ذات صلة

أبعاد التدخل العسكري الأردني في سوريا (الأثر الإيجابي الإقليمي)

 

في 3 شباط/ فبراير 2017، نشرت الوسائل الإعلامية الرسمية الأردنية، معلومات عن تنفيذ الطيران الحربي الأردني لغارات هي الأولى من نوعها في سوريا من حيث تبني العملية من جهة، ومن حيث النشر في الوسائل الرسمية الإعلامية الأردنية من جهة ثانية، فكافة العمليات العسكرية الجوية الأردنية تعمل تحت قيادة قوات التحالف المشاركة في عمليات التخلص من قوات تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، وتبعث هذه العملية الخاطفة لسلاح الجو الملكي الأردني تساؤلات عن توقيت العملية والدوافع التي كانت خلفها ومدى فعاليتها وجدواها في ظل وجود عمليات مماثلة في شمال سورية من قبل التحالف الدولي.

 

الوقائع العامة التي سبقت التدخل العسكري الأردني:

لم يكن التدخل العسكري الأردني المنفرد في سوريا مبنيا على رغبة المملكة فقط أو تنسيق من جانب واحد؛ بل إن اجتماعات أردنية سورية قد سبقت هذا التدخل تتلخص بزيارة وفد عسكري سوري رفيع المستوى إلى عمان مكون من ضباط من هيئة أركان النظام السوري، وضباط من مكتب "الأمن الوطني السوري" بداية عام 2017، ولم تكن لتمضي بضعة أيام على الزيارة حتى أعلنت الوسائل الإعلامية الأردنية عن هذا التدخل.

وفي هذا الجانب، أكدت مصادر غير رسمية مرتبطة بالنظام السوري أن التدخل العسكري الأردني لن يقتصر على القوات الجوية الملكية فحسب، بل ربما سيكون هناك سيناريو مماثل للتدخل البري التركي شمال حلب، في جنوب البلاد وذلك في حال كان الأردن قادراً على الضغط على فصائل الجبهة الجنوبية للدخول في تحالف عسكري معها ضد التنظيمات المصنفة على قوائم الإرهاب المنتشرة جنوب سوريا ووسطها، هذا التحالف الذي يمكن أن يتحول مستقبلاً – وفق ما جاء في البيان الختامي لمؤتمر الأستانا – للتنسيق مع النظام السوري في الحرب ضد الإرهاب.

ومثل هذا السيناريو يتعلق بمدى قدرة النظام السوري على بناء تحالف مع الأردن في ظل سيطرة إيران على القرار الرسمي له، وتوسع نفوذها في المنطقة إثر ذلك، ومدى قدرة عمّان على كبح الأطماع الإيرانية في الأردن.

ويبدو أن الأردن تسعى لكسب شرعية لتدخلها العسكري في سوريا، فعدا عن تنسيقها السابق مع روسيا الذي جرى على أعقاب تدخل هذه الأخيرة العسكري في البلاد، تأتي زيارة العاهل الأردني إلى الولايات المتحدة والتي التقى خلالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتفتح المجال لدور للملكة في محاربة الإرهاب بشكل أوسع لا سيما وأن الاجتماع ركز على ضرورة الوصول إلى المعلومات المطلوبة حول تحركات تنظيم الدولة الإسلامية وذلك عن طريق غرفة عمليات التحالف الدولي في المملكة.

 

الأهداف البعيدة الأردنية من التدخل العسكري في سوريا:

لا يبدو أن الهدف الأردني من العمليات العسكرية في عمق الأراضي السورية هو ضمن الأهداف العامة للتحالف في الوقت الحالي، لكن ربما تريد عمّان إبعاد تنظيم الدولة الإسلامية تماماً عن الحدود الأردنية، لا سيما وأن مقاتلوه باتوا أقرب من أي وقت مضى من الشريط الحدودي للملكة، ويبدو ان ناقوس الخطر للأمن القومي الأردني قد دق بعد أن باتت كافة التقارير الصحفية وتصريحات المسؤولين الغربيين تتحدث عن رغبة التنظيم بالتمدد على طول الحدود الشمالية للأردن بعد وصول المئات من مقاتليه الفارين من معارك الموصل إلى سوريا، ورغبة قيادة التنظيم بالاستفادة من زخمهم في توسيع رقعة السيطرة العسكرية وتبدو المنطقة الجنوبية لسوريا هي المكان المناسب لتنظيم الدولة في تحقيق هذه الرغبة.

وربما تقضي مصلحة الأمن القومي للأردن بتطبيع العلاقات مجدداً مع النظام السوري، لكن على المدى البعيد، وذلك لخلق نفوذ عسكري وأمني لها قد يساعدها مستقبلاً في حال تعرضت حدودها الشمالية لأي خطر أمني أو عسكري.

 

الأهداف القريبة الأردنية:

تختلف الأهداف القريبة للأردن عن موقف المملكة السابق والذي كان يدعو بوضوح لحل سياسي للملف السوري، وما كان يرافقه من إصرار على عدم التدخل في الشأن السوري، وبمعنى أدق عدم الغوص في مستنقع التجاذبات الأمنية العسكرية السورية مع الإمساك بالعصا السياسية من المنتصف؛ حيث كانت عمّان تسعى بشكل دائم لإيجاد حل سياسي بموافقة روسية – أمريكية بشكل لا يقلل من مستوى المصالح الأردنية في سوريا، ولم يكن تدخل الأردن في سوريا عام 2014 منفرداً بل كان بناءً على معاهدات عسكرية وسياسية يمكن تسميتها بالضغوط لإجبار المملكة على الدخول في عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية وشاركت عمان ضمن القدرات العسكرية والأمنية واللوجستية التي وفرتها لها الولايات المتحدة الأمريكية بناءً على استراتيجية رسمتها الولايات المتحدة للدول الفاعلة في هذه العمليات على المدى البعيد.

لكن التطور الجديد في هذه العمليات المنفردة يعطي انطباعاً استراتيجياً قد يبدو ناجحاً بشكل كبير للمخابرات الأردنية التي تدرك أهمية توجيه هذه الضربات ليس على المستوى العسكري، بل على المستوى الأمني البعيد كون هذه الضربات هي ضربات استباقية لصد هجمات مستقبلية لمقاتلي التنظيم، على الأقل بالقرب من الشريط الحدودي للأردن وباتت هذه الضربات رسالة شديدة اللهجة من الأردن للتنظيم بعدم الاقتراب أكثر برياً نحو الحدود.

ويضاف إلى ما سبق الزخم العسكري لقوات المعارضة السورية المدعومة أردنياً، في محاربة التنظيم شرق السويداء ونجاحها النسبي في الضغط على التنظيم وإبعاد خطره في الوقت الحالي عن عمّان.

كما أن العملية العسكرية التي نفذتها الأردن ضد مواقع تنظيم الدولة الإسلامية مؤخراً، تحمل رسالة إلى التنظيم بعد الهجمات التي حدثت في الكرك ضد قوات الأمن الأردنية سابقاً، والتي كانت أولى الضربات العنيفة أمنياً للمملكة منذ سنوات، ما نبه مخابرات هذه الأخيرة باقتراب خطر التنظيم أكثر فأكثر ليس فقط من حوض اليرموك في درعا بل من شرق محافظة السويداء الجبهة الأكبر والأوسع والأقوى للتنظيم.

 

البعد الإقليمي للضربة العسكرية:

يظهر بوضوح أن العملية العسكرية الأردنية باتت الحل الأخير شرق السويداء، بعد رفض أغلب فصائل المعارضة السورية في وقت سابق، القيام بعملية عسكرية ضد تنظيم الدولة في حوض اليرموك إضافة لكون المملكة أصبحت تعتقد أن العمليات الجوية الحالية ستكون بشكل مؤقت في الوقت الحالي في ظل رغبتها في الضغط بشكل أكبر على فصائل الجبهة الجنوبية كي تشارك في العملية السياسية في الأستانا عبر ممثلها عصام الريس.

ويبدو أن هذه الفصائل في حال الضغط عليها لن تكون خارج التحالف العسكري الأردني السوري ضد داعش بل ستكون ضمن معسكر التحالف البري الذي قد يكون له الدور الأكبر مستقبلاً وهنا يظهر المعسكر الإقليمي الذي يعمل على ضرب تنظيم الدولة بل يمكن القول إن مثلث العمليات الإقليمية قد اكتمل حيث يظهر من الشمال القوات التركية ومن الشرق القوات العراقية ومن الجنوب القوات الأردنية وباتت الخطوات الإقليمية مرسومة بشكل واضح في اعتماد هذه الدول على تطبيع علاقاتها مع النظام السوري واستخدام فصائل المعارضة للتقدم البري بدعم منها والهدف المركزي هو تطويق التنظيم ومحاصرته وتحجيمه قبل القضاء عليه بشكل يبعد خطره الجيوعسكري المستقبلي.

 

النفوذ المتصاعد:

يبدو من خلال ما يحدث في سوريا أن المستفيد الأكبر سياسياً هو النظام السوري الذي بات يفرض نفسه إقليمياً ضمن المعادلات السياسية مستغلاً تنامي نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية على أكثر من جبهة بالرغم من الضغوطات الدولية عليه، إلا أن وجود التنظيم بات يجعل النظام السوري جزءاً أساسياً من أي تحالف دولي إقليمي ما قد يجعله الشريك المستقبلي لأغلب الدول الإقليمية التي ترى أن التحالف معه أفضل بكثير من تعريض أمنها الداخلي لأي خطر يجعل من هذه الدول ساحة لصراعات شبيهة لما يحصل في سوريا في الوقت الحالي.

ويبدو أن النظام السوري بات يعمل على تطبيق سياسة تقاسم الأعباء من خلال الاعتماد على هذه الدول في المشاركة في ضرب تنظيم الدولة، من أجل تخفيف الضغط العسكري على قواته العسكرية المشتتة على عدة جبهات وهنا يظهر بوضوح توقيت الضربة الحساس في ظل تقدم كبير لتنظيم الدولة داعش على مواقع النظام السوري في دير الزور والذي بات يشكل خطراً حقيقياً على تواجد النظام في أهم المدن الشرقية التي لا يزال يسيطر على أجزاء جغرافية بسيطة منها ما قد يجعل النظام يأخذ نفساً قصيراً لاستعادة قوته هناك.

وبالمحصلة، فإن أي انتصار قد يحدث على تنظيم الدولة الإسلامية في المستقبل سيجعل من النظام السوري شريكاً في العملية بشكل أساسي ما سيعزز من فرص بقائه أو على أقل تقدير (إعادة إنتاجه وتعويمه) في ظل الحديث عن دمج قوات المعارضة السورية مع قوات النظام السوري لمحاربة القوات المتشددة في سوريا.

 

مركز أسبار للدراسات والبحوث | المرصد السياسي