك "ليس لديهم معلومات كافية "لتحديد إذا ما كان تفشي المرض بدأ بالتلامس مع الحيوانات المصابة أو نتيجة لحادث مخبري في ووهان". إن ما نشره "التحالف السري" يشير إلى أن" من المستبعد أن ينتشر الفايروس نتيجة لحادث في مختبر بل نشأ في سوق صيني" وهذا ما يتعارض مع التصريحات الرسمية الأميركية. وأكد دبلوماسي غربي على تواصل مع الأجهزة الاستخباراتية أن (Fives Eyes) "توحدت في تقييمها". تقييم يقوض المزاعم القوية من قبل ترامب ووزير خارجيته وزاد من مطالبة الإدارة الأميركية بتقديم أدلة على تصريحاتها التي فشلت في إثباتها رغم الخطاب العدواني تجاه الصين. 
 
   أما أجهزة الاستخبارات الفرنسية (المتخصصة في مكافحة التجسس أو الأسلحة الكيميائية والبكتريولوجية) فقد صرحت لمجلة فرنسية حول أصل الفايروس "أن لديهم مطلق اليقين أن هذا ليس تسربا من مختبر P4، وتظهر جميع السلالات التي تم تحليلها أنها لم تعدل تعديلا بشريا، السلالة هي بالفعل حيوانية تم نقلها عبر البشر دون معرفة السبب بالضبط، لم يأت من سوء التعامل معه أو من تسرب". كما دحض رئيس تحرير المجلة الطبية الشهيرة The Lancet الادعاءات الزائفة للسلطات الأميركية مستبعدا الأصل البشري له. 
 
هل هي حرب باردة؟
   عندما أصبح باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة أعاد توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحو آسيا لمدة ثمانية سنوات، وهذا ما فعله ترامب حتى اليوم منذ انتخابه. فهل هي فعلا حرب باردة مع الصين منذ أحد عشر عاما؟ 
إذا استندنا إلى تصريحات المسؤولين الأميركيين فقد نعتقد أنها أكثر من حرب باردة. حيث أعلنت السيناتور الأميركية "مارثا ماكسلي" في الشهر الماضي على قناة فوكس نيوز:" نحن ندخل حرب باردة مع الصين" وذلك بعد أن كشف تقرير لمكتب التحقيقات الفيدرالي عن تحركات تجسسية صينية جديدة. في نفس الوقت، وفي 24 من الشهر الماضي، أعلن وزير الخارجية الصيني "وانغ لي" محذرا من أن الصين والولايات المتحدة "على شفا حرب باردة جديدة". زادت أزمة كورونا من هذه التصريحات المتبادلة، لكن الأزمة ليست حدثا مفاجأ وإنما مُسَرِّعا لما كان يتحضر في السابق وما كان يحتاج لسنوات أخذ شهورا مع الفايروس. استغلت الصين الفايروس من أجل التوسع الدبلوماسي واستخدمته الولايات المتحدة للضغط على الصين. 
 
   قال الرئيس الصيني (شي جين بينغ) لضيوف غربيين في عام 2013:" يجب أن نعمل جميعا لتجنب (فخ ثيوسيديدز)". (فخ ثيوسيديدز مصطلح في العلاقات الدولية يرى أن قوة مهيمنة تدخل في حرب مع قوة ناشئة مدفوعة بالخوف والذي يؤدي إلى ظهور القوة الثانية). استخدم البروفسور "غراهام أليسون" لاحقا هذا المصطلح في مقالاته وكتابه الشهير "هل يمكن لأمريكيا والصين الهروب من فخ ثيوسيديدز؟". يعود أصل المصطلح إلى المؤرخ اليوناني القديم ثيوسيديدز الذي لاحظ أن حرب (بيلوبونيزيا) كان سببها نمو أثينا القوة الصاعدة والخوف كان من قبل إسبرطة القوة المهيمنة. 
 
   يتم استخدام المصطلح لمناقشة العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. حيث يشير صعود الصين والانحدار النسبي للولايات المتحدة إلى أن الاختلال التدريجي قد يعيد التاريخ ويؤدي إلى الحرب. ترأس "غراهام أليسون" مشروعا للتاريخ التطبيقي في هارفرد ووجد أنه على مدى الخمسة قرون الماضية حدثت المواجهة بين قوة صاعدة وقوة مهيمنة ست عشر مرة وانتهت اثني عشرة منها بالحرب. لكن غراهام يرفض حتمية الحرب بين البلدين.  ثم يقول "لا بد من معرفة الاتجاهات البنيوية التي توجه العلاقات بين القوتين العظميين والتي تسبب ضغوطا تكتونية على العاصمتين يجب السيطرة عليها لتجنب شرارة بسيطة على شواطئ تايوان، بين الكوريتين أو جزر Senkaku الي ستثير صراعا مسلحا". 
يجمع الحزبان الأميركيان على عداوة الصين نظرا لتغير الحقائق الاقتصادية من خلال الاستراتيجيات الصينية المتبعة. كانت الولايات المتحدة على رأس التجارة العالمية حتى عام 2000 وتتحكم بحوالي 80% من التجارة العالمية. انخفض هذا الرقم إلى 30% فقط عام 2018 حيث أخذت الصين مكان الولايات المتحدة في 128 بلدا من أصل 190. إن وصول ترامب إلى السلطة سارع من الرؤية الأميركية ولم يكن سببا لها، مثل صيحة الديك عند الفجر، صياحه يدعو إلى شروق الشمس الحتمي. 
 
   يعتقد البروفسور غراهام أليسون أن "التحول الاستراتيجي للقوة البنيوية بين الصين والولايات المتحدة محكوم عليه بالصراع وسيعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي العالمي بشكل لا يمكن تحمله". الصين، وفي الوقت الحالي، ليست قوية بما يكفي لتتنافس مع الولايات المتحدة بشكل عام وميزان القوى يمكن أن يستمر في صالح أميركا لفترة طويلة في المستقبل". فهل يمكن تجنب الصدام مستقبلا؟
تلعب الدبلوماسية بين البلدين دورا محوريا في تجنب هذه "الحتمية"، ويمكنها أن تغير اتجاه التاريخ بشكل ما. هذا ما يمكن أن نطلق عليه "الواقعية البناءة" في العلاقات الدولية كحل، حيث على الفريقين التمييز بين المصالح الوطنية غير القابلة للتفاوض والقابلة للتفاوض وبالتالي إدارة التنافس الاستراتيجي بين البلدين. ضمن هذا السياق، إن الرأسمالية السلطوية الصينية تكون ضد الرأسمالية الليبرالية الأميركية وهذا قابل للمنافسة دون أن يدمر أحدهم الآخر ويسمح لأحدهما بالانتصار. 
يرى باحثون صينيون أنه يجب ألاّ يكون لدى البلدين لا حرب باردة ولا حرب ساخنة. فالساخنة تؤدي إلى تدمير الكوكب حيث سنكون أمام أعمال عسكرية على مستوى العالم، والباردة تؤدي إلى تفكيك النظام التجاري الدولي بأكمله. ووفقا للعولمة الاقتصادية الحالية فإن الحرب الباردة ستدمر الاقتصاد العالمي المتكامل دوليا وخاصة العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة. 
 
رغم كل ذلك، علينا ألاّ ننسى أن الصين دولة استبدادية مازالت للإيديولوجية دور كبير في تحديد سياساتها وإن خُدِعَ البعض بسياساتها الاقتصادية الليبرالية. عادت عبادة الشخصية إليها مع (شي جينغ بينغ) والذي عمل على زيادة القوة العسكرية وسياسات عدوانية تجاه جيرانه (تايوان، هونغ كونغ). إن التحدي مضاعف أمام الولايات المتحدة: 1) هي القيادة العالمية من الناحية الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، 2) عليها حشد العالم الغربي إلى جانبها. كل هذا في وقت انتشار للصين في كافة أنحاء العالم عن طريق شراء البنى التحتية في كل مكان، بينما تشكك الولايات المتحدة في حلفائها منذ حرب العراق. 
 
   اقترح البروفسور الصيني (جين كانرونغ) أن يكون لدى الجانبين "حرب شطرنج" وأن يكون لديهما شفافية أكبر والكشف عن قدراتهما ونواياهما الاستراتيجية وأن يتفاوضا بشكل معقول. وبالتالي تشكيل قيادة عالمية ثنائية النواة وتشترك في حكم العالم. يشبه هذا توازن القوى الأوربية الذي امتد بين حروب نابليون والحرب العالمية الأولى. الفكرة هي مسامحة فرنسا، صاحبة الحرب، ودعوتها لتكون جزء من القيادة الأوربية مع الحفاظ على السلام في أوربا ولقرن كامل. 
لقد كشف وباء كورونا عن تغيرات عميقة في النظام الدولي كان الغربيون يميلون دائما إلى تجاهلها. يبدو أن الاضطرابات الكبرى التي أحدثتها نهاية الحرب الباردة لم تكن قابلة للتفكيك أثناء حدوثها لأنها كانت تنتمي إلى حقبة انتقالية تلد عالما جديدا نراه اليوم أمامنا.  العالم عارٍ، كما يقول البروفسور (هنري أرجنسون)، وليس لدينا اختيار سوى التخلي عن تواضعنا المذنب للنظر إلى الحقيقة الجيوسياسية التي يمنحنا رؤيتها والعواقب التي يجب أن نستخلصها بسرعة من أجل البقاء كأشخاص أحرار. علينا ألاّ ننسى ثلاثة أشياء: أولا، عاد الجميع إلى بلادهم بين عشية وضحاها، سقط قناع العولمة، تبخر مواطنو العالم وأصبح الجميع غرباء (الطالب، السائح، رجل الأعمال…الخ). ثانيا، الغياب الفعلي للتضامن الدولي في الأزمة. نفَّذت كل دولة استراتيجيتها الخاصة. ظلت الدولة ـ الأمة اللبنة الأساسية للمجتمع الدولي. ثالثا، إن الصين هي المتحدي الوحيد القادر على الإطاحة بالولايات المتحدة والغرب عن موقعهم كزعماء للعالم. وهذا ما يقود إلى تبلور التوترات الجيوسياسية بين الصين والغرب والتي تشكل ملامح حرب باردة جديدة صاغها الصينيون والأميركيون. 
 
   النتيجة، إن العلاقات الدولية سوف تنتظم حول هذا الانقسام، ستعود سياسة التحالفات الكبرى التي اعتقدنا أنها مهجورة مع صعود المنظمات الدولية ووهم السوق العالمية الكبرى. قد لا يغير الفايروس وتفاعلاته وجه العلاقات الدولية على الفور لكنه يعطي فرصة لدول كثيرة لإلغاء قصة العولمة السعيدة ويضعها أمام حقيقة وحشية هذا العالم.
وكما يقول الفيلسوف "جورج سانتايانا":" أولئك الذين لا يستطيعون تذكر الماضي محكوم عليهم بتكراره". وأخيرا، وعلى العكس مما يشير إليه البروفسور غراهام أليسون، من تصادم صيني ـ أميركي قد يكون حتميا، فإن التحولين الأخيرين في العالم كانا سلميين. بينَ نقل السلطة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة بين عامي 1945ـ1980، وبين نقل السلطة بين فرنسا وألمانيا من التسعينات حتى اليوم، هذا ما يظهر إمكانية كسر حلقة التدمير.
 
1-    https://thehill.com/policy/healthcare/public-global-health/495859-pompeo-china-did-all-that-it-could-to-make-sure-the
2-    https://www.dailystar.co.uk/news/world-news/top-secret-mi6-dossier-claims-21963975
3-    https://www.cnn.com/2020/05/04/politics/coronavirus-intelligence/index.html
4-    http://www.opex360.com/2020/05/07/les-etats-unis-pourraient-retirer-leurs-avions-espions-du-royaume-uni-a-cause-de-loperateur-chinois-huawei/
5-    Pierre-Henri D'Argenson « La fin du monde et le dernier dieu, Un nouvel horizon pour l'Humanité », octobre 2018.
6-    https://www.youtube.com/watch?v=EqV4nRBwWfk
7-    T. V. PAUL, « Restraining Great Powers: Soft Balancing from Empires to the Global Era”, Yale University Press, 2018. 
8-     https://www.ted.com/talks/graham_allison_is_war_between_china_and_the_us_inevitable?language=en