محمد مصطفى عيد
مدخل:
إن البحوث التي أجراها البنك الدولي ومعهد الاقتصاد والسلام، تُبين أن العديد من الدول، التي تمر بمرحلة ما بعد النزاع والهشة اقتصادياً، تنطوي على مستويات أعلى من المخاطر، لذلك فإن معدل العائد على رأس المال، يزيد في المتوسط عن ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، وبما أن الاقتصاد والسلام مرتبطان عضوياً ببعضهما البعض، فإن كبار العاملين في الشأن الاقتصادي يمكن أن يلعبوا دوراً رئيسياً في تأجيج الصراع، بغية المنافسة على الموارد في مرحلة ما بعد الحرب، وبما أن الحرب في سوريا شارفت على عامها التاسع، والكثير من المؤشرات تنبأ عن قرب توقف الصراع المسلح، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة بأن مرحلة من الاستقرار والانتعاش ستشهدها البلاد، بل على العكس من ذلك، فمرحلة الهدم والتخريب لا تأخذ مساحة زمنية كبيرة، بينما إعادة الإعمار تتطلب سنوات مضاعفة مقارنة مع عمر الحرب السورية، التي خلّفت مئات آلاف القتلى، ومدن مدمرة، وجذبت تدخلات متعددة من قبل دول أجنبية، كما فاقت التقديرات الأولية للخسائر بنحو 400 مليار دولار، فإعادة إعمار سوريا وترميم مرافقها وإعادة الحياة الاقتصادية قد تكلف ضعف هذا المبلغ على مدى أكثر من ثمان سنوات على الأقل.
والسؤال على من يقع عاتق الإشراف على إعادة إعمار سوريا بالمقام الأول؟ هل ستتحمل أعباءه الحكومة الانتقالية السورية المقبلة، وما هو دورها في قبول الشراكات العربية والعالمية في إعادة الإعمار؟ أم من الأجدى أن يكون لرجال الأعمال والصناعيين السوريين الدور الأبرز بتولي إعادة إعمار بلادهم؟ ففي هذه النقطة، يجب أن نحدد من هم رجال الأعمال والتجار والصناعيين الحقيقين، والذين كان لهم دور تاريخي في دعم الاقتصاد السوري، ونفرق بين رجال الأعمال الذين ظهروا فجأة، خلال سنوات الأزمة السورية، حيث ساهموا في نهب الاقتصاد السوري، بشكل مباشر أو عن طريق وسطاء، خصوصاً أن النظام السوري كان يخصّهم بامتيازات احتكارية، استطاعوا من خلالها أن يكوّنوا ثروات خيالية ويصعب منافستهم، بحيث تكون مشاركتهم في إعادة الإعمار حلقة من حلقات تبييض أموال الحرب، على عكس دور البرجوازية السورية الوطنية التي ساهمت سابقاً في النهوض بالاقتصاد السوري.
النخب الاقتصادية تهاجر خارج البلاد
كما نعلم أن المباشرة ببناء الاقتصاد السوري الذي أنهكته الحرب، وإعادة الإعمار، لا يساعد في إنهاء الحرب المشتعلة منذ تسع سنوات، حيث لا بد من حل سياسي شامل، تضطلع به معظم القوى الدولية والإقليمية، إلا أن إعادة البناء الاقتصادي والإعمار يمكن أن تساعد على تخفيف حدّة الصراع على المستوى المحلي، وتساهم في عملية السلام، ولكن في حال عملية إعادة الإعمار، فما الوجوه التي ستبرز ويكون لها دور في ذلك؟ وقبل استعراض هذه الوجوه التي طفت على السطح في سنوات الحرب، فإنه لابد من الإشارة إلى أن البلاد واجهت نقصاً خطيراً على مستوى المواد الغذائية الأساسية، نتيجة العقوبات الاقتصادية، التي فرضتها الدول الكبر ى على النظام، ومن أجل التدخل لصالح الحالات الإنسانية الطارئة آنذاك، أقنعت باريس شركائها الأوروبيين في عام 2013 برفع الحظر عن أصول البنوك السورية في الخارج، التي كانت قد فرضت عليها الرقابة في بداية الأزمة، وهكذا، تمّ شراء مئات آلاف الأطنان من المواد الغذائية في الخارج، قبل أن يُعاد بيعها في سوريا، في ظل وضعية شبه احتكار لبعض المتنفذين، وكان من المتوقع أن يعود هذا النوع من الفرص بالنفع على رجال الأعمال المتصدرين للمشهد الاقتصادي في البلاد، ولكن في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد، نقلت النخب الاقتصادية المعروفة تاريخياً أعمالها إلى الخارج، خصوصاً إلى دول الجوار مثل: لبنان وتركيا ولأردن ومصر ، بالإضافة إلى البلدان الأوروبية، من أجل حماية مصالحها من الفوضى التي تجتاح البلاد، بالمقابل فإن بروز شخصيات جديدة على الساحة الاقتصادية في المرحلة الثانية للحرب في سوريا ، قد اختلفت عن الشخصيات الاقتصادية السابقة، فهي في معظمها راكمت القسم الأكبر من ثرواتها عبر اقتصاد الحرب، بما في ذلك الالتفاف على العقوبات الدولية.

