تقدير موقف

مداولة سياسية بين كُردستان وبغداد اساسها المستحقات المالية

 

أسبار-وحدة تحليل السياسات:
بعد جولات مكوكية من المفاوضات، توصلت الحكومة المركزية العراقية إلى اتفاق مبدئي حكومة إقليم كُردستان العراق، بشأن حقوق الإقليم المالية الميزانية المركزية العراقية. إذ توافق الوفد التفاوضي الكُردي، المؤلف من وزراء الإقليم الاقتصاديين والخدميين، مع المجلس الاقتصادي العراقي، المؤلف من وزراء النفط والمالية والتخطيط في الحكومة المركزية، إلى اتفاق يقر على حقوق إقليم في ميزانية العام 2020، بطريقة تُغطي كامل رواتب جميع الموظفين العامين في الإقليم، بما في ذلك المحولين للتقاعد، شريطة أن يبدأ الإقليم مباشرة، اعتباراً من 01/01/2020 بتسلم شركة تسويق النفط العراقية الوطنية (سومو) كمية 250 ألف برميل نفطي يومياً. 
كان الطرفان قد توصلا إلى أتفاق شبيه بهذا قبل عاماً واحد، لكن التنفيذ خضع للكثير من المُعيقات، لم تُسلم حكومة إقليم كُردستان الكمية المتفق عليها من النفط وقتئذ، وعملت الحكومة المركزية على قطع قيمة تلك الكمية من حصة الإقليم من الميزانية المركزية.
معيقات تقليدية قد تستعاد 

 

لا يعني الاتفاق المبدئي بين الطرفين بأن الأمور ستتيسر بينهما بسلاسة، فهذا الاتفاق أنما كان استباقاً لإقرار ميزانية العام القادم فحسب، وأن نفس المُعضلات قد تعيق تنفيذ الاتفاق بين الطرفين، وإن حسب توازنات وظروف حديثة بين الطرفين. 
•    فحكومة إقليم كُردستان ستطالب أن يكون تسليم النفط يجب أن يترافق مع التزام الحكومة المركزية بدفع مستحقات الشركات النفطية العالمية التي بذمة حكومة الإقليم، وهو أمر كانت ترفضه الحكومة المركزية، معتبرة بأن تلك الديون جاءت على خلفية اتفاقيات نفطية وقعتها حكومة إقليم كُردستان دون العودة إلى الحكومة المركزية، وهي يجب أن تتحمل تبعات ذلك.
•    ستسعى الحكومة العراقية لأن تقتطع مبالغ مالية من حقوق الإقليم المالية، فيما لو تتم تسليم الكمية النفطية المتفق عليها. وهو ما سيعني فعلياً عدم تقديم الحكومة المركزية لأية مبالغ مالية لحكومة الإقليم. 
•    سيصعد الإقليم المناقشة بشأن حصته "العادلة" من الميزانية المركزية. فالإقليم يصر على الحصة المتوافق عليها سياسياً بينه وبين الحكومة المركزية هي 17% من الميزانية المركزية، وأنها بقيت كذلك لعدة سنوات، إلى أن خفضتها حكومة رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي إلى 12.67% من الميزانية، بأسلوب كيدي من حكومة إقليم كُردستان، بعد إجراءات استفتاء الاستقلال. ستطالب حكومة الإقليم أن تتم الحسابات بين الطرفين على تلك القاعدة، إلى حين إجراء الإحصاء الوطني العام في البلاد، الذي سيحدد نسبة سكان الإقليم إلى عموم سكان العراق. 
•    سيعيد الطرفان النقاش بشأن حقوق الإقليم من كمية النفط التي تطرحها الحكومة المركزية للاستهلاك الداخلي. فالمراقبون الأكراد يقولون بأن انتاج الحكومة المركزية اليومي يبلغ حوالي 4.5 مليون برميل نفط يومياً، تصدر منه فقط 3.5 مليون برميل، وتسخر قرابة مليون برميل للاستهلاك المحلي. لا يحصل إقليم كُردستان على أية حصة من تلك الكمية المحلية، والمقدرة بحوالي 150 ألف برميل يومي. وهو ما تطالب الحكومة المركزية بأن يتم حسمه من الكمية التي يجب أن تسلمها حكومة الإقليم للحكومة المركزية.
•    تطالب الحكومة المركزية بالحصول على كافة الإيرادات الاتحادية التي تجنيها حكومة إقليم كُردستان العراق، سواء موارد المنافذ الحدودية، أو الضرائب التي تفرضها الحكومة على النشاطات التجارية والصناعية الداخلية، أو مختلف ضرائب الخدمات العامة. حيث ترى حكومة إقليم كُردستان بأن دفع تلك المترتبات أنما يجب أن يسبقها التزام الحكومة المركزية بعدد المتطلبات تجاه الإقليم، في القطاعات الصحية والتعليمية والخدمية، التي هي من واجبات السُلطة المركزية. 
•    تطالب حكومة إقليم كُردستان العراق من الحكومة المركزية تعويضاً عن التزام حكومة الإقليم تجاه قرابة مليوني لاجئ ونازح عراقي في الإقليم، الذين تقول حكومة الإقليم بأن قيمة ما تقدمه لهم من خدمات تعليمية وصحية وأمنية قرابة ملياري دولار سنوياً. 
•    ثمة الخلاف التقليدي بين الطرفين بشأن قيمة المصاريف الاتحادية السيادية، التي تُحسم من الميزانية المركزية قبل إعطاء الإقليم حصته من الميزانية العامة، وبالتالي تحسم من حصته من تلك الميزانية. الميزانية السيادية العراقية التي تصرف على الجيش والتسلح والأجهزة الأمنية، والتي تُقدر بقرابة 20% من الميزانية العامة، ترى حكومة إقليم كُردستان العراق بأنها توزع على قطاعات لا يستفيد منها إقليم كُردستان، ولا تعطي لما يوازيها في الإقليم، بالذات لقوات البيشمركة وتسليحها، وهو ما تراه حكومة الإقليم هضماً لحقوق الإقليم المالية من الميزانية السيادية. 

 

أغلب الظن، ستندلع مداولة سياسية طويلة بين الطرفين طوال الشهور القادمة، لضبط العلاقة المالية/السياسية بين الطرفين، حسب تلك المُتطلبات المُتبادلة بينهُما من طرف، وحسب التوازنات والأحوال التي يمر به الطرفان، إي الحكومة المركزية وحكومة إقليم كُردستان العراق، على المستويات الداخلية والإقليمية، وحتى الدولية. فتلك الظروف والتوازنات ستحدد كيفية استقرار العلاقة بينهُما. 
تعزز الوضع الجيوسياسي لإقليم كُردستان
كانت العلاقة المالية/السياسية بين الطرفين قد مرت بطورين متمايزين تماماً. 
الأولى تمتد مُنذ العام 2005 وحتى العام 2014، كان إقليم كُردستان داخلاً في شراكة استراتيجية مع القوى المركزية العراقية "الشيعية"، يحصل على 17% من الميزانية المركزية العراقية، وتقدم لها السُلطة المركزية كافة التسهيلات لتنمية أحواله الداخلية، مقابل قبول إقليم كُردستان لهيمنة هذه القوى المركزية على القرار الاستراتيجي العراقي، وتشكيل قوة هيمنة على باقي مناطق العراق. 
الثانية تمتد مُنذ العام 2014 وحتى العام 2018، أي خلال السنة الأخيرة من حكومة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وطوال مُدة رئاسة حيدر العبادي لمجلس الوزراء. فقد اعتبرت الحكومة المركزية العراقية أن توقيع حكومة الإقليم لاتفاقيات نفطية مع الشركات العالمية دون سُلطاتها ومراقبتها، أنما تشكل مخالفة دستورية، وبذا قطعت الحكومة المركزية ميزانية الإقليم المالية. تفاقم الأمر عقب هجوم تنظيم داعش على إقليم كُردستان، في صيف العام 2014، وتدهور الأوضاع الأمنية في عموم البلاد، مما سمح للحكومة المركزية أن تعتبر بأن القضاء على داعش هو مهمتها الاستراتيجية الوحيدة، دون أي التفات لحقوق الإقليم المالية والسياسية. وصل التصعيد بين الطرفين لذروته في خريف العام 2017، حينما أصر الإقليم على إجراء استفتاء الاستقلال، فذهبت السلطة المركزية إلى تنفيذ حصار جوي واقتصادي وسياسي على الإقليم، بتوافق إقليمي وغض نظر دولي. 
شكلت انتخابات العام 2018، ورئاسة عادل عبد المهدي لمجلس الوزراء، شكلت مناسبة ليستعيد الطرفان نوعاً من الثقة المتبادلة. لكن خلال نفس الفترة، تمكن إقليم كُردستان العراق من إعادة تموضعه في اللوحة الداخلية والإقليمية والدولية، وهو ما منح الإقليم مزيداً من الثقة في النفس في مقاربة العلاقة مع الحكومة المركزية. 
ثمة أربعة مستويات لاستراتيجية الإقليم لخلق التوازن مع الحكومة المركزية

 

1-    خط الإقليم شبكة من التوافقات الاقتصادية/النفطية، لبعث الاستقرار إلى قطاعه النفطي، وتجاوز أزمة الديون النفطية من طرف، ومحاولة الحكومة المركزية لسحب شرعية تصدير الإقليم للنفط. فقد وثق الإقليم علاقته مع روسيا في قطاعي الغاز والنفط، ولمدى طويل الأمد. كذلك فأن الإقليم خط توافقات مع الشركات النفطية التي كانت تملك تنازعات مالية معها، مثل شركة دانا غاز الإماراتية، التي كانت الطرف الأكبر الذي يملك ديوناً على الإقليم. 
2-    تمكن الإقليم من إعادة ضبط علاقاته الإقليمية، بالذات عبر إعادة التوازن بين النفوذين التُركي والإيراني، وتجاوز أزمة الاستفتاء التي كانت. فالزيارات المكثفة التي قام بها رئيس وزراء الإقليم ومن ثم رئيس الإقليم نيجرفان البارزاني إلى كلا الدولتين، تمكنت من إعادة ضبط تلك العلاقة من جديد، بعدما كانت الحكومة المركزية تستفيد من ضغطهما على الإقليم لصالحها. 
3-    أعاد الإقليم الحيوية لموقعه كقوة توازن بين القوى الشيعية المركزية الحاكمة، بعدما كانت جميعها، ومعها باقي القوى العراقية، قد توحدت في مواجهة الإقليم. بعد انتخابات العام 2018، وانبعاث كتلتي البناء وسائرون "الشيعيتين"، فأن الإقليم صار قوة مُرجحة بينهُما، وهو ما منحه طاقة وقدرة تحرك سياسية. 
4-    تراجع ثقة القوى الدولية بالقوى المركزية العراقية، بالذات الولايات المُتحدة، التي صارت تعتقد بأن هذه القوى أنما صارت تنفذ استراتيجية إيران في العراق. هذا الأمر دفعها لأن توثق علاقتها مع الإقليم. كانت تفاصيل برنامج وزارة الدفاع الأميركية لعام 2020 مؤشر أولي على ذلك، حيث خصصت مبالغ مالية خاصة لتدريب قوات البيشمركة، تجاوزاً لما تنفذه مع الحكومة المركزية. وكانت زيارة نائب الرئيس الأميركي الأخيرة إلى إقليم كُردستان العراق، دون العاصمة بغداد، كانت مؤشراً على ذلك. 

 

توتر أحوال المركز
تشكل التظاهرات المندلعة راهناً في العاصمة بغداد والمناطق الجنوبية من العراق تحدياً كبيراً لأحوال القوى المركزية العراقية والحكومة الاتحادية. هذه التظاهرات التي تُعد مؤشراً على تراجع حالة الاستقرار في المركز، فأنها ثلاثة ديناميكيات رئيسية في المشهد السياسي المركزي: 
1-    تحول الحكومة المركزية إلى حكومة تصريف أعمال طويلة المدى. فتقديم رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي لاستقالة حكومته حولها بحكم القانون إلى حكومة تصريف أعمال، في وقتٍ تشهد فيه القوى السياسية العراقية أشد حالاتها استقطاباً، ويُستبعد أن تتوافق على أية شخصية أو برنامج سياسي للحكومة المركزية. 
هذه المدى الطويلة "المتوقعة" لبقاء الحكومة المركزية في حُكم تصريف الاعمال، وبذا توقف جميع المشاريع والخطط الاستراتيجية التي كانت تسير عليها الحكومة، ومنها تلك التي مع إقليم كُردستان. 
2-    وصول العُنف إلى مستويات قياسية، وهو ما يهدد بأن تأخذ هذه التظاهرات شكلاً من العنف المفتوح، بين طبقات وقوة ومراكز هيمنة مُتداخلة، خصوصاً في المناطق الجنوبية، وفي وقت لا تملك فيه القوى السياسية رؤية مبدئية للاستجابة لمطالب المتظاهرين. 
هذا العنف المفتوح، فيما لو أخذ مساراً تصاعدياً، فانه يُهدد بأن تتطابق أحوال المناطق الجنوبية من العراق بحالة التدهور الذي فيه المناطق الغربية، وبذا طرح مناقشات سياسية بشأن علاقة مختلف المناطق بالمركز. 
3-    حدوث شرخ واضح بين المليشيات المسلحة المرتبطة بإيران، وبين المجتمعات المحلية في بغداد وباقي المناطق الجنوبية من البلاد. هذا الشرخ الذي لا يُمكن حله بطريقة توافقية، وهو ما يهدد بأن تقوم به هذه المليشيات بحملات قمع مفتوحة بحق هذه الطبقات المنفضة ضدها. 
أن هذا الشرخ أنما يمثل الوجه الأكثر قسوة ومباشرة لما يُمكن أن تتجه إليه أحوال المناطق المركزية من النظام السياسي العراقية. 

 

مخاوف الإقليم من أحوال المركز
أن تدهور أحوال المركز، مقابل تعزز الوضع التفاوضي لإقليم كُردستان، لا يعني بأن الإقليم لا يملك مخاوف حقيقية من فقدان ما الزمت به الحكومة الحالية بشأن الحقوق المالية، وما توصلت إليه بشأن مستحقات العام القادم في ذلك الإطار. 
تتوزع مخاوف الإقليم في ذلك الإطار على ثلاثة مستويات: 
1-    أن تتوافق القوى العراقية على شخصية سياسية غير متعاونة مع الإقليم، قريبة من خيارات رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي كان يسعى لخلق استقطاب مركزي في مواجهة إقليم كُردستان. 
2-    تغيير الدستور العراقي بطريقة غير توافقية، وبذا تفكيك الكثير من مكامن قوة الإقليم المتأتية من الدستور. بالذات المادة 140 التي تُحدد آلية حل مسألة المناطق المُتنازع عليها، وكذلك المقدمة التي تعبر أن العراق مؤلف من القوميتين العربية والكُردية بالأساس، وتشكيل مجلس الاتحاد المؤلف من الحساسيات العراقية المختلفة. 
3-    توقف صادرات العراق النفطية، وبذا فقدان المركز القدرة على دفع مستحقات الإقليم المالية، وتحمل المزيد من الديون الخارجية، التي ستكون ذات تأثير مستقبلي على مستحقات الإقليم وموارده المالية ووضعه الاقتصادي.  
  
خلاصات
ثمة أربعة خلاصات للعلاقة المالية/السياسية بين إقليم كُردستان والحكومة المركزية خلال العام القادم: 
1-    سيتوصل الطرفان إلى اتفاق مبدئي شبيه بالتوافقات السابقة، شريطة تأجيل كامل لوحة الخلافات لأقصى مدى ممكن، بالذات إلى مرحلة تشكيل حكومة مركزية مستقرة نوعاً ما. 
2-    سيكون الإقليم حريصاً لتوقيع اتفاق مع حكومة رئيس الوزراء الحالي عادل عبد المهدي، حتى لو كان في مرحلة تصريف الأعمال، حتى يكون مُلزماً لأية حكومة قادمة، التي قد لا تكون إيجابية مع إقليم كُردستان. 
3-    سيتجه النظام السياسي في العراق إلى مزيد من اللامركزية، خصوصاً في مسألة توزيع وإدارة الموارد، وهو ما سوف يكون لصالح إقليم كُردستان مستقبلاً، لكن الوصول لتلك المرحلة أنما ستمر بصعوبات كثيرة قبل ذلك، وسوف تؤثر على استقرار علاقة الإقليم بالسُلطة المركزية. 
4-     ستلجأ أية حكومة مركزية عراقية لأن تمنح إقليم كُردستان المزيد من السلاسة بشأن تصدير النفط، لأن ذلك قد يسمح لهذه الحكومة المركزية تصدير جزء من نفطها عبر شبكات تصدير الإقليم للنفط عبر تركيا، بالذات نفط منطقة كركوك. كذلك فأنه سيخفف من متطلبات الإقليم المالية من الحكومة المركزية. 
المراجع

 

1-    https://www.cnbc.com/2019/11/22/reuters-america-kurds-could-start-oil-deliveries-to-baghdad-in-2020–iraqi-minister.html
2-    https://www.al-monitor.com/pulse/originals/2019/11/iraq-kurdistan-constitution-protests.html
3-    https://www.aljazeera.com/news/2019/11/iraqi-kurds-part-protests-191111125744569.html
4-    https://www.irfaasawtak.com/a/519513.html
5-    https://aawsat.com/home/article/1990956/%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%B2%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF-%D9%84%D9%85%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B4%D8%A9-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%88%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%83%D8%B1%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%BA%D9%8A%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85
 



زر الذهاب إلى الأعلى