تقدير موقف

الثورة العراقية: إعادة بناء الدولة وتجديد النظام الإقليمي

تقدير موقف
مقدمة:
تزداد الاحتجاجات العراقية زخماً، على الرغم من ردّ الفعل العنيف الذي قوبلت به المظاهرات، ومحاولة الحكومة التنصّل من التهم الموجهة إليها بشأن سقوط ضحايا، من قتلى وجرحى، بأعداد كبيرة، كما أخذت مطالب المحتجين تبلور صيغاً أكثر تكاملاً بين المطالب الداخلية المتعلقة باحتياجات الشعب العراقي، وطرق إدارة الدولة، ومحاسبة الفاسدين، وبين المطالب الخارجية، المرتبطة بإنهاء النفوذين الإيراني والأمريكي على العراق.
محاولات الحكومة للتهدئة، من قبل رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، أو الرئيس برهم صالح، لم تجد أي صدى لدى المحتجين، كما زادت زيارة قاسم سليماني لبغداد ولقائه بقادة عسكريين وسياسيين النقمة في الشارع.
حتى الآن، يبدو الشارع العراقي متماسكاً، مع بروز مستوى أعلى من التنظيم في صفوفه، في الوقت الذي تبدو فيه القوى والنخب السياسية الحاكمة في حالة ارتباك غير مسبوقة، خصوصاً مع مطالب المتظاهرين التي تطال جميع المتحاصصين في السلطة.
سقوط خطاب الطائفية
بدأت الاحتجاجات في الأسبوع الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، في بغداد وعدد من المدن العراقية، المحسوبة طائفياً على المكون الشيعي، في جنوب البلاد، بالإضافة إلى مدن الفرات الأوسط، ومنذ انطلاقتها حملت شعارات تندّد بالطائفية، وهو ما أربك الأحزاب الشيعية الكبرى، لكون القسم الأكبر من المحتجين هم من المكون الشيعي، وهو ما بفوّت الفرصة على الحكومة باتهام الاحتجاجات بأنها ذات صبغة طائفية، كما جرى في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، في عام 2012، حين انتفضت المدن السنية، مثل الأنبار، وصلاح الدين، وذي قار>
تواجه الطبقة السياسية بكل أطيافها معضلة كبيرة، فهي قد أتت إلى الحكم واستمرّت فيه بحكم ما عرف بالديمقراطية التوافقية، والتي عَنت-بشكل واضح-تقاسم السلطة على أسس طائفية،
ونظراً لما حازته القوى السياسية ورموزها البارزين من إمكانات ونفوذ خلال السنوات الماضية، عبر شبكات الفساد الكبيرة، والمتحكمة فعلياً بموارد العراق وتجارته مع الخارج، وبالعقود الحكومية، فإن هذه الطبقة اليوم أمام مستجد يختلف كلياً عما سبق، فقد تمكّنت في الماضي من تأجيل القضايا المطلبية بذرائع عديدة، كان أبرزها مواجهة الإرهاب، عبر موجاته المختلفة، ابتداءً من منتصف العقد الماضي، ولغاية ظهور تنظيم "داعش" في عام 2014، واستيلائه على الموصل في العاشر من يونيو/ حزيران من العام نفسه، وانسحاب القوات المسلحة العراقية من المدينة، بطريقة لا تزال غامضة.
خطاب الاحتجاجات الذي يعيد المسألة الوطنية إلى الواجهة، كانت قد أسهمت في تأجيجه مؤخراً ممارسات حكومية عديدة، منها إقالة الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، الذي أعفي من منصبه بقرار من رئيس الوزراء، وتمّ نقله إلى منصب هامشي (دائرة الميرة والمحاربين)، وكان الساعدي قد برز كقائد عسكري وطني من خلال نجاحه في قيادة إدارة العمليات ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، وأصبح شخصية وطنية عامة.
الأبعاد الداخلية للاحتجاجات
احتل العراق في العام 2018 المرتبة 168 في مؤشر الفساد العالمي الذي تصدره "منظمة الشفافية الدولية"، ويضم المؤشر 180 دولة، ويعكس هذا المؤشر الحالة العامة لمؤسسات الدولة، ونمط الحكم، وغياب الحريات العامة، وفشل الديمقراطية، ومستوى التعليم، وغيرها من المؤشرات التي توضح الوضع العام للدول.
واجه العراقيون منذ عام 2003، مصاعب أمنية ومعيشية كبيرة، دفعت بأعداد كبيرة من العراقيين إلى اللجوء والهجرة خارج بلدهم، ويُقدّر عدد من غادروا العراق بقصد اللجوء حوالي ثلاثة ملايين نسمة في موجات متتالية، من بينها موجة 2015، بعد سيطرة تنظيم "داعش" على الموصل وعدد من المدن العراقية، كما انخفضت جميع مؤشرات المعيشة للأفراد والأسر، مع وجود نسبة عالية من العاطلين عن العمل بين فئة الشباب، تصل بحسب أرقام عراقية رسمية إلى 20%، وتصل هذه النسبة إلى ضعف هذا الرقم في إحصاءات مؤسسات المجتمع المدني، وتتركز البطالة بشكل واسع بين فئة حملة الشهادات الجامعية.
أما القطاع الصحي، فقد شهد انهياراً كبيراً منذ عام 2003، وهجرة قسم كبير من الكفاءات والكوادر الطبية المتخصصة، كما أن جميع التقارير الصادرة حول القطاع الصحي العراقي، الرسمية وغير الرسمية، تشير إلى الواقع المزري لهذا القطاع، حتى على مستوى الخدمات البسيطة، بالإضافة إلى النقص في الأدوية، وهي المشكلة المزمنة في العراق، منذ ما بعد حرب الخليج الثانية.
الجيل العراقي الجديد، خصوصاً بين 18 و30 عام، يبدو أمام صفر خيارات، فهو محكوم بطبقة سياسية فاسدة، تستثمر في الطائفية، وتعيد إنتاج نفسها من خلال المؤسسات الرسمية، أو من خلال الأحزاب والميلشيات، مع غياب أي آفاق بتجاوز هذا الوضع، وخروج العراق شبه الكلي من دائرة الإنتاج الحقيقية، والعيش على الريع النفطي، الذي يذهب القسم الأكبر منه إلى أرصدة النخب السياسية والحزبية والأمنية.
وعلى الرغم من أن العراق هو ثاني أكبر منتجي النفط في منظمة أوبك، مع تصدير نفطي يومي يصل إلى أكثر من ثلاثة ملايين برميل، وعائد مادي وصل في بعض أشهر العام الجاري إلى حوالي 7.1 مليارات دولار  (كما في مارس/ آذار الماضي، حين وصل إنتاج العراق إلى 3.4 مليون برميل نفط يومياً)، إلا أن هذه العوائد لا يتم استثمارها في تأسيس وتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية، حيث تفتقد الكثير من المدن العراقية إلى تيار كهربائي منتظم، مع أن الحكومات العراقية المتعاقبة منذ 2003 أنفقت حوالي 40 مليار دولار على قطاع الكهرباء من دون جدوى، حيث ابتلعت منظومة الفساد معظم الأموال المخصصة لهذا القطاع، وقد شهدت عدد من المدن العراقية في يوليو/ تموز 2018 احتجاجات واسعة على أزمة انقطاع التيار الكهربائي. 
تمكنت الحكومة العراقية من تجاوز النسخة الأولى من الربيع العربي، بعد أن كانت بوادرها واضحة في منطقة الأنبار، في 2012، وقد تمّ استغلالها طائفياً من قبل الحكومة نفسها، ثمّ أتى ملف "داعش"، الذي طغى على كل الأولويات المجتمعية، لكن مع انتهاء هذا الملف، عادت الاحتجاجات مرّة أخرى، لكن هذه المرّة لم تعد مجرد احتجاجات مطلبية، أو اعتراضاً على تغييب مكون اجتماعي من مفاصل الحكم، وإنما ثورة مجتمعية من أجل تغيير النظام السياسي نفسه، الذي ولد بعد دستور بريمر، في عام 2006.
الأبعاد الخارجية
يعدُّ العراق من بين الدول الفاشلة في العالم، وهو البلد النفطي الوحيد بين قائمة الدول الفاشلة، ويعتمد التصنيف الذي تصدره مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، و"مؤسسة صندوق السلام"، على عدد من المعايير في تصنيف دولة ما كدولة فاشلة، من أهمها ضعف الدولة المركزية، وعدم قدرتها على احتكار السلاح، وتبعيتها للخارج، وعجز الدولة عن تأمين الحدّ الأدنى من الخدمات لشعبها.
 لم تتمكن الحكومات العراقية التي توالت على السلطة منذ 2003 من إخراج العراق من هذا التصنيف، فقد بقيت الدولة عاجزة عن احتكار السلاح، ولم تعد مؤسسة الجيش إلا واحدة من القوى التي تحوز على السلاح، مع بناء الأحزاب النافذة لميليشيات تابعة لها، وهو ما يجعل من السلطة المركزية عاجزة عن إنفاذ القانون، في ظل تعدّد المرجعيات ومصادر القوّة.
وفيما يتعلق بالقرار السيادي للحكومة العراقية، فقد أصبح تابعاً بدرجة كبيرة لإيران، بعد الخروج الرسمي للقوات الأمريكية من العراق في عام 2011، وتتحكم إيران، و"الحرس الثوري" الإيراني بمفاصل الحياة السياسية العراقية، بعد أن أنشأت ميليشيات تابعة لها، كما في حالة "الحشد الشعبي"، مع تمويلها فصائل أخرى، وحوّلتها إلى أذرع عسكرية تحت الطلب.
دوران العراق في الفلك الإيراني هو أحد مشكلات نظام الأمن والاستقرار في المنطقة، فإيران لم تمنع فقط الازدهار الاقتصادي والعمراني والاجتماعي للعراق، بل استخدمت العراق كساحة لزيادة تمدّدها في كامل المنطقة، وربط طهران بالبحر المتوسط، مروراً بدمشق وبيروت.
الاحتجاجات الراهنة في العراق، بتبنيها خطاباً وطنياً عابراً للطوائف، ومتجاوزاً للطائفية، مع تركيزه على سيادة قرار الدولة العراقية، وعدم تبعيتها لإيران، هو من ناحية النتيجة خطوة في طريق إعادة ملامح التوازن التي فقدها النظام الإقليمي برمّته بعد 2011. 
كما أن هذه الاحتجاجات تؤكد أنه رغم الهيمنة الإيرانية على العراق لسنوات، إلا أن ذلك لم يحدث قطيعة بين الجيل العراقي الجديد وبين روائز الوطنية العراقية، من حيث استعادة القرار العراقي، خارج الاستقطابات الإقليمية من جهة، واستعادة العلاقات الطبيعية مع دول المنطقة من جهة أخرى.
خلاصة:
من غير الأكيد بعد مدى قدرة الثورة العراقية على تحقيق انتصارات سريعة أو كبيرة، خصوصاً أننا شهدنا تأثير ميزة الخصوصية المحلية على ثورات النسختين الأولى والثانية للربيع العربي، ففي الوقت الذي تمكنت فيه بعض الثورات من تحقيق إنجازات بأقل التكاليف المجتمعية والوطنية، عجزت ثورات أخرى عن ذلك، نتيجة لطبيعة النظام السياسي نفسه، وتحالفاته الخارجية، ومستوى الانقسام المجتمعي، وقدرة قيادات الاحتجاجات على عدم الانزلاق إلى مسارات لا تتوافق مع طبيعة الأهداف المطروحة.
لكن ما يمكن تأكيده والبناء عليه هو أن هذه الاحتجاجات هي الأكبر حجماً وتأثيراً منذ عام 2003 ضد النظام السياسي، وأنها ترسم ملامح صراع سياسي جديد في العراق، ليس فقط في إطار إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، بل أيضاً في إعادة بناء نظام إقليمي جديد، يتّسم بنفوذ إيراني أقل من السابق، وهو ما سيترك انعكاساته على ساحات عربية عديدة. 

 

 



زر الذهاب إلى الأعلى