تقدير موقف

حقائق ودروس بعد تسع سنوات من الأزمة السورية

صلاح الدين بلال

 

في مارس/ آذار المقبل تدخل الأزمة السورية عامها التاسع، ولا يبدو أن النصر سيكون حليفاً لأي جهة، ولا تبدو في المدى المنظور أية علامات تشير إلى إمكانية حدوث حلً سياسي، من شأنه أن يقود إلى مرحلة من الاستقرار، بل أن المعطيات الراهنة تقول إن المشكلات السورية تزداد حدّة، والانقسامات المجتمعية تصبح أعمق، ولا تزال جميع الأطراف تتبادل الاتهامات فيما بينها، مع استمرار حالة الإنكار لما وصل إليه الواقع السوري في المجالات كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإنسانية.
ثمة حقائق عديدة لا بدّ من إعادة تأكيدها في كل مرّة، أقلّه من أجل رسم ملامح عامة لسردية الحدث السوري، فهذه السردية هي جزء من الصراع القائم، وقد حاول كلّ طرف من أطراف الصراع أن يبنيها بطريقة ناقصة، خدمة لأهدافه الخاصة، والتي افترقت كل الافتراق عن المصلحة الوطنية العامة، التي أصبحت هي الحاضر/ الغائب في كل ما يجري، فقد فقدت مضامينها، وأصبحت شعاراً يخفي تحته انتماءات ومصالح ضيقة لهذا الطرف أو ذاك، وسنحاول هنا التركيز على أهم الحقائق التي يمكن أن تساعد في بناء سردية أكثر مطابقة للواقع:
1-    مع انبثاق الموجة الثانية للربيع العربي، خصوصاً في لبنان والعراق، فإنه من الطبيعي بمكان، بالنسبة للسوريين، التوافق على نقطة البداية في سردية الحدث السوري، وهي أن الاحتجاج منذ 2010 على الأنظمة السياسية هو تعبير عن استنفاد معظم الأنظمة السياسية في المنطقة للمشروعية السياسية التي أوصلتها إلى الحكم، وجعلتها تستمر لعقود من الزمن، وسوريا ليست استثناءً عن هذه الحالة، بل هي نموذج شديد الوضوح. 
2-    وضع النظام السياسي في سوريا نفسه، قياساً إلى بنيته وتكوينه، أمام خيارات محدودة في مواجهة الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها البلدات والمدن السورية، ولم يلتقط الفرصة في إدارة الحوار والتفاوض، كان من شأنها أن تجنّب البلاد الانزلاق إلى ما انزلقت إليه لاحقاً، بعد مضي بضعة أشهر من الاحتجاجات السلميّة. 
3-    النظام والمعارضة التقليدية يدركان جملة التعقيدات الجيوسياسية المحيطة بالجغرافيا السورية، والتي لا يمكن الإفلات من تأثيراتها في حال خرجت المسألة السورية عن سكّتها الداخلية، وتحوّلت إلى صراع مسلّح، ومع ذلك، كان هناك استهتار وخفّة في جعل السلاح هو الحكم في الصراع، وإذا كانت مسؤولية هذا الخيار تقع على عاتق النظام أولاً، لكونه هو من يحكم ويتحكّم بفائض القوة والسلاح، لكن الجزء الأكبر من المعارضات التقليدية لم تكن حريصة على عدم الذهاب إلى هذا الخيار، مع معرفتها الكاملة أنه سيجعلها تحت رحمة الدول التي ستموّلها بالمال والسلاح والخدمات اللوجستية.  
4-    ظهور أول ممثل للحراك والمعارضة، والذي تمثّل ب "المجلس الوطني"، عانى من مشكلات وأزمات بنيوية في طريقة تشكيله وعمله، ولم تكن توسعته، وتحويله إلى "الائتلاف الوطني" تجربة أفضل حالاً، فقد غرق في خلافات الكتل الداخلية، وهيمنة الإخوان المسلمين على مجمل قراراته، وانقسام الكتل الرئيسية على بعضها البعض، تبعاً لولاءاتها الإقليمية والدولية، وفقد بعد أشهر قليلة صلته بما يجري في الواقع السوري من تحوّلات، وانعدام أي استراتيجية في التعامل مع السيناريوهات المحتملة، وتجنّب ما هو سيء فيها، أو السيناريو الأسوأ. 
5-    وضمن ذهاب سوريا إلى السيناريو الأسوأ، برز الإرهاب، ممثلاً بفصائل وتنظيمات راديكالية إسلامية، تحوّل وجودها إلى مركز اهتمام أساسي بعيداً عن مضمون المسألة السورية، مع محاولة جميع الأطراف الاستفادة منه، بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تحوّلت سوريا مع الوقت إلى ساحة صراع إقليمية ودولية، لا يمتلك أطرافها المحليون القدرة على التأثير، بل أصبحت شرعية وجودهم نفسها مشتقّة من ولائهم للأطراف الداعمة لهم. 
6-    وجود القوى المتشدّدة في واجهة العمل العسكري للمعارضة، انعكس سلباً على عموم السوريين، وليس فقط على المعارضة، فقد تشكّل تحالف دولي لمحاربة الإرهاب، خصوصاً ضد تنظيم "داعش"، وعاصمة خلافته المزعومة في الرقة، ومن ثمّ التعاون والتنسيق بين التحالف و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، ونتيجة للمعارك التي امتدّت لما يقارب خمسة أعوام، تمّ تدمير مناطق واسعة من الجزيرة السورية، من دون وجود أي مخططات لإعادة إعمارها، أو تحقيق حالة من الاستقرار فيها، بل أن الطرف الأمريكي ذهب مؤخراً إلى الاتفاق مع تركيا، والسماح لها بشنّ عملية "نبع السلام" العسكرية، والتي اجتاحت تركيا بموجبها مساحة واسعة من الشمال السوري، وتمّ تكريس نتائج هذا الاجتياح من خلال اتفاقيات روسية تركية تنظم حركة وتمّدد القوات التركية، والمجموعات السورية المسلحة التابعة لها ،  ما سيؤدي إلى تغيير في التركيبة السكانية، وتعميق الشرخ في النسيج الاجتماعي السوري، تحت عنوان سياسي زائف، هو حماية الأمن القومي لتركيا، ومحاربة الميول الانفصالية للأكراد.   
 
برأينا أن حقائق الحالة السورية، يما تتضمّنه من حيثيات وتعقيدات، تستوجب وضع آلية سياسية أممية، بأهداف واضحة، ولا يكفي هنا القرار 2254، بل ثمة حاجة للتوافق الدولي على دعم حقيقي لمسار الحلّ السياسي، منعاً لتكريس المعطيات الراهنة بوصفها معطيات دائمة، لا يمكن الرجوع عنها، خصوصاً في ملفات النازحين واللاجئين، والتغيير الديموغرافي.
الآلية الأممية التي يمكن أن تساعد، ينبغي لها البدء بتخفيض عدد المعطيات المعيقة للحلً السياسي، مثل وضع إطار زمني لخروج كافة القوى الأجنبية من سوريا، وتحديد مفهوم واضح لمخرجات العملية السياسية، بما فيها الدستور السوري، حيث أن مسار عمل اللجنة الدستورية مملوء بالألغام، ولن يكون من الممكن تجنّب انفجارها من دون توافق وضغط دوليين. 
وإذا كان لنا أن نختتم هنا بإضافة حقيقة أخيرة، تتعلق بالمستقبل، فهي أن وجود سوريا، واستعادتها كدولة، وبناء عقد اجتماعي جديد، لن يكون ممكناً إلا باعتراف جميع الأطراف بأن النظام السياسي ينبغي أن يكون نظاماً ديمقراطياً، يضمن التداول السلمي للسلطة، ويؤمن حلّاً عادلاً لقضايا الأقليات الإثنية، وتبني منظومة حقوق مدنية عصرية، وإطلاق ديناميات التنمية والاقتصاد. 
 



زر الذهاب إلى الأعلى