العالمدراسات وأبحاث

المدرسة الأميركية في الجيوسياسة

المدرسة الأميركية في الجيوسياسة

 

صلاح نيُّوف 

المدرسة الأميركية في الجيوسياسة 1/2

لمحة عن المدرسة الأميركية في الجغرافية

الجيوسياسة في الولايات المتحدة

"ألفرد ماهان" والهيمنة على البحار

مفهوم الاستراتيجية البحرية

التحولات الإيديولوجية في المدرسة الجيوسياسية الأميركية

آيسايا بومان (1878 ـ 1950) الإيديولوجية والجيوسياسة: نقد الإشكالية الابستمولوجية للجغرافية السياسية

نيكولاس سبيكمان و"جغرافية السلام"

الأفكار الجيوسياسية عند "هانز ويغرت"

روبيرت ستروسز هوبي (1903 ـ 2002) والجيوسياسة الأميركية

الجيوسياسة الأميركية بين الواقعية والمثالية: بين العلاقات الدولية والجيوسياسة

التحولات الإيديولوجية: من الجيوسياسة إلى "الأمن القومي"

الجيوسياسة الأميركية والنظرية السلوكية

 

وَصَف الجغرافي الأميركي "ريتشارد هارتشورن" الجيوسياسة في عام 1954، وكان مستشارا جغرافيا للجيش الأميركي في الحرب العالمية الثانية، بأنها "سمٌّ فكري". لقد تم تجنب مصطلح الجيوسياسية ولحد كبير من قبل جيل من الجغرافيين في العالم الأنكلو ـ سكسوني خلال المرحلة التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، وبدأ المصطلح بالعودة تدريجيا إلى الجغرافية في الولايات المتحدة منذ عام 1970 مع كتابات "شاول كوهين" ثم أصبحت مستخدمة انطلاقا من عام 1990 وبشكل خاص في كتابات "جون اغنيو" و " جيريود توثيل".

تُقَدِّم المدرسة الأميركية الجيوسياسة وكأنها خطاب حول العلاقات الدولية، ويتحدث كتَّاب أميركيون عن تاريخ الجيوسياسة "كخبرة أوربية ـ أميركية" في البداية ثم انتشرت في السياسة الدولية كنظرية وتطبيق، وهذا ما سمّاه "جون اغنيو" (الخيال الجيوسياسي المهيمن)[1]. لا يوجد تعريف واحد للجيوسياسة في الولايات المتحدة لكن يمكن القول إنها نِتَاجٌ لتطور تاريخي قاد إلى نظريات تهدف إلى تفسير العالم ولتوجيه الفعل السياسي كما سنرى لاحقا.

لمحة عن المدرسة الأميركية في الجغرافية

اهتم الجغرافيون الأوربيون بدراسة الطبيعة أكثر من نظرائهم الأميركيين، وقد اعترف العديد من مؤسسي المدرسة الجغرافية الأميركية أنهم لم يكونوا متآلفين مع المفاهيم الجغرافية التي يطرحها الأوربيون. لقد عمل الجغرافي الأميركي "جيديدياه مورس" (1761 ـ 1826) في وقت مبكر من القرن التاسع عشر مع جغرافيين أوربيين، أما "أرنولد غويو" (1807 ـ 1884) أول أستاذ للجغرافيا في جامعة أميركية كان تلميذا لمؤسس الجغرافية الحديثة الألماني "كارل ريتر". بالإضافة لذلك، كانت "إلين تشرشل سيمبل" (1863 ـ 1932)، وهي أول رئيسة لجمعية الجغرافيين الأميركيين، أول من بَشَّر بمفاهيم فريدريك راتزل حول الأنثروبولوجية الجغرافية في الولايات المتحدة ولمدة ربع قرن وظلت دروسها مؤثرة على الجغرافية البشرية في هذا البلد لزمن طويل. توافق بعض جوانب جغرافية "سيمبل" مع الجغرافي الأميركي أيضا "وليام موريس دافيس" (1850 ـ 1934) لا سيما في الجغرافية البشرية والطبيعية. نشير هنا إلى استثناء جاء مع "نيفين فينمان" والذي ترك بصماته من خلال قراءته للجغرافية كعلاقة بين البيئة الطبيعية والأنشطة البشرية. حصل تبدل في بعض وجهات النظر مع دخول كتابات الفرنسي "فيدال دو لا بلاش" إلى الولايات المتحدة والذي أثر على المدرسة الجغرافية الأميركية من خلال نظرية الجغرافية كدراسة للعلاقة بين الإنسان والأرض.

حصل تغير كبير في المدرسة الجغرافية الأميركية بين عامي 1925 ـ 1931 وذلك مع الدراسات التي قدمها "كارل سارور" (1889 ـ 1975)، وقد تأثر بالجغرافية الألمانية، تحدث فيها بشكل أساسي عن الملامح المادية للمشهد الطبيعي الذي رأى فيه (طبيعيا وثقافيا) في نفس الوقت، مع الأخذ بالاعتبار للمشهد المحلي والإقليمي والعالمي.

يُعْتَبر الجغرافي الأميركي "ريتشارد هارتشورن"، (1899 ـ 1992) من أعلام المدرسة الأميركية للجغرافية في القرن العشرين، وكان متخصصا في الجغرافية الاقتصادية والسياسية وكذلك فلسفة الجغرافية. اعتبر "هارتشورن" في كتابه الصادر عام 1939 بعنوان "طبيعة الجغرافية":" أن الجغرافية تَدْرس الأجزاء المكانية من سطح الأرض ومن العالم. إذاً، الجغرافية وفية لاسمها، فهي تدرس العالم وتبحث عن وصف وتفسير الاختلافات بين أجزائه. لا تتقاسم الجغرافية علومها مع أي فرع آخر بل تجمع ضمن مجالها العديد من العلوم. ولكن على الجغرافية أن تدمج فيها المواد التي تدرسها العلوم الأخرى. وإذا كانت الجغرافية الأميركية اقتربت لدرجة كبيرة في طبيعتها الأساسية من الجغرافية الألمانية في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ومن الفرنسية أيضا، فإننا نأمل في المستقبل القريب بظهور إنتاج جغرافي غني"[2].

USA- Histoire (7) Amérique multiculturelle

 

الجيوسياسة في الولايات المتحدة

لم يُسْتَخدم مصطلح الجيوسياسة كثيرا خارج حقل الجغرافية إن كان في الولايات المتحدة أو العالم الأنكلو ـ سكسوني. لكن دراسة الصراع من أجل السيطرة على الأقاليم وفي مستويات متعددة لم تكن غائبة عن الأدبيات العلمية على المستوى المحلي والعالمي. ظهر في الولايات المتحدة وفي السبعينات من القرن الماضي مفهوم "الجيوسياسية النقدية" كردة فعل على "الجيوسياسة الكلاسيكية" التي تستلهم فردريك راتزل ورودولف كيجلين. تتركز معظم التعريفات المعاصرة للجيوسياسة حول العلاقة بين السلطة (العسكرية، السياسية وقدرات التأثير) والفضاء الجغرافي (الإقليم، الأمة، والجماعات البشرية) وذلك ضمن سياق الصراع بين الدول، أما الأدبيات الأميركية فتقدم الجيوسياسة كخطاب حول العلاقات الدولية. دخل مصطلح الجيوسياسة إلى الولايات المتحدة الأميركية في عام 1899 من خلال السويدي رودولف كيجلين الذي كان متأثر بالجغرافي الألماني فريدريك راتزل. استند الأميركي ألفريد ماهان (1840 ـ 1914) على الإثنين من أجل التنظير لمقاربته حول القوة البحرية للعديد من البلدان كي تضمن تفوقها العالمي. تراجع مصطلح الجيوسياسة في الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بسبب ارتباطه بالطموحات النازية لكن هذا لم يمنع بعض المنظرين الأميركيين من تناوله من جوانب تتعلق برؤيتهم للعالم.

لا يمكننا تحديد تعريف توافقي للجيوسياسة في الأدبيات الأميركية، يرى "كلوس دودس" أنها حقل من الدراسات يهتم بجغرافية الحدود، الموارد، الأقاليم والهويات والشكل الذي تؤثر فيه هذه المسائل على السياسة على المستوى العالمي"[3]. أما " جون أولوغلين" فقد عرف الجيوسياسة في عمله "قاموس الجيوسياسة":" بالعلاقات بين البلدان والشكل الذي تدير فيه الدول أقاليمها لا سيما مستعمراتها"[4]. يقترح "جون أنو" تفسيرا أكثر اتساعا للجيوسياسة حيث يعرفها أنها:" تحليل الافتراضات، التسميات والمعارف الجغرافية والتي ترتبط بالسياسة العالمية"[5].

تقليديا، انشغلت الجيوسياسية بنشاطات الحكومات الوطنية ولم تنشغل كثيرا بالنشاطات على صعد أخرى عابرة للدولة ـ الأمة. إن فكرة الدولة "كجهاز متفوق وسامٍ" كما قدمتها المدرسة الألمانية للجيوسياسة تضمنت هذه الفكرة وبوضوح كبير، لكن هيمنة الدولة في تسيير الشؤون الجيوسياسية كانت أيضا سائدة في التقليد الجيوسياسي الأميركي والأنكلو ـ سكسوني بشكل عام. بمعنى آخر، لقد كانت كل الرؤى الجيوسياسية متجذرة في سلطة الدولة ـ الأمة في الولايات المتحدة الأميركية. أيضا، أخذت الجيوسياسية بعين الاعتبار ظهور هويات أخرى داخل الدولة ـ الأمة والتي تمارس رؤيتها الخاصة للجيوسياسة، لكن الدولة في هذه الحالة كان لديها اختيارات في ردة الفعل، فقد وظفت الولايات المتحدة ما تسميه الرموز الجيوسياسية مثل موضوعات "الأمن القومي"، وهي أداة فعّالة لمعالجة الآمال الانفصالية أو الإقليمية.

إذا كانت المدرسة الفرنسية للجيوسياسة قد تطورت على الصعيد الداخلي فيما يتعلق بالأقاليم الفرنسية، إلاّ أن الجيوسياسة الأميركية ظلت في جوهرها على صعيد الدولة، لم تلتزم الدول بشكل عام في العالم الأنكلو ـ سكسوني بتطوير البحث الجيوسياسي على مستوى المدن أو الأحياء. عَرِفَت الجيوسياسة في الولايات المتحدة الأميركية وجهة نظر رئيسية أو ما يسمى "الجيوسياسة النقدية" والتي حاولت تبني موقفا حياديا أو موضوعيا، أو الأخذ بالاعتبار للفاعلين الجيوسياسيين أنفسهم. هنا التحليل الجيوسياسي لن يكون حياديا بل منغلقا على العديد من المفاهيم التي يحددها للعَالَم. بمعنى آخر، يوجد في وجهة النظر هذه تقارب مع المدرسة الفرنسية في الجيوسياسة التي تدعو الباحثين لتبني مراجعة نقدية حول تصوراتهم لهذا الميدان. ترى "الجيوسياسة النقدية" أن ميدان الجيوسياسة بُنِيَ بشكل يسحق كل التصورات الأخرى للعالم، شكل حددته دول بعينها، كما حاولت فتح الطريق أمام رؤى أخرى مختلفة وتوضيح التناقضات بين الفاعلين الجيوسياسيين في ممارساتهم.

أيضا عَرِفت الجيوسياسة في الولايات المتحدة الأميركية ما يُمْكِن أن نسميها "الجيوسياسة الرسمية" والتي تُمَارس في الجامعات ومراكز البحث. جمعت هذه الجيوسياسة النظريات الكبرى المؤثرة في هذا الميدان والتي تطورت من أجل شرح وتفسير للعالم. تحاول الجيوسياسة الرسمية تقديم نفسها على أنها موضوعية وحيادية لكنها في الواقع ترفض الجيوسياسة النقدية وترتبط في معظم الأحيان بمصالح مموليها. النوع الثالث من الجيوسياسة الأميركية التي يمكن الحديث عنها هي "الجيوسياسة العملية" أي التي تقوم بتنفيذ الأفكار ويكون ذلك غالبا عن طريق الحكومات وأيضا عبر فاعلين آخرين. يمكن أن يكون "جورج كينان" (1904 ـ 2005) واحدا من الأمثلة على هذا النوع من الجيوسياسة. كان "كينان" من أهم المخططين للسياسات الخارجية الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية وقد أدخل سياسة "الاحتواء" إلى السياسة الخارجية وأشار إلى ذلك في مقال له صدر في مجلة "الشؤون الخارجية" عام 1947، يقول كينان:" إن العنصر الأساسي لكل سياسة للولايات المتحدة تجاه الاتحاد السوفييتي يجب أن يكون الاحتواء الحذر والصبور، ولكن الحازم مع النزوات التوسعية لروسيا". لقد كانت سياسة الاحتواء مذهبا جيوسياسيا واضحا قاد أفعال الإدارة الأميركية في كل مرحلة الحرب الباردة. لقد استمرت الجيوسياسة العملية وبشكل واضح جدا حتى نهاية حكم جورج بوش الابن.

 

النوع الرابع من الجيوسياسة الذي يمكن تحديدها هو "الجيوسياسة الشعبية" أي الشكل الذي تنتشر فيه التصورات والخيالات الجيوسياسية في الوعي الشعبي من خلال مختلف وسائل الاتصال والإعلام. بمعنى آخر، ماذا يعني مفهوم "المصالح الوطنية" بالنسبة للشعب الأميركي؟ من هم الأشرار والخيرون؟

 

"ألفرد ماهان" والهيمنة على البحار

تحدث الأميركي ألفرد ماهان (1840 ـ 1914) عن كتابه "تأثير قوة البحر على التاريخ" واصفا إياه بأنه "تاريخ للقوة البحرية لخمسة وعشرين قرنا" لكنه أيضا يركز على المرحلة الممتدة بين عامي 1660 و1783. لم يكن كتاب "ماهان" تحليلا تاريخيا بسيطا بل دراسة للقدرة على التدخل من خلال البحار وأثر ذلك على المستقبل السياسي للأمم وازدهارها الاقتصادي. استقبل الأميركيون والأوربيون أفكار ماهان بترحيب كبير واعتُبِرت كتشجيع لمفهوم جيوسياسي للأمم وتدفعها للتوسع البحري متعدد الأشكال. يمكن القول إن أفكار ماهان شكلت نقطة انطلاق لمذهب استراتيجي بحري لذلك سنحاول هنا قراءة أهم أفكار ماهان كعناصر ساهمت في تكوين هذا المذهب وتطوره.

الهيمنة البحرية

وضع ماهان أفكاره الاستراتيجية بين عامي 1890 و1911 حيث كان، كجندي وبحَّار، واعيا بعلاقات القوة بين الدول هذه العلاقات التي تستند إلى القوة والغنى وازدهار الشعوب. رأى أن الوسيلة للحصول على هذه القوة هي استخدام البحر، البحر الذي يجمع الأقاليم المبعثرة ويمارس عليها هيمنة ويُشَكِّل الأداة الرئيسية لهذه الهيمنة. لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن أفكار ماهان الاستراتيجية تأتي ضمن الفكر البحري ولا يمكن وضعها إلاّ بشكل ضيِّق ضمن الفكر الجيوسياسي الشامل. أحدثت أفكار ماهان، وكان رئيسا "الرابطة البحرية الأميركية"، قطيعة مع مذهب الرئيس الأميركي "جيمس مونرو" (1758 ـ 1831)، هذا المذهب الذي يدين كل تدخل أوربي في شؤون القارة الأمريكية وتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الشؤون الأوربية، ليؤكد ماهان على أهمية التدخل المتزايد للولايات المتحدة في الشؤون الدولية باسم حرية التجارة. اعتبر ماهان أن تطور التجارة الخارجية الأميركية بفضل نموها الاقتصادي يجب أن يكون محميا في كل مكان بأسطول قوي وحاضر دائما وهذا ما يُطْلق عليه "الهيمنة البحرية".

إذن، كانت نقطة البداية عند ماهان هي حرية ممارسة الاستثمار المنتظم للطرق البحرية لأن التجارة البحرية من وجهة نظره هي واحدة من جانبين أساسيين للقوة، كل أشكال القوة. بمعنى آخر، تأسيس أسطول حربي لحماية النشاطات التجارية وهذا الأسطول هو الجانب الأساسي الثاني للقوة. نرى وبوضوح مفهوما اقتصاديا يعطيه ماهان للعالم، إنه مفهوم قائم على الميركنتيلية التي رأت أن قوة الدولة تعمل وفق احتياطاتها من المعادن الثمينة (الذهب أو الفضة) وتؤكد على أهمية التطور الاقتصادي من خلال غنى الدولة بواسطة تجارتها الخارجية.

أراد ماهان في كتابه الذي أشرنا إليه سابقا أن ينطلق من واقع عالمي يخضع لإمبراطوريات استعمارية إلى تفسير آخر يستند إلى شرح جيوسياسي شامل يقرأ آليات عمل العالم ويُقَدم نتائج هذا العمل. أي عندما ننتقل إلى التفسير الجيوسياسي للعالم فإن التاريخ يكون، في جوانبه الرئيسية، أولئك الذين يجسدون العلاقات بين الأمم القائمة على القوة، على المنافسة في القوى البحرية، في أشكال الدفاع عن المصالح الكبرى والذي يُشّكل البحر موجِّها لها. ضمن هذا المعنى، ووفق ماهان، ننتقل من الجيوسياسة إلى الجيواستراتجية وبشكل خاص إلى جيواستراتيجية المحيطات.

لقد ارتبطت أعمال ماهان في البداية بقراءة القوة البحرية والتجارية للدول عن قرب وبشكل خاص: إنكلترا، فرنسا، إسبانيا وهولندا. رأى ماهان أنه إذا كانت الظروف الفيزيائية قد استطاعت تفسير ظهور قوى بحرية إلاّ أنها لم تكن حاسمة، أي هناك عوامل أخرى تحدث عنها ماهان وهي: الامتداد الإقليمي، حجم السكان، الطابع الوطني والبنية السياسية[6]. كانت إنكلترا نموذجا بالنسبة لدراسة ماهان، وقد رأى ماهان أن القوة في حالتها تعود للدولة ذات القوة التجارية أما القوة البحرية فهي نِتاج للتجارية وليس والعكس، كما ربط بين قدرة الشعوب على التجارة واتساعها البحري. وضمن هذا المعنى، ميّز ماهان بين الشعوب عندما تحدث عن الاختلاف مثلا بين الإنكليز والفرنسيين. يقول إن الإنكليز هم أصحاب متاجر ولديهم نزعة عفوية للتجارة والتبادل، جزء من السكان يوفر المصانع حيث نمت الصناعة بينهم بسبب حاجات التجارة وهذا ما يفسر عملهم من أجل السيطرة على البحار[7]. لفرنسا أرض جيدة، كما يقول ماهان، مناخ ملائم أيضا، ولكن شعبها يدخر ويقتصد وليس لديه شجاعة المخاطرة. ارتكب الفرنسيون أخطاء عندما أعطوا الأولوية للأعمال العسكرية على الصعيد القاري حيث قام لويس الرابع عشر باستخدام القوة في طرق خالية كليا من التأسيس على التجارة والتبادل، لقد تجاهل المسائل البحرية والأهمية الفيزيائية للبحار. وعندما انتصرت إنكلترا في النهاية، في القرن السابع عشر، على هولندا لم تستطع فرنسا منافستها سيطرتها الطويلة فيما يتعلق بالمحيطات.

كان مذهب ماهان واضحا في استخدام القوة البحرية، فمهمة الأسطول التجاري بسيطة: نقل الثروات لصالح شعوب البحر لذلك يجب أن تكون وفيرة وتصل بأمان إلى الطرق البحرية في المحيطات والتي يجب أن تبقى حرة ويتم الدفاع عنها في حالة تعرضها للتهديد. لكن طرائق استخدام الأسطول، وفق ماهان، يجب ألا تكون حرة تماما، فهي تعتمد على نقاط ارتكاز، دعم، تصليح، التزويد بالوقود، تنتشر في جميع أنحاء العالم بفضل امتلاك المستعمرات، كما يجب أن تكون على اتصال مع القاعدة الوطنية، كما شبكة الاتصالات اليوم، هذه القاعدة الوطنية هي المكان الذي تتم فيه صياغة الاستراتيجية العليا ويتم التفكير فيها، في النتيجة ستكون الاستراتيجية في خدمة وضع القوة البحرية في التنفيذ.

لم يكن تفسير ماهان جغرافيا خالصا. لقد شدد على قراءة الحالة البريطانية وثباتها فيما يتعلق بالسياسة التجارية لاسيما في عهد الملكة إليزابيت حيث تحولت هذه السياسة إلى عمل منهجي طيلة القرن الثامن عشر. ركز على التكامل في العقلية الأنكلو ـ سكسونية بين الحرب والتجارة (حيث تتوقف الحرب عندما يتم احترام المصالح التجارية). رأى ماهان أن الدور البريطاني انتهى مع عام 1900 حيث انتقلت الحالة بشكل طبيعي إلى الولايات المتحدة الأميركية لأنها "في نفس الوضعية الجغرافية لإنكلترا وهي تسير في نفس الاتجاه". لكن الولايات المتحدة وبسبب حجمها الكبير ولأنها تشكل جزيرة أكثر مركزية وضخامة في عالم المحيطات هي الأكثر قدرة على الاستجابة للتحديات العالمية. أما فيما يتعلق بالثقافة والإيديولوجية فقد شدد ماهان على موضوع الهيمنة البحرية والعالمية الأنكلو ـ سكسونية. حدد ماهان الشروط التي تؤثر على "مذهب استخدام القوة البحري" وقدمها كعوامل حتمية: 1) تحديد جغرافية الدولة وقدرتها على التحكم بهذه الجغرافية، 2) الأخذ بعين الاعتبار الشكل الطبيعي والفيزيائي وهي نقطة مرتبط بالسابقة: المناخ، التربة والإنتاج وارتباطه بالتجارة البحرية، 3) الامتداد الإقليمي، 4) عدد السكان وكفاءاتهم الطبيعية، فالارتباط بالمهن البحرية هو عنصر هام من عناصر القوة البحري، 5) خصائص الحكم والمؤسسات الوطنية هي أمو جوهرية حيث هناك خصوصية برلمانية في العالم الأنكلو ـ سكسوني.

 

مفهوم الاستراتيجية البحرية

رأى ماهان أن:" الاستراتيجية هي توفيق عسكري يضم العديد من المجالات العملياتية"، ومن أجل تحديد أهدافها فإن:"الهدف من الاستراتيجية البحرية مُؤَسس بشكل جيد وهو دعم وتعزيز القوة البحرية للبلاد في أوقات السلم وأوقات الحرب". كما حدد ماهان الواجبات التي على الاستراتيجية أن تضعها للقوة البحرية وأهمها: حماية التجارة من خلال تنظيم قوافلها، ضمان أمن المستعمرات والطرق التجارية في المحيطات، السيطرة على البحر من خلال تدمير القوى المعادية على أن تكون هذه المهمة الأخيرة فقط في حالات الحرب المفتوحة. وضع ماهان ثلاث خلاصات لأعماله: 1) الاقتناع بتفوق القوة البحرية وأن المواجهة بين القوة البرية والقوة البحرية هي المحرك الرئيسي لتاريخ الأمم. رأينا ذلك من خلال مراقبة الأحداث الأوربية لاسيما الصراع الإنكليزي ـ الفرنسي من أجل الهيمنة على أوربا. وبالفعل إن جوهر السياسة الأوربية لإنكلترا من القرن السادس عشر إلى القرن العشرين كان من أجل منع الهيمنة البرية من قبل قوة واحد ومنع مجيء أو ظهور قوة بحرية أخرى على السواحل الأوربية. 2) السيطرة على البحار. قدَّم ماهان مقارنة بين الاستراتيجيات البحرية الإنكليزية والفرنسية في القرن السابع عشر والثامن عشر ثم في القرن التاسع عشر. توصل ماهان إلى القول بتفوق الإنكليزية التي بحث دائما عن وسائل للسيطرة على البحار من خلال تركيز القوى وهذا يتطلب عددا كبيرا من السفن الحربية الكبيرة ذات الحمولة الثقيلة والتسليح الكبير. رأى ماهان أن تركيز القوى أدى دائما لانتصار الاسطول البريطاني في المعارك الحاسمة. 3) الدفاع عن الخطوط البحرية. رأى ماهان أن الاتصالات تشكل الجزء الأكثر أهمية في الاستراتيجية السياسية أو العسكرية[8]. سياسيا، إن السيطرة على الخطوط البحرية ضروري من أجل أمن الارتباطات بين المركز والمستعمرات.

تتفق التحليلات في ميدان الاستراتيجية البحرية على أن ماهان لا يستحق أن تُقَدَّم أفكاره للأجيال اللاحقة على الأقل في جانبها العسكري بقدر أهميتها من حيث تأريخ الاستراتيجيات البحرية وقدرته على فهم الفضاء الاستراتيجي للقوة البحرية[9].

لقد أراد ماهان أن يعيد للتاريخ البحري مكانته كعنصر يفسر التاريخ العام وقد نجح في ذلك. لكن ماهان لم يكن أول من حاول تحليل التاريخ وفقا لوقائع تستند على المحيطات، حيث استند على العديد من المراجع الفرنسية والتي حاولت وضع نظرية معرفية للاستراتيجية البحرية ومنها: كتاب "غوجارد" (البحرية في الحرب) بالفرنسية، " جوريان دو لا غرافيير" (الحروب البحرية) بالفرنسية، " لاسير" (دراسة تاريخية ونقدية حول البحرية الفرنسية) …الخ.

لاقت أفكار ماهان حول المعركة البحرية والقوة البحرية رواجا كبيرا في بريطانيا في الوقت الذي كان فيه تفوق الأسطول الإنكليزي يلقى معارضة تدريجية من قبل الأسطول الياباني في آسيا. إن أطروحة ماهان حول تفوق القوة البحرية سيتناولها القادة بشكل كبير والذي طمحوا إلى تطوير قوتهم البحرية. لقد فتح ماهان آفاقا جديدة مع نهاية القرن العشرين لا سيما فيما يتعلق بالقوة البحرية الأميركية متوقعا أنها ستكون في المستقبل القوة البحرية العالمية الوحيدة، كما كان أول من أراد القطيعة مع مذهب الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1758ـ 1831) الذي أدان كل تدخل أوربي في شؤون القارة الأمريكية وتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الأوربية، معتبر أن "مذهب مونرو" تجاوزه الزمن وهو انعزالي إلى حد كبير.

إن النزعة الأميركية لعدم التدخل في العالم، ومنذ عام 1917، كانت مؤقتة. لقد تقاسم الجغرافيون، العسكريون والاستراتيجيون المدنيون الأميركيون رؤية ماهان للعالم. كان الجغرافي "آيسايا بومان" (1878 ـ 1950) واحد من بينهم، حيث كان مقربا جدا من الرئيس "ولسون" وأحد أكبر مستشاريه بصفته رئيسا "للمجتمع الأميركي للجغرافية"، ثم أصبح فيما بعد مستشارا للرئيس "روزفلت". كان "بومان" مؤمنا بأفكار ماهان فيما يتعلق بالتوسع الاقتصادي والتجاري الخارجي الأميركي، لا سيما أنه كان عضوا نشطا في "مجلس العلاقات الخارجية" الذي كان يهدف إلى التأثير على حكومة واشنطن والرأي العام الأميركي لصالح التدخل على المستوى العالمي. أطلق المجلس المجلة الشهيرة "الشؤون الخارجية" التي تبرر نهاية المذهب القديم للولايات المتحدة. كان "بومان" واضحا جدا في دفاعه عن الخط الجديد للدبلوماسية الأميركية التي تتطلب التدخل العالمي للولايات المتحدة باسم الأخلاق والتجارة.

 

التحولات الإيديولوجية في المدرسة الجيوسياسية الأميركية

أشرنا سابقا إلى أن مصطلح الجيوسياسة لم يستخدم كثيرا خارج حقل الجغرافية إن كان في الولايات المتحدة أو العالم الأنكلو ـ سكسوني. لقد وجد هذا المصطلح شعبيته بعد مقال كتبه " إف. سانديرن" ظهر في مجلة " The Reader’s Diges" عام 1941. تجاوز نجاح هذا المقال جميع المحاولات السابقة لإبلاغ الشعب الأميركي بتأثير العوامل الجغرافية على مستقبل الأمم. أصبح وبفضل هذا المقال اسم الجيوسياسي الألماني "كارل هوسوفر" وكذلك معهد ميونخ للجيوسياسة يتردد على كل لسان[10]. لعب الصحفيون دورا أساسيا في تبسيط المصطلح وشرحه عبر الصحف والمجلات، لكنه وفي نفس الوقت وبسبب التعطش الأميركي للمعرفة، قدَّم الصحفيون نسخة مشوهة عن مفهوم الجغرافيا السياسية الألمانية معتبرين أنها تمثل الفكر النازي وأهدافه الحربية وهذا ما أدى لرفض أميركي لكل فكرٍ نظري له يربط بين الجغرافية والسياسة.

أشاد الأميركيون بشخصية كارل هوسوفر واعترفوا له بقدراته الاستثنائية في مجال الاستراتيجية والتنظيم رغم أنها خدمت النازيين في مخططاتهم وكانت ضرورية لتحقيق نجاحاتهم العسكرية. ساهم عاملان في هذه الصورة حول كارل هوسوفر: الأول، الدور الذي لعبته "المكتبة الألمانية للإعلام والدعاية" في نيويورك وذلك لصالح النظريات الجيوسياسية التي قدمها معهد ميونخ، الثاني وهو غياب المعلومات الدقيقة حول أعمال الجيوسياسيين الألمان. أيضا، ساهمت كتابات الأميركي "روبيرت ستراوز هوبي"، من خلال تقييمه لمقاطع مقلقة من كتابات مجلة " The Reader’s Diges"، في دعم أسطورة هوسوفر لا سيما عندما أشار إلى أن النازية تُعِد هجوما ضد الولايات المتحدة[11]. استند "ستراوز هوبي" على قصص كاذبة مشبعة بالمشاعر العاطفية كحديثه عن العلاقات بين الجنرال هوسوفر مع هتلر عندما كان هذا الأخير سجينا في "لندسبرغ"، أيضا علاقة التعاون الشخصية بين السويدي "رودولف كيجلين" مخترع مصطلح "الجيوبوليتك"[12].

رأى العديد من الأميركيين في الجيوسياسة وسيلة نظرية وعملية ضرورية لمواجهة الأحداث العسكرية بنجاح. يبين ذلك مقال ظهر في أيار عام 1942 بعنوان" دعونا نتعلم جيوسياسة"[13]، كذلك بعد أشهر وفي مجلة شعبية اسمها "لايف" تم الحديث عن أهمية الجيوسياسة " الجيوسياسة هي نِتَاج نظام علمي اخترعه بريطاني ويستخدمه الألمان وعلى الأميركيين تعلمه"[14].

أشرنا سابقا إلى أن ماهان كان أول من أراد القطيعة مع مذهب الرئيس الأميركي جيمس مونرو (1758ـ 1831) الذي أدان كل تدخل أوربي في شؤون القارة الأمريكية وتدخل الولايات المتحدة في الشؤون الأوربية. بدأ الأميركيون وبعد هذا الرفض الاهتمام الخاص بالجغرافية وعلاقتها مع السياسة. لقد قدَّم المؤرخ الأميركي "فريدريك جاكسون تورنر" في عمله "نظرية الحدود" مثالا واقعيا على هذا الاهتمام، كذلك ظهور مفهوم "المصير الحتمي" الذي يعتقد بأن التوسع هو قدر الولايات المتحدة وأن للأميركيين مهمة سماوية من أجل نشر الديمقراطية والحضارة في الغرب الأميركي. أيضا، العمل الذي قدمه "آيسايا بومان" بعنوان "التحقيق" وهو مجموعة دراسية تشكلت في أيلول عام 1917 من قبل الرئيس وودرو ويلسون لتحضير مواد لمفاوضات السلام بعد الحرب العالمية الأولى حيث تألف المجموعة من 150 جامعيا بإشراف "بومان". بعد ذلك، وأثناء الحرب العالمية الثانية، كان الجغرافيون الأميركيون في خدمة حكومتهم بشكل أكثر تنظيما مما كان عليه الألمان أنفسهم في الحرب.

إن التعمق في نشؤ الجيوسياسة في الولايات المتحدة وعلاقتها بالتغيرات الإيديولوجية يتطلب منّا أيضا الإشارة إلى أحد أعلامها البارزين وهو الجغرافي "درونت ويتلسي" (1890 ـ 1956) والذي كان أول من علَّم الجغرافية السياسية في الجامعة وكان مسؤولا عن تحليل الآداب الجغرافية الألمانية وتقديم تقرير حول الموضوع. عَمِلَ "ويتلسي" بالتعاون مع "ريتشارد هارتشورن" و "شارلز جيم كولبي" وأنجزوا معا دراسة بعنوان "الاستراتيجية الألمانية لغزو العالم"[15]. كان لهذه الدراسة تأثيرها على الحكومة الأميركية التي تحفظت على انتشار هذا "العلم الجديد" الألماني. استطاعت الدراسة أن توجه الموقف الأميركي بشكل غير مباشر وانتشرت بشكل كبير في الأوساط الجغرافية الأكاديمية في العالم الأنكلو ـ سكسوني، انتقدت "الجيوسياسة" بشكل كبير وحملتها مسؤولية السياسات العدوانية الألمانية التي تتبع سياسة القوة وتم استبعاد الجيوسياسة من مجال تعليم العلوم الجغرافية.

أقرت الدراسة، ورغم كل انتقاداتها للجيوسياسة، بأن الجيوسياسة تستحق الاعتراف بأن لديها معرفة متقدمة بالعلاقات بين المجتمعات والبيئات الجغرافية، هذه المعرفة التي يمكن أن تكون "الضمان الوحيد ضد محاولات جديدة لخداع الجماهير بهدف استخدامها لغزو عسكري". (المرجع السابق، ص 266). بشكل عام، سوف تثقل الإدانة القاسية التي وجهها الجغرافيون الأميركيون على تطور الجيوسياسة في هذا البلد، التطور الذي تأخر لعقود والإدانة التي منعت كل إعادة تفكير تاريخية في هذا الميدان.

كان "ريتشارد هارتشورن"، أحد أهم المتخصصين بالآداب الجغرافية، وقبل العمل الذي قدمه "درونت ويتلسي"، قد اشتغل على أعمال "هوسوفر" وزملائه. أظهر "هارتشورن" اهتمامه في مقال نشره بمجلة العلوم السياسية الأميركية عام 1935 وتحدث فيه عن أن "أعمال "هوسوفر" تشكل جزء لا يتجزأ من الجغرافية السياسية"[16]. مع ذلك، حذَّر من أن التمدد الواسع في دراسة هوسوفر وزملائه سينتهي بالخروج وبشكل كبير عن مجال العلوم السياسية.

اهتم الجغرافيون الأميركيون وبعد الصراع الدولي بالمسائل العسكرية للأطراف الدولية المتصارعة حيث انتقل النقاش للمواجهة بين "الجغرافية السياسية" و "الجيوسياسة". تمّ توجيه النقد لما كان يسمى "الطبيعة العلمية للجيوسياسة" التي حاولت النازية تأسيسها تحت اسم "الفضاء الجغرافي الحيوي" من أجل تبرير سياستها في التوسع داخل أوربا الشرقية. يمكننا أن نقرأ "بومان" الجيوسياسي الأميركي الذي ساند فكرة "العلمية" للجغرافية السياسية فقط أو التخصص الذي اعتبره العالم الغربي الليبرالي أنه الوحيد الذي تمكن ممارسته وليس له غايات حربية خاصة. كان "هارتشورن" قد قَبِل وبرر الاستخدام السياسي للجغرافية، بينما رفض "بومان" الوصول إلى نفس النتيجة، أما "ويتلسي"، وهو أول من علَّم الجغرافية السياسية في الولايات المتحدة، فقد أكد على مفهوم الجيوسياسة في كتابه الذي يحمل عنوان "الأرض والدولة" الذي نُشر عام 1939.

لم يكن اهتمام الجغرافيين الأميركيين بالجيوسياسة فقط بسبب الصراعات الدولية ولكن أيضا بسبب النقاشات الأكاديمية التي ساهمت في إبعاد الجغرافية السياسية. ظهرت هذه الاختلافات الأكاديمية فيما يتعلق بمقال نُشِر في صحيفة أميركية عام 1942 وكتبه " جورج توماس رينر" أستاذ الجغرافية في جامعة كولومبيا. اقترح "رينر" في مقاله إعادة تعريف الحدود على الصعيد العالمي، مع دمج الدول في تجمعات وفق معيار وحيد هو "الاستقرار" السياسي للمناطق الجغرافية المجزأة. كذلك، تبقى الولايات المتحدة الأميركية هي المهيمن الوحيد على النصف الغربي من الكرة الأرضية بينما كانت أوربا منقسمة إلى ثمانية دول على الأقل مع إيطاليا التي تهيمن على وسط البحر الأبيض المتوسط، وتبقى أفريقيا وآسيا تحت الوصاية الاستعمارية.

طالبت فيما بعد مجموعة من الأكاديميين في جامعة مينيسوتا وفي عريضة موجهة إلى الرئيس روزفلت بمغادرة "رينر" منصبه من "إدارة الطيران المدني" بينما ظهرت انتقادات عنيفة ضده في صحيفة نيويورك تايمز[17] وفي نيويورك هيرالد تربيون[18]. ذهب كاتب المقال الثاني "والتر ليبمان" إلى حد التشكيك في وجود الجغرافية السياسية كعلمٍ. نشير هنا إلى أن "رينر" كان مثل العديد من أساتذة الجغرافية في الكليات الأميركية حيث تلقى تعليمه ضمن روح أو مناخ من الحتمية، هذا المناخ لم ير أي مانع في المساواة بين الجغرافية السياسية والجيوسياسة. كَتَبَ " رينر" في مقال له:" عمليا، إن جميع الجغرافيين ومعظم العلماء والمؤرخين لا يعلمون أن الجغرافية السياسية والجيوسياسة تمتلكان نفس الجذور، وبالتالي، لم يحاولوا وضع أي تفريق أو تقسيم أساسي بين المصطلحين"[19]. عَرِفَت الولايات المتحدة في تلك المرحلة اتجاهين جغرافيين أساسيين: النموذج الذي يمثله (ويتلسي، بومان، هارتشورن) ويسمى "الجغرافية الإقليمية"، ونموذج الحتمية الذي نظَّر له "رينر" والذي أعاق النموذج الأول إلى حد كبير.

إذن، وكما نرى، أثرت الصراعات الأكاديمية بشكل كبير على مفهوم الجيوسياسة في هذا البلد، ولكن تحليل الكتابات الأميركية حول المفهوم تُبَيِّن أن المصالح الوطنية أيضا لعبت دورا أساسيا في بلد يبحث عن دور على الصعيد العالمي، لقد كان على الجغرافيين الأميركيين أن يستجيبوا للمسؤوليات الأميركية المستقبلية. كان "هانز ويغرت"، الأميركي من أصل ألماني، وكما سنرى لاحقا، واحد من أهم الذين أسسوا لخطاب سياسي أميركي، لكن الجيوسياسة بالنسبة له، ومن خلال مفهومه للفضاء الجغرافي والتوسع، هي "فكرة سياسية" أكثر مما هي "رؤية للعالم".

آيسايا بومان (1878 ـ 1950) الإيديولوجية والجيوسياسة: نقد الإشكالية الابستمولوجية للجغرافية السياسية

أشرنا سابقا إلى التأثير الألماني على الجغرافية قبل الحرب العالمية الثانية والذي أدى إلى انقسامها بسبب النقاش حول الجيوسياسة الألمانية، ومن ثم التوقف عن مناقشة الجغرافية السياسية أو الحديث عنها بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أن هذا التوقف قد تخلله بعض الكتابات مثل العمل الذي قدمه "جون غوتمان" بعنوان "أهمية الإقليم" في عام 1973 حيث كانت الجغرافية تمرّ بأزمة حادة لم تعرفها في تاريخها ولم تكن بعيدة عن العلاقة مع مآسي الحرب. طرحت الوقائع الجديدة بعد الحرب الثانية العديد من الإشكاليات المتعلقة بالحدود، الأقاليم، القومية والأديان، وهي مصطلحات كانت الجغرافية السياسية قد تناولتها في السابق وأصبحت معروفة داخل هذا التخصص. ظهرت في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي العديد من الدراسات حول الجغرافية السياسية وكان من أهمها كتاب "بول كلافال" في عام 1991 الذي يحمل عنوان "من ثيوسيديديس إلى الطبقة الجديدة للخدمة: جغرافيات السياسي". كان للصراعات فيما بعد الحرب الباردة تقاطعات وتشابهات فيما يتعلق بالحجج القديمة ذات الطابع التاريخي والجغرافي التي تم استخدامها. بدأت العديد من الخرائط الإثنية بالظهور من أجل تبرير المطالبات بالسيطرة على الأقاليم، ومع هيمنة شبح الجغرافية عاد النظر إليها على أنها مهددة.

كان "بومان"[20] واحدا من أهم المفكرين تأثيرا في الولايات المتحدة في القرن العشرين وذلك من خلال الدور الذي لعبه كمدير للجمعية الجغرافية الأميركية وقد بدأ نشاطه فيها منذ عام 1917، وكذلك دوره البارز في "لجنة التحقيق" أو المجموعة التي تقدم الاستشارة للحكومة الأميركية ثم عضوا متخصصا في الوفد الأميركي إلى محادثات السلام في باريس. إذن، كان له دور سياسي وجغرافي استثنائي تقريبا في كل النصف الأول من القرن العشرين وله سيرة ذاتية مهنية حافلة بالأحداث لكن ما يهمنا في تناوله هو مساهماته النظرية والعملية في الجغرافية وكناقد وخصم كبير للجيوسياسة الألمانية وفي نفس الوقت صديقا ومتحالفا مع الجغرافيين الفرنسيين وممثلا للمعسكر الجغرافي الأميركي ـ الفرنسي.

نَظَرَ الجغرافيون الألمان إلى "بومان" على أنه واحد من المسؤولين عن معاهدة فرساي ورأوا ذلك في كتابه "العالم الجديد" وقد ترجموه على أنه شرعنة جغرافية للاتفاقية. أما المجموعة التي كانت ملتفة حول الجيوسياسي الألماني هوسوفر وكانت تسمى "مجلة الجيوسياسة" فقد كان من بين أهدافها الرد على بومان وتوضيح وجهة النظر الألمانية في الجغرافية السياسية وهذا ما دفعهم إلى نشر ثلاثية بعنوان "قوة وأرض" بين عامي 1932 و1935 وكانت الرد الألماني على كتاب "العالم الجديد"[21]. لم ينتظر بومان حتى ظهرت الثلاثية الألمانية حتى يحلل وينتقد ما أسماه "النزعة الخطيرة للجغرافية الألمانية" حيث انتقد في عام 1924 وبشكل حاد ما جاء في الطبعة الثانية من كتاب الجغرافي النمساوي " ألكسندر سوبان" وكان بعنوان "الخطوط التوجيهية للجغرافية السياسية". رأى بومان أن الإشكالية الجوهرية في فلسفة "سوبان" أن هذا الأخير "يبحث بطريقة شبه غرائزية عن (نظام/system) في الجغرافية السياسية يريد عقلنته وكأنه يبحث عن قوانين تتحكم بالعالم الطبيعي"[22]. انتقد أيضا ما اعتبره "حالة من الغموض حول مفهوم الدولة والوطن والحدود العضوية" لأنها وفق رأيه مفتوحة على كل أنواع سوء الاستغلال والاستخدام. (المرجع السابق، ص666). عاد بومان بعد ثلاث سنوات ليهاجم الثلاثية الألمانية التي أشرنا لها سابقا (أوتو مول " الجغرافية السياسية"، وولثر فوجيل "أوربا الجديدة وأساسها التاريخي والجغرافي"، رودلف رينهارد "العالم والجغرافية السياسية"). كان هجومه هذه المرة أقل دقة حيث يقول:" إن من بين أهم عناصر الثقافة لا يبدو أنه دخل إلى الجغرافية السياسية في أوربا الوسطى لا سيما الأخلاق، السلوك وجعل الشرف فنا والحياة ثقافة"[23].

كان بومان قلقا وغاضبا من رؤية مخاوفه تتحقق حيث انتقل الألمان من مقاربة فلسفية إلى ممارستها عمليا، أي شرعنة التحول العنيف للوضع الراهن للحدود. كتب بومان مقاله "الجغرافية والجيوسياسة" في عام 1942 كردٍّ على الألمان والأميركيين الذين اعتبروا هوسوفر العقل المحرك للانتصارات النازية العسكرية. يبين بومان في هذا المقال الفرق بين الجغرافية السياسية والجيوسياسة ويُقَدِّم فلسفته السياسية وأفكاره حول العلاقات بين الدول وينتقد المنهج في الجيوسياسة. أشار إلى أنه حارب ضد مفهوم الجيوسياسة قبل أن يبدأ العالم بالاشتباه بخطورة هتلر[24]. يطرح بومان في هذا المقال الإشكاليات الجوهرية للنقاش حول الجغرافية بعد الحرب العالمية الثانية كذلك العلاقة بين المعرفة الجغرافية والفعل السياسي (النقاش حول دور الجغرافية والعلوم الإنسانية والاجتماعية بشكل عام)، ثم يتحدث عن الإيديولوجية السياسية للجغرافية والجغرافيين (النقاش حول الماركسية في الجغرافية)، وأخيرا الأسئلة المنهجية والابستمولوجية (النقاش حول الوضعية الجديدة neo- positivism والجغرافية. رأى بومان أن الجغرافية السياسية أضاءت على أسئلة لها طابع سياسي، وبالتالي فإن القرار وحل هذه الإشكاليات والخلافات لا يعود إلى الجغرافية بل للسياسة وهي خاضعة لقواعدها ومعايرها. (ص 647).

أيضا، كتب بومان في نفس المقال:" الجغرافية العلمية تُعَمِّق الفهم. ولكن، كما في التاريخ والكيمياء، لا تمتلك صيغة جاهزة للحماية الوطنية بواسطة قوانين تمّ اختبارها واثباتها علميا". (ص658). أما عندما علَّق على معاهدة فيرساي فقد كتب عنها:" إن القرارات في مسألة الحدود غير مؤسسة بشكل مجرد فيما يتعلق بالتجربة الاجتماعية أو بالنظريات الأخلاقية المقبولة بشكل عام، لأن طبيعتها سياسية". (ص182). اتهم بومان الجيوسياسة الألمانية بأنها تخلط بين مفهومين منفصلين (الدولة والإقليم) وبالتالي شرعنة اختياراتها السياسية محاولةً تقديمها كمُنْتَج علمي:" هذه المفاهيم حول علاقة الدولة بإقليمها تتعلق باختلافات عالمية لا يمكن التوفيق بينها. إن نفس الحجة التي تأخذها أمة تلو الأخرى ولكن النتائج مختلفة، لا يوجد أي "علمٍ" جغرافي في هذا الشأن. قد تم ترتيب الحقائق الجغرافية لدعم مطالبات سياسية، أما النظم الفلسفية التي يتم تقديمها ليست إلاّ دفاعا عن سياسات قائمة على ضرورات عسكرية أو على منطق (الثقافة النبيلة تحتاج إلى فضاء جغرافي أكبر)، إن هذه الإيديولوجية هي وبكل وضوح غير علمية"[25]. يرى الجغرافي والأنثروبولوجي البريطاني "نيل سميث" أن بومان يخلط النشاط السياسي مع النشاط النظري لأن نفس الشخص يمكن أن يلعب الدورين بشرط ألاّ يقدم نشاطه السياسي كنشاط علمي، وأن المشكلة مع الجيوسياسة الألمانية ليست في أن الجغرافيين الألمان كان لديهم ممارسة سياسية لنظرياتهم بل عرضوا هذه النظريات وكأنها استنتاجات علمية وهذا لم يكن سوى عقائد سياسية"[26].

لم يتوقف "سميث" في نقد "بومان" عند ذلك، بل قام بدراسة نقدية مفصلة لكتابه "العالم الجديد". يعارض "سميث" مفهوم العالمية الذي تحدث عنه بومان وادعاءه أنه يقدم وصفا موضوعيا خالصا للجغرافية الاقتصادية والسياسية العالمية وينتقد الشوفينية التي يتحد بها بومان حيث، ووفق بومان، إن الاستعمار الأوربي غير ديمقراطي في كل مكان موجود فيه وعليه أن يترك مكانه للولايات المتحدة من أجل إدارة الشعوب المتخلفة والعاجزة ويمكن الوثوق بأميركا لإدارة شؤونهم الخاصة، ويرى "سميث" أيضا أن بومان قدَّم دستورا عنصريا صريحا للأمم المتحدة[27]. بالإضافة إلى ذلك، اعتبر سميث "أن كتاب "العالم الجديد" هو مثال على الإيديولوجية المخبأة بشكل جيد خلف موضوعية والتي هي في الحقيقة لا وجود لها". (سميث، المرجع السابق، ص441). لكن سميث يدرك جيدا أن الموضوعية المطلقة غير موجودة وأن الجوهر لا يوجد بالضرورة داخل المطلق بل في الدرجة التي يصبح فيها الكمي نوعيا.

لم تقتصر فلسفة بومان السياسية وأفكاره على نقد المنهج الألماني في الجيوسياسة ورؤيته للدولة، بل انطلق أيضا من نظام من القيم والتي استند إليها لمعارضة الجيوسياسيين الألمان. آمن بالديمقراطية ورفض مفهوم الجيوسياسة الألماني لصالح لدولة قوية توجد خارج المجتمع والمواطنين، ومن هنا جاءت رؤيته لأهمية المراكز غير السياسية لصناعة القرار كعامل يحقق توازن للدولة، يقول بومان:" إن المراكز غير السياسية للتنظيم في الدول الديمقراطية تُمَكن العامة من تذكر الأهداف المشتركة ضمن دائرة كبيرة للفعل والحريات المختلفة. إنها تعزز النقاشات المحلية والفكر المستقل والأكثر غنى من سياق يصدر فيه القرار عن الأغلبية"[28]. لكن بومان رأى أن الثقافة الديمقراطية لا يمكن فرضها من قبل الحكومة على الأفراد أو فرضها على أمم أخرى بالقوة باسم التقدم أو السلام، أو باسم التفوق أو ما يشاع من "حتمية الجيوسياسة":

"إنها من بين ثقافات أخرى كثيرة في عالمٍ من السلام حيث كل شخص يتكيف مع عبقرية شعبه وحدود بيئته. كل ثقافة منفصلة تتطور داخل سياق بيئي معين يفرض علامته أو أثره عليها ولا يمكن محيه فيما بعد، وفقط جزء من العالم الحديث يخرج عن هذه الظروف". (المرجع السابق، ص647).

أما وفيما يتعلق بالصراعات الدولية، فقد عارض بومان الفكرة التي تقول بفرض الحل باستخدام القوة منطلقا من مبدأ أنه من الممكن والمفضل فرض الحل في هذه الصراعات وفق طرق وأساليب نتبعها في الصراعات بين المواطنين في دول متحضرة. لقد اختار في تقديمه لكتاب نيكولاس سبيكمان حول الاستراتيجية الأميركية العالمية الجملة التي تقول:" العالم المنظم والمتسق ليس العالم الخالي من الصراعات بل العالم الذي يتم فيه ترشيد الصراعات ضمن طرق سياسية وقانونية بعيدا عن ضجيج الأسلحة، أي نقل الصراعات من أرض المعركة إلى المحاكم"[29]. إن هذه الرؤية هي التي دفعت بومان للعمل من أجل الأمم المتحدة معتبرا أن:" العالم سيصبح جحيما إذا انتشرت استنتاجات فيها سخرية وتشاؤم والتي سيكون لها تأثير على تحويل العامة عن الجهود الرامية إلى إنشاء منظمة عالمية للأمن والسلام وذلك حتى تقريبا قبل العمل في التفاوض على إنشائها"[30]. لم يكن بومان من التيار المحافظ فقد دعا إلى التغيير الاجتماعي على أن يتم من غير عنف وكوارث:" إن العالم، وبالعديد من المعاني، يثور كل الوقت، وكل ما يهمنا أن تكون ثورات مفكر فيها جيدا وتدريجية". (نيل سميث، 1986، ص460).

عارض بومان أيضا النزعات الانعزالية للسياسات الخارجية الأميركية والتي كانت ترجمة للتيار المحافظ لأسباب إيديولوجية واستراتيجية، كما اعتقد بقدرة الأفكار على تغيير العالم وأن القوى المادية ليست الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها على العكس من ادعاءات الجيوسياسة الألمانية. نلاحظ بعض التغيرات الفكرية المثالية عند بومان بعد الحرب العالمية الثانية حيث اتجه أكثر نحو الواقعية، رغم ذلك رفض في عام 1942 فكر الغاية تبرر الوسيلة (Geography and Geopolitics، مرجع سابق، ص646)، ولكنه وفي عام 1947 قبل أنه:" من الطبيعي أن الهدف هو أكثر أهمية فيما يتعلق باستخدام القوة". (نيل سميث، المرجع السابق، ص75). وفي واحدة من مقالاته الأخيرة في مجلة الشؤون الخارجية عام 1946 انتقد القرار فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية:" إن سوء الحكم والتقييم، التأثيرات الشخصية والاعتبارات الانتخابية في الولايات المتحدة وانكلترا، الخوف، الشك والسياسة الواقعية كلها أبعدت الأخلاق، الشرف والعقل"[31].

يرى الجغرافي الفرنسي "جورج بريفيلاكيس" في دراسة له نشرتها المجلة الجغرافية الفرنسية "الفضاء الجغرافي"، وهي الدراسة التي ساهمت في بحثنا عن العديد من المصادر حول الأفكار الجيوسياسية عند بومان، أن "الأزمة الأولى التي عرفتها الجغرافية هي الثورة الكميَّة، لكن علاقة هذه الثورة مع الجيوسياسة الألمانية ليست ظاهرة". (جورج بريفيلاكيس، "الفضاء الجغرافي"، العدد 1، 1994، ص78 ـ 89). عندما ندرس نقد بومان لاستخدام التصنيفات والمؤشرات من قبل الجيوسياسيين نفهم بشكل أفضل العلاقة بين المقاربة الكمية والحتمية، وهذا ما يؤكد عليه " بريفيلاكيس" قائلا:" في الواقع، إذا وُجِدت قوانين في الجغرافية البشرية فإنه عليها أن تنعكس في أرقام، بالتالي يكفي أن نصنف ملاحظاتنا الكمية من أجل أن نلامس الحقيقة. أي أن الانتظام الواضح والمكشوف يأخذ قيمة معيارية". (المرجع السابق، ص88).

توقع بومان الخطر الذي تمثل الثورة الكمية على الجغرافية الأميركية وذلك عندما كتب:" لقد كان سوء الحظ الذي أصاب الجغرافية الأميركية خلال السنوات العشرين الماضية الشاغل والمقلق للجغرافيين الشباب. أنا مع الفكرة التي ترى أن الأفكار هي التي تحرك العالم وأن الأفكار كانت أساس كل تقدم هام في الثورة الفكرية. أقول هذا لأعبر وبكل بساطة عن عدم الرضا تجاه تدابير محددة ودقيقة من أجل مواضيع وأهداف غير واضحة وغير دقيقة". (جيوفري مارتن، مرجع سابق، ص202).

الأزمة الثانية للجغرافية، كما يشير إليها " بريفيلاكيس" هي الماركسية والتي تلامس عن قرب المسائل التي طرحها بومان في مواجهته للجيوسياسة الألمانية. تنطلق الماركسية من أفكار ترى أن طريق الإنسانية محدد بشكل مسبق من خلال الاعتبارات المادية، بالتالي لن يكون مفاجئا أن بعض الماركسيين يقبلون بشكل أسهل الجيوسياسة التي جاء بها هوسوفر أكثر من قبولهم للجغرافية السياسية عند "بومان". مع ذلك، إن أفكار بومان هي التي تحولت إلى دليل في أوربا عبر كتابه "العالم الجديد" الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية في تحدٍّ لعلاقات القوة والحتميات الجغرافية والاقتصادية.

 

نيكولاس سبيكمان و"جغرافية السلام"

يُعْتَبَرُ كتاب نيكولاس سبيكمان (1893 ـ 1943) "جغرافية السلام" الذي صدر في 20 نيسان عام 1944 من أهم الكتابات التي تشكل مرجعا في الجيوسياسة المعاصرة. ويمكن القول إن المرجع الوحيد الذي ينافسه في هذا المجال هو مقال الجغرافي و الجيوسياسي البريطاني "هالفورد ماكيندر" (1861 ـ 1947) الذي ظهر عام 1904 بعنوان "الأساس الجغرافي للتاريخ" حيث يعرض فيه الأسس الجيو ـ تاريخية لمفهومه "قلب العالم الأوراسي". تعود شهرة كتاب سبيكمان إلى الصفحة رقم 43 من كتابه في طبعته الأولى الأصلية والتي تضمن نظريته الجيوسياسية الشهيرة "rimland" والتي تقول:" إن من يسيطر على الريملاند يحكم أوراسيا، ومن يحكم أوراسيا يسيطر على مصائر العالم". تتعارض نظرية سبيكمان وبوضوح مع الصيغة الصادمة التي وضعها ماكيندر في عام 1919 في كتابه "المثل الديمقراطية والحقيقة":" من يسيطر على أوربا الشرقية يهيمن على قلب العالم، ومن يهيمن على قلب العالم يهيمن على "جزيرة العالم"، ومن يهيمن على جزيرة العالم يهيمن على العالم". (ماكيندر، ص 186).

ركَّز ماكيندر عمله على القوة البرية للعالم القديم، بينما اختار سبيكمان لفت نظر أصحاب القرار السياسي في الولايات المتحدة الأميركية إلى أطراف أوراسيا (أوربا وآسيا) والتي أطلق عليها "ريملاند" أو حدود الأراضي وبشكل خاص في أوربا الغربية والشرق الأقصى. وهنا لا بد من الإشارة إلى خطأ يقع به العديد من مؤرخي الجغرافية حيث لم تكن بريطانيا العظمى ولا اليابان ضمن مخطط سبيكمان "ميرلاند". (سبيكمان، ص41). أيضا، يركز سبيكمان على الإمكانات البشرية، الصناعية والزراعية لهذه المنطقة الساحلية ويرى فيها محفزة على صعيد القوة السياسية كما القوة العسكرية معتبرا أنه:" لا يمكن الحفاظ على أمن واستقلال الولايات المتحدة إلاّ من خلال سياسة خارجية تمنع الكتلة البرية الأوراسية أن ترى الضوء كقوة مهيمنة بلا منازع في أوربا والشرق الأقصى". (سبيكمان، ص 59 و60).

وضع سبيكمان خطوطا عريضة للثنائية المتعارضة بر ـ بحر والتي تحدث عنها ماكيندر في رؤيته الجيو ـ تاريخية لقلب العالم، ثم فضل الإشارة إلى خطر توحيد "الريملاند" على مصالح الولايات المتحدة التي رأى فيها مطوقة جيوسياسيا وتجد نفسها في مواجهة عملاق يجمع القوة البرية والبحرية وقادر على مدِّ قوته عبر المحيطين الأطلسي والهادئ. وبالتالي، إن الخط الأحمر للسياسة الأمنية الأميركية هو في مواجهة كل محاولة تهدف إلى الهيمنة على الأقاليم التي تقع ضمن ما يمكن أن نسميه "أوراسيا المفيدة".

يستند المنطق التحليلي عند سبيكمان على السياسة أما منهجه ومقاربته فهي جيواستراتيجية، حيث على الولايات المتحدة أن تحقق توازنا بين القوى الموجودة في "الريملاند". انطلاقا من ذلك، رأى سبيكمان أنه على الولايات المتحدة وبشكل استباقي أن تتدخل دبلوماسيا في الحلقة من الأراضي التي تحيط "بقلب العالم"، كما يمكن أن تتدخل عسكريا إذا حاولت قوة أخرى مهيمنة أن تكون عدوانية وتريد تخريب وإخضاع ما أسماه "الكوكبة السياسية" الأوراسية. كان سبيكمان من ذوي النزعة التدخلية interventionniste وضد فكرة الانعزالية التي رأى فيها غير صالحة لدولة مثل الولايات المتحدة تعيش في "العالم الجديد"، لذلك دافع عن وجود "عصبة أمم" واقعية بين عامي 1925 و1939 وأشار إلى أن الحرب العالمية الثانية أكدت وجهة نظره حول أهمية التدخلية الأميركية. أما الطريقة الأفضل للوقاية من "الطرفية أو الانعزالية الغريبة" الأميركية هي "إقناع الولايات المتحدة بقيم "العالمية البراغماتية" والتي تعني المشاركة الفعّالة لها في سياسة دولية تحددها رهانات القوة". (سبيكمان، 1944، ص60).

إن واحدة من أبرز الخصائص التي جاءت في كتاب "جغرافية السلام" هي التحديدات الجيوسياسية، الجيواستراتجية أو الجيواقتصادية التي نراها في فصوله عبر 51 خريطة تضمنها الكتاب في المقدمة والتي تعرض للأميركيين في عام 1944 جوانبا مختلفة من "عالمٍ أصبح حقلا موحدا للعب بين القوى السياسية". (1944، ص35). لقد ذهبت الأفكار الجيوسياسية عند سبيكمان إلى أبعد من استراتيجية الاحتواء الأميركية أثناء الحرب الباردة التي لم تكن ترى سوى الخطر السوفييتي، وذلك لأن تحليله يستند على رؤية جيوسياسية للتوازن بين إمكانيات القوى بين "العالم القديم" و"العالم الجديد"، أي رؤية تتجاوز الحالة السوفييتية بعيدا عن إعطاء الأولوية للأطر الإيديولوجية.

بشكل عام، يمكن القول إن نظريات الأمن الأميركية التي طُبِّقَت أثناء وبعد الحرب الباردة لديها مشترك هو حضور نسبي لفئات أخرى من الجيوسياسة مثل الجيواستراتجية. نرى ذلك في الستينات من القرن الماضي مع "كولن غراي" في كتاباته حول العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية، كذلك "سول كوهين" في (الجغرافية والسياسة في عالم منقسم، 1963، و جيوسياسة النظام العالمي 2003). أيضا، رؤية هنري كيسنجر بعد سقوط جدار برلين حيث رأى أن:" هيمنة قوة وحيدة على فضاءين في العالم الأوراسي مازال يشكل تعريفا جيدا للخطر الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة، في حالة الحرب الباردة أو غير الحرب الباردة"[32]. إن التمييز بين الجيوسياسة والجيواستراتيجية ليس من أهداف هذا الكتاب ولكن يمكن الإشارة إلى اختلافهما هنا حيث أن الجيوسياسة تحلل ديناميكيات الفضاءات الجغرافية من أجل تفكيك أفضل للعلاقات الدولية، بينما الجيواستراتجية هي فئة تحت القراءة الجيوسياسة والتي موضوعها المفضل هو تحليل إشكاليات الدفاع[33]. إن الدراسات التي استندت إلى سبيكمان منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم عددها كبير جدا، كما أن العودة إلى مفهوم "ريملاند" لنقده أو للبناء عليه أصبحت جزء لا يتجزأ من الدراسات التاريخية حول استراتيجية الأمن الأميركي منذ نهاية الحرب.

الفكر الأساسية الثانية في كتاب سبيكمان، بالإضافة إلى ريملاند، هي قناعته الراسخة بأن سياسة القوة يجب ألاّ تُسْتَبعد لأسباب أخلاقية، بل على العكس، يجب أن تتم دراستها من أجل فهم الدوافع التي تحكم التفاعل بيت الكيانات التي هي الدول في المجتمع الدولي (ص 7). يقول سبيكمان مدافعا عن فكرته: "يوجد ميول، وبشكل خاص عند بعض الليبراليين وأولئك الذين يدعون بالمثاليين، للاعتقاد بأن موضوع القوة في البيئة الدولية يجب ألاّ يُسْتَحضر إلاّ من أجل إدانته أخلاقيا. يعتبر هؤلاء أن الدراسات حول تنظيم السلام والأمن يجب أن تستند فقط على مثاليات حضارتنا الديمقراطية وإلى رؤى حول نظام عالمي أفضل حيث القوة ليس لها مكان. مع ذلك، إن المثاليات السياسية والرؤى التي لا تستند إلى القوة يبدو أنها لديها فرصة ضعيفة بالاستمرار. إن وجود ديمقراطياتنا الغربية وبقاءها يعود إلى استخدام جيد للقوة، إن كان مصدرها من قبلها أو من قبل قوة حليفة". (ص3).

اقترح سبيكمان مفهوما سمّاه واقعيا لحماية الأمن الإقليمي على أن يبدأ عبر الدول الأكثر تأثيرا في إقليم جغرافي والتي تجد نفسها بشكل آلي تقوم بضمان تعاون بينها يخدم أمنها ومصالحها. انطلاقا من هذه الرؤية قدم في كتابه فهمه للجيوسياسة، فهي ليست "فلسفة شاملة للتاريخ" كما أنها ليست "مرادفا للجغرافية السياسية" بل هي:" تخطيط سياسة الأمن لبلد ما وفق عوامل جغرافية والتي تجيب على السؤال التالي: ما هي السياسة الأفضل، وفق حالة جغرافية خاصة، من أجل تحسين الأمن؟ إن الغاية النهائية التي يتم البحث عنها هي السلام واستقلال الدولة، وليس توسعها الإقليمي أو توسيع قوتها على حساب ما تبقى من العالم". (سبيكمان، 1944، ص 6).

  • الثالثة التي نرى أنه من الضروري توضيحها في كتاب سبيكمان هي "موقع أو مركز نصف الكرة الغربي". يبدو سبيكمان في هذه الفكرة مقتنعا بأن الحالة الجغرافية لأمريكا الشمالية جعلت من الولايات المتحدة الأميركية أمة لها مميزات جيواستراتيجية. ولكن، وبالمقابل، إذا استطاعت أية قوة عالمية أخرى أن توحِّد أوراسيا ويضاف إليها أستراليا وأفريقيا فإنه سيكون من الصعب على الولايات المتحدة أن تواجه ذلك حتى لو اجتمعت معها أمريكا الجنوبية. بالتالي، على واشنطن أن تمارس دبلوماسية التدخل لتحقيق التوازن بين القوى المحتملة في العالم القديم. لكن التدخلية interventionnisme التي يريدها سبيكمان يجب أن تتركز في مناطق لها أهمية كبيرة وهي المناطق التي يتحدث عنها في نظريته "ريملاند". لقد أكدت هذه وبشكل نهائي انتقال السياسة الخارجية الأميركية من الانعزالية إلى التدخلية، وقد أصبح عمل سبيكمان في هذا الشأن مرجعا مؤسسا للتأريخ الجيوسياسي الأميركي يستند إليه المنظِّرون في العلاقات الدولية والجيوسياسة بشكل دائم.

 

الأفكار الجيوسياسية عند "هانز ويغرت"

كَتَبَ "ويغرت" في مقدمة كتابه " الجنرالات والجغرافيون":" هنا، نحن في القرن العشرين مع انقلابات هائلة. ينظر رجل الشارع وكذلك الزعيم السياسي كل يوم إلى الخريطة بمشاعر من العجز المتزايد والذهول. ومن أجل جعل الأمور بشكل أسوأ، يوجد ستار من الشعارات السياسية والذي يخفي الحقائق الجغرافية تحت كلمات مثل "العزلة"، "التدخل"، "الفضاء الجغرافي الحيوي"، "تقرير المصير"، "نصف الكرة الغربي"، "الشيوعية"، " القومية الاشتراكية"، " آسيا للآسيويين" وغيرها الكثير"[34]. رأى "ويغرت" أن الخريطة تفرض قوانينها، حيث أن الناس يواجهون يوميا أهمية الأسماء الجغرافية والتي لم تكن تعني لهم شيئا عندما كانوا أطفالا.

لقد كان الاستراتيجي والسياسي بحاجة إلى رؤية عالمية، من هنا طرح "ويغرت" سؤاله عن "كيفية حصولهم على هذه الرؤية ضمن جيلٍ من غير أدوات فكرية أو شعور خيالي يساعد على التحليل وإعادة تشكيل العالم وفق المصطلح العالمي؟". (المرجع السابق، ص 5). انطلق "ويغرت" من فكرة أن مفهوم الجغرافية في علاقته العميقة مع مصير الإنسان ظل سطحيا، حيث تمّ تعليم الجغرافية ولفترة طويلة من قبل أشخاص لم يستطيعوا فهم أن السياسة كانت هي المصير وأن السياسة خضعت لفترات طويلة أيضا لأشخاص فشلوا في إدراك أن الأرض والفضاءات البحرية هي أيضا تحدد مصير الإنسان. استحضر "ويغرت" في كتابه المشار إليه سابقا ما كتبه الجغرافي البريطاني "هالفورد ماكندر" في عام 1942، حيث يقول ماكندر:" عندما بدأت تدريس الجغرافية في جامعة أكسفورد عام 1887 واجهت معارضة من قبل العديد من ذوي النزعة الليبرالية الذين رؤوا أن دراسة الجغرافية أصبح لها نمو باتجاه النزعة العسكرية والإمبريالية. إنهم لا يدركون أن فهم الدفاع هو من مسلمات الهجوم". أراد "ويغرت" من العودة إلى ماكندر القول إن ماكندر حاول الكشف عن العقبات التي تقف أمام تطوير الجغرافية السياسية الحديثة.

رأى "ويغرت" أنه كان بإمكان الفهم الحقيقي للجغرافية السياسية أن يؤدي إلى الحيلولة دون ارتكاب أخطاء من قبل المؤسسة السياسية في الغرب، لا سيما إذا، وبعد الحرب العالمية الأولى، كان هناك معرفة سلمية وعميقة بأن العلاقات القوية بين الفضاء البري والتاريخ هي علاقات مشتركة.

وضع "ويغرت" في كتابه (الجنرالات والجغرافيون) فصلا بعنوان "أمريكا: الدولة التابعة، إن أمريكا اليوم هي متعبة وقديمة" (ص 192). يعتبر "ويغرت" أن واحدة من أهم الخصائص المتعلقة بتطبيق الجيوسياسة الألمانية على الاستراتيجية العسكرية والسياسية هي سلبية جدا وتتعلق بما يسمى "نصف الكرة الغربي" وخاصة أن الولايات المتحدة لم تحظى بالاهتمام بقدر الاهتمام بأوروبا وأوراسيا، كذلك المحيطين الهندي والهادئ. لكن هذا ومن وجهة نظره لا يعني أن الجيوسياسي الألماني هوسوفر، وفي مجلته الشهيرة "المجلة الجيوسياسية"، امتنع عمدا عن مناقشة مشاكل الولايات المتحدة الأميركية أو غفل عنها. لقد كتب هوسوفر العديد من التعليقات في المجلة وفي كتبه ودراساته عن المشاكل الأميركية النوعية وهذا ما يؤكد أن الطلاب الألمان في الجيوسياسة حاولوا فهم الدور الذي يلعبه موقع الولايات المتحدة وحجمها ومساحتها في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

رأى "ويغرت" أن "علم الجيوسياسة" لا وجود له، بل هناك "جيوسياسيات" متعددة على قدر تعدد الدول والصراعات ووفق مختلف الحالات والمواقع الجغرافية، وبالتالي هناك جيوسياسة خاصة بالولايات المتحدة كما يوجد جيوسياسة خاصة ببريطانيا:" كل أمة لديها الجيوسياسة التي تستحقها"، (المرجع السابق، ص 21). كما اعتبر أن الأحكام الإيديولوجية المسبقة موجودة في كل جيوسياسة سواء كانت ألمانية أو أميركية، لذلك حاول تحديث هذا الخطاب الإيديولوجي من خلال وعيه بالتنافس والنزاع بين الخطابات السياسية بما في ذلك خطابه في وقت لاحق. لم يستسلم "ويغرت" في متابعة اكتشاف "أميركا جديدة له موقعها على الصعيد العالمي"، حيث اعتبر أن لكل أمة واجب "أخلاقي" على الصعيد الكوني، واجب أخلاقي أكثر مما هو علمي، كما أنه لا يمكن لأمة أن تعطي دروسا لأخرى في كيفية بناء دفاعاتها ضد الأسلحة الإيديولوجية لأمة أخرى. (ص 23).

تحدث "ويغرت" كذلك عن طبيعة الأداة التي خلقت تناقضَ "جغرافية ضد جيوسياسية" هذه الأداة التي أعطت قيمة أكبر للجيوسياسية، كما خفَّف من هالة الشخصية "العبقرية" للجيوسياسي الألماني هوسوفر. أعاد "ويغرت" أهمية الجيوسياسة إلى حجمها الحقيقي حيث رأى فيها "إغواء من الشعارات المتلاشية" واعتبرها فلسفة زائفة أو شبه فلسفة للحتمية الجغرافية[35]. اعتبر "ويغرت" أن الإعجاب الكبير للولايات المتحدة بالجيوسياسة سببه أبعد من اكتشاف هذا التخصص، والسبب هو حاجتها الطبيعية لتعريف الجغرافية السياسية في حد ذاتها وفي تطبيقاتها، لذلك رأى أنه لا بد من "أرض صلبة" لهذا التخصص بدلا من محاولة المغامرة في الجيوسياسة التي حذّر منها وتحفظ عليها.

ساهم "ويغرت" في الجهود التي أرادات إعطاء الولايات المتحدة الأميركية هوية جديدة على الصعيد الدولي، حيث راجع نظرية ماكيندر " قلب العالم" من زوايا واسقاطات مختلفة، وكان من أول من أظهر للأميركيين أن العالم "مستدير" وكانوا قد نسوا ذلك لفترات طويلة بسبب استخدام خرائط واسقاطات "مركاتور" أو طريقة رسم الخرائط عبر الاسقاط الأسطواني التي اخترعها الجغرافي الفلمنكي جيراردوس مركاتور عام 1569. كذلك ساهم في تبديد التقليد الانعزالي المُؤَسَّس على "المسافة الجغرافية" كعامل للأمن.

قَدَّم "ويغرت" في كتابه "الجنرالات والجغرافيون" تحليلا عميقا للمدرسة الجيوسياسية الألمانية مدركا ولحد بعيد الحدود المفروضة على نظيرتها الأميركية. كانت مهمة المدرسة الأميركية، وفق ويغرت، التعرف على العدو وعقليته وماذا يفكر في الحاضر والمستقبل ثم التعلم منه. رأى أنه مع هذه المقاربة لم يكن ممكنا توقع الوصول إلى صورة كاملة ومنتظمة للجيوسياسة في جميع جوانبها الجغرافية والإيديولوجية. (ص 239).

يطرح "ويغرت" في الفصل الأخير من كتابه سؤالا يلخص عمله: "ما هي الدروس المستفادة من الجيوسياسة الألمانية حول رؤية العالم؟". رأى، وفي إجابته على هذا السؤال، أن مفهوم "رؤية العالم" في الجيوسياسة الألمانية وبشكل خاص عند هوسوفر يجب أن يتم فهمه إلى أبعد من مسلمات بدائية تتعلق بالدم والتراب والعقيدة، كما أنها لم تبق متجذرة داخل الفضاء البرجوازي المسمى "ليبنسراوم" في الألمانية أو "الموطن" والذي يعترف بالحدود الواضحة. (ص 239). لقد استبدل هوسوفر هذه الإيديولوجية بمفهومه حول الفضاءات الجغرافية الضخمة حتى تصبح الأرض بكليتها مسرحا لقوة شهواتهم، وهذا ما يسميه ويغرت "ميتافيزيقا الشهوات الإمبريالية". رأت الجيوسياسة الألمانية في مبادئها الاستراتيجية الحربية أنها قادرة أن تكون قوانيناً أبدية من العلوم الطبيعية "العلوم الطبيعية الألمانية":" لقد قلنا أن لكل بلاد جيوسياسة خاصة بها لكن ألمانيا كان لديها جيوسياسة لأرض لم تعرف كيفية الاستفادة من الحرية والديمقراطية". (ص 239).

يرى "ويغرت" في نهاية كتابه "الجنرالات والجغرافيون" أن للأميركيين فرصة أخيرة لتعلم دروس الجيوسياسة المؤنسنة humanized، الدروس التي توجههم نحو بناء نظام دولي جديد تكون في النظم الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية في الشرق والشمال متناغمة مع مؤسساتهم الخاصة. (ص 258). لقد أعطى القدر الولايات المتحدة وبريطانيا هدية هي الحلفاء في روسيا والصين، ولم تأت هذه الهدية بفضل الحكمة الجيوسياسة للأميركيين والإنكليز بل بفضل أن أكبر القوى القارية اتحدت معهم ضد العدو اللدود للجنس البشري وحرية الإنسان. (ص 258).

يختم ويغرت بالقول:" إن الجغرافية تجمعنا مع قلب العالم ونحن جزء من البشرية بحكم قانون الطبيعة وبعزيمتنا. إن مسارا جديدا للبشرية سوف يتم شقه من قبل الأمم فوق التراب وفي الهواء وفوق السهول والجبال، الأمم العازمة على بناء عالم حر. الولايات المتحدة هي من بين هذه الأمم والتي ستدحض العقيدة الجيوسياسية الألمانية القائلة إن "أميركا اليوم متعبة وقديمة"، سيدحضونها إذا ظلوا أوفياء للمسار الذي يقود إلى الحرية وإلى ديمقراطية حقيقية لعالم الغد. فهل سينجحون؟ (ص 259).

 

روبيرت ستروسز هوبي (1903 ـ 2002) والجيوسياسة الأميركية

لم يتم الاطلاع على هذه الشخصية بشكل جيد أو الكتابة عنها بما يكفي في تاريخ المدرسة الجيوسياسية الأميركية. هاجر من النمسا إلى الولايات المتحدة عام 1940 وكان من بين الكُتَّاب القلائل الذين قدَّموا "الجيوسياسة" إلى الأميركيين ودافع عن "المقاربة الجيوسياسية" للسياسة الدولية في عمله مع الحكومة الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية. أنشأ "ستروسز" بمساعدة المحافظين الأميركيين (معهد أبحاث السياسة الخارجية) في جامعة بنسلفانيا مع مجلته المؤثرة. عَمِل في التحليل وإنتاج الدعاية للجيوسياسة بين عامي 1940 و1980 من خلال سيرته المهنية وكتابته حول الهيمنة الجيوسياسية الأميركية.

بدأ اهتمام "ستروسز" بالجيوسياسة من خلال كتابته عن النظام النازي في ألمانيا كتهديد عالمي وللولايات المتحدة أيضا والعالم الغربي. عزز موقفه بعد الحرب العالمية الثانية بكتاباته عن الاتحاد السوفييتي معتبره تهديدا للنظام العالمي أيضا، أي أن خطابه الجيوسياسي لم يتغير في الحالتين. لقد كان الكتاب الذي قدمه "ستروسز" بعنوان (الصراع من أجل الفضاء الجغرافي والسلطة، 1942) هو الذي حقق له سمعة كمتخصص ومحلل للدعاية الجيوسياسية الأجنبية. لم يكن كتابه الأول حول الجيوسياسة الألمانية لكنه الكتاب الذي لاقى صدى وانتشارا على الصعيد الوطني. انطلق في الجيوسياسة من فكرتين: الأولى، "تفسير الارتباط بين الجيوسياسة والسياسة الخارجية للنازية وذلك وفق ما يتفق مع الوصف والقصص الشعبية المثيرة في الجيوسياسة التي كانت سائدة آنذاك"[36]، حيث أن الجيوسياسة هي خطة رئيسية تبين كيف ولماذا الغازي يتبعها كاستراتيجية عسكرية سهلة للغزو، أي أن مفتاح التطلعات الهتلرية مبني على الجيوسياسة الألمانية[37].

إن ادعاء " ستروسز" هو بحد ذاته دعاية ووصف مبالغ فيه للعلاقة بين المدرسة الجيوسياسية التي أسسها هوسوفر والسياسة الخارجية الألمانية في عهد النازية[38]. الثانية، أعدّ بحثا وتحليلا لأصول النظرية الألمانية في الجيوسياسة ووصل إلى نتيجة أن لها "جدارة علمية" كنظرية في الجيوسياسة. أيضا رأى أن الجيوسياسة هي "توليدٌ علمي لكلمة جديدة من كلمتين" والتي "تم تبنيها بشكل أعمى من قبل نظريات وُجدت في الجغرافية السياسية لفترة طويلة وقد دُمِجَت الكلمتين لإنتاج مذهب للحرب". (ستروسز، 1942، ص 86). استطاع ستروسز أن يسلط الضوء على أهم منظري الجيوسياسة ومن بينهم هوسوفر الذي وفق رأيه أخرج الجغرافية السياسية عن مسارها كعلم لتتحول إلى عقيدة لا عقلانية ليس أكثر.

يقول ستروسز متحدثا عن كتاب هوسوفر "الجيوسياسة الألمانية":" يحتفظ هذا الكتاب في كل صفحاته بالدلالة والاستخدام الخاص من قبل المدرسة الألمانية لنظريات الجيوسياسة. مع ذلك، يجب ألا نفترض أن هذا الاستخدام، المنحرف أو الذي يدمر السلام في العالم، هو بالضرورة يفسد جميع النظريات الجيوسياسية". (المرجع السابق، ص140). إن الجيوسياسة الألمانية بالنسبة له هي اعتقاد فاسد ورؤية منحدرة وهابطة للجيوسياسة، لكن الجيوسياسة كاسم للعلاقة بين الدولة مع بيئتها الجغرافية هي ضرورية لإدارة السياسة الخارجية الأميركية. ميَّز ستروسز في عام 1943 وبوضوح بين ثلاثة أنواع من الجيوسياسة: 1) الجيوسياسة، 2) "الجيوسياسة الألمانية"، 3) "الجيوسياسة الأميركية"، حيث رأى أن الأولى هي تخصص والثانية مخطط لغزو العالم والثالثة مذهب لسياسة القوة الأميركية[39]. كما نرى هنا، أصبح ستروسز مبشرا ويقوم بعمل دعائي للجيوسياسة الأميركية التي تتخذ من الجيوسياسة كقاعدة لبناء القوة.

استخدمت مجلة "Business Week" خطابا جيوسياسيا استندت فيه على "ستروسز" من أجل الحديث عن أهمية تأسيس "المعهد الأميركي للجيوسياسة"، مقتنعة أن "التكوين العميق للجيش الألمانية في الجيوسياسة" هو أساس نجاحاته في زمن الحرب حيث كتب رئيس تحرير المجلة:" من الواضح الآن أن الولايات المتحدة تتدرج في قيادة هذه الحرب. إن هذه المطالبات التي تحدد احتياجاتنا وأهدافنا على المدى الطويل تضغط على جميع مخططاتنا وبشكل موضوعي تنسق كل أهدافنا"[40]. لم تتجاهل واشنطن دعوات المهتمين بالتنظيم وتنسيق جهود الحرب لتبني نظرية جيوسياسية.

لقد كانت وزارة الحرب واحدة من أول الأماكن التي عرفت محاولات استخدام النظريات الجيوسياسية. دعا "إريك أرتشديكون" في حزيران من عام 1940 إلى إنشاء "المعهد الأميركي للجيوسياسة" على غرار المعهد الذي أنشاءه هوسوفر في ألمانيا "المعهد الألماني للجيوسياسة" في ميونخ وشجع مجتمع الأعمال على تطوير هكذا مشروع. كان "أرتشديكون" يخطط لمعهد خاص من شأنه أن يخلق تعاونا داخل قطاع الأعمال، وزارة الخارجية وهيئة الأركان العامة، لكن مشروعه فشل في نهاية المطاف بسبب اعتبارات أمنية ومخاوف من أن معهد مستقل من هذا النوع لن يركز على البحوث الأساسية للجهد الحربي. لقد أدت الضغوطات والنقاشات حول الاقتراح إلى إثارة اهتمام وزارة الحرب حيث تمّ إنشاء قسم للجيوسياسة داخل جهاز الاستخبارات في الثامن من حزيران عام 1942.

هَدَفَ هذا القسم إلى دراسة الجغرافية الطبيعية، الاقتصادية، السياسية والعرقية ـ الجغرافية من أجل تقديم الاستشارات فيما يتعلق بالتدابير الأمن القومي وضمان استمرار السلام بعد الحرب العالمية الثانية والقيام بدراسات يمكن أن تطلبها المتابعات القضائية المتعلقة بالحرب. ولكن تمّ إلغاء قسم الجيوسياسة بعد المشاكل الناتجة عن تعيين مدير متحمس جدا للقسم هو الكولونيل "وليام سميث كولبيرتسون". قام "كولبيرتسون" بتوسيع نشاطات القسم وامتدت إلى أوساط رجال الأعمال والمراكز البحثية الخاصة، مما شكل مشكلة من الغموض في الخط الفاصل بين العام والخاص لا سيما أن القسم عمل على مخططات سرية خاصة به. إن المكان الذي ازدهرت فيه الجيوسياسة هو قسم سري أنشأته الاستخبارات بهدف البحث والمعلومات في عهد الرئيس روزفلت عام 1941 وكان بإدارة الصحفي "جون فرانكلين كارتر"، حيث كان القسم يحصل على معطيات جغرافية ويعد التقارير الاستخباراتية، أما مشاركته الأكثر أهمية في الجيوسياسة فقد جاءت مع ما أصبح يعرف آنذاك باسم مشروع "M".

كان مشروع "M" برئاسة الجغرافي "آيسايا بومان"، وقد تحدثنا عنه سابقا، والأنثروبولوجي "هنري فييلد"، اقترح المشروع سلسلة من "دراسات الهجرة والاستيطان" على المستوى العالمي للمساعدة في إعادة توطين ملايين الأشخاص النازحين بسبب الحرب العالمية الثانية وغير القادرين على العودة إلى منازله. اقتصر المشروع في البداية على دراسة أمريكا الجنوبية والوسطى، لكن الرئيس روزفلت قبل توسيعه فيما بعد، وبما أن رئيس المشروع "بومان" كان معجبا بمنشورات "ستروسز" في حول الجيوسياسة فقد وضعه كرئيس لقسم البحوث. (O’TUATHAIL Geariod، ص 540). حاول "ستروسز" ومن خلال عمله في المشروع أن يزيد من حجم التكوين والتدريب الجيوسياسي الذي يقوم به أعضاء من القوات المسلحة الأميركية، وكان الكولونيل "هيرمان بوكما" من أكثر المتحمسين للتعليم الجيوسياسي وقد ترأس قسم الاقتصاد والتاريخ في "الأكاديمية العسكرية الأميركية" بين عامي 1930 ـ 1947. اعتقد "بوكما"، مثل أغلب الجيوسياسيين الأميركيين، أن الجيوسياسة هي مفتاح النجاح الذي يقف وراء الانتصارات النازية وعمل بقوة على إدراجها في مدارس التدريب العسكري الأميركية، كما رأى أن النجاح الأميركي في التوصل إلى سلام دائم يعتمد ويتوقف على الفهم الجيوسياسي الذي يتمتع به القادة العسكريون. اقترح إنشاء "مدرسة رجال الدولة" التي تهدف لتثقيف الخبراء منذ وي التخصصات العالية في مجالات تتعلق بالتكتيكات العسكرية الجوية والبحرية والاستراتيجية[41].

كان "ستروسز"، وأثناء عمله في مشروع "M"، قد أنهى مسودة كتابه الثالث "ميزان الغد" وذلك في عام 1945 حيث يتحدث عن عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، كتاب هو الأهم لأنه خلاصة مقاربته للسياسة الدولية من خلال علاقتها مع الجيوسياسة. يقول "ستروسز" في كتابه:" لا يوجد وسائل دقيقة للكشف عن هذا التعقيد للثوابت الجغرافية وعن الأهواء الإنسانية فيما يسمى السياسة الدولية. يجب على رجل الدولة أن يلقي بخطوطه بعيدا داخل المستقبل، أما السياسة الخارجية فتدرس وتعالج فقط الإمكانيات. إن وجود قياسات تقريبية هو أفضل من عدم وجود قياسات على الإطلاق، وعلى الرغم من أن أدوات البحث التحليلي في طبيعة السلطة هي أدوات جافة وفظة إلاّ أنه أفضل من مجرد الحدس. عندما تعترف سلطة الدولة بالحقائق والأرقام باعتبارها مؤشرات تتغير بسرعة وخاضعة بقوة للمؤثرات وقتها يمكن استخدامها كميزة كبيرة في ورشات السياسة الخارجية"[42].

رأى ستروسز أن "الجيوسياسة جذابة لأنها توفر التحليل الدقيق لسياسات القوة وبالتالي حقائق صعبة تواجه كل أولئك الذين يقررون في السياسة الخارجية، إن كانوا مثاليين أو واقعيين". (المرجع السابق). أقرَّ بأن" القناعات الأخلاقية والاستناد إلى المعاهدات الدولية لا يضمن وحده بقاء أمة، وأن قوة أمة يحددها موقعها، وحجمها، تضاريسها، مواردها من المواد الخام وحجم سكانها". (1945، ص 7). بدلا من أن يرفض ستروسز الجيوسياسة فقد أعاد تعريفها على أنها "مخزون علمي" ونوع من سياسة القوة التي تؤكد على أهمية دراسة العناصر الجغرافية للقوة الوطنية. لقد انجذب ستروسز إلى الجيوسياسة لأنها "تمكِّن من تقليل، وليس من القضاء، عوامل الصدفة في السياسة الدولية".

شارك ستروسز، وبالإضافة إلى تطوير المناهج الدراسية، في سلسلة من المحاضرات التي شكلت جزء من تدريب المدربين في القوات البحرية على فهم الجيوسياسة والتأثير العام للعوامل الجغرافية على العلاقات الدولية. لقد لعب دورا بارزا في تطوير الرؤى الجيوسياسية للعالم في أوائل الأربعينات من القرن الماضي وبالتالي كان من أهم من استخدم الجيوسياسة في الحكومة وفي تطوير مناهج التعليم لأفراد الجيش الأميركي.

أدانَ ستروسز في كتابه "الصراع من أجل الفضاء الجغرافي والقوة" الجيوسياسة كمذهبٍ اتجه إلى نفي قيم العالم الغربي بسبب وضع هذا المذهب قوانين ونظريات عضوية بيولوجية. رأى في هذا الصدد أنه يمكن وجود توافقات بين عملية تنظيم الدولة وبنية سياقها الطبيعي المحيط بها ولكن هذه مهمة التاريخ في تحديد أشكال هذه التوافقات والعلاقات وليس النظريات الطبيعية. انطلاقا من هذه الرؤية انتقد وبشدة كلا من ماكيندر و هوسوفر لعجزهما عن تقديم شيء آخر سوى "التفسير الاستشرافي للتاريخ"، وقد استند في نقده على الجغرافي الفرنسي "فيدال دو لا بلاش" الذي يرى أن الإنسان هو المحرك الأساسي للتاريخ وأن الظروف الجغرافية تتوقف بشكل عام في اللحظة التي يبدأ التاريخ فيها ببناء نفسه، ولكن الإنسان هو دائما من يضع آخر لمسة على هذا التاريخ.

رغم هذه الرؤية التي قدمها ستروسز إلاّ أنه نفسه وقع في اعتبارات على النقيض من آراء كتبها سابقا والتي لم يستطع أن يطورها بشكل حقيقي. لقد أشار في حديثه عن "الفضاء الجغرافي" أو التوسع الجغرافي كعنصر جديد في جيوسياسة توسع الأمم إلى أن لا الثروة ولا الموارد الطبيعية، ولا الإنتاج الاقتصادي الكبير لا يمكنها أن تكون ضمانا كافيا لأمن الدولة. بالمقابل، إن هذا الأمن كان قد أعطي للدولة التي تمتلك القدرة على الدفاع في العمق، تلك الدولة التي لديها إقليم واسع يمكِّنها من التراجع في حالة الهجوم عليها[43]. وصل ستروسز في كتابه إلى "نتيجة منطقية " حيث يقول "لاحظنا اختفاء دول صغيرة تركت فضاءها الجغرافي للدول الكبرى، ويعترف بنفسه أن:" تاريخ عصرنا يظهر وكأنه يعكس، مع حتمية مشوهة، النزعة التي اتجهت نحو إمبراطوريات وقوى عظمى تتفق مع النبوءة التي جاء بها راتزل، شبنغلر وماكيندر". (المرجع السابق، ص74). بالإضافة لذلك، اعتبر أن الولايات المتحدة، ومن بين خمسة "مراكز جغرافية للقوة" هي "قوة لتحقيق الاستقرار والتي تمهد الطريق نحو نظام عالمي جديد". (ص 195).

أخيرا، كشف ستروسز عن شغفه بالحرب النفسية والسياسية أو بالدعاية بشكل عام، لقد انشغل بإشكالية الدعاية طوال حياته، منذ كتاباته الأولى حول الجيوسياسة الألمانية وحتى آخر جهوده في تحذير بلاده من "خداع الدعاية السوفييتية والشيوعية"، ولكن، وفي نفس الوقت، كانت المفارقة في أن ستروسز نفسه عمل في نوع من الدعاية المضادة. أيضا، كانت الجيوسياسة بالنسبة له مثل الدعاية المضادة التي قام بها، حيث عمد إلى فك رموز ما سماه "الحقيقة" والانقسام بين "الحقائق الجغرافية" واضعا إطارا لممارسة فن الدولة أو الكفاءة السياسية ومتحدثا فيما بعد عن "الحقائق الجيوسياسية" لفن ممارسة السياسة[44]. لقد كانت هذه التقاطعات والتشابكات المتبادلة أساسا للإشكاليات عند المفكرين الأميركيين، في المؤسسات وفي إيديولوجية الجيوسياسة الأميركية، والتي أدت إلى النقاش حول مواضيع مثيرة للاهتمام والبحث في مستقبل ما أسميناه سابقا "الجيوسياسة النقدية" (انظر الصفحة 120 من الكتاب).

  • الأمر الأول الذي يتعلق بمسألة الذاتية بالنسبة للجيوسياسيين كمفكرين في السياسة الخارجية نراه عند ستروسز من خلال سيرته الذاتية كمفكك لرموز الجيوسياسة الألمانية ومترجم فكري لها وذلك بحكم خلفيته النمساوية والجرمانية التي مكنته من فهم عمل الجيوسياسة الألمانية. الأمر الثاني، لعبت الظروف المؤسساتية التي تكونت بداخلها مواقف ستروسز دورا في التأثير على ثقافته واستخدامها في أجندات إيديولوجية وهذا ما جعلها موضوعا للنقاش في الجيوسياسة النقدية الأميركية. الأمر الثالث، إن البحث داخل الجيوسياسة النقدية حول الإنتاج الاجتماعي للاختلاف في السياسة هو ذو أهمية خاصة في أي تقييم نقدي لأعمال ستروسز.

 

الجيوسياسة الأميركية بين الواقعية والمثالية: بين العلاقات الدولية والجيوسياسة

لا بد من القول بداية إن "الواقعية" مصطلح يستخدم بأشكال متعددة وفي تخصصات متنوعة. يستخدم في الفلسفة كمقابل للمثالية[45]، كما نستخدم "الواقعية العلمية" كفلسفة للعلم تتعارض مع التجريبية، الذرائعية instrumentalisme، البرهنة والوضعية، أما في الآداب والسينما فتتعارض مع الرومانسية[46]. أما "الواقعية" التي سنتحدث عنها في هذا المحور من الكتاب فهي الواقعية في العلاقات الدولية والجيوسياسة في الولايات المتحدة الأميركية فقط.

يتحدث الواقعيون، بشكل عام، عن المخاوف التي تفرضها "أنانية الإنسان وغياب حكومة عالمية أو الفوضى، هذه الحكومة التي لها أولوية لكل حياة سياسية للسلطة والأمن"[47]. رأى "غيلبن" أنه يجب أن يُنظر إلى الواقعية السياسية "كنظام أو نزعة فلسفية ومجموعة من الافتراضات حول العالم أكثر مما يُنظر إليها بالمعنى الصارم أي نظرية علمية". (غيلبن، المرجع السابق، ص290). وبالرغم من أن الرؤية الواقعية، كما يرى غيلبن، قادرة على وضع فرضيات يمكن اختبارها ونظريات أكثر منهجية، إلاّ أنه من الأفضل النظر إلى الواقعية السياسية نفسها كموقف تجاه الحالة الإنسانية. إن الواقعية ضمن هذا المعنى هي مؤسسة على التشاؤمية فيما يتعلق بالتقدم الأخلاقي والإمكانيات الإنسانية، وذلك على الخلاف من المثالية. يعتقد غيلبن، انطلاقا من هذه الرؤية، أن كل كاتب واقعي نيو ـ كلاسيكي أو بنيوي يتقاسم ثلاث فرضيات حول الحياة السياسية. الأولى، هي الطبيعية الأساسية الصراعية للشؤون الدولية، أو وفق تعبير توماس هوبز "إنها الغابة هناك". أي أن الفوضى هي القاعدة والنظام أما الأخلاق هي الاستثناء، والحكم النهائي في الأمور السياسية هو القوة ولن يكون هناك أية قيمة لبرامج أخلاقية إذا نسينا هذه الحقائق الأساسية.

الفرضية الثانية هي أن جوهر الواقع الاجتماعي هو الجماعة. حيث أن التكتلات والوحدات من أجل بناء الحياة الاجتماعية والسياسية ليست هي الأفراد وفق الفكر الليبرالي وليست الطبقات وفق الماركسية، مع العلم أن "الطبقة" أحيانا تشكل قاعدة للتضامن عن الجماعة وفق الواقعية. تظهر الواقعية السياسية في هذه الفرضية كما سمّاها "رالف داهرندورف" (مجموعات الصراع)[48]. الفرضية الثالثة، أن الأولوية في كل الحياة السياسية للسلطة والأمن هي الدافع الإنساني. (غيلبن، ص291). يجدر بالإشارة إلى أن "كينيث وولتز" كان أكثر الواقعيين الأميركيين تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين.

بدأ الاهتمام الأكاديمي الأميركي بالعلاقات الدولية كاختصاص مستقل عن القانون والتاريخ بين الحربين العالميتين. جاء دراسة العلاقات الدولية كنتاج للحرب العالمية الأولى ومؤتمر السلام في فيرساي، لذلك نرى أن هذه الدراسة جاءت في البداية ضمن استمرارية المواضيع التي تتعلق بالسلم الدولي وكيفية وضع حدٍّ ونهاية للحرب. أطلق "تشارلز ميريام"، أستاذ العلوم السياسية ومؤسس المقاربة السلوكية في علم السياسة، في عام 1926 مشروعا بحثيا في جامعة شيكاغو بين مختلف التخصصات حول أسباب الحرب والمصادر العالمية لعدم التوازن والنزاعات الدولية، أما البروفسور في القانون الدولي "كينسي رايت" فقد أشرف على 45 دراسة أكاديمية، ماجستير ودكتوراه، وكتب عشر مؤلفات وكانت جميعها ضمن الجهود الجماعية بين عامي 1928 و1941 فيما يتعلق بالعلاقات الدولية.

رغم أن المرحلة الأولى من دراسة العلاقات الدولية انتقدت الكُتَّاب الواقعيين ووُجهت، بشكل خاص، انتقادات حادة للمؤرخ البريطاني والمتخصص في العلاقات الدولية "إدوارد كار" (1892 ـ 1982) مع ذلك سيعود هؤلاء لإعادة بناء التاريخ لصالحهم، لكن يجب ألا ننسى أن "الويلسونية" wilsonisme ومعها التقليد الليبرالي قد هيمنوا لفترة على المناهج الدراسية. عَرِفت الولايات المتحدة الأميركية في عام 1930، ومن بين 24 بروفسورا متخصصا في العلاقات الدولية، 18 درسوا القانون والمنظمات[49]، أما أولى المؤلفات فكان عنوانها "القانون الدولي"، "قانون الأمم"، "الحكومة العالمية"، "عمل القانون في المجتمع الدولي". كانت معظم التحليلات في الوسط الجامعي مقتنعة أن التوازن في القوى الدولية لم يسمح بالحفاظ على السلام وقد راهنت على العقل والمنظمات لتحل مكان النظام القديم القائم على المصالح الأنانية وفق هذه الأوساط. ظهر أيضا مُؤَلَّفان في تلك الفترة أوقفا هذا التقليد وعملا على إعادة تأسيس دراسة العلاقات الدولية وهما: "The Twenty Years’ Crisis" للبريطاني "إدوار كار"، و "Politics Among Nations" للأميركي من أصل ألماني هانز مورغونثو[50]. أراد الكِتاب الثاني تقديم دراسة علمية للسياسة الدولية حيث رأى "مورغونثو" أن "القوة والبحث عن القوة يشكلان أساس كل علاقة سياسية"[51]. أشار إلى أماكن القوة في الواقعية مؤكدا على أن أهم ما يساعد الواقعية السياسية على إيجاد طريقها عبر مجال السياسة الدولية هو مفهوم المصلحة الذي يحدده مصطلح القوة. بينما انتقد " إدوارد كار" المثالية الليبرالية وطابعها المعياري مؤكدا على الدور الحاسم للقوة وعلاقات القوة وقد رأى أن التحدي النظري والعملي الأساسي للسياسة الدولية هو السماح بالتحولات السلمية لعلاقات القوة. افتتح المؤلفان الطريق أمام العلوم السياسية كتخصص مهيمن على دراسة الظواهر الدولية في الولايات المتحدة الأميركية وأسسا لهيمنة البراديغم الواقعي في هذا الحقل الدراسي. استطاع البحث انطلاقا من الرؤية الواقعية، بعد "كار و مورغونثو"، أن يتصدر الواجهة في هذا البلد ولفترة طويلة وحتى اليوم. عَرِفت الواقعية تأثيرا كبيرا في عام 1979 مع ظهور كتاب "نظرية السياسة الدولية" لمؤلفه "كينبث والتز" والذي يحلل تأثير البنية الدولية على سلوكيات الدول.

يتقاسم الواقعيون ثلاثة مفاهيم تتعلق بالعلاقات الدولية: 1) أن الفاعلين الأكثر أهمية في السياسة الدولية هم الكيانات المنظمة سياسيا والتي هي الدول، 2) إن بنية النظام الدولي ولا سيما الفوضى داخله أو غياب سلطة عليا على مكوناته هو أمر يجب توضيحه وشرحه ولكنه ليس كافيا ويشكل جانبا من الجوانب المتعددة للعلاقات الدولية، 3) تتبنى الدول، ضمن هذا السياق من الفوضى، سياسات ذرائعية وعقلانية من أجل الوصول إلى أعلى مرحلة من القوة والحفاظ على أمنها. لكن لا بد من التذكير بأنه يوجد داخل الواقعية اختلافات بين مختلف توجهاتها وتياراتها كالاختلاف مثلا بين الواقعيين الكلاسيكيين والواقعيين الجدد، أو الاختلاف بين الواقعيين المهاجمين والواقعيين المدافعين.

إذن، وباختصار شديد، يمكننا الحديث هنا عن براديغم واسع ومتنوع للواقعية، من الواقعية الكلاسيكية التي أسس لها "هانز مورغونثو"، إلى الواقعية الجديدة أو البنيوية مع "كينيث والتز"، أما في قلب هذه النظريات الواقعية تأتي المقاربة البراغماتية للعلاقات الدولية لترى العالم "كما هو وليس كما يجب أن يكون"[52]. أكدت الواقعية البنيوية أن منطق سياسة القوة داخل النظام الدولي يفتقر إلى السلطة من أجل إدارة سلوك الدولة ويرى بعض المنظِّرين أنها تشكل قطيعة كبيرة مع الواقعية الكلاسيكية ومفهوم مختلف جذريا للسياسة الدولية. تُعْتَبر محددات سلوك الدولة من أهم الاختلافات بين الكلاسيكيين والبنيويين رغم أن الصراع من أجل القوة هو عامل أساسي ومحرك للحياة السياسية عند جميع الواقعيين وهذا ما عبره عنه " مورغونثو" في قوله "الرغبة أو إرادة القوة" بشكل غير محدود[53].

قدّم " مورغونثو" ستة مبادئ للواقعية السياسية هي: 1) تعتقد الواقعية السياسية أن السياسة، مثل المجتمع بشكل عام، تحكمها القوانين الموضوعية والتي لديها جذور في الطبيعة البشرية، 2) إن المؤشر الرئيسي الذي يساعد الواقعية السياسية لتجد طريقها ضمن مشهد السياسة العالمية هي مفاهيم المصلحة التي تعرِّفها القوة، 3) تفترض الواقعية أن مفهومها الأساسي للمصلحة الذي تعرِّفه القوة هو فئة موضوعية صالحة على المستوى العالمي ولكن لا تمتلك هذا المفهوم ضمن معنى ثابت مرة واحدة وإلى الأبد، 4) لدى الواقعية السياسية وعي بالمعنى الأخلاقي للفعل السياسية ولكنها أيضا واعية بالتوتر بين العامل الأخلاقي ومتطلبات فعل سياسي ناجح، 5) ترفض الواقعية السياسية تحديد الآمال الأخلاقية لأمة ما بالقوانين الأخلاقية التي تحكم العالم،6) تحافظ الواقعية السياسية على استقلالية الفضاء السياسي، كما الاقتصادي. (المرجع السابق، ص3 ـ 16). إن واقعية " مورغونثو" هي واقعية أنثروبولوجية تستند إلى التقاليد السياسية الميكيافيلية وعلى هوبز وتُعَرِّف الإنسان أنه شرير محاصر برغباته ومتعطش للسلطة كما يقول هوبز:" عند الإنسان رغبة لا تهدأ بالوصول إلى السلطة بعد السلطة، رغبة لا تتوقف إلاّ مع الموت".

بالمقابل، أخذت أعمال "والتز" مسافة وبشكل تدريجي عن الواقعية الأنثروبولوجية وبدأ بمواجهة هذا النوع من التحليل الأنثروبولوجي. قام والتز، ومن أجل فهم أسباب الحرب، بتحليل طبيعة الإنسان، طبيعة الأنظمة السياسية وطبيعة النظام العالمي وقدمها كثلاثة صور لهذا النظام. هاجم والتز الصورة الأولى التي تصف الإنسان ولاسيما سلوك رجل الدولة كأسباب للصراعات وانطلاقا من هذا الموقف أخذ والتز موقفه ضد الأب المؤسس للواقعية الأنثروبولوجية "هانز مورغونثو". انتقد والتز وقلّل من أهمية الصورة الأولى لأنه اعتبر أن البداية بالإنسان تعني اتخاذ الإنسان كمصدر عفوي وذي سيادة في القرار السياسي بينما أن الموضوع الجماعي الذي هو الدولة يأتي أولا وضمن كلٍّ يسبقه ويحدده.

عَمِلَ والتز على اختيار مفهوم "منظومي/نظامي" systemic وليس "تحليلي" analytical لنظرية العلاقات الدولية[54]. حيث تكون النظرية "تحليلية" عندما تَعْتَبر الكيانات التي تتم دراستها هي مستقلة، ذاتية وعفوية، وتكون النظرية "نظامية" عندما تَعْتَبر أنها وحداتها المرجعية مأخوذة في كليةٍ مغلقة من العلاقات المُلْزِمة. بصيغة أخرى وبين تيارين في الواقعية: من هو الفاعل الأساسي في العلاقات الدولية، هل هو رجل الدولة أم نظام الدول؟ يأتي جواب الواقعية الجديدة الذي يرفض الفرضية الأنثروبولوجية التي تقول بالإنسان الشرير ليأخذ بفرضية نظامية وهي "رقعة شطرنج من الدول". عندما يتم اختيار واقعية نظامية وليس أنثروبولوجية هذا يعني أن الواقعية يمكن أن تكون موضوعا للتحليل البنيوي، ولكن مفهوم البنية معروف جدا عند الأنثروبولوجيين والاقتصاديين وكذلك بعض علماء السياسة، إذن ما هي الواقعية الجديدة التي أرادها والتز؟

اعتمد والتز، ومن أجل تطبيق منهجه، على ثلاثة مبادئ: مبادئ التنظيم، مبادئ التمايز ومبادئ التوزيع. وضع نوعين من الأنظمة في حالة تعارض: أنظمة سياسية محلية/داخلية مركزية ولها تنظيم هرمي في مواجهة أنظمة سياسية دولية لامركزية وفوضوية. أي أن النظام الدولي هو لامركزي حيث يوجد فيه العديد من أقطاب القوة، وفوضوي حيث لا شيء يأمر قانونيا الدول المتعددة. إن المفهوم الفلسفي الذي يتوافق مع الفوضى هو مفهوم "حالة الطبيعة" حيث قَبِل كلٌ من هوبز، سبينوزا، جان لوك وأيضا جان جاك روسو وهيجل بأن الدول في مواجهة بعضها كما في "حالة الطبيعة"[55]، بينما المفهوم الخاص بالعلوم السياسية هو "الفوضى". إذا كانت البنية فوضوية بالتالي هي مؤلفة من وحدات، ويوجد من بين هذه الوحدات دولة القانون ودولة الاستبداد، وكذلك دول مُسنَّة ودول عرجاء، ونظم برلمانية وأخرى رئاسية…الخ. كيف يمكن دمج هذه الاختلافات المؤسساتية والتجريبية؟

رفض والتز، منطلقا من مبادئ البنيوية، دمج طبيعة الأنظمة السياسية ضمن تحليله للنظام الدولي. لذلك يمكننا الإشارة، وعندما تحدث عن الفضاءات الجغرافية، إلى موقع هذه الفضاءات وليس محتواها أو خصائصها المؤسساتية حيث أن نظرية العلاقات الدولية توفر "صورة موضعية/مكانية بحتة للمجتمع". (والتز، مرجع سابق، ص80). وعندما ننطلق من دراسة المجتمعات وفق "الموضع/الموقع" نكون في قلب النظريات الجيوسياسية لأن "مبدأ الموقع" يعني حرفيا قيمة الدولة تأتي من خلال موقعها الطبوغرافي على رقعة الشطرنج العالمية حيث لا يمكن لدولتين أن يكونا عدوتين إلاّ بوجود تجاور أو حدود مشتركة بينهما أو قرب جغرافي يهدد أمنهما. يختلف الموقع الذي تحتله الدول على رقعة الشطرنج الجيوسياسية أي ليس لها نفس المكانة في التسلسل الهرمي للقوى، هنا يتم الحديث عن مواقع جيوسياسية رمزية وليست كما هي على الخريطة الجغرافية. بمعنى آخر، إذا كانت الدول هي وحدات مختلفة وظيفيا يبقى أنها تتمايز من خلال قدراتها، وفي هذه الحالة يحصل عداء بين دولتين ليس لأن إحداهما ديمقراطية والأخرى دكتاتورية ولكن لأن واحد منها أكثر قوة من الأخرى وترى الدولة الأضعف أن هذا يشكل استفزازا وتهديدا لأمنها. إن تمايز وحدات النظام من خلال قوتها يؤدي إلى توزعها داخل هذا النظام ومن هنا يأتي المبدأ الثالث عند والتز "التوزيع"، أي بعد "الفوضى" و "التمايز" يأتي التوزيع أو استقطاب القوة.

  • عن توزيع القوى ثلاثة نتائج وفق والتز: الأولى، "فراغات القوة"[56] حيث تسعى الدول لاستغلال مميزات هذا الفراغ، الثانية عندما تحصل حرب بشكل إجباري وتؤدي لتغيير النظام يصبح الحديث هنا عن "حدث" أي تغيير النظام. كالانتقال من نظام متعدد الأقطاب إلى نظام القطبين، أو الحديث عن "نظام قديم" كما حصل بعد الثورة الفرنسية للإشارة إلى نظام جديد. الثالثة، ولها طبيعة عملية حيث على السياسيين اتباع سياسة حذرة معروفة باسم "توازن القوى" حتى لا ينهار النظام، وهذا ما يشير إليه والتز بالقول:" إذا كان هناك نظرية سياسية نوعية للعلاقات الدولية فهي التوزان بين القوى". (والتز، ص117).

ساهمت الواقعية بشكل كبير في النقاشات الكبرى حول العلاقات الدولية والجيوسياسة وكذلك في دراسة الاقتصاد السياسي الدولي. طرح منظروها أسئلة جوهرية تتعلق بالمؤسساتية الليبرالية[57]، والتحديات العالمية بعد الحرب الباردة مثل الصراعات الإثنية ومعضلة الأمن ومكانة الجيوش في السياسات الخارجية وبشكل خاص في السياسة الخارجية الأميركية وكذلك السلاح النووي.

إن سؤال الأفكار والنظريات ليس موضوعا جديدا، لقد غذى ولفترة طويلة النقاشات بين المؤرخين، علماء السياسة، علماء الاجتماع، الجغرافيين و الجيوسياسيين. كانت هناك مطالبات دائمة بتوخي الدقة العلمية وهذا ما نجده مثلا عند المؤرخ الفرنسي "لوسيان فيبفر" (1878 ـ 1956) في كتابه "الأرض والتطور الإنساني"، بالفرنسية، والذي ينتقد فيه ويدين كل تحليل للمجال السياسي من قبل الجغرافيين معتبرا أن هذا الأمر يعود للمؤرخين:" الأرض، وليس الدولة: هذا ما يجيب على الجغرافي أن يأخذ به"[58]. لقد كان وضع الأفكار النظرية أمرا يجذب الجغرافيين وعلماء السياسة في النصف الأول من القرن العشرين لما للنظرية من دور في تطور المجتمعات الإنسانية. هكذا أراد الخطاب الجيوسياسي الذي نشأ وتطور مع كتابات راتزل، كيلين، ماكيندر، ماهان وهوسوفر، أراد محاولة وضع حجر الأساس لنظرية شاملة للتاريخ وتأثير البيئة على تطور المجتمعات الإنسانية.

مرّ معنا سابقا المدرسة الجيوسياسية "المادية" materialist ومن أهم أعلامها فريدريك راتزل، رودلف كيلين، ألفريد ماهان، هالفورد ماكندر، نيكولاس سبيكمان وكارل هوسوفر. رأت هذه المدرسة أن الوسط الطبيعي هو الذي يحدد العلاقات بين الدول ومستوى قوتها الذي تفرضه، حيث الدولة في مركز تفكير هذه المدرسة وهي القاعدة في تفسير ووضع قوانين تتعلق بالظواهر الجيوسياسية. ظلت هذه المدرسة سجينة داخل سياق أصولها الوضعية والداروينية الاجتماعية وفي تفسير إشكاليات الحدود بين الدول. إن تأثر الأميركيين بالجيوسياسة المادية دفعهم للتفكير والتحضير لدور جديد للولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية.

رغم أن سبيكمان، وهو أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "يال"، لم يكن جغرافيا في أهم كتابين له إلاّ أنه جمع تراث "هالفورد ماكندر" ولكن وفق قراءة ووجهة نظر أميركية أي، وكما مرّ معنا سابقا، بدلا من نظرية "قلب العالم" عند ماكندر جاءت نظرية "ريملاند" عند سبيكمان. إن هذه "الرؤية للعالم" الجديدة كانت أساس المذهب الأميركي في "الاحتواء" مع العلم أن بعض الدراسات الحديثة تؤكد أن أساس هذا المذهب هو ماكيندر وليس سبيكمان. بمعنى آخر، لا يعود مذهب الاحتواء إلى الجيوسياسة بل إلى الفكر الواقعي لأن الفكرة العامة "للاحتواء" ظهرت مع التحليل الواقعي التقليدي والتي كانت متوازية مع الجيوسياسة نفسها. إن الجيوسياسة الأميركية أثناء الحرب الباردة، وضمن هذا المعنى، لم تكن سوى تصورات للمبادئ الواقعية في مصطلحات جغرافية، وهذا الجيوسياسة الواقعية هي التي أخرجت الولايات المتحدة من التقليد السياسي الانعزالي وأقنعت "علماء السياسة" الأميركيين بأهمية الأخذ بالحسبان للعنصر الجغرافي في تحليلاتهم. لم تنظر أوساط العلوم الجغرافية الأميركية بارتياح لأعمال سبيكمان ورأت فيه قريبا من الجيوسياسة الألمانية أو الجيوسياسة المادية وأهمل بعض الكلمات مثل (العدالة، الحرية، الأخلاق) كما قال "ويغرت".

لقد ظهرت "الجيوسياسة الواقعية" في الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت الدولة ماتزال في قلب التحليل لهذه الجيوسياسة ولكن ضمن رؤية مختلفة تعطي الأفضلية للعلاقة بين الدول وعوامل القوة. في الواقع، تضمنت المدرسة الجيوسياسية الواقعية رؤية للجغرافية كفضاء جغرافي وبالتالي احتفظت الجغرافية أثناء الحرب الباردة وفيما بعدها بقدرتها الكاملة على تحليل التحديات التي تتعلق بالفضاء الجغرافي كما استطاعت هذه المدرسة استخدام الجيوسياسة كأداة في تحليل العلاقات الدولية لتلتقي أو تتقاطع قليلا مع المدرسة الجيوسياسية المادية.

  • نقد "ويغرت" لأعمال سبيكمان يأتي ضمن النقاش الأميركي الكبير بين "الواقعية" و "المثالية"، حيث اكتَشَف وبعمق الخلاف بين الطرفين لكنه لم يكن قادرا على الاختيار النهائي لطرف منهما، وهذا ما يشير إليه في قوله:" واحد من الأسباب الأساسية للتأخر الثقافي يمكن أن يكون مرتبطا بالصعوبات التي نواجهها عندما نحاول التكيف مع الوقائع السياسي وأفكارنا في ظل تغيرات مستمرة في العلاقات بين الإنسان وبيئته الطبيعية". (مرجع سابق، ص13). إذا كان بإمكاننا تفسير تردد "ويغرت" على أنه إدانة "لواقعية" سبيكمان إلاّ أنه بالمقابل حصل على ثناء من "بومان"، وهو بطل المثالية للرئيس ويلسون، نستطيع هنا رؤية الجانب الإيديولوجي الذي كان من خصائص الثنائية المتعارضة "جغرافية سياسية ضد جيوسياسة" في الولايات المتحدة في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي. وإذا كانت الجغرافية الأكاديمية قد انطوت على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية فهذا يعود لعدم قدرتها على مواجهة تعقيدات السياسة في العالم وللدور الذي لعبه "بومان" و "ويتلسي" أكثر مما هي أسباب تعود إلى الجيوسياسة الألمانية.

رغم الانقسام بين الجيوسياسة "الواقعية" و "المثالية" في الولايات المتحدة خلال تلك الفترة إلاّ أن المعسكرين المتضادين توافقا على العديد من القضايا وأهمها "الاعتراف بعدم قدرة الولايات المتحدة الأميركية كقوة في قلب المسرح الدولي على العودة إلى الموقف الانعزالي، وأن البلاد تحتاج وبشكل طارئ إلى إعادة قراءة الجيوسياسة الألمانية وبناء جيوسياسة أميركية تتعارض معها، وكذلك القناعة العميقة بأنه ينبغي الدفاع عن القيم والأفكار الأميركية"[59]. حاولت المثالية الأميركية نقد الأسس المادية للجيوسياسة الألمانية وأن تكون أساسا لجيوسياسة أميركية، كان من أهم المنتقدين "إدموند وولش" (1885 ـ 1956)، كاهن يسوعي ودبلوماسي وبروفسور في الجيوسياسة الأميركية، كذلك مؤسس لجامعة جورج تاون. اعتبر الجيوسياسة الألمانية أنها "على النقيض من مسيرة العلمانية التي بدأت مع عصر النهضة والثورة الصناعية وأنها قادت إلى تأليه بائس للدولة، كما رأى في البروسيين بأنهم التجسيد التاريخي لهذه الفكرة. كما وجه انتقادات حادة "للدولة المطلقة"، للعسكرة وللبروسية نفسها المؤسسة على مفهوم التفوق العرقي"[60]. أراد استبدال تعبير "قيمة القوة" بتعبير "قوة القيم" حيث أن هذا الاستبدال لا يقلل من الجيوسياسة في حد ذاتها بل فقط من الجيوسياسة المادية ليتم استبدالها بجيوسياسة مؤسسة على قيم العدالة والأخلاق. أيضا، دعا إلى جيوسياسة أميركية من أجل المستقبل قائمة على العقل وقوانين الأخلاق، جيوسياسة أميركية تستند على العدالة الدولية، الشرف الدولي واحترام التضامن الدولي. (المرجع السابق، ص34 ـ 35).

الانتقاد والإدانة الثانية التي وُجِّهت للواقعيين الأميركيين كانت من قبل البروفسور "رودريك بيتي" (1891 ـ 1955) في كتابه حول مفاوضات مؤتمر السلام في باريس. يقول "بيتي":" كانت الجيوسياسة الألمانية برنامج اعتداء وطني، كانت دائما أنانية ولم تكن كريمة نهائيا. كانت واقعية ومادية ولكن من غير إنسانية، فلندفنها من أجل الخير. إن طابعها المعادي للمجتمع هو نقيض لكل شيء عالمي، لا يوجد جيوسياسة للسلام. إن أمريكا مثالية لا يمكنها أن تتسامح مع أي شكل من الجيوسياسة، إنها مصدر للظلم الاجتماعي وتقسيم الموارد الدولية"[61]. أيضا، ودائما انطلاقا من الفرضيات المثالية، اتهم الجغرافي "جريفيث تايلور" (1880 ـ 1963) الجيوسياسة بأنها "تخلو من الإنسانية" وتدعم فقط "الضرورات الجيوسياسية"[62]. أراد "تايلور" إنشاء جيوسياسة جديدة من رماد القديمة أطلق عليها "الجيوسياسة السلمية" وهو تخصص جغرافي يهدف إلى تعزيز السلام الدولي.

في الواقع، لا يوجد عناصر كثيرة تميّز جيوسياسة تايلور السلمية والتي أوجدها فقط لتكون نقيضا للجيوسياسة. أراد التأكيد على أن الجيوسياسة السلمية ليس لها علاقة بالأفكار السلمية، لأن استخدام القوة العسكرية أمر ممكن لمواجهة أي اضطرابات قادمة من القوميات الفاشية الجديدة كما يسميها. (تايلور، ص604). نجد فكرة الجيوسياسة السلمية عند "روسيل فيفيلد و إتزيل بيرسي" في كتابهما (الجيوسياسة في المبدأ والممارسة)، حيث أن الجيوسياسة في تحليلهما هي وبدقة مذهب ألماني أو "المجال الحيوي"، وهي دراسة العلاقات الدولية من وجهة نظر الجغرافية بالمعنى الواسع. أيضا جاء في تحليلها أنه:" إذا كانت الجيوسياسة مدانة في معناها الألماني النازي لأنها مسؤولة عن الحرب إلاّ أنه مشروعة كليا في الحالة الثانية، أي دراسة العلاقات الدولية على أسس جغرافية"[63]، كما أخذا من الجيوسياسة للسلام منهجها "العلمي" و "الموضوعي" في دراسة الجوانب الجغرافية للدولة.

نلاحظ عند الكُتَّاب المثاليين امتناعهم عن الإدانة المطلقة للجيوسياسة مكتفين فقط بنقد وإدانة الجيوسياسة الألمانية باحثين دائما عن جيوسياسة خاصة بهم يرون فيها "أكثر عدالة وحقيقية". ولكن مع تحليل عميق لهذه الجيوسياسة الأميركية نجدها ليست سوى "عقيدة جيوسياسية استندت عليها الولايات المتحدة الأميركية لغزو العالم وحكمه" كما يقول الجغرافي الإيطالية "ماركو أنتونستش"[64]. لا بد هنا من الإشارة إلى "يوهانس ماترن"، أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز، في كتابه (الجيوسياسة الألمانية: عقيدة الاكتفاء الذاتي الوطني والإمبراطورية). رأى "ماترن" أن "الجيوسياسة الألمانية هي مُنْتَجٌ لفشل الديمقراطيات الغربية في الاستجابة للمطالبات الاجتماعية في الأنظمة الرأسمالية"[65]، أي أنه يتحدث عن ظاهرة لم تُدْرَس سابقا وكانت محصورة فقط في جوانبها المتعلقة بالسياسة الخارجية الألمانية وليس بالأزمة العميقة للنظام الديمقراطي الغربي. إضافة لذلك، حلّل "ماترن" الصراع القائم آنذاك على أنه مواجهة بين أولئك الذين لا يريدون اقتسام مواردهم الطبيعية وأولئك الذين "لا يملكون دولاً". (ص108 ـ 120). لم يتهم "ماترن" الجيوسياسة الألمانية بشكل صريح لأنه كان يوجه نقده لنوعين من الجيوسياسة، الألمانية والأميركية، في حالة صراع بسبب قدم قدرتهما على البحث عن بناء طريق للتعاون المتبادل. طرح "ماترن"، انطلاقا من نقده، سؤاله عن "ماذا بعد الجيوسياسة الألمانية؟". يرى أن الحل هو في الثقة بالإنسان، الاعتماد على أخلاقه، إحساسه بالعدالة والمسؤولية والتعاون، وأنه فقط مع إنسان كهذا يمكننا الحصول على حكومات أكثر حكمة. (ص126).

أشار الواقعي "جورج رينر"، وضمن سياق الانتقادات المتبادلة بين الواقعية والمثالية في الجيوسياسة الأميركية، إلى ما سمّاه المهزلة حول مصطلح "الجيوسياسة" حيث يقول:" أدان العديد من الأميركيين الجيوسياسة باعتبارها غير أخلاقية، وبعضهم شمل الجغرافية نفسها في إدانته. كان عليهم عدم ارتكاب هذه الأخطاء وحكومة بلادهم في لحظة تكوين وصياغة أشكال الانتصار مستخدمة الحجج الجيوسياسية"[66]. لقد اعترف "رينر" بشكل ضمني بالقيمة العلمية للجيوسياسة:" إن تحديد الجيوسياسة بأنها علم لا أخلاقي كمن يضرب بالسيف في الماء، العلم ليس أخلاقي وليس لا أخلاقي إنه خارج مجال الأخلاق ولكن استخدامه يمكن أن يكون أخلاقيا أو غير أخلاقي". (ص12).

انتهى "رينر" إلى الإقرار بأهمية الجيوسياسة لكنه على العكس من "ويغيرت"، فهو لم يستخدم إدانته للجيوسياسة الألمانية من أجل إضفاء الشرعية على جيوسياسية أميركية، بل قال باكتشاف القيمة الاستراتيجية للجيوسياسة الألمانية وطالب الأميركيين بالأخذ بها على أن تكون من غير غايات إيديولوجية أو دعائية، يقول رينر:" تضم الجيوسياسة العديد من العناصر الأساسية لها قيمة استراتيجية كبيرة، ولو أن هذا غير صحيح لما كان بلد من الصف الثاني مثل ألمانيا نجح تقريبا في غزو العالم بأسره". (ص5). لقد كانت الجيوسياسة بالنسبة له وسيلة لتقييم القوى الأميركية والقوى المعادية وكذلك توفر الإمكانيات لكل بلد في علاقاته الدولية:" تمدنا الجيوسياسة بأسس بناء السلام والحفاظ عليه".

  • داخل المذهب الواقعي نفسه العديد من الاختلافات المنهجية أو ما يمكننا اختصاره هنا بالاختلافات بين "الواقعيين الكلاسيكيين" و "الواقعيين الجدد" (انظر ص149 ـ 150). تتعلق الاختلافات الأولى بالمقاربة حيث أن الكلاسيكيين حدسيين في مقاربتهم وقريبين من الممارسة الفعلية لفن الحكم أو الكفاءة السياسية، بينما يقول الواقعيون الجدد بموضوعية الحياة السياسية والسعي لجعل العلاقات الدولية علما اجتماعيا. يرى "ريتشارد أشلي" أن "الواقعيين الجدد في هذا الموقف تخلوا وخسروا ما كان أكثر أهمية في الواقعية القديمة وهو احترام الممارسة الدبلوماسية"[67].

 

التحولات الإيديولوجية: من الجيوسياسة إلى "الأمن القومي"

بدأ الأميركيون مع نهاية الحرب العالمية الثانية بالانتقال إلى مذهب آخر أو "الجيوسياسة على الطريقة الأميركية" وأنجزوا هذا التحول الإيديولوجي في أوائل الخمسينات حيث لديهم من الآن فصاعدا ما أطلقوا عليه "الأمن القومي". أرادت إدارة الرئيس "هاري ترومان" بعد نهاية الصراع أن تكون متأكدة من قدرتها على الدفاع عن مصالح الأميركيين في زمن السلام كما في زمن الحرب وانطلاقا من ذلك عمدت بين عامي 1945 ـ 1947 إلى وضع نظام للأمن القومي يستطيع مواجهة التهديد السوفييتي من غير "أن يُضيِّق على الحقوق الفردية والحريات المدنية والمبادئ الديمقراطية". تعود أصول "قانون الأمن الوطني" إلى عام 1947 وتعديلاته عام 1949 وهو تاريخ الميلاد الرسمي "لدولة الأمن القومي" مع إنشاء المؤسسات التالية: وزارة الدفاع، هيئة الأركان المشتركة، مجلس الأمن القومي ووكالة المخابرات المركزية.

كان الجغرافيون الأميركيون قبل ذلك ومنذ بدايات الحرب وبعدها، قد طرحوا العديد من الأسئلة حول تأثير الثورات الاشتراكية القومية والحرب العالمية الثانية على تطور الجغرافية في ألمانيا، كذلك الدور الذي لعبته التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية في تطبيق المعارف الجغرافية أثناء الحرب. وهل كان الجغرافية الألمانية مجبرة أو مقتنعة بمطابقة معارفها مع العقيدة النازية؟ وهل خضعت الجغرافية الاقتصادية الألمانية لمحاكمات فكرية فُرِضت عليها من قبل السياسات الوطنية للاستقلال الاقتصادي؟ لم يستطع الجغرافيون الذين تم إرسالهم إلى ألمانيا منذ نهاية الثلاثينات وما بعد أن يصلوا إلى نتائج كبيرة حول تأثير دراسة الجغرافية على الحرب بسبب قلة الفرص المتاحة لهم.

استطاع "كار ترول" في مقاله الذي أخذ شهرة واسعة "علم الجغرافية في ألمانيا خلال الفترة بين 1933 ـ 1945، نقد وتبرير"[68]، أن يجيب على هذه الأسئلة وأن يساهم بشكل عميق وحاسم في نقل الجيوسياسة الأميركية إلى رؤية جيوسياسة بعيدة عن نسختها النازية ولتلقى بعض الاحترام في الولايات المتحدة. أيضا "درونت ويتلسي"، (انظر ص127)، وفي مقالٍ له في "الموسوعة البريطانية" بعنوان "الجيوسياسة" اعترف ببعض مميزاتها قائلا:" أثبتت الجيوسياسة، إلى جانب استخدام الخرائط، أهمية الجغرافية في تخطيط سياسة الحكومات"[69]. لقد بدأت الجيوسياسة عصرا جديدا في الولايات المتحدة الأميركية وحاول المنظرون الأميركيون حذف كل مرجع يستند إلى الجيوسياسة الألمانية. انطلاقا من هذا الموقف الجديد تم تجريد الجيوسياسة من مفاهيم التوسع ووجدت شرعيتها في مذهب جديد هو "الأمن القومي" والحفاظ على السلام.

كان للفكر الاستراتيجي الأميركي تأثيرا كبيرا على الحياة السياسية للدولة الأميركية، فمفهوم "الأمن القومي" هو أساس جوهري للسياسة الخارجية منذ نهاية الحرب الثانية. إن مفهوم "الأمن القومي"، مثل مفهوم أمن التراب الوطني، يُوضَع ضمن سياقِ السياسة الخارجية ويمكن أحيانا أن يؤسس لهذه السياسة. لكن الاختلاف بين الأمن القومي والسياسة الخارجية يوجد في نقطتين: الأولى، أن الأمن القومي أكثر تقييدا فيما يتعلق بسلامة وأمن الأمة، الثانية أن الأمن القومي يؤكد على الجيش كخلفية يمكن اللجوء إليها بينما تعتمد السياسية الخارجية على الدبلوماسية. كما تختلف سياسة الأمن القومي عن سياسة الدفاع لأن الأمن القومي يأخذ بعين الاعتبار الجانب النفسي وليس فقط المادي للأمن ولا يقتصر على استخدام القوات المسلحة لضمان الأمن.

يُعَرِّف "سام ساركسان" في كتابه " الأمن القومي الأميركي، صنَّاع القرار، العمليات والسياسات" الأمن القومي للولايات المتحدة أنه:" قدرة المؤسسات القومية على منع الخصوم من استخدام القوة بهدف الإضرار بالأميركيين أو مصالحهم القومية وثقة الأميركيين بهذه القدرة"[70]. يمكننا تحديد بعدين لهذا التعريف: الأول مادي وهو مقياس موضوعي يستند على القوة والقدرة العسكرية للأمة من أجل النجاح في تحدي الخصوم ويتضمن الذهاب حتى إلى الحرب إذا لزم الأمر. كذلك يشمل إعطاء دور أكبر للاستخبارات، الاقتصاد وتدابير أخرى غير عسكرية يمكن استخدامها كأدوات عسكرية وسياسية في التعامل مع الدول الأخرى. الثاني نفسي وهو ذاتي، يعكس رأي ومواقف الأميركيين من قدرات أمتهم في الحفاظ على الأمن فيما يتعلق بالعالم الخارجي. يؤثر على استعداد الشعب في دعم جهود الحكومة لتحقيق أهداف الأمن القومي لذلك سيكون لديهم المعرفة والإرادة السياسة الضرورية لدعم واضح لهذه السياسات من أجل تحقيق الأهداف الواضحة فيما يتعلق بالأمن القومي. (انظر المرجع السابق، ص5).

انتشر الخوف، في نهاية الثلاثينات وبداية الأربعينات، بين العديد من أعضاء الطبقة السياسية والنخب الفكرية وكذلك الصحافة في الولايات المتحدة من رؤية دولتهم تتحول إلى "دولة حامية" أو "دولة حامية عسكرية"[71] وتقود لعسكرة الحياة الأميركية. أيضا، كان هناك خوف من الدولة الفيدرالية في بداية الأربعينات بعد برنامج "الصفقة الجديدة" الذي وضعه الرئيس روزفلت سابقا ومن ولادة دولة الرفاهية، تمثل هذا الخوف في تحقيق التوازن بين تيارين متواجهين: تيار ضد الدور التدخلي للدولة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والشخصية، وآخر مع تدخلها في كل ذلك. وُلِدَت " دولة الأمن القومي" من هذا التوازن بين التيارين.

أدى مفهوم "دولة الأمن القومي" إلى جدل صاخب بين الأميركيين، بين جماعة "الهاملتونية" و "الجيفرسونية" داخل الطبقة السياسية. حيث يدعو تقليد جيفرسون إلى أفكار موروثة عن الحزب الجمهوري ـ الديمقراطي للرئيس توماس جيفرسون وعن "الحزب الشعبي" لأندرو جاكسون، والتي يمثلها اليوم الحزب الديمقراطي وهي وجهات نظر تُعنى أكثر بالقضايا الاجتماعية والصحة والتعليم. بينما يدعو تيار " ألكسندر هاملتون"، وهو أول وزير خزانة أميركي ومستشار جورج واشنطن، المرتبط بالحزب الجمهوري والمنحدر من أنصار الفيدرالية، إلى الدفاع عن القيم العائلية التقليدية وسياسات الدفاع واقتصاد وطني قوي. لقد اتجهت الولايات المتحدة الأميركية في سياساتها الأمنية الجديدة إلى وضع استراتيجية "لأمن التراب الوطني" قادت إلى تأسيس وتطوير استراتيجية "للأمن القومي" تُمكن من الدفاع عن كل أبعاد التراب الوطني وتأخذ بعين الاعتبار الفاعلين غير الحكوميين. إذن، الجيوسياسة الأميركية الجديدة هي تكامل بين استراتيجية "أمن التراب الوطني" مع " استراتيجية الأمن القومي".

إذا كانت الولايات المتحدة قد وجدت طريقة لشرعنة جيوسياستها الجديدة عبر مفهوم "الأمن القومي" إلاّ أنها حافظت على جيوسياسة أخرى "غير شرعية" وهي التي اتبعتها مع الاتحاد السوفييتي أو ما أطلقت عليه اسم "العدو الجديد". اتهم الأميركيون الاتحاد السوفييتي بأنه يُطبِّق تقاليد المدرسة الجيوسياسية الألمانية مع العلم أن الولايات المتحدة نفسها كانت بؤرة لنشر الأفكار الجيوسياسية ومنها ما يرتبط بالمدرسة الألمانية أو الإمبريالية الأميركية. لم تحتل المواجهة مع السوفييت سوى مكانا هامشيا في الأنشطة الجغرافية الأميركية حيث عاد معظم هؤلاء الجغرافيين لدراسة الجغرافية الإقليمية تاركين المجال الدولي خارج اهتماماتهم. بالطبع كانت هناك مواجهة بين الشرق والغرب، وهي جيوسياسية، لكنها لم تتحول إلى نقاش نظري ـ أكاديمي فقد بقيت المواجهة تستند على أرضية عسكرية ودبلوماسية. لن نسمع كثيرا عن (ويغرت و ويتلسي) في الخمسينات من القرن الماضي أما "المدرسة الأميركية الصغيرة للجيوسياسة" فقدت وظيفتها الأصلية التي كانت أساسا تقوم على متطلبات الحرب الدعائية. إن المدارس التي واصلت اهتمامها بالجيوسياسة ولا سيما الجيواستراتيجية هي الكليات الحربية الأميركية، ومن غيرها لما استمرت كلمة "الجيوسياسة" في بلادهم. كذلك كان لها الدور الكبير في تحويل نهائي للجيوسياسة إلى تعاليم للفكر الواقعي استمرت حتى اليوم.

تُعْتَبر الأكاديمية العسكرية الأميركية "ويست بوينت" الجهة الأكثر حفاظا على تعليم الجيوسياسة في الولايات المتحدة الأميركية. دخلت الجيوسياسة إليها بعد الهجوم الياباني على الأسطول الأميركي في المحيط الهادئ في ميناء "بيرل هاربر" 7 كانون الثاني عام 1941، وكان الكولونيل "هيرمان بوكما" أحد المسؤولين عن هذا المشروع وقد كتب مقالا في مجلة "تايمز ماغزين" عام 1942 أثنى فيه على الجيوسياسي الألماني كارل هوسوفر معتبرا إياه وراء واحد من أهم من يقفون وراء الانتصارات الألمانية :" إن التاريخ سيصنف هوسوفر كنبيٍ للجيوسياسة الألمانية أكثر مما كان هتلر لأن كتابات وأعمال هوسوفر جعلت انتصارات هتلر ممكنة في الميدان العسكري وكذلك القوة السياسية"[72]. لا بد من الإشارة إلى أن "هيرمان" قضى عدة سنوات في ألمانيا مع نهاية الحرب العالمية الأولى وتم إقناعه من قبل ضباط ألمان بفائدة وأهمية وصحة المفاهيم الجيوسياسية، كما انتمى إلى معسكر الواقعية الأميركي الذي رأى في الجيوسياسة الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلام الذي سيُوَقع في فيرساي.

استمر تعليم الجيوسياسة في "ويست بوينت" طيلة الحرب الباردة وبعدها بمشاركة كل أولئك الذين كانوا خصوما للجيوسياسة الألمانية (بومان، ويتلسي، هارتشورن، كولبي و هارولد سبروت) وقد تعاونوا في إصدار دليل أو كتاب القوات المسلحة الأميركية بعنوان " الأسس الجغرافية للقوة الوطنية" في عام 1944. شرح هذا الكتاب التزامات الولايات المتحدة وفقا لموقعها الجغرافي وأهمية دراسة جغرافية كل أطراف الحرب مركِّزا على أهمية العوامل التاريخية، السياسية والجغرافية في تقييم السياسة الخارجية للدول الكبرى. لا بد من الإشارة إلى كتابين آخرين كان لهما دور كبير في العقيدة الجيوسياسية العسكرية الأميركية[73]، ومؤلفهما هو الضابط البحري الروسي "الكسندر سيفيرسكي" الذي انضم للجيش الأميركي عام 1918 وهو مؤسس عقيدة "القوة الجوية" التي لها تأثير كبير، كما يقول، في الثنائية الجيوسياسية الكلاسيكية البر ـ البحر.

إن الولايات المتحدة الأميركية، ورغم محاولاتها الإيديولوجية للانتقال من الجيوسياسة الألمانية إلى الجيوسياسة الأميركية أو مفهوم "الأمن القومي"، إلاّ أن حماية الولايات المتحدة من الداخل لم يكن لها أولوية في العقيدة "الجديدة". ما يسمى "حماية التراب الوطني" هو في الأصل يتوافق مع رؤيتهم" للأمن القومي" أي الحماية من الهجمات الخارجية وكان لها الأهمية العليا دائما، أي أن استراتيجية الأمن القومي الأميركي تبقى مرتبطة بالدفاع عن المصالح الحيوية وبالتالي استمرار الحفاظ على الأمن بمعناه الواسع من خارج الحدود وهنا تتقاطع الجيوسياسة الأميركية "الأمن القومي الحيوي" مع الجيوسياسة الألمانية الحيوية.

 

الجيوسياسة الأميركية والنظرية السلوكية

لن تكون الرؤية مكتملة إذا انتقلنا في دراسة نشؤ وتطور الجيوسياسة الأميركية من الأفكار الجيوسياسية الكلاسيكية إلى الجيوسياسة النقدية، حيث يوجد بينهما مرحلة من ردة الفعل على الجيوسياسة الكلاسيكية وُضِعت على يد الأميركيين المتخصصين في العلاقات الدولية (هارولد ومارغريت سبراوت) وتعتمد على مقاربة ابستمولوجية ثورية هي "السلوكية المعرفية". جاءت دراسة "السبراوت" كنتيجة لتحليل للعلاقة بين "الإقليمية" و "السياسة"، وهي رؤيتهما الفلسفية التي شكلت نقطة انطلاق للمقاربات المعرفية ـ السلوكية للعلاقات الدولية وكذلك لدراسة أخرى تتفرع عنها هي "السياسة الخارجية المقارنة"، كذلك استطاعت هذه الدراسة أن تكوِّن مؤشرات هامة للنقاش حول الجيوسياسة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

إذا كان لكل شعب صورته الخاصة عن نفسه، بلاده، قوته وعن البلدان الأخرى، فإن المدرسة السلوكية المعرفية تضمن أن "هذه الصور هي أكثر أهمية من الحقائق"[74]، كما تقول إن الدول مثل الأفراد تتفاعل مع بيئة وتفسرها على ضوء خبرة سابقة وبالتالي يكفي التمييز بين بيئة نفسية (حيث يحدد الفرد في داخلها اختياراته ويتخذ قراراته) وبيئة عملياتية (تضع الحدود لما يمكن أن يحصل عندما يتم تنفيذ القرار). إن البيئة العملياتية أو "الجغرافية" هنا تُسْتَخدم كإطار توضيحي، بمعنى آخر أن القوة التوضيحية التي تُعْطى "للوسط" أو البيئة تعتمد في جزء كبير منها على طريقة وضع الفرضيات المقترحة ضمن معطيات ابستمولوجية محددة حول جدوى المعرفة العلمية للعلاقة بين "الإقليمية ـ السياسة" لأن كل صياغة جيوسياسة بهدف الوصول إلى نظرية تحتاج إلى الاستناد على هذه الفرضيات الأولية.

السؤال الذي يجب طرحه ضمن سياق رؤية كل شعب لنفسه ولبلاده وللشعوب والبلدان الأخرى هو الشكل الذي يرى فيه بلد بلداً آخراً وكيف لهذه الرؤية أن تُحْدِث تغيرات في العلاقات المتبادلة والاستجابات الجيوسياسية والاستراتيجية لهذه العلاقات. إن المقاربة المنهجية التي يمكن استخدامها لتحليل الصور الوطنية تتألف من ثلاثة عناصر: الصورة التي نكونها عن أمم أخرى، الصورة الإعلامية المتوقعة من قبل أمم أخرى ودور الصور الوطنية في بناء الأفكار الجيوسياسية والعلاقات الدولية. عَرَّف "بولدينغ" الصور على أنها: "بنية معرفية، وجدانية وشعورية، وكذلك تقييمية شاملة لوحدة السلوك أو لرؤاه الداخلية عن الذات والكون"[75]. إذن، الصورة هي رؤية منظمة لشيء ما داخل النظام المعرفي للفرد ويمكن لهذا الشيء أن يكون أمةً أو منظمةً.

  • إن إدراك وتصور علاقات الجماعة سوف تعزز الاستجابة الاستراتيجية للصور التي يحتفظ بها بلد عن بلدان أخرى. يرى العديد من منظري الصورة أن الصور النمطية لدى أمةٍ عن أمم أخرى تعتمد على ثلاثة خصائص بنيوية للعلاقات بين الدول: التوافق بالأهداف، القوة أو القدرة النسبية والحالة الثقافية النسبية أو المتطورة، إن تقييم هذه العلاقات البنيوية سيحدد نوع الصور التي يتم تصنيفها كصور لأعداء، حلفاء، إمبرياليين أو استعماريين، وبعد ذلك ستؤثر على السلوكيات الدولية الملائمة[76]. إن المقاربة التي تقدمها السلوكية ـ المعرفية ضمن هذا السياق وكذلك بعض الجيوسياسيين هي أساسية من حيث دمجها مجال الإدراك والتصور مع المجال الواقعي، ولكنها مقاربة غير كافية في حد ذاتها لأنه على الصعيد الجيوسياسي والاستراتيجي لا يمكن لصانع القرار أن يُلِمَّ بكل الواقع الحقيقي فهذا الواقع يُكْتَشَف على صعيد عمل النظام الدولي تدريجيا وعن طريق التعلم.

رغم أن المدرسة السلوكية ـ المعرفية في الجيوسياسة تكاد تكون منسية إلاّ أن "السبراوت" قدَّما ابستمولوجيا هامة في هذا المجال. يُمكن "للجيوسياسة المعرفية" أن تُبْنَى على قاعدة من العناصر الأنطولوجية، الابستمولوجية والمنهجية. أنطولوجياً، لدينا فرضيتين تعملان داخل "الجيوسياسة المعرفية": الأولى، إن الفكرة القائلة بإن الدول هي الكيانات السياسية الأكثر أهمية، والتي لا تعمل ككائنات حيّة، تتطلب تلك الأفعال الكاملة التي يقوم بها أولئك الذين يتصرفون باسم الدولة، الثانية أن فكرة الارتباط بالأرض هي فكرة غير موجودة، العلاقة بين "الإقليمية" و "السياسة"، هي فكرة نشطة وذلك من خلال "ثالوث بيئي" (البيئة، الكيانات البيئية والعلاقة المتبادلة بينها) حيث يوجد بيئة عملياتية وبيئة نفسية (انظر الصفحة 73). ابستمولوجياً، ترفض "الجيوسياسة المعرفية" أن تكون ضمن الفرضية "الكلاسيكية" الضمنية والتي يمكن من خلالها شرح أو توقع علاقات القوة داخل السياسة الدولية كنظامٍ يقوم على "قوانين موضوعية للطبيعة"، وتميل هذه الجغرافية إلى مستوى أقل من التحليل وهو المتعلق بصانع القرار. فإذا كان الكلاسيكيون قد غادروا من الفرضية القائلة بإن البيئة كانت ذات طبيعية موضوعية خالصة، فإن "الجيوسياسة المعرفية" تؤكد أن صنع القرار يتأثر بالبيئة كمعطىً ذاتي أي أن إدراك مركز السياسة الخارجية من قبل صانعي القرار هو أمر مركزي. منهجياً، إن الأمر أقل تطوراً. مع ذلك يمكن اكتشاف داخل أدبيات السلوكية المعرفية في الستينات من القرن الماضي العديد من المقاربات يمكنها أن تكون مفيدة، مثل "النظم العقائدية"، "الخرائط الذهنية"، "رسم الخرائط"…الخ. منذ هذه اللحظة أصبحت "الجيوسياسة المعرفية" مغلقة داخل فرعٍ للعلاقات الدولية وللسياسة الخارجية المقارنة، أي أن منهجيتها لم تكن قد تبلورت.

رأت السلوكية ـ المعرفية أن الصورة الوطنية التي يكونها الأشخاص هي قبل كل شيء إرث، صورة تاريخية تجمع الأحكام والتقييمات التي ترسخت عبر فترة طويلة، وهي تقييمات تقليدية متكررة وتبقى على قيد الحياة مع التحولات الاقتصادية والسياسية. أيضا تؤدي الأساطير التي تَلُفُّ الماضي الوطني والتي تنتقل إلى الحاضر لتبرير مصير وطني، تؤدي إلى جمود ثقافي، هذه الصورة يتم نقلها من قبل العائلة والمدرسة حيث يميل التعليم إلى المبالغة في التاريخ والجغرافية الوطنيين على حساب بقية العالم. لقد كان سؤال الصورة والتصورات من أهم الأسئلة التي طرحها أحد أعلام المدرسة السلوكية ـ المعرفية "كينيث بولدينغ" (1910 ـ 1993) والذي أكد على التأثير الكبير للفضاء الطبيعي. أشار إلى "نزوع الدول للالتزام بالانتماء إلى التكوين المكاني الدائري أو المربع لأن الزوايا والنتوءات تؤدي لخلق اطباع الضعف ولا سيما في حالة البلدان التي ليس لها ساحل"[77].

إذن، ظل للإقليم مكانة مركزية في الرؤية الأميركية للعلاقات الدولية والجيوسياسة وهذا ما نراها بشكل عام في علم الاجتماع والجغرافية الأميركيين واللذين يؤكدان أيضا على دور البيئة النفسية في التحليل انطلاقا من مصطلحات العداء والصداقة من جهة، والضعف والقوة من جهة أخرى، بالتالي إن سلوك الدولة وقرارات قادتها لا يتم تحديدها بشكل ذاتي بواسطة الصورة الوطنية بل تتكيف مع البيئة الدولية كما يتم إدراكها وتصورها. يمكننا، في تحليل المدرسة السلوكية ـ المعرفية، الربط بين أفكارها فيما يتعلق بحقيقة الأعمال حول الثقافة الاستراتيجية وفاعلين وأساليب وطنية في الحرب تنتج عنها كما عند صموئيل هنتغتون، كين بوث، روبرت جيرفيس وجاك سنايدر، وقد أشار هنتيغتون إلى ذلك قائلا:" إن البحث عن الحلول عبر التقنيات، والاعتقاد بالتقدم والتدين مكَّنه من تعريف نمط أو أسلوب استراتيجي أميركي مؤسس على شيطنة الخصم، الحرب الشاملة والبحث عن التدمير الشامل"[78]. جدير بالإشارة هنا إلى ثلاثة مفاهيم جغرافية ـ سياسية أساسية كَوَّنت الصورة لدى الأميركيين ولعبت دورا في رؤيتهم لأنفسهم وأمتهم والأمم الأخرى وهي: الإقليم السياسي (انظر الصفحة 73 ـ 79)، الفضاء الجغرافي البحري والدولة الوطنية.

 

القراءة عبر ملف PDF 

 

 

 

 


[1] – AGNEW John, « Re-visioning world politics”, London, Routledge, 1998, p.2.

[2] – HARTSHORNE Richard, « The Nature of Geography”, Lancaster, Association of American Geographers, 1939, CHAPTER 12.

 

 

[3] – DODDS Klaus, « Geopolitics: A Very Short Introduction”, Oxford, Oxford University Press, 2007.

[4] – O’LOUGHLIN John, “Dictionary of Geopolitics”, Westport, Greenwood Press, 1994.

[5] – AGNEW John, « Geopolitics: Re-Visioning World Politics”, Londers, Routledge, 2003, p.6.

[6] – SUMIDA Jon, « In Defence of Naval Supremacy: Finance, Technology, and British Naval, 1889-1914

“, Paperback, 2014, p. 46.

[7] – MAHAN Alfred, « The influence of Sea Power upon History 1660-1783”, traduction française, Bibliothèque des introuvables, E. Boisse, 2001, pp. 36 -104.

[8] – M. T. SPROUT, « Mahan : Evangelist of Sea Power », in Makers of modem strategy, military thought from Machiavelli to Hitler, Princeton University Press, New Jersey, 1944.

[9] – VIGARIE André, « Les conceptions d’Alfred Mahan dans l’évolution de la pensée navale », in La Pensée géopolitique navale, Paris, Économica, Institut de Stratégie comparée, 1995, p. 101.

 

[10] – F. Sondern, “The Thousand Scientists behind Hitler”, The Reader’s Digest, vol. 38, n° 230, juin 1941, pp. 23-27.

[11] – STRAUS – HUPE Robert, « Geopolitics. The Struggle for Peace and Power, New York, Putman, 1942, pp. 119-124.

[12] ـ يطلق "ستراوز هوبي" على هوسوفر اسم "المكيافيلي النازي" ويعتبره الأهم في تأسيس الجيوسياسة الألمانية. أيضا، تؤكد العديد من المصادر عدم وجود لقاءات بين هتلر و هوسوفر عندما كان الأول في السجن، يؤكد ذلك " جي. آر. سلوان" في كتابه " Geopolitics in United States Strategic Policy, 1890-1987,Brighton, Wheatsheaf Books"، 1988، ص. 53.

[13] – SCHUMAN L. Frederick, « Current History », n° 9, mai 1942, pp. 161-165.

[14] – THORNDIKE J. Joseph, “Life », vol. 13, n° 25, 21 décembre 1942, pp. 106-115.

[15] – WHITTLESEY Derwent, « German Strategy of World Conquest”, Farrar & Rinehar, 1942.

[16] – HARTSHORNE Richard, “Recent Developments in Political Geography“, American Political Science Review, vol. XXIX, n° 5, 1935, part I, pp. 785-804.

[17]– THOMPSON Dorothy, « On the Record”, New York Times, 16 juin 1942.

[18] – LIPPMANN Walter, « Today and Tomorrow”, New York Herald Tribune, 30 juin 1942, 2 juillet 1942.

[19] – RENNER George, « Political Geography and its point of View”, in, World Political Geography, Thomas Y. Crowell, New York, 1948.

[20] ـ درس في جامعة هارفرد ثم قام بتدريس الجغرافية الفيزيائية والجغرافية الإقليمية في جامعة "يال" بين عامي 1905 و1915. ترأس ثلاث بعثات علمية إلى أمريكا الجنوبية وجبال الأنديز، وعُيِّن الجمعية الجغرافية الأميركية عام 1915 في نيويورك وقد أصبحت الجمعية تحت إدارته واحدة من أكبر المؤسسات العلمية الأميركية مكرسا عمل الجمعية للأبحاث العلمية البحتة وتعريف العامة الأميركيين بمعنى الجغرافية. ترك الجمعية في عام 1935 ليصبح رئيسا لواحدة من أهم الجامعات الأميركية وهي "جونز هوبكنز" وظل رئيسا لها حتى عام 1948. أيضا، كان رئيسا للاتحاد الجغرافي الدولي بين عام 1931 و1934، أما كتابه الأكثر أهمية هو "العالم الجديد" الذي نُشِر لأول مرة عام 1921 وأعيد نشره ثلاث مرات فيما بعد.

[21]– MAUL Otto, “Deutsche Antwort auf Bowmans New World", Berlin, 1956, Politische Geographie, p. 28.

[22]– BOWMAN Isaiah, “Two Works on Political Geography", Geographical Review, 1924, n° 14, p. 665.

[23]– BOWMAN Isaiah, “Some German Works on Political Geography”, Geographical Review, 1927, n° 17, p.511.

[24]– BOWMAN Isaiah, “Geography and Geopolitics”, Geographical Review, 1942, n° 32, p. 646.

[25]– BOWMAN Isaiah, “Geography in Relation to the Social Sciences”, New York, Hardcover, 1934, p.212.

[26]– SMITH Neil, “Bowman's New World and the Council on Foreign Relations”, Geographical Review, Oct. 1986 Vol. 76, N°, 4, pp. 438-460.

[27]– KEARNS Gerry, “Neil Smith: a critical geographer”, Environment and Planning, Society and Space”, 2012, volume 30, pp. 955-957.

[28]– BOWMAN Isaiah,” “Geography and Geopolitics”, ibid, p.647.

[29]– BOWMAN Isaiah, “Political Geography of Power". Geographical Review, n° 32, 1942, p. 349.

[30]– GEOFFREY J. Martin, “The Life and Thought of Isaiah Bowman”, Hardcover, Archon Books, 1980, p. 179.

[31] – BOWMAN Isaiah, “The Strategy of Territorial Decisions”, Foreign Affairs, article, 1946.

 

[32] – KISSINGER Henry, « Diplomacy”, New York, 1994, Simon and Schuster, p. 813.

[33]– ZAJEC Olivier, “Introduction à The Geography of the Peace”, Res Militaris, Geneva, 2014 vol 4, n° 1, Winter-Spring, PP. 4-10.

[34] – WEIGERT W. Hans, « Generals and Geographers: The Twilight of Geopolitics”, New York, Oxford University Press, 1942, p. 4.

[35]– WEIGERT W. Hans, “The meaning and scope of political geography”, in, Principles of Political geogaphy, New York, Appleton-Century-Crofts, 1957, pp. 3-25.

[36]– O’TUATHAIL Geariod, « Critical Geopolitics: The Politics of Writing Global Space”, Minneapolis: University of Minnesota Press, p.6.

[37]– HUPE-Strausz, « Geopolitics: The Struggle for Space and Power”, New York: Putnam, 1942, p. 7.

[38] – BASSIN Mark, « Race contra space: the conflict between German geopolitik and National Socialism” Political Geography Quarterly, volume 6, April 1987, pp. 115-134.

[39] – HUPE-Strausz, “It’s smart to be geopolitical”, The Saturday Review of Literature, (6 February), pp.4-21.

[40] – Business Week, « The trend: the case for geopolitics”, 1 August, 1942, p. 68, in O’TUATHAIL Geariod, « Critical Geopolitics: The Politics of Writing Global Space”, Minneapolis: University of Minnesota Press, p. 539.

[41] – BEUKEMA Herman, « School for statesmen”, Fortune 27, 1943.

[42] – HUPE-Strausz, “The Balance of Tomorrow”, New York, 1945, p.7.

[43]– HUPE-Strausz, « Geopolitics: The Struggle for Space and Power”, op. cit., p. 220.

[44]– O’TUATHAIL Geariod, « Critical Geopolitics: The Politics of Writing Global Space”, op. cit., p. 552.

[45] ـ انتقلت الفلسفة الواقعية، المادية، الوضعية والمثالية إلى الولايات المتحدة بشكل تدريجي وشكّلت أساس الفلسفة فيها، ومع الفيلسوف "وليم جيمس" (1842 ـ 1910) بدأ تيار فلسفي جديد بالتبلور هو التيار البراغماتي. نظر الفلاسفة الأوربيون إلى البراغماتية الأميركية على أنها إنتاج طبيعي للعقلية الأميركية، أما الأميركيون فقد استمروا في مواجهة الفلسفة المثالية واعتقدوا أنهم تخلصوا منها بشكل نهائي. ساهم "جيمس" في هذا التجديد الفلسفي لكن الواقعية لم تكن جوهر فلسفته وقد عارضها في بعض الأحيان. بالمقابل، إن زملاءه وتلامذته أخذوا اسم "الواقعيين" realistes أو "الواقعيين الجدد" [45]néo-réalistes . رأى الفيلسوف الأميركي "جورج ستيوارت فوليرتون" (1859 ـ 1925) أنه:" يمكن تعريف المثالية بالمذهب الذي يرى كل وجودٍ أنه وجود عقلي وأنه لا يمكن للعالم أن يدرك نفسه ووجوده إلى داخل الوعي". بشكل عام، عارضت الواقعية الأميركية الأطروحة المثالية التي ترى أن العالم هو من طبيعة عقلية ومكوّن من خلال علاقته مع الوعي، وأن هناك تفوق للروح والعالم يخضع للقيم الأخلاقية وأن الحقيقة والجمال هما أبديان ومستقلان. إن مصطلح "واقعي" في هذا التيار لا يعني الاستخدام الفلسفي العميق والصارم للمفهوم وليس له علاقة بالواقعية الأفلاطونية. لقد كانت الواقعية الأميركية برنامجا للعمل حول مجموعة من الأطروحات والتي قِيل عنها واقعية ضمن سياقات من عدة جوانب: الأول، فصل التحليل القانوني عن العناصر الأخلاقية، الثاني وهو الشك فيما يتعلق ببعض القواعد وبالتالي الشك في تحليل عملية القرار القضائي، الثالث وهو الاستناد إلى طريقة تحليلية ترفض التأكيدات العامة والميتافيزيقية، الرابع كان في إعطاء مكانة هامة للعناصر النفسية، السيسيولوجية والسلوكية في توضيح الظاهرة القانونية، وأخيرا طرح اقتراحات حول "علم القانون".

[46]– DONNELLY Jack, in “Theories of International Relations”, Deakin University, 1995, p. 29.

[47]– GILPIN G. Robert, “The richness of the tradition of political realism”, in R. O. Keohane, Neo-Realism and Its Critics, New York, 1986, p. 305.

[48]– DAHRENDORF Ralf, “Class and Class Conflict in Industrial Society”, Stanford: Stanford University Press, 1959.

[49]– DONNELLY Jack, «Realism and the Academic Study of International Relations”, in Political Science in History. Research Programs and Political Traditions, Cambridge, Cambridge University Press, 1995, p. 178.

[50] – CARR Edward Hallett, “The Twenty Years' Crisis, 1919-1939. An Introduction to the Study of International Relations”, New York, Harper & Row, 1946 [1939]; MONGENTHAU Hans,” Politics among Nations. The Struggle for Power and Peace”, New York, McGraw-Hill, 1993 [1948].

[51]– MONGENTHAU Hans, “Une théorie réaliste de la politique internationale», Paris, PUF, 1977, p.85.

[52]– JORGENSEN Knud, « International Relations Theory A New Introduction », London, Palgrave Macmillan pp.70- 78.

[53]– MONGENTHAU Hans, « Politics Among Nation: the Struggle for Power and Peace”, London, McGraw-Hill, 1993,p. 218.

[54]– WALTZ Kenneth, « Theory of International Politics”, New York, Mac Graw Hill, 1979.

[55]– HOBBES, « Leviathan », SPINOZA, « Traité politique », Paris 1966. LOCKE, « Second traité du gouvernement civil, Paris, 1994. ROUSSEAU, « Discours sur l’origine et les fondements de l’inégalité entre les hommes », Paris, 2008. HEGEL, « Principes de la philosophie du droit », Paris, 2003.

[56]– KENNEDY Paul, « Naissance et déclin des grandes puissances », Paris, Payot, 2004, pp. 170-172.

[57] ـ انظر، GRIECO Joseph، " Cooperation Among NationsCornell University Press, 1990.

 

[58] – FEBVRE Lucien, « La terre et l’évolution humaine. Introduction géographique à l’histoire », Paris, Albin Michel, 1949, p. 78.

[59]– PARKER Geoffrey, « Geopolitical Thought in the Twentieth Century”, London, Reprint, 2014, p.109.

 

[60]– WALSH Edmund, « Geopolitics and international morals”, in, H.W. Weigert, “Generals and Geographers”, op. cit. p.12.

[61]-PEATTIE Roderick, « Look to the Frontiers. A Geography for the Peace Table”, New York, London, Harper & Brothers, 1944, p. 38.

[62]– TAYLOR Griffith, « Geopolitics and Geopacifics », op. cit. p. 646.

[63]– FIFIELD Russell, PEARCY G. Etzel, « Geopolitics in principle and practice », Boston, Ginn and company, 1944.

[64] – ANTONSICH Marco, « Dalla Geopolitica alla Geopolitik. Conversione ideological di une dottrina di Potenza”, Italy, Universités de Trieste et de Naples, Quaderni del Dottorato di ricerca in geografia politica, 1995, pp. 54-87.

[65]– MATTERN Johannes, « politik: Doctrine of National Self-sufficiency and Empire”, Johns Hopkins Press, University of California, 1942, p. 108.

[66]– RENNER T. Georges, « Definition and Scope of Political Geography”, in G.F. Pearcy, R.H. Fifield, “Geopolitik: Doctrine of National Self-sufficiency and Empire”, op .cit., 1-12.

[67]– ASHLEY K. Richard, « The Poverty of Neorealism”, International Organization, Vol. 38, N° 2, Spring, 1984, pp. 225-286.

[68]– TROLL Carl, “Geographic Science in Germany during the Period 1933-1945. Critics and justification”, Annals of the Association of American Geographers, Vol. 39, N°2, 1949, pp. 99-137.

[69] – WHITTLESEY, « Geopolitics », Encyclopaedia Britannica, 1951, N° 10, p. 182.

[70]– SARKESIAN C. Sam, « US National Security: Policymakers, Processes, and Politics”, Lynne Rienner Publishers, 1989, pp. 3-5.

[71]– LASSWELL Harold, « The Garrison State », American Journal of Sociology, vol. 46, juillet 1940-mai 1941, pp. 455-68.

[72]– BEUKEMA Herman, « Geopolitics in College”, Time Magazine, 19 janvier 1942.

[73]– SEVERSKY P. Alexander, « Victory through Air Power”, New York, Simon and Schuster/BoMC, 1942, “Air Power: key to Survival”, New York, Simon and Schuster, 1950.

[74]– SPROUT Henry and Margaret, « Environmental Factors in the Study of International Politics », in D. Jackson Politics and Geography Relationships, New Jersey, Englewood Cliffs, 1964, pp. 309-328.

[75]– BOULDING E. Kenneth, « The Image: Knowledge in life and Society”, Ann Arbor, University of Michigan Press, p.423.

[76]– ALEXANDER G. Michele, LEVIN Shana, “Image Theory, Social Identity, and Social Dominance: Structural Characteristics and Individual Motives Underlying International Images”, Political Psychology, Blackwell Publishing Ltd, Volume 26, pp. 27-45.

 

[77]– BOULDING E. Kenneth, « National images and International Systems » in Kasperson and Minghi, The Structure of Political Geography, Chicago, Aldine Publishing, 1971.

[78]– GERE François, « Pour la stratégie », in Les lauriers incertains. Stratégie et politique militaire des Etats-Unis. 1980-2000, p. 48.



زر الذهاب إلى الأعلى