أمنية وعسكريةقضايا راهنة

لوحة الهيمنة والنفوذ في الجزيرة السورية

عبد الناصر حسّو

مقدمة 
أثارت عملية "نبع السلام" التي أطلقها الجيش التركي ضدّ كرد سوريا احتجاجاً دولياً كبيراً، ولكنّ الرئيس التركي لم يكن لديه على ما يبدو ما يستوجب القلق! 
وبالفعل، ففي يوم الثلاثاء 22 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، توصّل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي، رجب طيب أردوغان، إلى اتفاقٍ لإنهاء العدوان التركي على الجزيرة السورية، والذي استهدف "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) و"وحدات حماية الشعب"(YPG)، وذلك بغية إقامة منطقة آمنة داخل الأراضي السورية، من الحدود المشتركة بين البلدين، تفصل بين المناطق التي يسيطر عليها حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي PYD ، والذي تعتبره تركيا والولايات المتحدة الجناح السوري ل"حزب العمال الكردستاني"، المصنّف لديهما كمنظمةٍ إرهابية. وقد أعلنت تركيا مراراً أنّها ستقوم بتوطين المهاجرين السوريين إليها في هذا الكريدور الأمن، ليكون بمثابةِ الجدار الديمغرافي الفاصل بين كرد سوريا، وبين تركيا، طامحةً بذلك إلى حماية أمنها القومي، وفق تصريحات مسؤولين في الحكومة التركية، وتحليلات الصحف التركية المؤيدة للرئيس أردوغان. تسبّبت العملية التركية في مقتل المئات، ونزوح عشرات آلاف الأشخاص عن منازلهم، أغلبهم ذهب إلى لإقليم كردستان العراق الذي يحكمه الرجل القوي مسعود البارزاني، صديق تركيا، والعدو الأيديولوجي الأول ل "حزب الاتحاد الديمقراطي".
تعقّد الوضع كثيراً بعد العملية التركية الأخيرة، وتشابكت القوى الإقليمية والدولية أكثر فأكثر، ويبدو أنّ سوريا أضحت رقعة شطرنج كبيرة، يتوزع عليها جنود وقلاع وقادة الدول الكبرى إقليمياً، والعظمى دولياً، ووسط هذه الفوضى "المحسوبة" يبرز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كمحدّدٍ للتوجهات وتوازنات القوى، كما يقول عادل بكوان، عالم الاجتماع الفرنسي ذو الأصول العراقية، وعضو "معهد البحوث والدراسات المتوسطية بالشرق الأدنى" (IREMME) الذي وصف ذلك بالقول إنّها "لحظة بوتين في الشرق الأوسط" إذ تمكّن الرئيس الرّوسي من فرض رؤيته على كلّ من أردوغان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد نجح إلى حدّ كبير في إبعاد واشنطن عن المنطقة، والعالم كلّه شهد انسحاب القوات الأميركية يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أي قبل ثلاثة أيام فقط من الهجوم التركي. وقد نشرت قناة RT التابعة للحكومة الروسية صوراً لقوافل المركبات المدرعة الروسية، وهي تعبر طريقاً قريباً من مدينة كوباني، كما أنّ الجنود الروس بحسب RT استثمروا القواعد العسكرية التي تركها الأمريكان شاغرة ورائهم. وقد نصّ اتفاق إنهاء عملية "نبع السلام" بين بوتين وأردوغان على تسيير دوريات مشتركة في المناطق الحدودية من سوريا اعتباراً من 29 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وتبدو روسيا بالنسبة لجميع الأطراف المتحاربة، الكرد السوريين، والأتراك، والنظام السوري، بمثابة ضامن الاستقرار في ظلّ غياب أي دور فاعل لدول الاتحاد الأوروبي، والأخطاء الاستراتيجية التي يرتكبها دونالد ترامب. 
 
*الوضع في الجزيرة السورية عشية التدخل التركي-المصدر: صحيفة لوموند الفرنسية.

هدية ثمينة ومجانيّة للنظام السّوري 
أشاد الرئيس التركي بـ "الاتفاقية التاريخية" مع الروس. صحيحٌ أنّه لم يحصل على كلّ ما يريد، لكنّه انتصار سهل بأقلّ التكاليف الممكنة، فالجيش التركي لم يخسر سوى عشرة جنود، وبذلك لم تُثر هذه العملية نقمة الداخل التركي عليه، بالعكس تماماً، فقد أبرزته وسائل الإعلام وكأنه "السلطان الفاتح الجديد" الذي سيعيد أمجاد الإمبراطورية العثمانية. وتركيا التي لم تتمكن من السيطرة على الـ 440 كم التي حدّدتها بدايةً كهدف لعمليتها، إلاّ أنّها احتفظت بمساحة تمتد على طول 120 كم وعرضها 32 كم، بين مدينتي تل أبيض ورأس العين/ سري كانييه، إضافةً إلى عفرين التي كانت قد احتلتها سابقاً، فاتفاق إنهاء العمليات بين الروس والأتراك أكّد على الحفاظ على "الوضع الرّاهن" في المنطقة، أي بعد العدوان التركي، فهو لا يحدّد أيّ تاريخٍ لانسحاب القوات التركية. 
بالنسبة للنّظام السّوري بدا الأمر وكأنّ الأتراك قاموا بالهجوم خدمةً له، فقد انسحبت القوات الأمريكية من معظم نقاط سيطرتها في المنطقة، وأضعفت أنقرة القوات الكردية بشكل كبير، ما قد يدفع "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد) إلى البحث عن تحالفٍ غير متوازن مع المركز في دمشق، وربّما إخلاء المنطقة بالكامل من المظاهر المسلحة، في مقابل الحفاظ على أرواح وممتلكات السكّان من مخاطر تجدّد العدوان التركي. 
كما أنّ قوات النّظام السوري استعادت السيطرة على 35% من أراضيها من دون إطلاق رصاصةٍ واحدة، ودون خسارة أيّ جندي، وهذه الأراضي هي سلّة سوريا الغذائية والنفطية، كما أنّها تضمّ سجون معتقلي تنظيم "داعش" الإرهابي، والذين ينتسبون إلى جنسيات عدة، من بينها جنسيات أوروبية، ما سيضطر الدول الغربية إلى التعامل مع بشار الأسد، في سبيل بحث مصيرهم، وربما كان ذلك بوابة إعادة التطبيع مع النظام، الذي كان يعتبره قادة الغرب عدواً لهم منذ عام 2011.
 في الواقع، ومنذ الإعلان عن انسحاب القوات الأمريكية، أبلغ الأكراد دول العالم أجمع عن عجزهم عن ضمان سلامة مواقع اعتقال جهاديي تنظيم "داعش"، وقد استغل بعض عناصر التنظيم الفوضى التي أثارها العدوان التركي وهربوا من معسكرات اعتقالهم إلى مناطق مجهولة، يُعتقد أنّها ستكون منطلقاً لتجديد عملياتهم الإرهابية. بالمقابل، فإنّ تحالف "مجلس سوريا الديمقراطية" (مسد)، وهو الجناح السياسي ل"قوات سورية الديمقراطية" (قسد)، مع نظام الرئيس السوري بشّار الأسد، سيعني عودة الجهاز القمعي للنظام السوري إلى المناطق التي تُسيطر عليها "قسد"، وأحد السيناريوهات المطروحة حالياً، هي انسحاب القوات الكردية إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية فقط، وترك مناطق تواجد العرب المتحالفين معها إلى النظام السوري، ما سيعني انتقاماً شديداً من قبل بشار الأسد ضدّ العشائر السنّية التي تخلّت عنه، الأمر الذي سيُشعل عمليات الإرهاب الجهادية من جديد.
وفيما يبدو الأسد هو الرابح الأكبر من تصارع أعدائه، كان الكرد هم الخاسر الأكبر. فقد قال المتحدّث باسم الكرملين، في يوم الأربعاء 23 أكتوبر، تشرين الأول الماضي، "لقد تخلّت الولايات المتحدّة عن الأكراد، وخانتهم". فيما اعتبر رأس النظام السوري أنّ "أولئك الذين لديهم مخطّطات انفصالية كانوا مسؤولين عن الأحداث التي وقعت"، محمّلاً "قسد" مسؤولية الوضع المأساوي الذي آلت إليه أوضاع الجزيرة السورية.  كما صرّح مظلوم عبدي، كبير قادة" قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، في 13 أكتوبر/ تشرين الأول، قائلاً: "إنّنا نعلم أنّه يتعيّن علينا تقديم تنازلاتٍ مؤلمة، ولكن بين الحلول الوسط والإبادة الجماعية لشعبنا اخترنا الحياة". ولكنّ الحلول الوسط تبدو هشّة بالنسبة للكرد. فقد أكّد الرئيس الروسي مجدّداً تفهمّه لمصالح تركيا في مجال الأمن القومي، ويبدو أنّ هناك ضغوطاً، أو على الأقل محاولات روسية حثيثة، لإقناع رجل أنقرة القوي بالتصالح مع الرئيس السوري، وتطبيع العلاقات بينهما.

أثر نتائج العدوان التركي على العملية السياسية  
ينطبق على العملية التركية المبدأ القائل بأنّه عليك أن تصطنع حرباً إذا أردت تحريك العملية السياسية، وهذا ما فعله الروس بأداة تركية.
 نجح الرّوس إلى حدّ كبير في تجميد مسار عملية جنيف الخاصّة بالحل السياسي للمسألة السورية، وفرض مسارات خارج إطار الأمم المتحدّة، والغريب أنّ هذه الخطوة الروسية تمّت بمباركة مبعوثي المنظمة الدولية الخاصين إلى سوريا، السابق السيد ستيفان ديمستورا، والحالي غير بيدرسون. وتمّ الاتفاق بين الأطراف السورية التي حضرت لقاء سوتشي في أوائل العام الماضي (2018) على تأليف لجنة، تمّ بموجبها تقسيم السوريين إلى ثلاثة كتل رئيسة، كتلة تعبّر عن وجهة نظر النظام، وكتلة معارضة، وكتلة أُريد لها أن تكون حيادية تضبط عملية التفاوض بين الكتلتين الأوليتين وتراقبها، اصطلح على تسميتها بكتلة المجتمع المدني، وتتبع مباشرة للسيد مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة. مهمة هذه اللجنة هي كتابة دستور مؤقت لسوريا يُدير المرحلة الانتقالية. ولكنّ عملية إطلاق اللجنة، وبسبب البازارات السياسية على أسمائها بين الضامن الروسي والضامن التركي، بقيت مجمّدة إلى ما قبل العدوان التركي الأخير على الجزيرة السورية. وتسارعت بشكل كبير، وعقدت أول الجلسات في جنيف بعد الاتفاق الروسي-التركي الأخير على إنهائها، ما يُعزّز برأينا فرضية وجود تحضيرات مسبقة لها بين الطرفين، مع ضوء أخضر روسي، كان الرئيس أردوغان بحاجة ماسّة إليه لبدء عدوانه.
ينصّ الاتفاق التركي-الروسي على عشرة نقاط:

1.     يلتزم الطرفان بالحفاظ على وحدة سوريا سياسياً وجغرافياً، وحماية الأمن القومي التركي. 
2.    أكد الطرفان عزمهما على مواجهة جميع أشكال وتطبيقات الإرهاب، ومجابهة الخطط الانفصالية في سوريا.
3.    وفي هذا الإطار، سيتم الإبقاء على الأوضاع التي أسفرت عنها العملية العسكرية التركية في تل أبيض ورأس العين، بعمق 32 كيلومترا (في شمال سوريا).
4.    يشدّد الطرفان على أهمية اتفاق أضنة. وتلتزم روسيا بتسهيل تطبيق الاتفاقية في ظلّ الظروف الحالية.
5.    بدءاً من الثانية عشرة ظهراً في يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، سينتشر أفراد الشرطة العسكرية الروسية، وحرس الحدود السوري على الجانب السوري من الحدود مع تركيا، باستثناء المنطقة التي شملتها العملية العسكرية، وذلك لتسهيل دفع عناصر "وحدات حماية الشعب" الكردية وأسلحتهم إلى عمق ثلاثين كيلومتراً داخل سوريا. ويتوقع أن يتم ذلك خلال 150 ساعة. وبعدها تبدأ دوريات روسية-تركية في شرق وغرب منطقة العملية العسكرية على عمق عشرة كيلومترات، باستثناء مدينة القامشلي. 
6.    يجب نقل كلّ عناصر "وحدات حماية الشعب" وأسلحتهم من منبج وتل رفعت. 
7.    يتخذ الطرفان الإجراءات اللازمة لمنع إفلات العناصر الإرهابية.
8.    تبدأ الجهود المشتركة لتسهيل عودة اللاجئين بطريقة آمنة وطوعية.
9.    إرساء آلية مراقبة وتحقق مشتركة لمتابعة وتنسيق تطبيق هذا الاتفاق.
10. يستمر الطرفان في العمل على إيجاد حل دائم للصراع السوري بما يتوافق مع آليات مفاوضات أستانا، ودعم أنشطة اللجنة الدستورية. 
من يقرأ البنود سياسياً، يلحظ أنّ روسيا دفعت لتركيا تسعة بنود في مقابل أن تكسب البند الأخير المتعلّق بتسهيل إطلاق عملية العملية السياسية من باب اللجنة الدستورية. والبارز في هذا الإطار أنّ الروس والأتراك استبعدوا "حزب الاتحاد الديمقراطي" (PYD) عن مسار العملية التفاوضية، رغم حضوره السياسي الكبير في الوسط الكردي، ورغم تضحياته الكبيرة (يقدّرها البعض بـ 11 ألف مقاتل ومقاتلة) ودوره الذي لا يمكن إغفاله في محاربة "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش). وتمّت الاستعاضة عن هذا الحزب في اللجنة الدستورية بتمثيلٍ كرديّ هشّ، وموالٍ لتركيا. بمعنىً آخر: لا يوجد تمثيل كرديّ حقيقي في العملية التي يفترض أن ترسم الحلّ السياسي لبلدٍ يمثّل فيه الأكراد حوالي الـ 12% من سكانه، وهم بذلك أكبر قومية تعيش على الأرض السورية بعد العرب. 
لا تبدو الخيارات المتاحة كبيرة أمام "مجلس سورية الديمقراطية" (مسد)، بعد الاجتياح التركي الأخير، فهم عملياً حاربوا "داعش" نيابةً عن العالم كلّه، ولكنّ الجميع تخلّى عنهم قبل حتّى أن ينهوا أفراحهم بالنصر. فقد بات خيار "الإدارة الذاتية" بعيداً، أقلّه في المدى المنظور. وتوقفت عملية بناء "تحالفٍ سوري ديمقراطي" كانت قد أطلقته هذه الإدارة عبر مجموعة من الحوارات مع قوى "ديمقراطية" سورية. 
خلاصة: 
من الواضح أن الاجتياح التركي الأخير قدّ غير المعادلات السابقة بدرجة كبيرة، وهو يعكس في الوقت ذاته توافقاً روسياً تركيا على ضمان نفوذ تركيا في المناطق التي اجتاحتها لأمد بعيد، مقابل إطلاق عمل اللجنة الدستورية، والتي تعوّل عليها روسيا، في رسم حلّ سياسي يتفق مع مصالحها الاستراتيجية.
 لكن الأوضاع الجديدة، قياساً إلى تعقيدات الديمغرافية في الجزيرة السورية، لن يكون من السهل ضبطها، أو تحقيق مستوى ثابت من الاستقرار الأمني، وهو ما بدأت الوقائع تكشف عنه، بعد حدوث عددٍ من التفجيرات في مدينة تل أبيض، والتي من المتوقّع أن تستمر، كنتيجة للخلل الناجم عن غياب تسويات متوازنة تضمن مصالح المكونات الموجودة.
بالنسبة لقادة "حزب الاتحاد الديمقراطي"، أو ل "قوات سوريا الديمقراطية"، فإن الخيارات تبدو صعبة ومؤلمة، لكنها تطرح من جديد أسئلة سياسية مهمّة، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات الكردية-الكردية، أو العلاقة بين القوى الكردية وقوى المعارضة السورية، خصوصاً القوى الوطنية الديمقراطية، وإعادة تحديد وهيكلة الأهداف السياسية للقوى الكردية في سوريا. 
 



زر الذهاب إلى الأعلى