المشهد السوري:
يبدو من خلال تتابع الأحداث في سوريا وما تحمله من تغيرات في المواقف الإقليمية، أن المنطقة قادمة بشكل فعلي على خارطة جيوسياسية جديدة قد تكون مقدمة لبناء أحلاف جديدة تغير من وجه المنطقة من حيث سيطرة القوى الإقليمية وربما انكسار قوى إقليمية أخرى مهيمنة منذ أكثر من عشرين عاماً على مجمل أحداث الشرق الأوسط.
ويبدو ان الملف السوري وما يحمله بين طياته من تطورات ستنجلي بشكل عملي للجميع خلال أشهر قليلة سيكون محورياً في هذه التطورات بل يمكن القول إنه سيكون بداية لإنهاء ملفات عالقة والتوجه من بعض الدول الإقليمية لإنهاء ملفات كبيرة ربما هي أساساً كانت وراء ما يجري في سوريا، ويمكن الذهاب أبعد من ذلك بتوصيف الوضع السياسي القادم على أنه حقبة تصفية الحسابات وإنهاء الصراع وفرز القوى وإظهار المغلوب علناً.
ولعل اكثر ما يجعل الأمور تبدو جليٌة وواضحة هو وجود صراع إقليمي سياسي وعسكري لمدة تزيد عن خمس سنوات في الأراضي السورية لم يجعل أي حلف قادر على انكار خسائره وهزائمه وعدم قدرته على حسم الأمور لمصلحته ما سيعزز الشكوك حول الانتقال لخطوة متقدمة لإنهاء هذا الصراع بشكل مباشر من هذه الدول وسيكون بعد الانتهاء من الازمة السورية بشكل مباشر وهنا تبدو التجاذبات الجيوسياسية واضحة لجميع مراقبي الوضع في سوريا، فيظهر أن تأجيل هذه المواجهة لعدة مرات من بعض الدول التي ستكون ضمن المواجهة المباشرة في أحداث ما بعد الملف السوري غير جاهزة في الوقت الحالي أو المستقبل القريب لهذه المواجهة؛ لذا فإن المساهمة في إطالة عمر الأزمة السورية هو الأفضل بالنسبة لهذه الدول بمعزل عن أي حديث عن دور أمريكي قد يظهر في أيّة لحظة بقرار من ترامب الذي يبدو هادئاً عكس حملته الانتخابية ويعمل على ترتيب أوراقه بشكل جيد، وفي الواقع فهي نقطة محسوبة لصالح الرئيس الأمريكي الذي يريد أن يضع خيوطه في أكثر من مكان كمقدمة لعمل قد يغير وجه المنطقة قريباً.
وبنظرة عامة لواقع الحال فإن الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري تعمل على تجهيز أدواتها الدفاعية والهجومية ويمكن القول إن الحلف الجديد سيكون منقسماً إلى حلفين يحملان معهما الكثير من الجزئيات قد أجد في الفقرات القادمة توصيفاً يحمل من الدقة الواقعية الكثير.
الحلف الإيراني:
وهو الحلف الذي تقوده إيران، وتسعى من خلاله لتعزيز قدراتها الذاتية عبر شقين، أول: ويتضمن تعزيز قوتها العسكرية والاقتصادية لمواجهة أي خطر مباشر في المستقبل، وشق ثانٍ: تسعى من خلاله إيران لبناء قوة عسكرية فعالة وكبيرة تعتمد على مد نفوذها الأمني والعسكري في المنطقة الشرق الاوسط مستخدمةً في ذلك نفوذها الديني (المذهبي) عبر وحدات عسكرية تسمى ميليشيات تمتد من شرق البحر المتوسط وصولاً إلى أفغانستان وباكستان، عبر سلوك علني وآخر سري ونجحت طهران بمد نفوذها في عمق الحلف المستقبلي المقابل لها من خلال مساعدة الحوثيين على بناء قوة عسكرية ضخمة رديفة للإيرانيين في خاصرة السعودية الغربية التي تعتبر من أكثر الدول مواجهة لإيران، وعمل الإيرانيون على بناء هذه القوة لاستنزاف الحلف الذي من الممكن أن يبدأ عمله في أي لحظة منطلقاً من الخليج وجعل كامل رأس الحلف الخليجي (السعودي) منشغلاً بإنهاء ملف الحوثيين وترك الإيرانيين يسيرون في مخططهم في مناطق أخرى.
كما ان ايران تعمل على مد نفوذها أبعد من هذا بكثير وظهر هذا الامر في التحقيقات الاستقصائية الإعلامية والسرية التي قامت بها الولايات المتحدة الامريكية مؤخراً حول نشاط إيران ووحداتها الرديفة العسكرية الشيعية وعلى رأسها حزب الله في أمريكا الجنوبية وظهر بشكل جلي أن ايران قد مدت نفوذها حتى فنزويلا وكوبا وبانما وكاراغوا وباتت تملك قاعدة متقدمة للتأثير على الولايات المتحدة الامريكية مستقبلاً بقاعدة خلف المحيط الأطلسي قد تجعل من الأمريكيين يدخلون في حروب هناك لا تٌحمد عقباها في حال قادت أي معركة غير مضمونة النتائج ضد إيران.
وهنا تبدو استراتيجية هذه الأخيرة أكثر وضوحاً، ويبدو من خلالها العمل الإيراني الجاد على بناء أجسام سياسية وعسكرية في جسم خصومها الحقيقيين أو المحتملين في المستقبل، لذا لابد من التنويه لعمل إيراني جاد على بناء جسم عسكري سري داخل الحدود المصرية مستغلين وجود الشيعة هناك بكثرة، إضافةً لانشغال المخابرات المصرية بحرب كبيرة ضد الإخوان المسلمين وأذرعها المنتشرة على طول الجغرافية المصرية، وكذلك لقدرة طهران على التأثير على إسرائيل التي ستكون على رأس أي حلف قادم ضدها من خلال هذا التمدد في مصر، ولن نبتعد كثيراً فإن الإيرانيين زرعوا جسماً عسكرياً في شبه الجزيرة العربية متمثلاً بالقوات الحوثية، ومد النفوذ العسكري الواضح بالقرب من الجبهة الشمالية لإسرائيل مستغلين الامتيازات التي قدمتها النظام السوري لحركة تنقل القوات الإيرانية هناك لتصبح طهران محيطة بالدول التي تعتبرها ضد المشروع الإيراني في المنطقة.
كما أن إيران التي تلعب على أوتار السياسة الدولية بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ترى نفسها حالياً أمام إدارة أمريكية متعنتة في رأيها بضرورة قص يد طهران في سوريا ولبنان المتمثلة بحزب الله وتحجيم دوره العسكري والأمني، بل ومراقبته في تحركاته بدقة ومنع تطور قدراته التي يعمل عليها من خلال توسعه في سوريا، عدا عن كون إيران ترى نفسها أيضاً أما صراع جيوسياسي مع موسكو في سوريا والتي تبدو حلبة صراع باردة بين الحليفين التقليديين للنظام السوري على مدى أكثر من خمس سنوات حول مد النفوذ والسيطرة الاقتصادية، وهنا تعمل طهران على القفز بين أوتار هذان القطبان لجعل الخيوط السياسية ممسوكة الى حد بعيد من قبل المرشد الأعلى للثورة في إيران وهذا ما قد يجنب طهران مواجهة أي حلف قادم ضدها وحيدة دون أي دعم من الدول الحليفة معها.
الحلف القادم:
وهنا تبدو الأمور معقدة بشكل كبير حيث أن أطراف الحلف القادم، والذي قد يكون الجهة الحاسمة في أخذ القرار السياسي لتغيير وضع المنطقة، جميع أطرافه مختلفون سياسياً لحل المسألة السورية وطريقة التعاطي معها، إلا أنهم مجتمعون حول ضرورة التخلص من النفوذ الإيراني المتزايد في الشرق الأوسط وتقزيمه في قادم الأيام.
ويبدو أن الحلف القادم ستقوده الولايات المتحدة الأمريكية، بالاشتراك مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، بالإضافة لمصر التي تبدو عاملاً مشتركاً روسياً أمريكياً في المعادلة القادمة من خلال استغلال واشنطن مقولة ترامب التي تعني أنه يجب على الخليجيين فتح جيوبهم الان لتخليصهم من الإرهاب المحيط في إشارة واضحة لإيران وقوتها المتنامية، إضافة لإقحام إسرائيل بشكل سري ضمن الحلف؛ حيث أنها تسعى وبشكل جدي للقيام بأي عمل في سبيل منع سقوط الجزيرة العربية (الخزان النفطي) في يد طهران أو وقوعها في الفوضى التي قد تستغله إيران لصالحها أو في السماح لإيران بالتمدد أكثر في مناطق النفوذ الإسرائيلية.
بيد أنه من الواجب أن يتخوف الإيرانيون من هذا الحلف الذي نشأ فقط لمواجهة طهران وكسر نفوذها في الشرق الوسط وليس فقط في مواقع إيران المتقدمة في سوريا والعراق واليمن، بل محاصرتها في لبنان من خلال صفقات التسليح الأمريكية للجيش اللبناني وضرب النفوذ الإيراني في باكستان وأفغانستان وجعل ملف أمريكا الجنوبية من أول أولويات ترامب الموضوعة على ملف الدراسة.
الوقائع والأسباب:
يبدو ان هذه الاحلاف قد تتشكل بشكل تلقائي بعد الانتهاء من الملف السوري وذلك بسبب ترسخ قناعة لدى الدول بعدم جدوى الحرب بالوكالة ونفاذ الخطط البديلة وانتهاء الحديث عن أي خطة قادمة للمواجهة في ظل تنامي الأخطار من الحليفين المستقبليين كل منهما على الآخر. كما أن الاصطفاف الجديد للقوى ضمن معسكرين واضحين الأول بوجود الأمريكيين والسعوديين والاماراتيين والاردنيين والإسرائيليين من جهة والثاني بوجود ايران واذرعها الممتدة عالمياً، من جهة ثانية وبمعزل عن الحديث عن اعتبار الحلف الأول للجماعات الإسلامية السياسية الراديكالية والمتشددة ضمن حلف تدعمه ايران سراً وحشرها مع إيران في المواجهة العلنية والفعلية، إضافة لذلك فإن الولايات المتحدة باتت تعمل بشكل جدي على بناء خيوط للعبة تعمل من خلالها على حصار التمدد الإيراني في المنطقة في البداية ومن ثم الانتقال للمواجهة الفعلية كخطوة ثانية.
وفي المحصلة، إن الدماء التي تسيل في واقع الأمر بسوريا واليمن والعراق ليست سوى فتيل الحرب النهائي الذي سيجعل من المنطقة تدخل في دوامة عسكرية وسياسية كبيرة قد تختلط فيه الأوراق وتنتقل فيها الأعمال من السرية إلى الواقع العملي الذي قد ينهي بشكل فعلي دول بكاملها أو يمحوها من قوائم الدول الأكثر تأثيراً في العالم.
صلاح الدين بلال – مدير مركز أسبار للدراسات والبحوث

