اللاجئون السوريون ورحلة الخسارات المستمرة
تشير إحصاءات قادمة من هولندا إلى أن أكثر من مئة ألف سوري قد استقروا فيها منهم 2٫5 ألف شخص انتظم في سلك الدراسات الجامعية وقرابة 19 ألف منهم في الابتدائية ونحو 15 ألف في المرحلة المتوسطة والثانوية، وأن عدد الشركات التي سجلت هناك وفق غرف التجارة الهولندية بلغت أكثر من ألفي شركة، كان التعليق اﻷبرز ﻷحد المسؤولين هناك أن اللاجئ السوري هو أفضل استثمار حصلنا عليه في هذه المرحلة.
لا يختلف الحال في مناطق أوربية أخرى رغم وجود شرائح عاطلة ـ ومتبطلة ـ عن العمل لا شك، أو لم تلتحق حتى اﻵن بسوق العمل، وينطبق اﻷمر على بلدان جوار سوريا مثلما ينطبق على أوروبا، بدرجات مختلفة، أسوأها في لبنان واﻷردن، وأفضلها في تركيا ومصر، لكن اﻷكيد أن اللاجئين لم يكونوا عبئاً على الدول المضيفة في كثير من الأحوال، وأن الترداد العنصري لهذا اﻷمر غير صحيح بالمطلق.
حتى صيف هذا العام 2020، وفق اﻷمم المتحدة ومؤسساتها التابعة، كان هناك ما يقرب من 5٫6 مليون سوري جوار البلاد ([1])، لم يعد منهم إلى سوريا، رغم عشرات الدعوات واﻹجراءات سوى أقل من 350 ألفاً وفقاً للأرقام الروسية المعلنة، بما يوضح أن لا نية حاضرة لدى هؤلاء للعودة في ظل استمرار الظروف الحالية، أكان بسبب غياب آفاق الحل السياسي المحلي والدولي كما هو واقعٌ حالياً، أو نتيجة لاستمرار إعادة إنتاج النظام لمنظوماته اﻷمنية والعسكرية والمجتمعية بنفس الطرق التي كانت قبل اندلاع الحراك، ومنها الاعتقالات المستمرة ﻷدنى سبب وفشل المصالحات التي دعمتها روسيا، أو نتيجة للوضع الاقتصادي المتسارع الانهيار وفرض مزيد من العقوبات على دمشق وخاصة قانون قيصر والعقوبات اﻷوروبية، وكلاهما، قد أديا إلى شبه انهيار اقتصادي متسارع في البلاد طال كثيراً من مستلزمات الحياة اليومية مثل الخبز والوقود والنقل والطبابة وغيرها.
هذا في قراءة المستوى اﻷول للأزمة السورية، التي كلما تعمقنا فيها كلما وجدنا أن هناك انسداداً حقيقياً في ملفاتها العالقة وأولها وأخطرها ملف اللاجئين الذي تتوزع إدارته عشرات الدول ولكل منها حسب مصالحها ورؤاها للأزمة السورية نفسها، بما في ذلك دمشق التي عملت على حل مشكلة نازحي الداخل بطريقة أمنية بالدرجة اﻷولى، دون تقديم أية مساعدات لوجستية وسكنية واقتصادية لهم، نعمل في هذا الملف على تفكيك مشهد اللاجئين السوريين عبر العالم في حلقاته اﻷخيرة وتطوراته العالمية مع تدقيق على الضغوط الممارسة بحقهم داخل وخارج البلاد، إضافة إلى وضع خلاصات ممكنة الحل لعودتهم المحتملة واﻵليات التي تساعد في ذلك على المستوى اﻹقليمي والمحلي والدولي أيضاً.
أولاً: توزع المهجّرين في الداخل السوري:
يتوزع المهجرون في الداخل السوري اليوم على ثلاث مناطق رئيسية تتبع مناطق الصراع السوري ـ السوري، حيث تشكّل المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة المركزية النسبة الأكبر في استقطاب هؤلاء عبر سنوات الصراع، وتقدّر مصادر أممية أن أكثر من 80% من النازحين اتجهوا إلى مناطق سيطرة دمشق، وقد تجاوز عددهم 6٫2 مليون نسمة حتى العام 2017 قدموا من مناطق البلاد المختلفة باتجاه مناطق جوار مناطقهم بالدرجة اﻷولى، وقد لعبت الجغرافيا السورية دوراً رئيسياً في توجيه موجات النزوح المتتالية داخل البلاد ملحقة أو ناتجةً عن مجربات الصراع.
اتّبعت حركة النزوح السوري ما يعرف بقرار “اللحظة الأخيرة”، كخيار أخير متاح لمجموعات بشرية تعيش لحظة مصيرية. فأخذت تلك الحركة شكل موجات بشرية مفاجئة ومتتالية، محوّلةً البلاد إلى بركان دافق ينفث سكانه بالآلاف فيه وفي جواره، ولم يتوقف النزوح عند نقطة استقرار واحدة، بل تكرر عدة المرات وعَلِق كثير من النازحين في مناطق يصعب الوصول إليها.
كانت الموجة اﻷولى قد انطلقت مبكراً منذ صيف العام 2011 مع بدء تسلح الحراك والرد العنيف الذي قوبلت به التظاهرات على مستوى المدن والبلدات والقرى، وقد أدّت سياسات حصار المدن وخنقها وتجويعها في الشهور الأولى 2011 وانتشار الشائعات بقرب اقتحامها من قبل القوات اﻷمنية والعسكرية إلى بدء موجات تهجير انتقلت إلى المناطق القريبة جغرافياً منها واﻷهدأ، خاصةً مع ترداد اﻹعلام الخارجي كثيراً لمقولة أن سقوط النظام في دمشق قريبٌ جداً، وهو ما شجّع في كثير من اﻷحيان على خروج السكان من البلدات والمدن واﻷحياء دون أن يحملوا معهم سوى ثيابهم وما خفّ وزنه وغلا ثمنه، كما حدث في جسر الشغور ودرعا وحمص نهاية العام 2012([2]). وهؤلاء تمكنوا من اختيار وجهتهم إلى مدن قريبة أو بعيدة لم تطلها يد التدمير بعد، في حين كان المقتدرون اقتصادياً أوائل الخارجين من البلاد خاصة إلى لبنان ومصر. وقد قدّر العدد يومذاك، وفق الأمم المتحدة، بحوالي 3 مليون مهجر داخلي ([3]).
بين عامي 2012-2013، سيطرت المعارضة المسلحة على مناطق واسعة من البلاد، وأخذت الأزمة منحىً جديداً بدخول الطيران والبراميل الى ساحة الصراع، وظهر قصف متكرر للمدن طال خاصةً الأحياء العشوائية التي كانت قد استقطبت كتلة النازحين المبكرة، فخرج الآلاف من مناطق المدن ومحيطها ومعاركها، متجهين حيث سمحت لهم حالة الأمان في الطرقات، وأيضاً إمكاناتهم، ليسقط مئات المدنيين ضحايا أثناء الفرار، فكانت هذه الموجة الثانية للنزوح الداخلي مترافقة مع نزوح خارجي إلى بلدان الجوار أيضاً. حتى نهاية العام 2014 تسببت العمليات العسكرية بمصرع قرابة نصف مليون إنسان ([4]). لذلك، ومع افتتاح معابر مؤقتة للمدن المقصوفة والمحاصرة عبر ضغوط دولية، خرج ما تبقى من مدنيين عالقين داخل هذه المدن. فانطلقت موجة تهجير كبرى بين عامي 2014-2015. وهؤلاء خرج كثير منهم على عجل، بملابسهم فحسب وأحياناً بلا وثائق شخصية.
في العام 2013 كان هناك أكثر من 36 مدينة أو بلدة محاصرة كلياً أو جزئياً، تنتظر فرصة سانحة ليغادرها سكانها([5])، وأوّل المسجّلين على هذه القائمة كانت بلدات الجنوب السوري (درعا وريفها)، ثم ريف دمشق، لكن الملاحظ والموثق أنه في آذار من العام 2011 سُجّل أول خروج لسوريين خارج البلاد هرباً من أحداث العنف والملاحقات اﻷمنية ﻷكثر من خمسة آلاف سوري باتجاه لبنان، وبالمثل في أيار 2011 ظهر أوّل مخيم للاجئين في منطقة إدلب على الحدود مع تركيا دون أن تسجل المنطقة نزوحاً.
موجة التهجير الثالثة حدثت بعد التدخل الروسي في آب/ أغسطس 2015. وبالتزامن مع قصف الطيران المستمر لعشرات المناطق([6])، حيث تسببت السياسات المتبعة عبر ما سميّ بالمصالحات مع المناطق المحاصرة التي دخلتها قوات الحكومة بخروج أكثر من 70 ألفاً من المسلحين والمدنيين الرافضين للمصالحات بهذه الطريقة، نُقلوا من مناطق ريف دمشق وبتنظيم مشترك مع الأمم المتحدة إلى الشمال السوري، وُضع جزء كبيرٌ منهم في مدينة عفرين، ذات السمة الكُردية الغالبة، فيما أُسكن آخرون مخيم “دير البلوط” تحت إشراف منظمة “آفاد” التركية([7]).
وحدث نفس السيناريو في مناطق ريفي حمص ودرعا حيث نُقل أكثر من 40 ألف شخص، بين مسلحين وعائلاتهم، إلى الشمال أيضاً بموافقة تركية وروسية، وتوزعوا بعد وصولهم على عشرات الأماكن منها مخيمات “زوغرة” لنازحي حمص القدامى وحوالي 20 تجمعاً عشوائياً مثل “الميادين” و”عين السعدة” لنازحين من دير الزور وحماة وحلب. ويبلغ عدد قاطني هذه المخيمات حتى اﻵن أكثر من 200 ألفاً ([8]). كما تسببت هجمات المعارضة المسلحة على مناطق ريف اللاذقية بموجات تهجير جماعية باتجاه مدن الساحل أفرغت عشرات القرى من سكانها ([9])، وأدّت صراعات الفصائل نفسها في مناطق سيطرتها إلى انطلاق تهجير جديد بين المدن والقرى في الشمال، فوصل إلى بلدات معرّة النعمان والدانا حوالي 50 ألف نازح هاربين من الاقتتال وأقاموا في مخيم جسر الشغور ([10]).
لم تتوقف عمليات النزوح سنوات 2017-2020 إذ تسبب الاحتلال التركي ودخوله عبر عدة عمليات عسكرية في مناطق الشمال إلى تهجير متتابع لسكان القرى والبلدات الحدودية والمتاخمة حتى عمق أكثر من 30 كليومتراً، أبرزها بعد عملية غصن الزيتون التي انتهت باحتلال عفرين مؤدية إلى نزوح غالبية سكانها اﻷصليين منها إلى مناطق العراق والرقة ومدينة حلب، بالمثل شهدت الحسكة ورأس العين وتل أبيض عمليات نزوح للسكان وإحلال نازحين آخرين من مناطق سورية أخرى مرتبطين مع جماعات المعارضة المسلحة المدعومة والمشغّلة من قبل تركيا، يضاف إليه عمليات إسكان تركية منظمة للاجئين السوريين لديها في مناطق الشمال، حيث بلغ العدد وفق التصريحات التركية حتى منتصف العام الحالي قرابة نصف مليون شخص.
بنفس الوقت ومنذ العام 2017 فإن السلطات السورية قامت بتفكيك جميع مراكز النازحين المعروفة في مناطق سيطرتها، خاصة تلك التي يقطنها نازحون وتتبع للدولة مثل المدارس والمعاهد والمدن الرياضية، وعلى سبيل المثال فقد تم إخبار جميع سكان شاليهات العمال في منطقة البسيط (اللاذقية) بمغاردتها في غضون شهرين من تاريخ إعلامهم، ومثلهم نازحو المدينة الرياضية في اللاذقية ومخيم الطلائع في طرطوس واللاذقية وحمص ودمشق، ودون تأمين أية بدائل لهم، وهو ما أنهى وجود الملف في منطقة سيطرة دمشق.
عبر سنوات الحرب أيضاً، استقطبت مناطق اﻹدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا عدداً كبيراً من النازحين داخلياً، ويقدّر العدد الذي تضمنته المنطقة قرابة نصف مليون سوري، توزّعوا على مختلف مناطق الشمال، جزء كبيرٌ منهم قدم من مناطق الرقة المدمّرة من قبل التحالف الدولي باعتبارها عاصمة تنظيم الدولة اﻹسلامية (داعش)، وجزءٌ آخر من دير الزور التي حاصرها التنظيم نفسه سنوات 2014-2016 وأدّى إلى نزوح سكاني إلى الحسكة والشمال السوري أيضاً، ولاحقاً أدّى الغزو التركي إلى هجرة معاكسة لهؤلاء إلى الجانب العراقي والكُردي في أكثره، إلا أن وصولاً أخر ظهر بعد ذلك الغزو كان للسوريين المقيمين في تركيا أو المشاركين في عمليات المعارضة المسلحة مع الجيش التركي، وأبرزه كما قلنا إلى مدينة عفرين التي حلّ فيها أكثر من 150 ألفاً من هؤلاء من مهجّري الغوطة وريف حص بما يشي بحصول تغيير ديمغرافي في المنطقة بحدود كبيرة تنفّذه تركيا على حساب الشعب السوري وتنوعه.
ثانياً: توزع المهجّرين في الجوار السوري:
ككل اﻷزمات الوطنية في العالم التي عندما تبدأ لا يعرف أحد متى تنتهي، فإن النازحين الذين يمكنهم عبور الحدود سوف لن يتوقفوا أمام فرصة سانحة حتى يخرجوا من البلاد، وهو ما حدث مع السوريين الذين باﻷصل يرغبون بالهجرة من البلاد نظراً لسوء الوضع المعيشي والخدمي فيها، ففي شهر آذار 2011 وصل أكثر من خمسة آلاف منهم إلى لبنان، وكرّت السبحة، فاتجه عشرات الآلاف من مناطق القلمون وريف حمص إلى لبنان ـ خيارهم الوحيد المتاح ـ ليعيش جزء منهم لليوم في مخيمات جبلية مجاورة للحدود، “عرسال” منها، وسط ظروف كارثية، اليوم أصبح لبنان يضم قرابة مليون لاجئ، لم يعد منهم إلى البلاد سوى أقل من خمسين ألفاً رغم هدوء العمليات العسكرية في أكثر من 70% من مناطق البلاد.
عبر موجات النزوح اﻷولى حتى اﻷخيرة (2015) وصل أيضاً إلى اﻷردن أعداد كبيرة من الجوار الدرعاوي والشامي، بلغ عددهم عام 2012 حوالي 320 ألفاً. أما من مُنع من دخوله بعد عام 2013 فعلق في مخيم “الزعتري” الذي يضم أكثر من 150 ألفاً ([11])، ليعيش جزء كبير منهم في مخيمات اللجوء ([12])، إضافة إلى آلاف يعيشون في مخيم “الركبان” الحدودي الذي يتعرض اليوم للمناكفات السياسية بين مختلف القوى الدولية ([13]). ويقدر اليوم عدد اللاجئين هناك زهاء 620 ألف سوري أيضاً لم يعد منهم سوى النذر اليسير إلى سوريا.
هجرات أخرى تجاوزت دول الجوار وصولاً إلى مصر، جزؤها الأكبر من الموجات الأولى بتعداد يقترب من نصف مليون إنسان، وغالباً هم من أصحاب رأس المال، أقاموا مشاريعهم هناك خاصة في قطاع النسيج، وافتتح بعضهم الآخر مطاعم ساهمت كلها في إنعاش جزئي للاقتصاد المصري اعتبرتهم السلطات المصرية “ضيوفاً” وقلة قليلة منهم عادت إلى البلاد، أو لا ترغب بالعودة. وبالمثل في لبنان، أدى هرب جزء من الرأسمال الوطني السوري إلى مساهمة مقبولة في الاقتصاد اللبناني كبديل عن المستثمر الخليجي ([14])، كذلك ساهمت الهجرات الكُردية من شمال سوريا إلى إقليم كُردستان العراق، حيث يعيش هناك 225 ألف سوري أكثر من 90 في المئة منهم كُرد من مناطق الشمال السوري، في العجلة الاقتصادية للإقليم ([15]).
كان الرقم اﻷكبر في مسلسل اللجوء إلى تركيا، التي بلغت حصتها حتى اليوم قرابة 3٫2 مليون لاجئ وفق اﻹحصاءات اﻷممية، أما التركية فترفع العدد إلى قرابة خمسة ملايين، وقد لعبت الجغرافيا أيضاً دوراً رئيسياً في توجيه مسارات الهجرة إليها، إذ توزعت نسب الواصلين إلى تركيا إلى 93 في المئة من مناطق حلب وريفها، ثم إدلب والرقة واللاذقية وحمص. وتكاد تنعدم نسبة الواصلين من دمشق وريفها ومناطق الجنوب عموماً (أقل من 3 في المئة).
يوضح الجدول التالي اﻷعداد التقريبية للاجئين (المسجلين فقط لدى اﻷمم المتحدة)، وهذا يعني دقة مقبولة في حين أن هناك كثيرين لم تسجلهم المنظمات الدولية وخاصة في لبنان واﻷردن حيث يتميز ملف اللاجئين بالسوء الكبير في التعامل معهم ومساعدتهم رغم ملايين الدولارات التي سجلت على اسمهم واختفت بقدرة قادر.
يوضح المخطط التالي الوضع العام للتهجير في الداخل السوري والجوار حتى العام 2018، مع العلم أن تغيرات كثيرة طرأت عليه وخففت نسبياً من اﻷعداد ضمن مناطق سيطرة دمشق، ولكن في بقية المناطق زادت نسب التهجير خاصة منطقة إدلب والشمال السوري.

المصدر: السفير العربي ـ تحقيق استقصائي نفّذه الباحث العام 2018
ثالثاً: توزع المهجّرين في أوروبا:
كانت أوروبا، وما زالت، محطة التهجير النهائية المرغوبة لكثير من اللاجئين في دول الجوار السوري، من تركيا إلى لبنان ومصر وغيرها، وقد شجّعت أوروبا في سنوات 2012-2016 الهجرة السورية إليها، سواء عبر تركيا وفتح الحدود معها ومع اليونان وهنغاريا، أو عبر سياساتها الرخوة بشأن القادمين من المناطق البحرية اﻷخرى، مثل إيطاليا، وهناك أسبابٌ كثيرة في اﻷمر يرتبط جزء منها ببنية أوروبا السكانية المتهالكة في شرائحها العمرية، وضعف اليد العاملة فيها، إضافة إلى اختيار نوعية اللاجئين إليها وتوزيعهم بشكل دقيق على مناطق القارة، كما فعلت غالبية دولها.
حتى العام 2019 احتضنت ألمانيا رسمياً قرابة مليون لاجئ سوري مسجّلين رسمياً لدى اﻷمم المتحدة بصفة لاجئ حسب منظمة الهجرة اﻷلمانية، في حين تراوحت النسب في بقية دول القارة بين 30 ألفاً إلى 200 ألف، بإجمالي يصل وفق التقديرات اﻷممية إلى حوالي خمسة ملايين.
كان الأبرز في الهجرات إلى أوروبا باعتبارها (هجرات دائمة إلى حد كبير) أن أكثر من ثلثيها من الشباب تحت سن اﻷربعين، وهذا يعني مجتمعاً جديداً شاباً في مجتمعات اللجوء الجديدة، وبنسبة جندرية متناصفة تقريباً (52 ذكور ـ 48 نساء)، وتوضح دراسة سابقة أجريناها منتصف العام 2018 أن هناك كثير من المشاكل ضمن مجتمعات اللجوء نفسها باعتبارها تعيد إنتاج واقعها السوري السابق لجهة العلاقات المجتمعية بين اﻷفراد أنفسهم والنساء والرجال من جانب آخر، خاصة ﻷجيال المتزوجين من ذوي اﻷعمار الكبيرة، في حين أن اﻷفراد المستقلين وصغار السن أكثر اندماجاً في المجتمع وانخراطاً في بيئة العمل (عن السفير العربي).
على الجانب السياسي، فإن أوروبا التي أقرت تمديد العقوبات على نظام دمشق للمرة الثانية ـ على شخصيات معروفة سياسية وعسكرية ـ تعتبر القرار الدولي 2452 أساساً في أي تغيير لمواقفها تجاه دمشق، ومن الواضح أن هناك افتراقاً ملحوظاً داخل الاتحاد اﻷوروبي نفسه بشأن اﻷزمة السورية في مستوياتها اﻷخرى خاصة الغزو التركي للأراضي السورية الذي تقف منه فرنسا موقفاً حادّاً نسبياً قياساً بغيرها من دول الاتحاد.
المصدر: اﻷمم المتحدة ومجموعة الاستجابة الدولية (النسخة الثالثة للعام 2019).

رابعاً: التوزع الجندري والعمري للاجئين:
توضح دراسات أممية أن الشريحة العمرية للاجئين تبدأ من الأطفال الصغار وصولاً إلى كبار السن، ولكن الغالب هو العنصر الشبابي، فكثير من كبار السن رفضوا مغادرة مناطقهم لأسباب كثيرة منها حماية ممتلكاتهم وأرزاقهم والمحافظة على خط عودة ﻷولادهم الذين باعوا ﻷجلهم الغالي والنفيس أملاً بحياة أفضل، تساوى في ذلك الذكور واﻹناث بنسبة تقريبة (انظر/ي تقرير مجموعة الاستجابة الدولية العام 2019)، لا بل تفوقت نسب النساء اللاجئات على الذكور اللاجئين بسبب بقاء بعض الذكور في ساحات القتال في سوريا في صفوف المعارضة المسلحة على الغالب، يعطي الجدول التالي نسباً دقيقة يمكن القياس عليها في مناطق متعددة من مواقع اللجوء السوري، وقد نفّذته منظمة آفاد التركية اﻹغاثية على اللاجئين السوريين فيها، مع الملاحظة، أن اللجوء إلى تركيا تميز نبسياَ بارتفاع نسبة المتعلمين فيه على أمل أن تكون تركيا محطة عبور إلى أوروبا أو مناطق أخرى من العالم.

المصدر: منظمة آفاد الإغاثية التركية عام 2018.
ويوضح الجدول التالي النسبة التعليمية لنفس اللاجئين، مع العلم، أن تركيا أيضاً شكلت نقطة جذب للكفاءات العلمية التي نزحت إلى بلدان الجوار السوري بسبب كونها كما قلنا محطة عبور إلى أوروبا أو بسبب ظروفها الداخلية اﻷفضل بما لا يقاس في التعامل مع الخبرات العملية والاستفادة منها، خاصة أن سياسات تركيا مع سوريا تختلف عن غيرها بوجود نوايا استعمارية حقيقية، تمثلت في آخر أعمالها في عمليات استبدال العملات السورية المعدنية بنظيرتها التركية ولحقتها الورقية أيضاً، عدا عن بناء بنى تحتية للجامعات التركية والمدارس التركية، وهو ما يعني أن عودة اللاجئين لديها ستكون حصراً إلى هذه المناطق ولا يستغرب في قادم الوقت مطالبات تركية بضم هذه اﻷراضي إليها وهو اﻷمر الممكن حقيقةً نظراً لوجود عوامل مجتمعية ودينية تتفوق على الرابطة الوطنية السورية خاصة بوجود مقابل لعشر سنوات من الحرب التي فصلت الهويات السورية عن بعضها وقادتها باتجاهات إقليمية (تركية باﻷساس) مقابل هويات دينية تتصارع على الدولة شققت ما تبقى من رابطة وطنية.

المصدر: منظمة آفاد التركية اﻹغاثية (التعريب للباحث).
توضح أهم أرقام الجدولين السابقين أن نسبة الخريجين الجامعيين من الجنسين 12% وللذكور 14% وهذا يعني ضمن منظومة الاستيعاب الأوروبية والتركية أن قسماً معتبراً من النتاج العلمي السوري وخريجيه قد أصبح في عهدة أخرى، وهؤلاء تحديداً هم أقل الشرائح التي لديها استعداد للعودة إلى البلاد وفق منطق الهجرة نفسه الذي يستوعب هؤلاء في قلب أعتى المؤسسات العلمية أو الإنتاجية الصناعية او غيرها، لكي يحققوا غاياتهم وحياتهم، وبالمقابل يسمح لهم بتزويد عائلاتهم في الوطن بالمبالغ المالية التي تعوض عنهم فقدان عوائلهم.
من الملاحظ كذلك في سياسات الاستيعاب اﻷوروبية أن تقسيم العمل الرأسمالي بدقة متناهية انتهى بعدد من اللاجئين السوريين اﻷميين في مناطق بعيدة عن المركز اﻷوروبي، وهؤلاء قد يكونون من المعوّل عليهم العودة إلى بلادهم في ظل تصعيد غربتهم الحقيقية عن المكان والزمان والمنظومة اﻷخلاقية المجتمعية.
خامساً: الضغوط الإقليمية والدولية على اللاجئين:
دون شك دخل اللاجئون سوق المبازرات الدولية واﻹقليمية من اللحظة التي ظهر فيها هذا الملف الحساس واﻹنساني على خارطة النزاع السوري، وآخر ما شاهده العالم كيف تعامل البوليس التركي مع السوريين الراغبين بالخروج من تركيا إلى أوروبا، وكيف بالمقابل تعاملت معهم اليونان وأغلقت في وجوههم حدودها وإلى اليوم هناك أكثر من 20 ألف سوري محتجزين في معسكرات اللجوء اليونانية، وبالمثل، فإن رحلات التهريب إلى أوروبا من الشمال السوري ومن إدلب لم تتوقف إلى اليوم.
استخدمت تركيا ملف اللاجئين كورقة ضغط مستمرة حتى اﻵن بوجه أوروبا لحصد المزيد من التمويلات المالية التي زادت عن خمسة مليارات دولار حتى اﻵن أخرها ما حدث قبل أشهر قليلة من أزمة جائحة كورونا بين البونان وتركيا، وقد تعهد الاتحاد اﻷوروبي بدفع مليار إضافي في العام الحالي لدعم اللاجئين وتوطينهم في مناطق من الشمال السوري، وهو ما سيخلق تغييراً ديمغرافياً واضحاً في الشمال لن تكون دمشق منزعجة كثيراً منه في ظل اتجاه اﻹدارة الذاتية إلى الداعم اﻷميركي، رغم أن هذا التغيير قد يفضي إلى تقسيم ناعم مضاف إلى الحالة السورية وطرح مشاريع اللامركزية لبلد لا تتجاوز مساحته مساحة ولاية أميركية.
على الصعيد الداخلي السوري فإن ملف اللاجئين دخل عتبة التسوية السياسية عبر قرار جنيف الذي ينص على عودة آمنة لهم إلى بلادهم، وهو ما لم يتحقق كثيراً رغم المحاولات الروسية المتعددة وافتتاح معابر آمنة لهم برعايتها ورقابتها، فما يزال الهاجس اﻷمني هو الهاجس اﻷول للسلطات السورية في التعامل مع الملف، وهو ما لحقه القانون رقم 10 المتعلق بأملاك المهجّرين والذي يتطلب إثباته أشهراً ـ أصبحت شهرين أو ثلاثة ـ لكثير من المقيمين في بلاد الجوار والقارة العجوز، وهو ما أعاد الاصطفاف السوري ـ السوري من جديد.
لم تقدّم السلطات السورية ـ والروسية معها ـ خطة لعودة اللاجئين من دول الجوار، ولا ساهمت في تأمين البنى التحتية التي تساعد على جذبهم إلى بلادهم، خاصة مع تفاقم الوضع الاقتصادي للجميع داخل وخارج البلاد، وهو ما يفسّر ظهور حالات عنصرية ضدهم في تركيا ولبنان واﻷردن وأوروبا أيضاً، وهذا يتطلب إعادة وضع الملف أمام الفاعلين الداخليين أولاً، بشرط واضح وصريح هو الانتقال إلى عملية سياسية مضمونة بحضور دولي مشترك، ولكن هذا الحضور بحد ذاته مرهون بالتوافق اﻹقليمي والدولي، ولا يرجح أنه قريب في الوقت الراهن.
سادساً: هل سيعود اللاجئون؟
في دراسة هامة أجرتها اﻷمم المتحدة للاجئين في الجوار السوري لم تنحصر فقط بسكان المخيمات (البالغ عددهم حتى اﻵن أكثر من مليون شخص دون أبسط شروط الحياة وسط جائجة عالمية أتت على أكثر من نصف مليون شخص حتى اﻵن)، تبيّن فيها أن أكثر من 75٫2% من لاجئي دول الجوار يرغبون بالعودة يوماً ما، 70% منهم يرغبون بالعودة في أقل من عام قادم، في حين أن 20% لا يرغبون بالعودة والباقي لم يأخذ قراره بعد ([16])، والعوامل اﻷساسية المأخوذة بعين الاعتبار هي اﻷمن وعدم التعرض للحياة، وتأمين الحاجات اﻷساسية من مسكن ومأوى وغذاء، واﻷهم، تأمين فرص عمل للفرد أو مساعة مالية تسمح له بالحياة، وتدخل الخدمة العسكرية باعتبارها عنصراً طارداً لمن هو مطلوب للخدمة اﻹجبارية أو لجهة من الجهات اﻷمنية، وهذا يعني ضرورة حل هذه العقدة الكبيرة في الملف. وقد تساهم الانتخابات الرئاسية العام القادم في حلحلة الأمر عبر ضغط دولي.
من المرجح أن هذه النسب تنطبق على لاجئي دول الجوار أكثر منها على من وصل إلى أوروبا أو أي منطقة أخرى في العالم، ويعود السبب كما قلنا إلى سوء الوضع في هذه البلدان، قياساً بما بات بعرفه كثير من السوريين عن الحياة في أوروبا ويقارونها بحسرة مع بلدهم الغني بكل الثروات إلا اﻹدارة الناجحة، وللمفارقة، فإن السوريين الذين يعيشون على أموال الضمان الاجتماعي في أوروبا يرسلون ﻷهاليهم أجزاءً منه (بين100-200 يورو) تجعل من أهليهم بمرتبة عشر موظفين حكوميين لراتب أصبح اليوم في سوريا 20 دولاراً، إلا أن الحكومة السورية وبشكل معلن تأخذ من كل حوالة أكثر من نصفها بحجة السعر الرسمي للدولار واليورو مقابل الليرة (1250 ليرة وسعر السوق الضعف تقريباً).
يضاف إلى ما سبق أن كثيراً من السوريين اللاجئين إلى أوروبا هم من الشريحة المتعلمة تعليماً جامعياً وثانوياً كحد أدنى، هذا يعني أن البحث عن فرص عمل ذات قيمة عالية هو هدف واضح لهم، تذكر آخر الإحصاءات أن أكثر من عشرة آلاف طبيب قد بدأوا عملهم في المشافي اﻷلمانية، ومثلهم في فرنسا وغيرها بأعداد مختلفة، أي أن هذه النوعية من المهاجرين ليست عالة على بلدان اللجوء بقدر ما هي خسارة للبلد الأصلي، ومن المرجح أن قلة قليلة منهم سوف ترغب بالعودة إلى سوريا وسط ظروفها الطاردة للكفاءات منذ عقود.
[1] https://reporting.unhcr.org/sites/default/files/Syria%202019%203RP%20Progress%20Report%20-%20August%202019.pdf
[2] مجموعة الاستجابة الدولية إصدار 2019.
[3] مجموعة الاستجابة الدولية، إصدار 2014.
[4] تقرير مجموعة الاستجابة الدولية لعام 2016. وتقرير المركز السوري لأبحاث السياسات. وتختلف التقديرات بين هذه الجهة أو تلك.
[5] https://www.skynewsarabia.com/middle-east/خريطة المناطق المحاصرة في سوريا
[6] قدرت روسيا عدد الطلعات الجوية بين آب 2015 ونهاية العام 2017 بأكثر من بـ 30650 طلعة جوية لقواتها عدا طلعات القوات الحكومية. فيما قدرت قوات التحالف الدولي عدد طلعاتها بقرابة 32500 طلعة قصفت الرقة ودير الزور والحسكة والبادية. ينظر https://arabic.rt.com/middle_east/901758
[7] https://www.stj-sy.com/uploads/pdf_files/8A_0.pdf
[8] https://www.hrw.org/ar/news/2018/08/01/320921
[9] https://www.hrw.org/world-report/2014/country-chapters/syria
[10] https://www.acu-sy.org/wp-content/uploads/2018/01….A_080117.pdf
[11] https://ar.wikipedia.org/wikiمخيم الزعتري
[12] https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2019/01/05/syrian-refugees-jordan-return
[13] https://www.youm7.com/story/2018/10/17مخيم الركبان يعاني من كارثة إنسانية.
[14] انظر تقرير قناة الجزيرة: كيف ساهم السوريون في دفع اقتصاديات دول الجوار؟ ميدان الجزيرة 16/2/2019
[15] نشرة الهجرة القسرية، العدد 57، شباط 2018.
[16] https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/68443.pdf

