ذات صلة

الأستانا بين التحالفات الإقليمية والمصالح الدولية

 

في بداية عام 2017 وقبل تنصيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية سارعت روسيا وتركيا اللاعبتان البارزتان في الملف السوري لتحقيق تقدم سياسي بين أطراف النزاع، ضمن مناطق المعارضة السورية المشتعلة ومحيطها بالدرجة الأولى، والتوسع ليشمل فيما بعد الجغرافيا السورية بشكل كامل في الدرجة الثانية، يُستثنى من ذلك مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومواقع جبهة فتح الشام(جبهة النصرة) اللتان تتوافق عليهما الدول كافة بوجوب الاستئصال من سوريا بشكل كامل في المرحلة القادمة، التي تشهد ترتيبات سياسية قد يكون أبرزها بقاء نظام بشار الأسد كلاعب أساسي في الحرب على (الإرهاب)، وربما التخلص من التنظيمات الإسلامية المتشددة هي النقطة الوحيدة التي تتوافق عليها الدول الإقليمية في الوقت الحالي كخطوة أولى، بغض النظر عن الاختلاف في الأساليب والأدوات والشركاء أو حتى حول الأولويات حسب المناطق؛ بالنسبة لتواجد هذه التنظيمات.

صلاح الدين بلال – مدير مركز أسبار للدراسات والبحوث

في حين يبقى العمل على التقدم في الحل السياسي غاية الدول الفاعلة في الملف السورين والتي تتقدمها تركيا وروسيا مع تراجع في الدور الأوربي – الأمريكي؛ نتيجة تحييدهما بشكل أو بآخر من قبل الروس مستغلين بذلك مشاكل اقتصادية وأمنية تعصف بالاتحاد الأوروبي من جهة والانتخابات الامريكية من جهة ثانية، والتي جعلت من هذه الأحلاف تغيب عن الظهور بشكل علني في المفاوضات السياسية والمقررة في 23 من شهر كانون الثاني/ يناير 2017، في العاصمة الكازاخية الأستانا، مع بقاء فرصة جيدة للدول الفاعلة الأوروبية والولايات المتحدة فن التدخل في الشأن السوري مجدداً من خلال اجتماع جينيف المقرر عقده في 8 فبراير شباط القادم.

 

وبشكل عام ليس هناك أي جديد يمكن توقعه في جدول مباحثات الأستانا من حيث المشاورات أو التقدم في الخطط المرحلية السياسية والعسكرية دون التوافق حول أرضية مشتركة تتم بناءً على خطط سياسية مستقبلية، وتبدو أن الأرضية المشتركة التي تتوافق عليها الدول الراعية لمؤتمر أستانا هي وقف إطلاق النار في سوريا بشكل رئيسي، والتي تعتبرها الدول الضامنة لأطراف النزاع في سوريا مقدمة لكافة الأطراف من أجل الانتقال لتأسيس مجلس عسكري مشترك لمحاربة المتشددين والاتفاق على أطر الحل السياسي المستقبلي بناءً على إجراءات كسب الثقة بين الأطراف المتصارعة في سوريا قد تكون أستانا هي المدخل إليها.

 

وبالنظر لموقف الدول الإقليمية من اجتماعات الأستانا، فلا تجد إيران والولايات المتحدة الأمريكية أي أطر جديدة للعمل فيها مع موسكو بشأن سوريا وخصوصاً بعد المحاولات الحثيثة التي قام بها فريق الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما على مدى أربع سنوات من أجل إيجاد صيغة مرضية للجميع، لكن النتيجة كانت الفشل باستثناء نجاح وحيد ومنقوص عام 2013، والذي كان يتضمن التخلص من الأسلحة الكيماوية التي يملكها النظام السوري وبشكل جزئي دون معرفة التفاصيل الكاملة حول الاتفاق. وبالمحصلة فان الأمريكيين يبدون أكثر واقعية في الوقت الحالي ويعملون على رسم سياسة تنتفي فيها الأفعال السلبية التي كانت تتلخص بوقوف الولايات المتحدة بعيدة عن المشهد السياسي والعسكري في ظل تحقيق الأهداف التي تسعى لها موسكو في الإبقاء على حليفها في الشرق الأوسط على رأس الحكم في سوريا، وانتقلت الأهداف السياسية بشكل واضح نحو تحقيق أهداف إيجابية لواشنطن، يمكن وصفها بأنها سياسيات أكثر عملية من خلال تطويق المعسكر الحليف للنظام السوري واعتماد اللهجة العسكرية في الحديث عن أي حل في سوريا من قبل الأمريكيين في حال لم ينجح الحل السياسي، وتحديداً التلويح بالتصدي لطهران وإطلاق يد إسرائيل للشروع بالعمل العسكري.

 

كما أن إيران التي باتت تتوقع الأسوأ في سوريا، يبدو أنها تعتمد على سياسة منفتحة داخل الجغرافية السورية فالتهديد بالقوة العسكرية من طرف، يُسايرها جهد حكومي إيراني واضح في الحصول على أكبر قدر ممكن من الصلاحيات داخل الأراضي السورية؛ من خلال توسيع النفوذ الاقتصادي والسياسي والذي تواجه من خلاله إيران أي تغيير في المواقف الدولية التي قد تطيح بالنظام السوري، كما أن طهران باتت لا تنظر فقط لمصالحها في سوريا بل لمصالح حلفائها بشكل أكبر حيث باتت تدعم وبشكل كبير العمل التنظيمي والوجودي لحزب الله من خلال ترسيخ وجود هذه القوات حول دمشق وبالقرب من حمص، وهذا إن دل على شيء، فيكون على نظرة إيرانية مستقبلية واضحة حول عدم التراخي في الحديث عن حقها في النفوذ في سوريا في المستقبل القريب.

 

ومن ناحية أخرى فان تركيا اللاعب الأساسي في مؤتمر أستانا، والتي يمكن وصفها بأنها عراب المعارضة في التواصل مع موسكو، تبدو أكثر الدول حلولاً في الخروج من العزلة المفروضة أوروبياً وأًمريكياً، بعد فشل الانقلاب عام 2016؛ حيث تسعى أنقرة من خلال الأستانا، لفرض نفسها كلاعب أساسي في المسألة السورية، وتسعى من خلال هذه المسألة النفاذ في المباحثات التي سيتم عقدها في جينيف لاحقاً نحو الأوروبيين، والتي ستتم تحت مظلة الأمم المتحدة كما تسعى أيضاً للتلويح دائماً، بورقة اللاجئين على أراضيها من خلال السماح لهم بالتوجه نحو أوروبا، كما تبقى هناك عصا غليظة تحملها تركيا على الولايات المتحدة الامريكية من خلال التهديد الصادر نحو القوات الكردية الحلفاء الأقوى لواشنطن في سوريا.

 

وبنظرة أشمل، يمكن القول إن الدول العربية وعلى رأسها قطر والسعودية، باتت دول غير أساسية فيما يجري حالياً بسوريا، وباتت تنظر الى النتائج بغض النظر عما يحدث قبيل أي مباحثات، وباتت تتطلع إلى الأساسيات والمنطلقات التي تنطلق منها الولايات المتحدة الأمريكية على أنها رؤية واضحة، وستكون بالنهاية هي التي سيتم اعتمادها؛ نظراً لتصريحات عدة مسؤولين غربيين وهي ثلاث منطلقات "دعم وقف اطلاق النار في سوريا والذي بات متزعزعاً نتيجة عدم التزام بعض الأطراف العسكرية به في سوريا، وضمان تأمين المساعدات الإنسانية الطارئة بشكل افضل وأكثر حيادية، كما والعمل على وقف أي عمل عسكري قد يستهدف المنطقة الجنوبية في سوريا والمنطقة الشمالية والتي من شأنها إن حدثت أن تجعل من تدفق مئات الآلاف من السوريين نحو تركيا والأردن وبذلك تفاقم الآزمة الإنسانية التي لم تقدم أي دولة فاعلة في الشأن السوري رؤية واضحة حولها".

 

كما أن الدول المساهمة في أستانا، والدول غير المشاركة، تبدو أكثر اتفاقاً حول نقطة محاربة المتشددين الإسلاميين، بالرغم من وجود خلاف ممنهج حول شمولية العمليات العسكرية وسرعة هذه العمليات والأطراف، وقد يفتح هذا الأمر مجالاً عميقاً للنقاش؛ فلن يتوقف الأمر عند غارة أمريكية هنا وروسية هناك، بل سيتوسع إلى فتح مجال الشراكة في العمليات العسكرية أو على الأقل تنسيق عدم التصادم بين كافة القوى التي تريد محاربة المتشددين في سوريا، مثلما حدث سابقاً بين الروس والامريكيين، وهنا يمكن النظر بشكل أوسع إلى هذه الشراكات؛ حيث أن مجرد الاتفاق على العمليات العسكرية المشتركة بين الدول لمحاربة الإسلاميين سيفتح المجال للتنسيق مع جيش النظام السوري ووحدات المعارضة المسلحة ما سيجعل النقاش مفتوحاً لتنسيق العمل العسكري بين المعارضة والنظام برياً.

 

ومن خلال الاتفاقيات التي يتم الإعداد لها من الناحية العسكرية، يظهر بوضوح أن أهداف الدول مجتمعة هو إبعاد الخطر السوري عن هذه الدول، ويبدو أن نقطة الاتفاق التي تسعى لها الدول؛ هي كسر تنظيم الدولة الإسلامية في عاصمته الرقة السورية، والعمل على الابتعاد عن أي إشكالات قد تصيب القوى المتحالفة، لا سيما النظام السوري والمعارضة والأتراك والقوات الكردية، بغض النظر عن توقيت هذا التنسيق، وبغض النظر عن العمل على التخلص من القوات المتشددة والأقل تشدداً كمرحلة لاحقة.

 

لكن يبقى هناك إشارات استفهام عديدة حول دور القوات الرديفة التابعة للنظام السوري وعلى رأسها حزب الله والوحدات القتالية المتعددة الجنسيات التي تحارب بجانب قوات النظام السوري وما سيدور في أستانا، حول دور هذه القوات مستقبلياً في ظل تفاهم على ضرورة دعم جيش النظام السوري بقوات المعارضة، ما سيجعل قوات حزب الله والقوات الرديفة غير ضرورية في سوريا، وهذا ما أشارت له التصريحات الامريكية مؤخراً، بشكل متكرر وتصريحات روسية مشابهة صدرت عن مسؤولين في الكرملين، ما يفتح الباب لنقاش واسع حول دور القوات العسكرية كافة في سوريا وضرورة التمييز بين دور القوات الروسية والقوات الإيرانية والقوات الرديفة لجيش النظام السوري المتعددة الجنسيات، وهذا ما سيجعل فكرة وجود قوات فصل دولية بين مناطق النفوذ امراً مطروحاً وبشدة في المستقبل المنظور، لاسيما من خلال التمهيد لهذا الأمر من قبل روسيا وتركيا وخصوصاً بالشق المتعلق بمناطق الاكراد ما سيخلق طمأنة للأمريكيين الساعين للحفاظ على نفوذهم العسكري عبر الاكراد.

 

ومن جهة أخرى فهناك توجه روسي للحصول على نتائج جيدة من خلال رسم خارطة طريق مدعومة من الدول الحليفة في أستانا، من أجل إدخال الولايات المتحدة الامريكية مرغمةً، ضمن هذا التحالف مقابل  دفع موسكو لواشنطن عبر إدخالها في هذه الحلول مقابل تخفيف العقوبات أو على الأقل تخفيف الضغط الاقتصادي الأوروبي على موسكو وهذا ما تسعى له روسيا من خلال إقناع تركيا باللعب على وتر التحالف او الحرب مع القوات الكردية الحليفة لواشنطن في ظل وجود عدد خيارات أمام موسكو، فإما دعم تركيا في الحرب ضد الأكراد وإما إدخال الأكراد في الحلف الدولي المشترك لمحاربة المتشددين.

 

الدور السياسي للمعارضة السورية في أستانا:

 

منذ عام 2012، هناك توجه كامل للإمساك بزمام الأمور من قبل المجلس الوطني أولاً، ومن ثم عبر الائتلاف السوري المعارض بعد أن أصبح الواجهة السياسية للمعارضة في الخارج وباتت كافة الاجتماعات الإقليمية السياسية حول الملف السوري مدرجة ضمن جدول أعمال الائتلاف بالرغم من وجود هيئات سياسية أخرى طفت على الواجهة السياسية والإعلامية كهيئة المفاوضات العليا التي أنشأتها المملكة العربية السعودية والتي تعتبر مرجعيتها هي ذات مرجعيات الائتلاف السياسية ويعتبر معظم أعضائها هم جزء أساسي من الائتلاف السوري المعارض، لكن ما يجمع هذه التشكيلات المعارضة الفاعلة في الخارج هم طرف واحد يظهر بوضوح لكافة المتابعين للشأن السوري؛ وهو ما يمثل جماعة الاخوان المسلمين الذين باتوا على رأس كافة التشكيلات السياسية المفاوضة في الشأن السوري مرتكزين في هذا على تفاهمات سابقة بدأت عام 2013، مع طهران وتطورت مع موسكو عام 2015 ومستغلين بذلك الدعم المالي القطري والدعم السياسي التركي ما أعطى لأفراد الجماعة الدور السياسي الأكبر في المفاوضات الحالية من خلال امتدادهم الداخلي عسكرياً ومدنياً وسيطرتهم على القرار السياسي كأكثر الجماعات نفوذاً أو يمكن القول إنها الوحيدة الفاعلة في صفوف المعارضة السورية.

 

ويظهر من خلال التصريحات الخاصة بالحكومة التركية وأسماء الوفد الممثل للمعارضة السورية أن الاخوان المسلمين لهم حصة الأسد بأكثر من 20 عضواً عسكرياً وسياسياً من المنظمين ضمن الجماعة كأعضاء أو هم من العاملين مع الجماعة  ضمن الوفد الذي حضر المباحثات، ويعود الفضل في طغيان هذه الأسماء إلى الحكومة التركية؛ لسببان الأول يتعلق بمدى وثوق الحكومة التركية بهؤلاء الأفراد من جهة والطرف الثاني هو رغبة أنقرة بوضع كافة الثقل السياسي المعارض ضمن اجتماع أستانا لضمان تنفيذ ما سيرشح عن هذا الاجتماع، كما أن نجاح الاخوان سابقاً في عملية إخراج المدنيين من حلب أعطى الاتراك ثقة أكبر بهم وباتوا الطرف السياسي الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه مستقبلاً.

 

ومن وجهة النظر الواقعية، يمكن القول إن الخطط البديلة عبر المؤتمرات المتلاحقة إن كانت في جينيف أو في الأستانا، تبقى ضمن الخطط الاستراتيجية للدول المتصارعة حول النفوذ في سوريا، لا سيما الروس والأمريكيين حول ضم أحدهما للمعسكر الآخر، ويبقى للروس نقطة متقدمة على الأمريكيين تتلخص في حشد السياسيين والعسكريين المعارضين ضمن بوتقة واحدة ويبقى للأمريكيين نقطة أيضاً تتلخص في إرادة أمريكية في التدخل مباشرة في الشأن السوري كان قد أعلن عنها مستشار ترامب وليد فارس.