محمد حلاّق الجرف
مقدمة
يجب وضع النّقاش حول العدالة المكانية في سياق تفكيرٍ عامّ حول التعريفات الرّئيسية للعدالة. فما وراء التناقض بين المقاربات النظرية والإجرائية للعدالة، والذي ما زال تناقضاً جوهرياً، هل يمكن أنْ نرى ظهور تطوّرات نظرية جديدة من شأنها أنْ تُثير مسألة العدالة المكانية؟.
التفاوتات الاجتماعية تتمظهر بأشكال مختلفة، ومنها التفاوتات المكانية، وفي سوريا يمكن ملاحظتها من خلال تتبّع تفاوت أماكن سكن الطبقات الاجتماعية، ففي حين يسكن الأثرياء في "كامب باوندز" معزولة بشكل شبه تام عمّا حولها، يعيش المحامون وموظفو التكنوقراط المحظوظون من حملة الشهادات الجامعية في الضواحي الحديثة القريبة من المدن، ويبقى لموظفي الطبقات الأدنى والفقراء ضواحي السكن العشوائي المخالفة، وهذه التفاوتات يتمّ التعامل معها حتّى الآن من دون الرجوع إلى فكرة العدالة.
هذه واحدة من المشكلات الرّئيسة الكثيرة التي ستواجهها سوريا عند وضع خطط إعادة الإعمار، إذْ كيف سيتمّ الدمج بين المكان والإنسان في ظلّ الأرقام المبالغ فيها التي يتمّ ترويجها لإعادة الإعمار (يتحدّث مسؤولو المجتمع الدولي عن تكلفة قد تصل إلى 400 مليار دولار، فيما يؤكّد الباحثون الاقتصاديون الجديون أنّ التكلفة لن تتجاوز حاجز الـ 60 مليار دولار!)، والسّؤال الأهم: هل سيتم تكييف المكان ليبقى في خدمة المواطن السّوري، وليس فقط في خدمة أمراء الحرب؟
إنّ النقاش حول العدالة والظلم هو نقاشٌ أساسي على جميع المستويات، إذْ لا تزال فكرة العدالة فكرةً متعدّدة المعاني"polysemous"، ويتمّ في كثيرٍ من الأحيان أدلجتها والتعامل معها كأداة سياسية أساسية لتحشيد النّاس المختلفين أصلاً حولها. إلاّ أنّنا نفضّل ربط مفهوم العدالة بالحداثة، في مواجهة تفكيكية ما بعد الحداثة، التي تُشكّك في أيّ نضال لأجل العدالة، الأمر الذي تعزّز لدى ظهور العديد من الحركات الاجتماعية، مثل النُسوية، وحركات الخضر وأحزاب البيئة، ومناهضة العنصرية، ومناهضة العولمة. إلخ. والآن في سوريا تتمّ إثارة ذات الشكوك تجاه أيّ خطابٍ أو رمزٍ علماني مناهض للطائفية السّياسية، لذا يحتاج تمييز "العادل" من "الظالم " من "المستبدّ العادل" (كذا!) جهوداً مضاعفة تضيع غالباً في غير مكانها. فمع تنوّع وتعدّد السّوريين، ومع اختلاف ثقافاتهم، وفي ظلّ عبثية الحرب التي يعيشونها، تصبح كل مفاهيم ونتاجات الحداثة، ومن ضمنها العدالة، موضع تساؤل وجودي.

