ذات صلة

العامل الباكستاني بسياسة الصين في أفغانستان: أخطاء إقليمية ناشئة وسط انسحاب الولايات المتحدة

المحتويات

مصالح الصين وأفعالها
مصالح باكستان المتطوّرة في أفغانستان
حاجة الصين لباكستان
التنافس المتبادل مع الهند
الدور التسهيلي لباكستان
الجغرافيا السياسية لممرّ واخان
التحدّيات للصين
المرونة الأمريكية
تحالُف حركة طالبان باكستان مع الانفصاليين البلوش
عملية السلام المجزّأة والخلاف الباكستاني الأفغاني
خيارات الهند
استنتاج
الحواشي

 

المقدّمة
ناقش وزير الخارجية الصيني وانغ يي ووزير الخارجية الأفغاني محمد حنيف أتمار ووزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قريشي، في الحوار الثلاثي لوزراء خارجية الصين وأفغانستان وباكستان، الذي عقد في غوييانغ، الصين في 3 حزيران/يونيو 2021، التحدّيات المختلفة للسلام الأفغاني في أعقاب إعلان الانسحاب العسكري الأمريكي أحادي الجانب. في حين تم تحديد التحدّيات من خروج القوات الأمريكية على أنها احتمالية للنزاع والحرب الأهلية، تضمَّنت الفرص التي تمّ تسليط الضوء عليها احتمالات أن يقرّر الشعب الأفغاني مصيره السياسي. وفي معرض التعبير عن استعداد الصين “للعمل مع جميع أصحاب المصلحة في أفغانستان، بما في ذلك باكستان، لبذل المزيد من الجهود لتعزيز محادثات السلام والوساطة”، عرض وانغ لعب دور الوسيط من خلال استضافة “حوار بين الأفغان في الوقت المناسب”. وافقت الدول الثلاث أيضاً على العمل معاً لدفع الولايات المتحدة لضمان “انسحاب منظّم” لقوّاتها وكذلك “الوفاء بالتزاماتها المستحقة” حتى لا يتدهور الوضع الأمني ​​في أفغانستان أكثر. وأضاف البيان أن “الصين تأمل في أن تواصِل باكستان الاستفادة بشكل ٍجيد من مزاياها وبذل جهود جديدة وبناءة. كما تأمل الصين في أن يتخذ الجانب الأفغاني نظرة إيجابية لإخلاص باكستان وإسهاماتها”. يُشير هذا إلى أن الصين تدرك أهمية تجسير الخلافات بين أفغانستان وباكستان وترى نفسها تلعب دور الوسيط لتحقيق هذه الغاية.
اعتمدت الصين حتى الآن، إلى حدٍ كبير على باكستان لتنفيذ سياستها تجاه أفغانستان. لم تهتم الصين كثيراً بالدور السياسي المستقبلي لطالبان، وتخشى الصين من احتمال عدم الاستقرار في أفغانستان بعد خروج الولايات المتحدة. القلق الأساسي لبكين في مرحلة ما بعد الولايات المتحدة هو أفغانستان، التي من المرجّح أن يديرها نظام يهيمن عليه طالبان، وأن الانفصاليين الأويغور وحركة تركستان الشرقية الإسلامية (ETIM) قد يجدون ملاذاً آمناً في البلاد. على الرغم من أن جميع دول المنطقة تدعم فكرة الحل السياسي الشامل للصراع الأفغاني، فلا الصين ولا أيّ دولة أخرى لديها أي شهيّة لقيادة تدخّل إقليمي لتحقيق الاستقرار فيه. لذلك ردّت الصين على إعلان خروج أمريكا من أفغانستان بقلق. في حين أنها اعتبرت الوجود الأمريكي في أفغانستان مدمِّراً إلى حدٍ كبير، فمن المرجّح أن يخلق الخروج المفاجئ تحدّيات أكثر من الفرص للصين. وكان وانغ قد أعرب عن مخاوف مماثلة في الدورة الثالثة للمؤتمر الوطني الثالث عشر لنواب الشعب في أيار/مايو 2020 عندما أشار إلى أن “انسحاب القوات الأمريكية يجب أن يتم بطريقة مسؤولة دون تقويض مصالح أفغانستان أو دول أخرى في المنطقة”.
كانت كل التدخُّلات الخارجية في أفغانستان، سواء من جانب بريطانيا أو الاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة، بمثابة كارثة. شهدت العقود الأربعة الماضية على وجه الخصوص، منذ الغزو السوفييتي عام 1979 سلسلة من التغييرات المؤلمة في الطرق التي حُكم بها الأفغان حيث كافحوا لمواجهة تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي عصفت بهم. مع خروج الولايات المتحدة من أفغانستان بعد 20 عاماً، قد يؤدّي الفشل في إيجاد تسوية سياسية بين الفصائل المتحاربة إلى انزلاق آخر في الفوضى. كان بناء دولة متعدّدة الأعراق على أسُس ليبرالية ديمقراطية مقيَّداً بعجز النخبة الأفغانية الحاكمة عن مواءمة العقيدة الإسلامية، ومزيج الأعراق والقومية في البلاد مع الحداثة. على الرغم من حدوث العديد من التغييرات الإيجابية في أفغانستان منذ عام 2001، مثل الانتخابات الدورية، وتحسينات في البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية، وتمكين المرأة وإنشاء قوّة عسكرية وطنية مدرَّبة، فهذه أمور لا رجوع فيها. الحقيقة المرّة هي أن أفغانستان لا تزال دولة مزّقتها الحرب وتواجه مستقبلاً غامضاً، مليئاً بالعنف الإرهابي غير المقيَّد، وعدم الاستقرار السياسي، والفساد الحكومي، وإنتاج المخدرات على نطاق واسع، وتمرُّد طالبان المستمر. الوضع الأمني ​​يائس لدرجة أن الحكومة الأفغانية بدأت في تكوين ميليشيات محلّية.
أفغانستان ليست ديمقراطية راسخة ولا دولة تسيطر على حدودها الدولية. بالإضافة إلى ذلك، لا يزال ما يقرُب من نصف الريف الأفغاني متنازَعاً عليه أو تسيطر عليه حركة طالبان الأفغانية ومجموعات إرهابية أخرى مثل تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان (ISKP)، الفرع الأفغاني لتنظيم الدولة الإسلامية. على الرغم من عقود من العمليات العسكرية والمساعدة الاقتصادية والأمنية الدولية، لا تزال أفغانستان مصدرَاً لعدم الاستقرار في المنطقة. إن عدم قدرة الحكومة الأفغانية على إيجاد حل سياسي مع طالبان هو مصدر صراع طويل الأمد له آثار غير مباشرة خطيرة. ونتيجة لذلك، تطوَّرت الحملة التي قادتها الولايات المتحدة لمدّة عقدين في أفغانستان بشكلٍ تدريجي إلى مسابقة جيوسياسية إقليمية دموية، الأمر الذي أدّى إلى ولادة “لعبة كبرى جديدة”. نظراً لأن القوّات الأمريكية المنسحبة تترك فراغاً تملأه مجموعات إرهابية مختلفة، فقد تصبح أفغانستان ساحة معركة إقليمية لتوازن القوى العالمي.
يبدو أن هناك، كما هو متوقع، تقارباً في الرأي بأن الانسحاب المتسرّع سيكون له تداعيات خطيرة على عملية المصالحة الجارية. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون لخروج الولايات المتحدة من أفغانستان في خضم المواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، عواقب وخيمة على دول جنوب ووسط آسيا على وجه الخصوص. ما لاحظه مارفن وينباوم قبل 15 عاماً لا يزال صحيحاً أن “العديد من تحدّيات أفغانستان، التي غالبًا ما يُنظر إليها على أنها محلية، هي أيضاً ذات طابع إقليمي، ويتم التعامل معها بالضرورة من خلال الاستراتيجيات والتعاون الإقليمي”.
لكن حتى الآن، لم تسفر الردود على الانسحاب الأمريكي عمّا يمكن اعتباره استراتيجية سياسية “إقليمية” حقيقية. تعمل الصين على هذه الخلفية، على تحسين أدوات سياستها لمعايرة استجابتها. إذا كان الماضي دليلًا، فمن المرجّح أن تعتمد الصين على باكستان، على الأقل في المدى القصير، لتأطير استجابتها للسيناريو الأفغاني الذي يتكشف. على الرغم من أن باكستان شرَعت في عملية إعادة ضبط علاقاتها مع إدارة بايدن، فمن المرجّح في هذه المرحلة أن تلقي بثقلها وراء الصين إذا فشلت واشنطن وبكين في تسوية خلافاتهما بشأن الشؤون الأفغانية.
على الرغم من أنه سيكون من التبسيط الافتراض أن مصالح الصين وباكستان في أفغانستان أصبحت متطابقة تماماً، لا يمكن للمرء أن يستبعد تقارباً متزايداً قد يؤدّي إلى مشاركة أعمق بين بكين وإسلام أباد بعد الانسحاب الأمريكي. تسعى هذه الورقة إلى معالجة العامل الباكستاني في سياسة الصين تجاه أفغانستان، وتنقسم إلى خمسة أقسام:
-يبدأ بتقييم نقدي لمصالح الصين وأفعالها في أفغانستان. تتوافق المصالح الاقتصادية لبكين إلى حدٍ كبير مع طموحات باكستان المعلَنة لتصبح مركزاً تجارياً إقليمياً. فيما يتعلّق بالبُعد السياسي، يبدو أن الصين مقتنعة بأن لباكستان دور رئيسي تلعبه في تحقيق الاستقرار في أفغانستان بعد انسحاب القوّات الأمريكية.
-ثم تحلل هذه الورقة المصالح الباكستانية المتطوِّرة في أفغانستان. الصين ليست غافلة عن حقيقة أن باكستان تلعب دور الأطراف المتنافسة في الصراع الأفغاني لتعزيز مصالحها الخاصة، ولكنها تشعر أيضاً أنه لا يمكن تجاهُل نفوذ باكستان في أفغانستان، ويجب استيعاب مصالحها.
-ثم تتعامل مع كيفية قيام باكستان بتشكيل ملامح سياسة الصين تجاه أفغانستان، بما في ذلك مناقشة التهديدات المشتركة من الهند ودور باكستان التسهيلي.
-يناقش القسم التالي حول تحدّيات الصين المرونة الأمريكية المحتملة بعد تحرير نفسها من التزامها بأفغانستان، وتحالُف حركة طالبان باكستان (TTP) مع الانفصاليين البلوش، وعملية السلام الأفغانية المجزّأة، والخلاف الذي يبدو مستعصياً على الحل بين باكستان وأفغانستان.
-ويختتم بقسم أخير عن الهند حيث أن مثلث الصين والهند وباكستان مهم لفهمه باعتباره خط صدع إقليمي رئيسي يؤثر على آفاق الاستقرار في أفغانستان.

مصالح الصين وأفعالها
على الرغم من أن الصين تشترك في حدود طولها 76 كم مع أفغانستان، إلا أن العلاقات مع كابول لم تكن أبداً عالية على رادار بكين الدبلوماسي حتى أنشأت الولايات المتحدة وجوداً عسكرياً هناك بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 الإرهابية. استمرّت الصين حتى بعد ذلك، في تجنُّب التدخّل الكبير في الشؤون الأفغانية لفترة طويلة. ومع ذلك، عندما قرَّر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سحب القوّات من أفغانستان في عام 2011، بدأت بكين في تكثيف مشاركتها مع كابول. استضافت الصين لتسهيل المصالحة بين الحكومة الأفغانية وطالبان، عملية اسطنبول في بكين في تشرين الأول/أكتوبر 2014. تحدَّث رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ، في خطابه، عن “المقترحات الخمسة للجانب الصيني” فيما يتعلّق بحل الصراع الأفغاني، بينما أعرب عن دعم بكين لـ “المصالحة السلمية وإعادة الإعمار” ودمج أفغانستان في “التعاون الإقليمي”. وظلّت الصين منذ ذلك الحين نشِطة دبلوماسياً على جبهة حل الصراع، وبذلت جهود وساطة لحل الخلافات بين الأطراف المتحاربة. استضافت الصين وفداً من طالبان، أثناء مشاركتها في بعض المؤتمرات الإقليمية متعدّدة الأطراف بشأن عملية السلام الأفغانية. ورَد أن الصين استضافت وفداً من طالبان في كانون الأول/ديسمبر 2014، بعد شهر واحد من قيام الرئيس أشرف غني بأول زيارة خارجية له إلى الصين، طلب خلالها منها لعب دور الوساطة والضغط على باكستان للسماح لقادة طالبان الذين يعيشون هناك بلقاء المسؤولين الأفغان.
صوَّر تقرير في صحيفة وول ستريت جورنال استضافة اجتماع طالبان مع نظام كابول في بكين على أنها “مثال نادر على مساعدة الصين في التوسُّط في الصراع الداخلي لدولة أخرى، وآخِر مؤشر على الطموحات الصينية لتحلّ محل الولايات المتحدة تدريجياً كضامن للأمن والازدهار في آسيا”. وفي نفس الوقت تقريباً، أكّد الممثل الصيني الخاص لأفغانستان وباكستان، سون يوشي، على استعداد الصين لتحمُّل مسؤوليات أكبر. وقال في مقابلة مع بي بي سي: ” لعبت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على مدى السنوات الـ 13 الماضية، دوراً رئيسياً في أفغانستان وقدّمنا ​​مساهمة وقدّمنا ​​لهما الدعم، ولكن الآن مع مغادرة الولايات المتحدة، تواجه أفغانستان موقفاً حرجاً. نحن مستعدّون لفعل المزيد، نريد أن نلعب دوراً أكبر”. تمَّ التأكيد مجدّداً على الالتزام بلعب دور إقليمي أكثر نشاطاً في شباط/فبراير 2015 من قبل وزير الخارجية الصيني وانغ، الذي قال إن “الصين مستعدّة للعب دورها البناء وستوفر التسهيلات اللازمة في أيّ وقت إذا كانت هناك حاجة إلى ذلك من قبل مختلف الأطراف في أفغانستان”. ومع ذلك، نظراً لأن بكين فشلت حتّى الآن في تقديم أيّ التزام عسكري تجاه الأمن الأفغاني، فإن الانتقاد القائل بأن الصين تستفيد من الوجود الأمني ​​الذي تقوده الولايات المتحدة هناك ليس بعيداً عن الواقع.
من المناسب قبل المضي قُدماً، تحديد المصالح الرئيسية للصين في أفغانستان. مصلحتها الأساسية هي التأكّد من أن التطرُّف الديني الناشئ من أفغانستان لا يؤثر على الصين. كانت مقاطعة شينجيانغ في شمال غرب الصين معرّضة بشكلٍ خاص للاتجاهات الانفصالية لبعض الوقت، ولم تؤدِّ المشاعر الإسلامية التي يتبنّاها تنظيم القاعدة إلا إلى تفاقمها. وفرت ولادة جمهوريات آسيا الوسطى على أسُس عرقية ودينية في أعقاب تفكك الاتحاد السوفييتي وصعود حركة طالبان في أفغانستان خلال التسعينيات، أرضاً خصبة لظهور الأصولية الإسلامية في شينجيانغ، وأضاف القمع الوحشي الذي شنّته الصين على الأقليات المسلمة التي تعيش هناك الوقود إلى النار. وقعت حوادث إرهابية متفرّقة في العقد الأول من هذا القرن، وربما كانت أعمال الشغب العرقية في تمّوز/يوليو 2009 في شينجيانغ أوضح مظهر من مظاهر السخط الواسع بين الأويغور. ربما كان هذا الحادث “أحد نقاط التحوُّل العديدة في حكم الحكومة الصينية المتزايد القسوة على المنطقة”، والذي أدّى في النهاية إلى سجن جماعي للأقليات المسلمة في الصين في معسكرات الاعتقال وإعادة التثقيف السياسي. بعد أن أصبح واضحاً أن مقاتلي الأويغور، الذين تمَّ تدريبهم وإيوائهم في أفغانستان، كانوا يوسّعون نفوذهم في الصين القارية، وبدأت المخاوف تتزايد داخل جهاز الأمن في بكين حول احتمال عودة العنف الإرهابي في أفغانستان وتداعياته على الصين. تزامن ذلك مع قرار إدارة أوباما تقليص عدد القوات المتمركِزة في أفغانستان.
ثانياً، بالنسبة لبكين، يُعد أمن برنامج الاتصال الطموح جيوسياسياً -مبادرة الحزام والطريق (BRI) -أمراً حيوياً، وقد لا يكون من الممكن ضمانه بدون مشاركة أفغانية. وكما يقول أحد العلماء الصينيين، “إذا ما نظرنا إليه بشكل سلبي، فإن أفغانستان تشبه القفل الذي يمكن أن يفصل وسط وجنوب وغرب آسيا عن بعضها البعض. إذا نظرنا إليه بشكلٍ إيجابي، فهو المفتاح الذي يمكن أن يفتح الباب أمام التعاون بين هذه المجالات”. أكّدت الصين وأفغانستان في كثير من الأحيان التزامهما بالتعاون في مشاريع مبادرة الحزام والطريق ودمج أفغانستان في الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان (CPEC)، أحد الشرايين الرئيسية لمبادرة الحزام والطريق. على الرغم من أنه من المتوقع أن يجلب الممر الاقتصادي الباكستاني العديد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية لباكستان ومزايا جيواستراتيجية للصين، إلا أن هناك تحدّيات خطيرة أمام تنفيذه، بدءاً من الوضع الأمني ​​الداخلي الهشّ إلى انعدام الثقة في القوى الخارجية. يمكن أن يؤثر المزيد من عدم الاستقرار في أفغانستان وحولها بشكلٍ خطير على آفاق مبادرة الحزام والطريق. وهكذا بذلت الصين جهوداً متكرّرة لاكتساب الشرعية الدولية لأنشطتها في مبادرة الحزام والطريق في أفغانستان. دعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في آذار/مارس 2016 في القرار 2274 (2016) بشأن تفويض بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان، إلى تعزيز التجارة الإقليمية والعبور من خلال مبادرات التنمية الإقليمية، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق. كما دعا قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2344 بشأن أفغانستان، الذي مُرِّرَ في آذار/مارس 2017، مرّة أخرى إلى توافق في الآراء بشأن مساعدة أفغانستان وتعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي من خلال العديد من مبادرات الاتصال، بما في ذلك مبادرة الحزام والطريق.
كما تحتل حماية الاستثمارات الصينية في البلدان المجاورة لأفغانستان مكانة بارزة في حسابات السياسة الخارجية لبكين فيما يتعلق بكابول. أعلنت الصين مؤخراً عن صفقة كبيرة مع إيران تتضمن 400 مليار دولار من الاستثمارات على مدى 25 عاماً، الأمر الذي يعكس المصالح المتزايدة لبكين في إيران. تجعل موارد الطاقة الهائلة لغيران ودورها في الجغرافيا السياسية الإقليمية جذابة بشكلٍ خاص للصين. إذا خففت هذه الخطوة الصينية العزلة الدولية لإيران وسط استئناف المفاوضات بشأن إحياء الاتفاق النووي لعام 2015، فقد تلقي طهران بثقلها وراء سياسات بكين تجاه أفغانستان. صادقت إيران بالفعل على مبادرة الحزام والطريق وأبدَت اهتماماً بالانضمام إلى الممر الاقتصادي. إذا أدّى الخروج الأمريكي إلى مزيد من عدم الاستقرار في أفغانستان، فسيؤثر على المنطقة بأكملها، ولن تفلت الصين من العواقب. من المهم بالنسبة للصين في هذا السياق، زيادة مشاركتها الدبلوماسية في أفغانستان.
عزَّزت الصين تعاونها مع الحكومة الأفغانية في مجال أمن الحدود. ومع ذلك، فإن التعاون المؤسَّسي مع وكالات الأمن الأفغانية لم يمنع بكين من العمل في الخفاء. أفادت وسائل إعلام هندية أن 10 صينيين اعتقلوا في 10 كانون الأول/ديسمبر 2020 في كابول بتهمة التجسُّس. بدأت المديرية الوطنية للأمن في أفغانستان (NDS) حملة على شبكة التجسُّس، لكن الحكومة الأفغانية وافقت على قمع الأخبار حولها بناء على طلب الصين. ولم يكن الرئيس غني يريد أن يستغلّ الأمريكيون الحادث لإحراج الصينيين. وفي أوائل كانون الثاني/يناير 2021، أفِيد أن أفغانستان أطلقت سراح الجواسيس الصينيين العشرة، الذين قيل إنهم ينتمون إلى وزارة أمن الدولة الصينية (MSS). وبحسب ما ورد كانوا يجمَعون معلومات حول القاعدة وطالبان والأويغور في مقاطعتي كونار وبدخشان، ويعملون أيضاً على إيقاع مقاتليّ الحركة في أفغانستان. يسلّط هذا الحادث الضوء فقط على يأس الصين لقمع الانفصاليين الأويغور، فضلاً عن حدود التعاون الاستخباري الرسمي بين الصين وأفغانستان والتغلغل العميق للمنظّمات الإرهابية في أفغانستان.
من الواضح أن استمرار عدم الاستقرار في أفغانستان لديه القدرة على زعزعة استقرار شينجيانغ بطرق يمكن أن تخلق عوائق أمام التنفيذ السلس لمبادرة الحزام والطريق. تعمل الموارد الطبيعية الوفيرة وغير المستغلَّة في أفغانستان أيضاً كمغناطيس للصين المتعطّشة للموارد. يمكن قياس حاجة الصين إلى الموارد الطبيعية الأفغانية من حقيقة أن بكين شاركت في استكشافها حتى عندما كان لديها مشاركة دبلوماسية محدودة للغاية مع كابول. على سبيل المثال، أبرمت الشركات الصينية صفقة بقيمة 4.4 مليار دولار لتطوير رواسب النحاس في مقاطعة لوغار. ومن الأمور الأخرى أنه حتى بعد القيام باستثمارات ضخمة في قطاع التعدين، لم تتمكّن بكين من العمل بشكلٍ كامل، ويرجع ذلك أساساً إلى استمرار الصراع وانعدام الأمن في أفغانستان. ومع ذلك، يجب أن يُنظر إلى جهود الصين على أنها جزء من نهجها الدبلوماسي متعدِّد الأوجه وكذلك مؤشِّر على الآفاق الواعدة لفعاليتها الاستراتيجية طويلة المدى في أفغانستان. كانت خبرة باكستان الواسعة في الشؤون الأفغانية وشراكتها الاستراتيجية الوثيقة مع الصين، عاملا هاماً في سياسة بكين تجاه أفغانستان.

مصالح باكستان المتطوِّرة في أفغانستان
يجب على المرء من أجل فهم مصالح باكستان في أفغانستان، أن يفهم أولاً خلفية علاقاتهما الثنائية. تشترك باكستان وأفغانستان في حدود يبلغ طولها حوالي 2600 كيلومتر، تُعرف باسم خط دوراند Durand Line. تمَّ وضع علامة على هذه الحدود المثيرة للجدل في عام 1893 كجزء من اتفاقية بين السير مورتيمر دوراند، سكرتير الهند البريطانية، وعبد الرحمن خان، الحاكم الأفغاني. ومع ذلك، ادّعى القوميين الأفغان في وقتٍ لاحق أن الحدود رُسِمَتْ بشكلٍ تعسفي لأنها قسّمت البشتون على جانبي الحدود. فُرِضَ الترسيم قسراً من قبل البريطانيين حيث كان خان ضعيفاً سياسياً. عندما غادر البريطانيون شبه القارة الهندية عام 1947، وقسّموها إلى دولتين مستقلتين، الهند وباكستان، رفضت بريطانيا مطالبة الحكومة الأفغانية بإعادة رسم خط دوراند. كانت أفغانستان الغاضبة هي الدولة الوحيدة التي عارضت انضمام باكستان إلى الأمم المتحدة. ونتيجة لهذه المعارضة، أصبحت باكستان مدرِكة تماماً للتهديد الوحدوي الذي يمثله دعم أفغانستان لبشتونستان المستقلة. منذ ذلك الحين، حدَّد الخلاف حول خط دوراند العلاقة الثنائية بين أفغانستان وباكستان.
لم تقبل أيّ حكومة أفغانية، بما في ذلك نظام طالبان الأصولي (1996-2001) ، خط دوراند كحدود مُعترَف بها دولياً.
غرَّد نائب الرئيس الأفغاني أمر الله صالح مؤخّراً، في أيلول/سبتمبر 2020، قائلاً: “لا يمكن لأيّ سياسي أفغاني ذي مكانة وطنية التغاضي عن قضية خط دوراند. سوف يدينه في الحياة وبعد الحياة. إنها قضية تحتاج إلى مناقشات وحلّ. ومن يتوقعنا أن نقدّمها هدية مجانية هو أمر غير واقعي”. من الواضح أن حل النزاع على خط دوراند لن يكون سهلاً بدون روح التسوية والتنازل من كلا الجانبين.
كما لاحظ بحزن ضابط عسكري سابق في باكستان، بينما يستمد البشتون هويتهم العرقية من لغة الباشتو، التي يتم التحدُّث بها على جانبي الحدود المتنازَع عليها، عندما يُطلب منهم تحديد جنسيتهم، فإنهم يعلنون دائمًا أنهم أفغان. كانت القومية البشتونية في باكستان قضية حسّاسة للغاية بالنسبة لصانعيّ السياسة الباكستانيين بسبب آثارها السلبية على الاستقرار الداخلي، على غرار التمرُّد القومي البنغالي الذي أدّى إلى إنشاء دولة بنغلاديش. لطالما جادل الكثير في الأوساط المدنية والعسكرية الباكستانية بأن الوجود الأمريكي في أفغانستان يعطي البشتون على جانبي خط دوراند سبباً وجيهاً للوحدة، الأمر الذي يعزّز القومية البشتونية في كل من أفغانستان وباكستان.
هناك نقص كبير في التنسيق بين البلدين حول الإدارة الفعّالة للحدود، بسبب الطبيعة سهلة الاختراق للحدود المتنازَع عليها، والشكوك المتبادلة بين أفغانستان وباكستان، وإرث استخدام باكستان لمناطقها الحدودية لإيواء المجاهدين الأفغان خلال فترة “الجهاد الأفغاني” والجغرافيا السياسية المعقدة. وقد سمح ذلك للإرهابيين والمجرمين باللجوء إلى المناطق الحدودية على الجانبين. بمرور الوقت، انضم إليهم تنظيم القاعدة والحركة الإسلامية لأوزبكستان وداعش. استغلّت معظم المنظّمات الإرهابية التي تشكل تهديدات -الانفصاليون الأويغور للصين، وطالبان والقاعدة في أفغانستان، وحركة طالبان الباكستانية -من حالة انعدام القانون في المناطق الحدودية. كما خلقت سياسات باكستان تجاه مناطقها الحدودية العديد من المشاكل. على سبيل المثال، ظلّت المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الفيدرالية حتى اندماجها مع خيبر بختونخوا (خیبر بختونخوا، يُسمى محليًا بختونخوا، وكان يُعرف في السابق باسم الإقليم الشمالي الغربي الحدودي والعديد من الأسماء الأخرى، هو أحد أقاليم باكستان الأربعة، وهو يقع في شمال غربي البلاد.) في عام 2018، خارج الإطار القانوني لباكستان. وتشكّل حركة شتون تحفظ تحریک “حركة حماية البشتون” (PTM)، وهي حركة اجتماعية سياسية معارضة للجيش الباكستاني لشن عمليات عسكرية في المناطق القبلية، تحدياً أيضاً.
وأخيراً، توفر أفغانستان من وجهة نظر باكستان، “عمقاً استراتيجياً” ضد الهند. حاولت باكستان توسيع دائرة نفوذها حتى تتمكّن من السيطرة على علاقات كابول مع نيودلهي. قامت الهند في السنوات التي أعقبت إطاحة الولايات المتحدة بحركة طالبان، باستثمارات دبلوماسية واقتصادية كبيرة في البلاد، حيث قدّمت حوالي 3 مليارات دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية. تريد باكستان أن يعتقد العالم الغربي أن الهند تستخدم وجودها التنموي في أفغانستان لإثارة الاضطرابات في بلوشستان، وهو ادّعاء لم يُثبَتْ. اتهم وزير الخارجية الباكستاني قريشي في الآونة الأخيرة، في مقابلة مع قناة تلفزيونية أفغانية، الهند مرّة أخرى باستخدام الأراضي الأفغانية ضد باكستان. حتى أنه شكَّك بشكلٍ غير مباشر في السيادة الأفغانية في تقرير طبيعة ونطاق علاقاتها الثنائية مع الهند. ردّت الناشطة الباكستانية البارزة من البشتون أفراسياب خطاك بسخرية بالقول إن طالبان لن تحتاج إلى وزير خارجية “عندما يكون لديهم بالفعل” مثل قريشي. ترفض كل من أفغانستان والهند مطالبات باكستان وتعتبران أن تعميق شراكتهما الاستراتيجية حقهما المشروع.
شكّلت هذه الخلفية سياسة باكستان الأفغانية، والتي تهدف إلى إقناع الحكومة في كابول بالاعتراف بخط دوراند، واكتساب “عمق استراتيجي” في أفغانستان ومنع الهند من العمل على الأراضي الأفغانية بمساعدة وكلاء عنيفين، والتواصُل مع آسيا الوسطى. ينبغي النظر إلى دعم باكستان لطالبان وشبكة حقاني (شبكة حقاني هي فصيل ضمن طالبان) في هذا السياق. ومع ذلك، كانت هذه السياسات مصدر توتر مستمر في المنطقة. كما قال الباحث الدبلوماسي الهندي، شيفشانكار مينون، في كتابه الأخير، “باكستان هي في الأساس ضحية لرؤيتها الاستراتيجية المعيبة وتصرُّفات وكالات استخباراتها الخاصّة أكثر من تلك الخاصّة بالإرهابيين الذين كانوا أدواتهم المختارة”. كما يجادل بأن الأهداف الرئيسية لباكستان في أفغانستان لم تتحقق، ولا يبدو أنها قابلة للتحقيق، وهو ما أدّى إلى خلق منطقة غير مستقرّة “طغى عليها تقاسُم السلطة متعدّد الجوانب بين القبائل والجماعات المتطرّفة والإرهابية والجيش الباكستاني. إذا كان هناك أي شيء، فإن الوضع أسوأ من الحدود الغامضة ولكن المستقرّة نسبياً التي بناها الراج “البريطاني”. (الهند البريطانية أو الراج البريطاني هي المرحلة التاريخية التي استعمِرَت فيها مناطق الهند وباكستان وبنغلاديش وميانمار بواسطة الامبراطورية البريطانية منذ بداية القرن 19 حتى منتصف القرن 20. في اللغة الهندية، كلمة “راج” تعني “الحكم”، أي فترة الحكم البريطاني في المنطقة. كانت المناطق المستعمرة تمثل دولة واحدة).
غالباً ما ألقت الولايات المتحدة باللوم على باكستان في لعبها دوراً مزدوجاً، حيث ساعدت في جهود مكافحة الإرهاب مع دعم تمرُّد طالبان أيضاً. انتقد الرئيس السابق دونالد ترامب، في السنوات الأولى من رئاسته بشدّة باكستان لدورها المزعزِع للاستقرار في أفغانستان. كان تغيير سلوك باكستان وإجبارها على قطع العلاقات مع طالبان هدفاً رئيسياً لاستراتيجية ترامب في أفغانستان. أقنعت واشنطن الرئيس غني بالتواصُل مع بكين على أمل أن تساعد في تحقيق هذا الهدف، لكن الرئيس غني شعر بالخيبة. لاحقاً، غيّر ترامب أيضاً سياسته ونبرته مع باكستان، متطلّعاً إلى إسلام أباد للتوسُّط بين الولايات المتحدة وطالبان للتوصّل إلى اتفاق خروج. تبذل باكستان الآن جهوداً للتواصُل مع إدارة بايدن. تواجِه باكستان، نظراً لأن الاعتماد الأمريكي على باكستان سيختفي بعد فترة وجيزة من الانسحاب العسكري الأمريكي، تحدياً كبيراً في حماية مصالحها في أفغانستان. قال وزير الخارجية الباكستاني قريشي خلال مكالماته الهاتفية مع وزير الخارجية الأمريكي أنتوني ج.بلينكين في أيّار/مايو 2021 أن “العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة يجب أن تستند إلى “التعاون الاقتصادي الوثيق، وتعزيز الاتصال الإقليمي، ورؤية مشتركة لجنوب آسيا سلمية”. ومع ذلك، فإن تأكيد قريشي على “انسحاب مسؤول” للقوّات الأمريكية والأجنبية ينم فقط عن شعور بالنصر الباهظ الثمن.
كان التحدّي الرئيسي الذي واجهته أفغانستان على مدى العقود الأربعة الماضية هو المشهد السياسي المحلّي المجزّأ، إلى جانب تنافس القوى الإقليمية الذي أدّى إلى زيادة حدّة هذه الصراعات. وبالتالي، فإن أفغانستان المسالمة ستمثل مصدراً مهماً للاستقرار لمعظم الدول المجاورة، بما في ذلك الصين. تتمتع الصين بالمقارنة مع دول أخرى في المنطقة، ببعض المزايا في التعامل مع الأزمات الأفغانية. تمتعت بسمعة كونها جاراً محايداً بسبب سياستها الراسخة في عدم التدخل في الديناميكيات السياسية الداخلية لأفغانستان. حتى عندما أشارت بكين إلى تحوُّل تدريجي في موقعها التاريخي منذ حوالي عقد من الزمان، كانت حريصة على تبنّي نهج شامل، وإقامة علاقات مع جميع أصحاب المصلحة من الأفغان، بما في ذلك طالبان. تُحتّم القوّة الاقتصادية المتنامية للصين على كابول تقوية علاقتها مع بكين. ستستمر الحكومة الأفغانية في سياق الانسحاب الأمريكي، في الاعتماد على الدعم المالي الدولي. على الرغم من أن طبيعة المساعدة ستتغير بالتأكيد، يمكن أن تكون الصين أحد المصادر المحتملة. ومع ذلك، فإن مستوى ثقة الصين القوي مع باكستان هو القوّة الأساسية لبكين. نظراً لأن أفغانستان بلد غير ساحلي يعتمد في الغالب على باكستان في تجارتها، فإن مشاركتها في الممر الاقتصادي ستكون مفيدة لكل من باكستان والصين.

حاجَة الصين لباكستان
إن أهم سبب يجعل من المفيد للصين تنسيق سياساتها الأفغانية مع باكستان هو العلاقات الاستراتيجية القوية بين البلدين. بما أن باكستان لديها خبرة ثمينة في التعامل مع الشؤون الأفغانية، فإن الصين تعتبر ذلك ميِّزة كبيرة. بمجرّد أن بدأت الصين في تركيز اهتمامها على أفغانستان، تقدّمت باكستان لتبادل المعرفة، الأمر الذي أدّى إلى الثقة بين الاثنين. يتناقض ذلك بشكلٍ حاد مع علاقات باكستان المتوترة مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بأفغانستان. على الرغم من أن إسلام أباد جَنَت مكاسب عسكرية واقتصادية غنية من شراكتها مع واشنطن، فإن التعاون بين الولايات المتحدة وباكستان قد شابَهُ انعدام الثقة والشك في مصداقية ودوافع كل منهما. على النقيض من ذلك، فإن التطابق الاستراتيجي الأكبر بين الصين وباكستان سهّل تعاونهما في أفغانستان.
بدأت باكستان منذ دخول جو بايدن البيت الأبيض، في بذل جهود منسَّقة لإعادة ضبط علاقتها مع الولايات المتحدة. لخَّص مقال افتتاحي في صحيفة Dawn بعد يوم من مكالمة قريشي مع بلينكين، معضلة باكستان الاستراتيجية: “استثمرت باكستان في السنوات الأخيرة بشكلٍ كبير في علاقتها مع الصين وخاصّة من خلال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني. أولت باكستان أيضاً في الوقت نفسه، اهتماماً خاصّاً لتوطيد علاقاتها مع روسيا. … ومع ذلك، فإن هذا يجعل بعض المشي على حبل مشدود لباكستان، حيث أن الولايات المتحدة الآن عالقة في علاقة صعبة مع كل من الصين وروسيا”. أكّدت الافتتاحية كذلك على حَاجة إسلام أباد إلى “تحقيق التوازن الصحيح” في علاقات باكستان مع الولايات المتحدة والصين وتجنُّب تعزيز “علاقة واحدة على حساب الآخر.” بعبارة أخرى، لن يكون من السهل على إسلام أباد الحفاظ على العلاقات مع إدارة بايدن على قدم المساواة، دون الشراكة مع واشنطن لضمان انتقال سَلس للسلطة في كابول.
ومع ذلك، هناك فرصة جيدة أنه إذا لم تتلاقى مصالح أمريكا والصين في أفغانستان، فإن مصالح إسلام أباد ستكون أقرب إلى مصالح بكين من مصالح واشنطن. حتى الصين قد لا تحب أن تدعم باكستان الجهود الأمريكية في أنشطتها المتعلقة بأفغانستان في حقبة ما بعد الانسحاب. عندما ظهرت تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة كانت تحاول إنشاء قواعد عسكرية خارج أفغانستان، انتقد الباحث الصيني لان جيانشو الولايات المتحدة. مع الإشارة إلى أن “باكستان دولة تدافع بقوّة عن سيادتها وترفض التدخل الأجنبي، وبالتالي لن تسمح باكستان بالتأكيد للولايات المتحدة بتشغيل قاعدة عسكرية على أراضيها. إذا سمحت للولايات المتحدة بالوصول إلى قواعدها، فلن يتسبّب ذلك إلا في إلحاق الضرر بباكستان”.

التنافس المتبادَل مع الهند
بينما تُظهر الصين وروسيا اهتماماً متجدّداً بالتعاون الاستراتيجي في العديد من القضايا من بينها أفغانستان، لا تزال الصين تجد باكستان حليفاً أكثر موثوقية بسبب تنافسهما المتبادَل مع الهند المجاورة. بالنسبة لبكين، لا توجد دولة ذات صلة ومستعدّة لتعزيز مصالحها في المنطقة مثل باكستان. هذا هو البُعد المستمر للعلاقات بين الهند وباكستان يرتبط برغبة باكستان الدائمة في “التراجع” عن ضم جامو وكشمير إلى الهند. كان لدى المؤسّسة الحاكمة في باكستان حتى هزيمة باكستان في عام 1971 ضد الهند وولادة بنغلاديش لاحقاً، أفكار محدودة إلى حدٍ ما حول كيفية التعامل مع الهند. لكن في ظل حكم ذو الفقار علي بوتو، كان رد باكستان على هزيمتها عام 1971 هو الانطلاق على المسار النووي وتعزيز العلاقات مع الصين. اعتقدت الجماعات المؤثرة داخل قيادة الجيش الباكستاني منذ ذلك الحين، أن الاستخدام السري للقوّة ضد الهند يمكن أن يكون أداة فعالة لإركاع الهند على ركبتيها. وكانت الصين مستفيداً صافياً من نهج باكستان الاستراتيجي تجاه الهند.
لقد خدمت باكستان مصالح الصين على مدى عقود عديدة. شاركت الصين خلال الثمانينيات، إلى جانب باكستان والولايات المتحدة، في أفغانستان كداعم للمقاتلين المناهضين للسوفييت. ومع ذلك، شهدت علاقات إسلام أباد مع بكين بعد الانسحاب السوفييتي من أفغانستان بعض التغيير، حيث بدا أن الصين تُظهر اهتماماً متراجِعاً إلى حدٍ ما بباكستان. لقد تفكّك خصم الصين الرئيسي، الاتحاد السوفياتي، وبالتالي لم يعد يمثل نفس التهديد. بالإضافة إلى ذلك، تحوَّل التركيز الاستراتيجي للصين بعد نهاية الحرب الباردة، إلى شرق وجنوب شرق آسيا وكذلك جمهوريات آسيا الوسطى الناشئة، وهي منطقة سياسية جديدة تماماً على أعتاب الصين، لها آثار استراتيجية على حدودها الغربية.
لكن بكين استمرّت في الاستثمار في باكستان لأسباب عديدة، من بينها إبعاد باكستان عن المعسكر الأمريكي وتشجيع الجيش الباكستاني على دعم الصين في حملتها ضد القوات المتطرّفة التي تركّز على شينجيانغ العاملة من منطقة أفغانستان وباكستان. عامل مهم آخر كان محاولة الصين إصلاح علاقاتها مع الهند، وسلسلة من تدابير بناء الثقة بين البلدين للحفاظ على “السلام والهدوء” على طول الحدود المتنازَع عليها. وهكذا، حافظت الصين على توازن موقفها من قضية كشمير مع التأكيد على ضرورة التوصُّل إلى حلٍ ثنائي. هذا هو السبب في أثناء أزمة كارجيل عام 1999، رفضت الصين إنقاذ رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف من الفوضى العسكرية، وأصرَّت على ضرورة احترام خط السيطرة بين منطقتي جامو وكشمير الخاضعة للسيطرة الباكستانية والهندية. لكن على الرغم من هذه القيود، لم يكن من الممكن للصين أن تتجاهل باكستان بسبب حجمها وموقعها الاستراتيجي وحرصها على أن تكون حليفاً مخلصاً للصين. غيّرت الهجمات الإرهابية في 11 أيلول/سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة العديد من الحسابات ووجهات النظر العالمية.
ساعدت مشاركة باكستان اللاحقة في “الحرب على الإرهاب” بقيادة الولايات المتحدة على تخفيف مخاوف الصين الأولية. وسمح الوجود العسكري الأمريكي في أفغانستان منذ عام 2001 للصين بحماية مصالحها المتنوّعة في البلاد. لقد أدّى دعم باكستان لتمرُّد طالبان بلا شك إلى إضعاف اثنين من خصوم الصين الرئيسيين: الهند والولايات المتحدة. كما لاحظ بعض المحللين، ” تمثل علاقة أفغانستان بالهند في سعي الصين للهيمنة الإقليمية، العديد من التحدّيات لخطة الصين الكبرى. ونتيجة لذلك، هناك اهتمام متزايد من جانب الصين في أفغانستان للتغلب على الهيمنة الإقليمية للهند”. بينما تستعد الولايات المتحدة لمغادرة أفغانستان، من الواضح أن باكستان ستفضّل وجود الصين على وجود أي لاعب إقليمي آخر. وعلى الرغم من الخطاب العام بشأن التعاون الإقليمي، ستعزِّز الصين تنسيقها مع باكستان وستبذل محاولات منسّقة لتهميش الهند. مع تدهور علاقات الصين مع الهند منذ أزمة غالوان في حزيران/يونيو 2020، زادت احتمالية عمل الصين وباكستان جنباً إلى جنب لمواجهة نفوذ الهند في أفغانستان.

دور باكستان التسهيلي
دعمت باكستان حركة طالبان بشكلٍ علني خلال التسعينيات وبشكل أكثر سرّية بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر. زعمت الصين على عكس ذلك، أنها تعارِض التطرُّف الديني، واصفة إياه بأنه تهديد لأمنها الداخلي. لكن هذه الخلافات لم تؤثر على علاقاتهما الثنائية حيث رفضت الصين التشكيك في عقلانية دعم باكستان لطالبان. كما ضمنت باكستان أن التداعيات السلبية لسياستها تجاه طالبان لا تتعارض مع مصالح الصين. سهّلت باكستان خلال فترة حكم طالبان من عام 1996 إلى عام 2001، اتصال الصين المباشر مع الجماعة، بهدف التأكد من أن الانفصاليين الأويغور لم يجدوا ملاذاً في أفغانستان.
واصلت باكستان لعب دور الوسيط بين الصين وطالبان. بدأت الصين في وقتٍ لاحق، عندما اكتسبت الدبلوماسية الإقليمية الزخم لتسوية الخلافات بين طالبان ونظام كابول، في تطوير علاقات مباشرة مع طالبان. يمكن التخمين أنه إذا وصلت طالبان إلى السلطة مرة أخرى، فإنها ستضمن عدم تأثر المصالح الصينية. وعلى الرغم من أن الصين طوَّرت اتصالات جيدة مع طالبان، إلا أن باكستان تظل العامل الأكثر أهمية لتقريبهما معاً.
باكستان هي الدولة الوحيدة التي يمكنها تسهيل الأهداف الصينية الأخرى أيضاً، مثل تنفيذ مبادرة الحزام والطريق وما يترتب على ذلك من استخراج الموارد من أفغانستان. نظراً لأن الحدود الصينية الأفغانية غير واعدة بسبب التضاريس الوعرة، فإن الطريق البديل الأسهل للصين هو عبر باكستان. يوفر الاتصال عبر باكستان العديد من المزايا، مثل المسافة الأقصر نسبياً، وسهولة توافر البنية التحتية لباكستان، والشراكة الاستراتيجية القوية للغاية بين البلدين.
كما أن حقيقة أن الصين ساعدت باكستان في تطوير ميناء جوادر (ميناء عميق يقع على بحر العرب في جوادر في مقاطعة بلوشستان في باكستان. ويبرُز الميناء بشكلٍ بارز في خطة الممر الاقتصادي بين الصين وباكستان، ويُعتبر حلقة وصل بين المشروع الطموح في الحزام الواحد والطريق الواحد.) تعزِّز أيضاً من وصول بكين إلى أفغانستان. شجّعت جميع الحكومات الباكستانية على مدى العقدين الماضيين، مشاركة الصين في تطوير جوادر بينما ترى الصين الميناء كنقطة وصول استراتيجية إلى المحيط الهندي. وقد تم بالفعل استكشاف إمكانيات استخدامه لأفغانستان. من المرجَّح أن تتغلب زيادة التوصيلية في ظل الممر الاقتصادي على العديد من العقبات القائمة. سيكون للعلاقات الأفغانية مزيد من التحسن في باكستان -أفضل النتائج بالنسبة لمبادرة الحزام والطريق لأنها ستسهّل اتصال الصين بإيران وتركيا.
وبالمثل، بادَلت الصين جهود باكستان بالدعم الدبلوماسي والاقتصادي. لقد قامت الصين بحمايتها من التعرُّض للضغط من قبل الولايات المتحدة والهيئات الدولية الأخرى بسبب تسامحها تجاه الجماعات المتطرّفة. أشادت الصين عندما تعرّضت باكستان لضغوط متزايدة من إدارة ترامب لإيواء الإرهابيين، بدور باكستان في الحرب ضد الإرهاب. في آب/أغسطس 2017، جاء عضو مجلس الدولة الصيني يانغ جيتشي لإنقاذ باكستان عندما تحدَّث مع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ريكس تيلرسون. وأشار في معرض دفاعه عن دور باكستان في أفغانستان، إلى أنه “يجب علينا أن نولي أهمية لدور باكستان المهم في أفغانستان، وأن نحترم سيادة باكستان ومخاوفها الأمنية المشروعة”.
تعتقد باكستان أن وجود موطئ قدم للهند في أفغانستان يضر بمصالحها. على الرغم من أن الصين لم تُعلن علناً عن أي شيء سلبي بشأن هذه القضية، فمن المنطقي الاعتقاد بأنها تشارك باكستان مخاوفها ومواقفها. الطريقة التي حصلت بها طالبان على الاعتراف الإقليمي في أعقاب اتفاق الدوحة للسلام وضعت الهند في موقف حَرِج، الأمر الذي أجبرها على إحداث تحوُّل في سياستها تجاه طالبان. وفي حين تواصِل باكستان الأمل في الاستفادة من الوجود الصيني في أفغانستان لمواجهة نفوذ الهند، ترى الصين مزايا الاستفادة من باكستان لتحدّي الهند.

الجغرافيا السياسية لممر واخان
يترافق ارتباط الصين الدبلوماسي مع أفغانستان بمساعدة اقتصادية واستثمارات في تطوير البنية التحتية. كما تمّ إيلاء اهتمام خاص لتركيز الصين على مقاطعة بدخشان، بما في ذلك الوعد بتقديم الدعم الصيني لإنشاء لواء جبلي أفغاني خاص في بدخشان بالإضافة إلى خطط لتوسيع وجودها العسكري من خلال نشر القوات الصينية هناك. على الرغم من النفي الرسمي للصين، يزعم المسؤولون الأفغان السابقون أن بكين سعت إلى بناء قاعدة عسكرية هناك قوامها لواء من جيش التحرير الشعبي الصيني، وإرسال مدربين عسكريين لقوّات الأمن الأفغانية، لكن عندما طلب نظام غني طائرات هليكوبتر روسية، دفعت بكين بطائرات هليكوبتر وطائرات مسيَّرة صينية. نظراً لإصرار الصين على نشر أنظمة الملاحة الصينية، كان هناك خوف في دوائر الحكومة الأفغانية من إمكانية استخدام أنظمة الإنترنت والملاحة الصينية للتجسُّس على أفغانستان، وهو ما أدّى إلى تجميد المزيد من المحادثات حول القاعدة والمدربين والمعدّات. ربما دفع هذا الصين إلى نشر قواتها في طاجيكستان عبر الحدود بدلاً من ذلك.
اتخذت الصين لزيادة حجم تجارتها مع أفغانستان، عدداً من الإجراءات، بما في ذلك إطلاق خدمة قطار من مدينة نانتونغ، في مقاطعة جيانغسو شرقي الصين، إلى مدينة هيراتان الأفغانية، وإنشاء ممر جوي، ومنح معاملة معفاة من الرسوم الجمركية لمجموعة من السلع الأفغانية. أقنعت الصين من أجل تعزيز التجارة من خلال خدمة السكك الحديدية الجديدة أوزبكستان بتقليل رسوم عبور السكك الحديدية، الأمر الذي من شأنه أن يساعد التجار الأفغان. ستستفيد الصين من خط سكة حديد بين أفغانستان وأوزبكستان وباكستان، التي وقعت مؤخّراً اتفاقية إطارية بشأن خط سكة حديد بطول 573 كيلومتر يهدف إلى ربط طشقند عبر كابول بمدينة بيشاور شمال باكستان. كما ورد أن الصين تبني طريقاً مباشراً مع أفغانستان عبر ممر واخان، ليس بعيداً جداً عن طريق كاراكوروم السريع. إذا سمحت البنية التحتية للطرق عبر هذا الممر الجبلي للصين بزيادة التجارة مع آسيا الوسطى وتحريك القوّات بسهولة فإن زيادة التجارة عبر ممر واخان إلى ميناء جوادر ستكون بالتأكيد مفيدة لباكستان. يمكن أن تستخدم أفغانستان هذا أيضاً كطريق تصدير بديل، وبالتالي تقليل اعتمادها على باكستان. ومع ذلك، فإن إنتاج الأفيون والشبكات الإجرامية العابرة للحدود هي مخاوف صينية كبيرة إذا تمَّ فتح ممر واخان أمام تدفقات تجارية أكبر. اختارت الصين في عام 2009، رفض طلب أمريكي لفتح ممر واخير (في نهاية ممر واخان) كطريق إمداد بديل لقوّات الناتو العاملة في أفغانستان، الأمر الذي يشير إلى أن فتح حدود واخير سيعتمد على المسار المستقبلي الإيجابي لـ العلاقات بين الصين وأفغانستان. يبدو أن سياسة الصين في ممر واخان مدفوعة في المقام الأول بالتهديد بالتطرّف، على الرغم من أن الدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تلعبه هذه المنطقة في مبادرة الحزام والطريق في آسيا الوسطى هو عامل مهم آخر أيضاً.

التحدّيات التي تواجهها الصين

المرونة الأمريكية
يمكن للمرء بالطبع أن يوضّح النقطة الواضحة إلى حدٍ ما وهي أن رد فعل الصين على انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان معقد. تشعر الصين بالقلق من أنه بدون الدعم العسكري الأمريكي، يمكن أن تنزلق أفغانستان إلى الفوضى. هذا صحيح بشكلٍ عام، لأنه لا يوجد بلد آخر يمكن أن يضاهي القوّة والنفوذ الأمريكي. سوف يستغل المتطرِّفون الإسلاميون المتمركزون في الصين في حالة الحرب الأهلية، الأراضي الأفغانية للتدريب والمأوى. ومع ذلك، فإن الصين قلقة بنفس القدر من نوايا أمريكا طويلة المدى في المنطقة. ربما تعتقد أنه نظراً لأن الولايات المتحدة قد تخلّت إلى حدٍ كبير عن التزامها العسكري في أفغانستان، فإنها لن تتردَّد في استخدام أفغانستان لتقويض حسابات بكين الاستراتيجية الإقليمية. يُنظر إلى بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها مسؤولو إدارة بايدن على أنها تؤكّد مخاوف الصين من أن “التقشف الاستراتيجي” لأمريكا عن أفغانستان سيحرّر قدرتها على المنافسة بقوّة أكبر مع الصين.

تحالف حركة طالبان باكستان مع الانفصاليين البلوش
عادت حركة طالبان باكستان، المعروفة أيضاً باسم طالبان الباكستانية، والتي كان يُنظر إليها على أنها قوّة مستنفدَة إلى حدٍ كبير، إلى الظهور مؤخراً وشنّت سلسلة من الهجمات الإرهابية عبر الحزام القبلي الباكستاني، ويُعتَبَر هذا تطوُّر مقلِق من المنظور الصيني. استهدفت حركة طالبان باكستان في الغالب أفراد الأمن الباكستانيين، وتحوَّلت تدريجياً بعيداً عن الرواية الجهادية العالمية إلى قضايا محلّية أكثر. لكن هجوم حركة طالبان باكستان على فندق سيرينا في كويتا، عاصمة مقاطعة بلوشستان الباكستانية، يشير إلى تقارُب تكتيكي مع الانفصاليين البلوش. تقع بلوشستان على حدود أفغانستان وإيران والعديد من الجماعات الإرهابية الطائفية والانفصالية والأجنبية لها وجود هناك. المقاطعة هي أيضاً موطن لميناء جوادر، حيث استثمر الصينيون من خلال الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني لربط شينجيانغ ببحر العرب. تم بيع الممر الاقتصادي الباكستاني للشعب الباكستاني كطريقة لضمان خلق فرص العمل المحلية والتنمية الاقتصادية. ومع ذلك، لم يكن هناك في الواقع أيّ دعم للعمالة المحلية وخلق فرص العمل الماهرة. تظل بلوشستان أفقر مقاطعة في باكستان، ولم يؤدّ تطوُّر المنطقة إلا إلى عزل السكان المحليين. استهدف الانفصاليون العرقيون البلوش بشكل متكرّر البناء الصيني في بلوشستان، متّهِمين الدولة الباكستانية باستغلال مواردهم. شنَّ جيش تحرير بلوشستان في تشرين الثاني/نوفمبر 2018، هجوماً على القنصلية الصينية في كراتشي. يُعتقد أن حركة طالبان باكستان قد بدأت في التعاون مع بعض الجماعات البلوشية. قد تكون الاستثمارات الصينية في أفغانستان نظراً لأن البلوش يعيشون أيضاً في أجزاء من أفغانستان، وقضى بعض قادة جيش تحرير بلوخستان سنوات في المنفى هناك، وهي أيضاً عرضة لهجمات الانفصاليين البلوش، مثلما حدث في باكستان.

عملية سلام مجزّأة وخلاف باكستاني-أفغاني
تواجه عملية السلام الأفغانية عدداً من العقبات، كما يتّضح من حقيقة أن الحوار بين الأفغان لا يزال في طي النسيان. هناك تصاعُد كبير في أعمال العنف في جميع أنحاء أفغانستان حيث تمضي إدارة بايدن قدُماً في خططها لسحب جميع القوات الأمريكية. من منظور صيني، هناك عامل آخر معقد في وضع مشحون بالفعل وهو الانكماش في العلاقات بين إسلام أباد وكابول. على الرغم من رحلة النوايا الحسنة الأخيرة إلى كابول من قبل قائد الجيش الباكستاني، الجنرال قمر جاويد باجوا، يرافقه رئيس المخابرات الداخلية (ISI)، اللفتنانت جنرال فايز حميد، لطمأنة القيادة الأفغانية على دعم باكستان لـ “ترتيب شامل لتقاسم السلطة”، اتهم الرئيس غني باكستان بإدارة “نظام دعم منظم” لطالبان. وأكّد غني في مقابلة مع دير شبيغل أن “أسماء مختلف هيئات صنع القرار في طالبان هي كويتا شورى وميرامشاه شورا وبيشاور شورى -التي سُمِّيت على اسم المدن الباكستانية التي توجد فيها. هناك علاقة عميقة مع الدولة”. أدّت التعليقات الاستفزازية الأخيرة التي أدلى بها مستشار الأمن القومي الأفغاني حمد الله محب عن باكستان، والتي شبهتها بـ “بيت دعارة”، إلى إلغاء محادثة هاتفية كانت مقرّرة بين رئيس الوزراء عمران خان والرئيس غني. أفادت الأنباء أن باكستان قطعت علاقاتها مع محب. وعندما أدلى وزير الخارجية الباكستاني بتصريحات معاكسة بشأن الوجود الهندي في أفغانستان، أدان محب ذلك بشّدة، وغرَّد أن “قريشي إما جاهل أو مُتَجاهل أو متواطئ مع طالبان”.
لن يكون من السهل على الصين في أجواء لم تحقق فيها جهود باكستان لإقناع حركة طالبان بتقليل العنف واستئناف محادثات السلام نجاحاً كبيراً، المساعدة في عكس التراجع في العلاقات بين إسلام أباد وكابول. ليس هناك الكثير الذي يمكن لبكين القيام به الآن، لكن تنتظر ربما أوقاتاً أفضل عندما يبدأ الشعور بالمرارة والإحباط المتبادلين بين الجانبين في التراجع أو تؤدي بعض الديناميكيات الأخرى إلى إحداث تغيير.
هناك نقص داخل الحكومة الأفغانية، في التبادل الثقة بين السلطات السياسية الرئيسية. لا يزال المجتمع الأفغاني منقسماً كما كان دائماً على أسُس عرقية، حيث يمثل المسؤولون والسياسيون الأقوياء مصالح متضاربة. إن حالة الحكومة الأفغانية المجزّأة تقلّل من قدرتها التفاوضية في محادثات السلام مع طالبان. كما إن إعادة دمج طالبان في الهياكل الحاكمة، وصيغة تقاسم السلطة، وتكوين الدولة الأفغانية المستقبلية، ودور النساء والأقلّيات هي قضايا خلافية يُعتبر حلّها شرطًاً مسبقًا لتحقيق سلام دائم في أفغانستان. كما أن هناك مخاوف بشأن العنف الإرهابي وعودة القاعدة بعد انسحاب الولايات المتحدة. لا يبدو أن قوات الأمن الأفغانية ووكالات إنفاذ القانون مستعدّة لإدارة المنظّمات الإرهابية العابرة للحدود بمفردها. نظراً لأن طالبان تستعد للاستيلاء على المزيد من الأراضي الأفغانية، فمن المرجّح أن يصبح الوضع الأمني ​​أكثر اضطراباً مع محاولة الجماعات العرقية غير البشتونية مقاومة تقدُّم طالبان. سيختبر مزيد من عدم الاستقرار الناجم عن تفسير طالبان المتطرّف للإسلام، إلى جانب احتمال انتقال أفغانستان من جمهورية إلى إمارة، التزام باكستان تجاه الصين بشأن سلامة الممر الاقتصادي الباكستاني. ويبقى تأثير هذه التحدّيات على التعاون الصيني الباكستاني في أفغانستان غير واضح.
يمكن أن تكون منظّمة شنغهاي للتعاون من أجل تسريع عملية المصالحة الأفغانية، أداة مؤسَّسية مفيدة للصين، كما ألمح وزير الخارجية وانغ خلال مكالمته مع نظيره الباكستاني. على الرغم من أن الحكومة الصينية تستفيد بالتأكيد من الشراكة القوية مع باكستان، إلا أنها قد تكون عبئاً في بعض الأحيان. وهذا هو السبب الذي جعل الصين تضغط على باكستان لإقناع قيادة طالبان بأن تكون أكثر مرونة، كما يتّضح من اقتراح وانغ أن “على الصين وباكستان مواصلة تعزيز التنسيق الاستراتيجي من أجل ممارسة تأثير أكثر إيجابية على عملية السلام في أفغانستان”. بدلاً من ذلك، إذا فشلت جميع الأطر الإقليمية في تحقيق السلام الأفغاني، فلن تتردّد بكين في طلب تدخُّل محتمَل من الأمم المتحدة، وفقاً لوانغ. يجب أن يُنظر إلى عرض الصين الأخير لاستضافة المحادثات بين الأفغان في بكين على أنه انعكاس لليأس الصيني لاستكمال عملية السلام الأفغانية.
ثمّة عامل آخر ذو صلة هو حساسية الصين تجاه الاهتمام الدولي الذي يركّز على قمعها المستمر لمسلمي شينجيانغ. كانت الولايات المتحدة في طليعة المسؤولين عن ذلك، متّهمة بكين بارتكاب إبادة جماعية ضد مجتمع الأويغور. في آذار/مارس 2021، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا عقوبات على أربعة صينيين وكيان واحد بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في شينجيانغ. في 19 أيّار/مايو، اعتمد البرلمان الأوروبي قراراً بتجميد “أي اعتبار للاتفاقية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي والصين بشأن الاستثمار (CAI)، فضلاً عن أي مناقشة بشأن التصديق”. في هذه المرحلة، لا تريد الصين أن يزداد الوضع في شينجيانغ سوءاً بسبب التأثير غير المباشر من أفغانستان.

خيارات الهند
الهدف الأساسي للهند في أفغانستان هو الحدّ من نفوذ باكستان الاستراتيجي بحيث لا تُستَخدَم الأراضي الأفغانية كملاذ آمن للجماعات الإرهابية المناهضة للهند. لكن أدوات سياسة نيودلهي للاستجابة للأزمة الأفغانية التي تتكشّف لا تزال محدودة، لأن سياسة الهند في أفغانستان عانت بشكلٍ عام من التوتر بين التفكير المثالي والقيود التي تفرضها سياسات القوّة الإقليمية والعالمية. قد يكون هذا قد خلق أيضاً انطباعاً بعدم اتساق الهدف وعدم وجود اتجاه واضح. لا تعكس التصريحات الرسمية الهندية بشأن التطوُّرات الأفغانية عادة سياسة جيدة الصياغة ترتكز على حقائق القوّة. والأهم من ذلك أن رفض الهند التعامل مع طالبان كان عاملاً مقيِّداً.
فتحت الهند الآن مستشعرةً بعدم جدوى موقفها السابق، قناة اتصال مع طالبان. ويُقال إن هذا التواصُل الدبلوماسي يقتصر على فصائل طالبان التي تعتبر “قومية” في رؤيتها العالمية وليس تحت تأثير المؤسّسة الأمنية الباكستانية. جاء التأكيد الرسمي الأول لمحادثات الهند المباشرة مع طالبان في الدوحة من مطلق بن ماجد القحطاني، المبعوث الخاص لوزير الخارجية القطري لمكافحة الإرهاب والوساطة في حلِّ النزاعات. قام وزير الشؤون الخارجية الهندي س. جايشانكار بزيارات توقف قصيرة إلى الدوحة يومي 9 و15 حزيران/يونيو خلال رحلاته إلى الكويت وكينيا. التقى وزير الخارجية القطري ومستشار الأمن القومي، وكذلك الممثل الأمريكي الخاص للمصالحة في أفغانستان زلماي خليل زاد، الذي كان هناك أيضاً، وناقش التطورات الأفغانية.
تمثل المشاركة المباِشرة بين الهند وطالبان تحوُّلاً رئيسياً في السياسة، لكن الهند قامت بتصحيح المسار هذا فقط بعد إدراك عواقب انخراط باكستان الأكبر في أفغانستان. وكما أشار دبلوماسي هندي سابق، فإن “الدبلوماسية الهندية كانت غير ثابتة حقاً في إجراء محادثات علنية مع طالبان، حتى عندما كانت الجماعة تكتسب شرعية عالمية. ومن المعروف أيضاً أنها (طالبان) كانت تشير إلى اهتمامها بالاتصال بالهند ولكن كانت دلهي في تلك المرحلة، ملتصقة بشدّة بالرئيس أشرف غني. يجب دائماً دفع ثمن قاسٍ مقابل العناد الدبلوماسي”. بعبارة أخرى، تخلّفت الهند عن لاعبين إقليميين آخرين مثل روسيا والصين وإيران في إقامة اتصالات مع طالبان. ما تحتاجه الهند هو نهج استراتيجي طويل المدى تجاه أفغانستان يَنسج الأبعاد السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية معاً في كلٍ متماسِك في إطار استراتيجية كبرى. يجب أن تستند سياسة الهند تجاه أفغانستان إلى فهم واضح لأهدافها الاستراتيجية في المنطقة، فضلاً عن البيئة الاستراتيجية الإقليمية والعالمية.
حالياً، هناك حربان في أفغانستان: واحدة داخل أفغانستان ضد التدخُّل الأجنبي الذي مضى على مدى العقود الأربعة الماضية، والأخرى ضد الحكومة الأفغانية من الأراضي الباكستانية، وهو ما تسبّب في اضطرابات داخلية موازية. منذ أن كان الهدف الأساسي لسياسة باكستان هو ترسيخ هيمنتها في أفغانستان، تنظر إلى أفغانستان المستقلة التي تتمتع بعلاقة حيوية مع الهند باعتبارها العقبة الرئيسية في تحقيق طموحاتها في الهيمنة. تشكّل هذه العوامل عقبات كبيرة في طريق العلاقات الطيبة بين البلدين. إذا منحت باكستان الهند وصولاً برياً إلى أفغانستان، فإنها ستحوِّل المنطقة بأكملها. إذا أعطت باكستان الأولوية للاقتصاد الجغرافي بدلاً من الجغرافيا السياسية، كما زعم قائد الجيش باجوا مؤخّراً، فيجب أن تعترف بمصالح الهند الأمنية والاقتصادية في أفغانستان. ولكن نظراً لعدم وجود مؤشّرات على أن باكستان ستتخلّى عن طموحاتها الاستراتيجية في أفغانستان، وتسمح بتفكير جديد حول دور الهند في أفغانستان في المستقبل المنظور، فمن المرجَّح أن يحدِّد ميزان القوى بين الهند وباكستان النتيجة النهائية في أفغانستان. يمكن أن نتوقع من باكستان أن تستخدم كلَّ أداة من أدوات السياسة، بشكلٍ علني وسرّيّ، لتقويض الأصوات السياسية المستقلّة في أفغانستان وتحقيق تسوية خط دوراند بشروطها الخاصّة.
تقع باكستان على مفترق طرق لمنطقة استراتيجية على الحدود مع الصين وأفغانستان وإيران. في الوقت الحاضر، معظم عناصر القاعدة وتقريبا جميع قادة طالبان الكبار لديهم معسكراتهم في باكستان. لكل الأسباب المذكورة أعلاه، تُعتبر باكستان أكثر أهمية للأمن القومي للولايات المتحدة من أفغانستان. تحرص باكستان بشدّة مع سحب الولايات المتحدة لقوَّاتها من أفغانستان، على إعادة بناء علاقتها مع الولايات المتحدة وفصلها عن حصة أمريكا في كابول. كان لدى رئيس الوزراء خان في أعقاب الانسحاب الأمريكي، توقعات كبيرة من إدارة بايدن: فهو يريد نفس العلاقات “المتحضّرة” و “المنصفة” مع أمريكا التي تربطها به مع الهند وبريطانيا. وكما جادل محلل الشؤون الاستراتيجية الرائد في الهند، سي راجا موهان، فإن “كيفية تعامل باكستان مع الديناميكية الجديدة بين الولايات المتحدة والصين وكذلك إدارة الأزمة المتفاقمة في أفغانستان سيكون ذا أهمية كبيرة لدلهي”. لذلك يجب على الهند صياغة سياستها الأفغانية طويلة المدى مع مراعاة عوامل مثل التعاون التكتيكي الأمريكي مع باكستان، والتنسيق الاستراتيجي بين الصين وباكستان في أفغانستان، وتوسيع قوّة الصين ونفوذها في جنوب آسيا ومنطقة المحيط الهندي. على الرغم من أن الهند لا تستطيع تقديم أي التزام عسكري تجاه أفغانستان، إلا أنها ستحتاج إلى العمل عن كثب مع الولايات المتحدة، التي لا تزال تتمتع بنفوذ كبير في الدوائر السياسية والاقتصادية في أفغانستان.
تنبع أهمية باكستان بالنسبة للمؤسّسة الأمريكية من موقعها الجغرافي، حيث تحيط بها دول أثرت وستستمر في التأثير على السياسة الخارجية للولايات المتحدة -إيران والصين وروسيا -وكذلك أفغانستان والهند. نظراً لأن إدارة بايدن تَعتبر الصين المنافس العالمي الرئيسي لأمريكا، فإن ما تفعله الولايات المتحدة في أفغانستان سوف يتم تحديده إلى حدٍ كبيرٍ مع وضع الصين في الاعتبار. علاوة على ذلك، كانت هناك في تاريخهم الطويل والمتقلب، عدّة مناسبات أعادت خلالها الولايات المتحدة إعادة تمهيد علاقتها مع باكستان، ولن تكون هذه هي المرّة الأولى التي تستكشف فيها واشنطن وإسلام أباد ميثاقاً سياسياً جديداً بعد 11 أيلول/سبتمبر. من الصّعب فكّ رموز شروط وأحكام التعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة وباكستان، لكن ما يبقى مؤكَّداً أنه سيتم ربطها بالنتيجة في أفغانستان. على الرغم من أن نيودلهي لا تستطيع أن تأمل في التأثير على نهج إدارة بايدن تجاه باكستان، إلا أنه ينبغي بذل الجهود لإقناع واشنطن بأنه يجب إعادة تعريف العلاقة بين الولايات المتحدة وباكستان لضمان أن أيّ تسوية تكتيكية تأتي مع بعض الشروط المرتبطة بها. بمعنى آخر، يجب أن تكون هناك شروط حتى تتمكّن الدولة الباكستانية من توجيه القوى المنتجة لصالح الأهداف المشتركة على نطاق واسع، على عكس ما حدث سابقاً. ومع ذلك، من الواضح أيضاً أن الهند تعيد ضبط سياستها تجاه الصين بسبب العداء الصيني المتزايد على طول الحدود المتنازَع عليها في جبال الهيمالايا، الأمر الذي يترك فُرَصاً قليلة للبلدين للتعاون بشأن أفغانستان. لكن على الرغم من هذا العامل المقيِّد، لا ينبغي للهند أن تخجل من الحفاظ على اتصال منتظم مع الصين، إن لم يكن لتنسيق سياساتها، فعندئذ على الأقل أن تكون على علم بالوضع الأفغاني بقناعة أنه يمكن أن يكون هناك تعاون بين الخصوم، إلى جانب الاستعداد للاعتقاد بأن الاختلافات الجيوسياسية قد لا تكون المحدِّدات النهائية للعلاقات بين دولتين تتمتعان بالسيادة.

استنتاج
تقف أفغانستان عند مفترق طرق مع مغادرة الولايات المتحدة أخيراً بعد مهمة فاشلة استمرّت عقدين. نظراً لأنه من المرجّح أن تظلّ أفغانستان دولة غير مستقرّة، فإن الصين قلقة للغاية بشأن المخاطر الأمنية المحتمَلة. سيكون ردّ بكين مدفوعاً بهدف الحفاظ على الاستقرار في أفغانستان وحولها، وهذا يعني أن مسار عملها الرئيسي سيكون الاستمرار في تعزيز التنسيق مع باكستان وطالبان وكذلك اختيار أجهزة الأمن الأفغانية.
يُعد الموقع الاستراتيجي لأفغانستان عند مفترق طرق وسط وجنوب آسيا بالإضافة إلى مواردها الطبيعية الوفيرة من العوامل التي تدفع مشاركة الصين النشطة في الشؤون الأفغانية، وباكستان هي الشريك الأكثر صلة واستعداداً لتعزيز المصالح الصينية في البلاد. القرب الجغرافي لباكستان، والروابط العرقية من حيث عدد سكان البشتون الكبير، والحاجة إلى إبعاد الهند تجعل إسلام أباد حليفاً لا غنى عنه للصين. علاوة على ذلك، فإن دعم دور الصين في أفغانستان يكمِل مصالح باكستان الخاصة.
تمكّنت الصين من تطوير علاقة عمل مع طالبان إلى الحدّ الذي يجب أن تظلّ فيه مصالح الصين آمنة عندما يتم دمج طالبان أخيراً في هياكل الحكم في أفغانستان. حققت باكستان إنجازاً نادراً يتمثل في التوفيق بين السياسات المتباينة لدعم طالبان في أفغانستان ومساعدة الصينيين في حملتهم ضد الإرهاب ضد الجماعات المتطرّفة. وردّت الصين بالمثل بالدفاع عن سياسات باكستان الأفغانية ضد الضغوط الأمريكية المتكرّرة، بينما ساعدت أيضاً في كسر الجمود الدبلوماسي بين إسلام أباد وكابول.
لا يزال عدم الاستقرار المستمر في أفغانستان في قلب العديد من التحدّيات الأمنية العابرة للحدود غير التقليدية، الأمر الذي يخلق صعوبات كبيرة لسياسة الصين الأمنية. سيتطلّب تحقيق الأهداف الاقتصادية والدبلوماسية للصين التنفيذ الناجح لمشاريع مبادرة الحزام والطريق التي لا تسمح فقط بالتحوُّل الاقتصادي الخاص بها، ولكن أيضاً تساعد أفغانستان بطريقة منصِفة. مع زيادة الترابط والتجارة، يجب أن ترى أفغانستان فوائد من حيث قضايا البيئة والتنمية والأمن وحقوق الإنسان. بعبارة أخرى، تُعتبر الشرعية في عيون الأفغان حاسمة إذا سَعت بكين إلى أن تصبح حلاً للمشاكل وصانعة سلام في أفغانستان.
إذا لم يكن هناك تحوُّل جوهري في سياساتها الأفغانية، فيجب أن يكون لدى باكستان توقعات محدودَة لتقارب محتمَل مع الولايات المتحدة لأن الأخيرة ستنظر إلى باكستان دائماً من منظور أفغاني. تم تصميم الآلية الثلاثية بين الصين وباكستان وأفغانستان لتقليل الخلافات بين أفغانستان وباكستان وإقناع الجانبين بالتركيز على تعزيز الأمن الإقليمي.
يُعتقد نظراً لأن الصين تتمتع بعلاقات جيدة مع كلا البلدين، أنها في وضع فريد للمساعدة في معالجة القضية الأفغانية التي تبدو مستعصية على الحلّ، لكن القيود الهيكلية للعلاقات الأفغانية الباكستانية كبيرة ولن يتم التغلب عليها بسهولة. وبالتالي، من المرجّح أن تواصل الصين سياستها التقليدية ولكن مع آلية مُعاد تشكيلها، مثل التركيز على الجهود الدبلوماسية، والمساعدة الاقتصادية، ودور الوسيط الأكثر نشاطًاً.

رابط البحث
https://www.mei.edu/publications/pakistan-factor-chinas-afghanistan-policy-emerging-regional-faultlines-amid-us

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري