ذات صلة

التحوُّل في السياسة الخارجية لتركيا

مقدّمة
سيطر الرئيس رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية (AKP) منذ ما يقرب من 20 عاماً، على المشهد السياسي في تركيا. كان الهدف الأوّلي لأنقرة بموجب عقيدة “صفر مشاكل” التي بدأها وزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو، هو تحسين العلاقات مع جميع جيرانها. وبينما كانت الدولة تُعتبر نموذجاً لدولة إسلامية معتدلة وحديثة، بدأ الوضع يتغيّر قبل عقد واحد فقط، خلال ما يُسمّى بـ “الربيع العربي”، خاصّة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016. أصبحت تركيا في الوقت الحاضر، الأكثر حزماً وقوميةً على خلاف مع حلفائها الغربيين بشأن ليبيا وسوريا وجنوب القوقاز وشرق البحر الأبيض المتوسط. يَظهر التحوُّل في السياسة الخارجية لتركيا بالإضافة إلى تأكيدها العسكري المتزايد، بشكلٍ أفضل في تورُّط البلاد في نزاع الغاز مع اليونان، والأزمة الليبية، ونزاع ناغورنو كاراباخ بين أرمينيا وأذربيجان، وليس أقلُّها في علاقتها المضطربة مع الناتو. الهدف من هذه الورقة هو تقديم نظرة عامة شاملة على التحوُّل المذكور أعلاه في السياسة الخارجية لتركيا.

العلاقات مع الناتو والولايات المتحدة
تركيا هي واحدة من أقدم الدول الأعضاء في الناتو وأهم مساهم بقوّات في المهمّات والعمليات إلى جانب الولايات المتحدة. نظراً لموقعها الجغرافي الخاص -كونها تقع على مفترق طرق بين أوروبا وآسيا -تتمتع تركيا أيضاً بأهمية استراتيجية كبيرة للناتو. على الرغم من أن الناتو سيكون بلا شك أضعف بدون تركيا، إلا أن البلاد تتحوُّل بشكل متزايد إلى مصدر لانعدام الأمن.
أصبحت سياسة تركيا الخارجية في السنوات الأخيرة، أكثر استقلالية ومواجهة: اشترت تركيا في العام 2017 نظام الدفاع الجوي الروسي S-400، والذي، قد يَمنح روسيا في حالة نشره، إمكانية الوصول إلى معلومات حول أنظمة الدفاع الجوي لحلف الناتو، وبالتالي يمكن أن يشكّل خطراً كبيراً على الحلف. نتيجة لذلك، ردّت الولايات المتحدة بإخراج تركيا من برنامج الطائرات المقاتلة F-35 . كما تعرّضت العمليات العسكرية للبلاد في شمال سوريا في خريف عام 2019 لانتقادات شديدة من قبل التحالف. بالإضافة إلى ذلك، هدّد الرئيس أردوغان مراراً وتكراراً برفض الخطط الدفاعية لبولندا ودول البلطيق (المعروفة أيضاً باسم Eagle Defender)، إذا لم يُصَنِّف الحلف وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) على أنها منظّمة إرهابية. أخيراً، أدّى فتح حدود تركيا أمام الاتحاد الأوروبي في شباط/فبراير 2020، الأمر الذي تسبَّب في تدفق جديد للمهاجرين الذين يحاولون العبور إلى اليونان المجاورة، إلى توترات إضافية بين الحليفين في الناتو، اللذان يشتركان بالفعل في ماض معقّد.
ازدادت حدّة التوترات عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على تركيا بسبب شراء S-400 بموجب قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات (CAATSA). فرضت العقوبات حظراً على جميع تراخيص وأذونات التصدير الأمريكية لمديرية صناعة الدفاع التركية. بالإضافة إلى تجميد الأصول وقيود التأشيرات على رئيس المديرية، إسماعيل دمير، وغيره من كبار المسؤولين. قد يؤدّي توقيت العقوبات (بعد أكثر من عام على تسليم النظام الصاروخي) إلى زيادة تعقيد العلاقات مع أنقرة للإدارة الأمريكية الجديدة -غالباً ما كان جو بايدن ينتقد سياسات أردوغان في الماضي. ومع ذلك، تقديراً للقيمة الجيوستراتيجية لتركيا وفي محاولة لتجنُّب مواجهة إضافية، من المتوقع أن يستكشف الرئيس بايدن مجالات التعاون الأمريكي التركي المحتمَل، لا سيما ضد روسيا. قد يحاول بالتنسيق الوثيق مع الاتحاد الأوروبي، تغيير مسار السياسة الخارجية لتركيا في محاولة للحفاظ على علاقة دبلوماسية وأمنية قويّة. ستكون الجهود المبذولة لاستعادة العلاقات مع حلفاء الناتو (التي توترت خلال ولاية دونالد ترامب) على رأس جدول أعمال بايدن -وتركيا أحد هؤلاء الحلفاء. ومع ذلك، مع توقع عودة موضوعات مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون إلى مركز السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يبدو الاحتكاك مع أنقرة شبه حتمي.
يُعتبر التحالف عبر الأطلسي بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يعمل بكامل طاقته -والذي تُعد تركيا جزءاً لا يتجزّأ منه -ذا أهمية قصوى لأن الناتو سيستمر في تمثيل الإطار الرئيسي للأمن الأوروبي. لا يمكن المبالغة في أهمية التعاون الوثيق بين الاتحاد الأوروبي والناتو في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع، والتصدّي الفعّال للتحدّيات الأمنية المعقدة التي تواجه جانبي المحيط الأطلسي.

نزاع الغاز في شرق البحر المتوسط
العلاقات اليونانية التركية صعبة بشكلٍ خاص وتميَّزت بأزمات مختلفة على مدى العقود الماضية، تتعلّق إحداها باحتياطيات النفط والغاز الطبيعي والحقوق البحرية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. تصاعدت التوترات بين الجارتين مع قيام تركيا بمسح احتياطيات الطاقة المحتمَلة في منطقة تقول اليونان أنها جزء من جرفها القارّي.
زادَ منتدى غاز إيست ميد (EMGF)، الذي أنشأته قبرص واليونان وإيطاليا ومصر وإسرائيل والأردن من أجل إنشاء سوق غاز إقليمي، واستبعاد تركيا من المفاوضات، وكذلك الصفقة البحرية بين تركيا والحكومة في ليبيا، من تأجيج التوترات الجيوسياسية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. اشتدَّ الخلاف مرّة أخرى بعد فترة وجيزة من التيسير في العلاقات، حيث أعرب الجانبان عن استعدادهما لإجراء محادثات تحت مظلّة الناتو. في خريف 2020، أعلنت تركيا أن سفينة المسح Oruc Reis ستواصل عملياتها بالقرب من جزيرة Kastellorizo ​​اليونانية، التي تقع على بعد كيلومترين فقط من البرّ الرئيسي التركي. في نهاية المطاف، أجرت كل من اليونان وتركيا تدريبات عسكرية وأُرسِلَتْ السفن الحربية إلى المنطقة، وسرعان ما أصبح البحر الأبيض المتوسط ​​مسرحاً لإظهار القوّة العسكرية والانخراط في المنافسة الجيوسياسية، ومواجهة الاتحاد الأوروبي بدور الوسيط الصعب بشكلٍ خاص.
ستظلّ الأزمة في شرق البحر الأبيض المتوسط قضية مُلِحّة لأسباب مختلفة: مع احتلال الطاقة الحصّة الأكبر من إجمالي واردات البلاد، ترى تركيا أن تأمين حصّتها في المنافسة المتزايدة على هذه المنطقة أمر حيويّ. بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من أن النزاع بين تركيا واليونان حول المناطق الاقتصادية الخاصّة (EEZ) (الذي يأتي ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، هي منطقة بحرية تمارس عليها دولة حقوقاً خاصة في الاستغلال واستخدام مواردها البحرية. المترجم) طويل الأمد، فإن التوترات المتصاعدة خلال عام 2020 أظهرت بوضوح أن الاصطدام العسكري بين حلفاء الناتو ليس مجرَّد احتمال بعيد. فيما يتعلق بقبرص، تجادِل أنقرة بأنه لا ينبغي السماح لها باستغلال مواردها من الغاز حتى يتم التوصُّل إلى اتفاق مع القبارصة الأتراك. ومع ذلك، فإن إمكانية التوصُّل إلى اتفاق مرضٍ للطرفين بشأن وضع الجزيرة المقسَّمة تظلّ ضئيلة للغاية. في حالة التصعيد المتجدِّد للنزاع على الغاز، يمكن أن تنشأ حالة من الجمود، وهو ما سيكون له تأثير سلبي على كل من العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والناتو وعلى علاقات تركيا الثنائية مع الدول الفردية.
كشفت المصالح المتباينة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تجاه تركيا مرة أخرى عن الصعوبات التي يواجهها الاتحاد في تبنّي نهج موحّد وصلب تجاه أنقرة. أصرّت فرنسا في سياق الضغط من أجل سياسة أمنية أوروبية أكثر استقلالية وحكم ذاتي استراتيجي، على إظهار التضامن مع اليونان وقبرص (التدريبات العسكرية المشتركة بين فرنسا واليونان وإيطاليا وقبرص هي مثال على ذلك). تشعر باريس بالقلق من أن إعادة إدخال الرئيس أردوغان للإسلام في السياسة يمكن أن ينتشر في شمال إفريقيا، ويشجّع الميليشيات الإسلامية، وبالتالي يُلحِق الضرَر بمجال النفوذ الفرنسي. تشجّع ألمانيا، موطن أكبر الشتات التركي في أوروبا، على اتباع نهج بنّاء قائم على الحوار، في حين أن دول البلطيق تؤيّد علاقة سلسة مع تركيا، كونها حليفاً طويل الأمد في الناتو، تلعب أنقرة دوراً مهمّاً في أمنها القومي. يبدو أن دولاً أخرى أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل إسبانيا أو إيطاليا تفضّل اتباع نهج أكثر توازناً. فقد أجرت الأخيرة، على سبيل المثال، تدريبات عسكرية منفصلة في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ليس فقط مع اليونان وفرنسا ولكن أيضاً مع تركيا.
لذلك، على الرغم من أن اليونان وقبرص تتمتّعان بالدعم النظري من الاتحاد الأوروبي، امتنع الاتحاد حتى الآن عن اتخاذ إجراءات صارمة ضد أنقرة، بصرف النظر عن العقوبات المحدودة التي تستهدف الأفراد والشركات المسؤولة عن التنقيب في المياه المتنازَع عليها في البحر الأبيض المتوسط. الأسباب الرئيسية لذلك هي المخاوف من أن الرئيس أردوغان قد ينتقم من خلال تعزيز العلاقات مع موسكو، أو الحدّ من التعاون في مكافحة الإرهاب أو حتى من خلال تشجيع المزيد من المهاجرين على المرور إلى أوروبا -لا يزال الالتزام التركي المستمر بصفقة الهجرة لعام 2016 ذا أهمية قصوى بالنسبة الاتحاد الاوروبي.

تركيا وليبيا
إن انخراط تركيا في ليبيا هو مثال آخر على التحوُّل في سياسة أنقرة الخارجية، التي تمتد من أوراسيا إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. في تشرين الأول/نوفمبر 2019، أقنع الرئيس أردوغان حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة بالتوقيع على اتفاقية بحرية، مُعلِنة أن الممرَّ البحري بين شمال شرق ليبيا وجنوب غرب تركيا منطقة اقتصادية خاصّة، الأمر الذي ينتهك الحدود البحرية لليونان وقبرص. في المقابل، وعدت أنقرة بتزويد حكومة الوفاق الوطني بالمعدّات العسكرية وأفراد التدريب. ومع ذلك، لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي تسعى فيها تركيا إلى اتفاق مع ليبيا من شأنه أن يحدِّد حدود الرفوف القارية لكلا البلدين. حاولت أنقرة الوصول إلى مثل هذا الاتفاق بالفعل في عام 2010، وهو ما رفضته ليبيا بعد ذلك. واصلت تركيا متابعة طموحاتها واستغلّت الوضع غير المستقرّ في عام 2018 لصالحها، لتوسيع مصالحها ونفوذها في المنطقة. لم يكن حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2019، عندما وافقت ليبيا على المطالب مقابل الدعم العسكري.
قرّر البرلمان التركي في أوائل كانون الثاني/يناير 2020، بعد وقتٍ قصير من توقيع الاتفاقية، في جلسة طارئة نشر قوات في ليبيا، على الرغم من الانتقادات الشديدة من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بأن مثل هذا التدخُّل العسكري يمكن أن يزيد من زعزعة استقرار البلاد. كان الهدف الأول والأهم للعملية هو وضع حدّ للهجمات المستمرّة التي يشنّها الجيش الوطني الليبي ومحاولته الإطاحة بطرابلس، عاصمة ليبيا. في أواخر ربيع 2020، نجحت القوَّات التركية، وكذلك المسلّحون السوريون الذين نشرتهم تركيا للقتال في الصراع الليبي، جنباً إلى جنب مع حكومة الوفاق الوطني، وأنهوا الصراع على طرابلس.
الأسباب وراء انخراط تركيا بنشاط في الحرب الأهلية في ليبيا هي أسباب جيواستراتيجية وكذلك ذات طبيعة اقتصادية. في حين أن تركيا معزولة بشكلٍ متزايد في شرق البحر الأبيض المتوسط​​، فإن مشاركتها في ليبيا تطرح إمكانية إعادة تموضُع جيوستراتيجي مفيد للبلاد.
بالإضافة إلى ذلك، كانت العلاقات الاقتصادية بين ليبيا وتركيا قوية في الماضي. لم يقتصر الأمر على الموارد الطبيعية الهائلة، مثل احتياطيات النفط والغاز، وهو ما جعل ليبيا شريكاً اقتصادياً جذاباً، ولكن أيضاً الإمكانات في سوق البناء جذبت الشركات التركية خلال عهد معمّر القذافي. ومع ذلك، اضطرّت تركيا بعد سقوط القذافي وانتفاضات “الربيع العربي” في عام 2011، إلى الانسحاب من غالبية مشاريعها الاقتصادية في ليبيا، الأمر الذي أدّى إلى خسارة تقدَّر بنحو 19 مليار دولار. حاولت تركيا مراراً وتكراراً منذ ذلك الحين، استئناف المفاوضات واستفادت من الوضع غير المستقر في ليبيا في عام 2018، وهو ما أدّى في النهاية إلى اتفاق بين البلدين. في مواجهة الأزمة الوطنية التركية الحالية، مع انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر (FDI)، وهبوط الليرة، فضلاً عن تقاعُس الحكومة خلال جائحة COVID-19، فإن المشاركة النشطة في ليبيا يمكن تقدِّم أن لتركيا مزايا اقتصادية كبيرة على المدى المتوسط.
على الرغم من أن تركيا تعلِّق آمالاً كبيرة على التعاون مع ليبيا، إلا أنه لا يزال هناك تساؤل حول ما إذا كان سيحقق النفوذ الاستراتيجي الذي تشتد الحاجة إليه. علاوة على ذلك، فإن نفاد الصبر المتزايد لمختلف الجهات الفاعلة الدولية مثل فرنسا يضع مزيداً من الضغط على تركيا. ومع ذلك، ليست كل الدول الأوروبية متشكّكة تجاه تركيا. تدرك إيطاليا، على سبيل المثال، الحاجة إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في ليبيا، وهذا هو السبب في أنها تتكلّم بلهجة أكثر مصالحة تجاه تركيا. التدريبات العسكرية المنفصلة التي أجرتها روما مع أنقرة، وكذلك مع أثينا وباريس، هي مثال على ذلك.

تورُّط تركيا في نزاع ناغورنو – كاراباخ
انخرطت أرمينيا وأذربيجان في صراع لأكثر من 30 عاماً، يعود تاريخها إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. قبل ذلك، تمَّ وضع منطقة ناغورنو كاراباخ في عهد جوزيف ستالين، في جمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفياتية، على الرغم من أن غالبية سكانها كانوا ولا يزالون من الأرمن. لاحقاً، أعلن أرمن ناغورنو – كاراباخ في عام 1991، استقلالهم، وهو ما أدّى إلى اندلاع حرب مع أذربيجان، حيث رفضت الأخيرة تغيير حدودها. فاز الجيب بالحرب بدعم أرميني وتم تجميدها مؤقتاً بوقف إطلاق النار في عام 1994. ومع ذلك، لم يتم الاعتراف بالمنطقة كدولة مستقلة -ولا حتى من قبل أرمينيا -وما زالت تُعتبر حتى اليوم جزءاً من أذربيجان من قبل الأمم المتحدة.
اندلع القتال مرّة أخرى في 12 تمّوز/يوليو 2020، عندما هاجم الجيش الأرمني القوات الأذربيجانية الأمر الذي تسبّب في وقوع عدة إصابات. بعد أكثر من شهرين، بدأ القتال بين الخصمين مرة أخرى واستمرَّ لمدّة ستة أسابيع. لكن هذه المرّة، كان الصراع العسكري مختلفًا.
دعمت تركيا بنشاط أذربيجان وظلّت متّسقة مع استراتيجيتها القتالية الأخيرة، كما هو موضَّح في الصراع الليبي بتوفير المعدَّات العسكرية، وخاصّة الطائرات بدون طيار عالية التقنية، والتدريب، ونشرت المقاتلين السوريين. كان الحزب المضاد، أرمينيا، مدعوماً من روسيا من خلال المساعدة العسكرية، مثل قاعدة عسكرية في كيومري، وهي مدينة أرمينية. حوَّلت هذه المشاركة النشطة النزاع المحلّي إلى نزاع إقليمي.
المصالح التركية في الصراع متعدّدة. لطالما كانت العلاقات بين أنقرة وباكو قوية على أساس الثقافة المشتركة واللغة التركية، فضلاً عن حقيقة أن تركيا دعمت أذربيجان بنشاط بعد الانفصال عن الاتحاد السوفييتي واندماجها في المنظّمات الدولية. علاوة على ذلك، فإن التدخُّل النشِط في الصراع يتماشى أيضاً مع استراتيجية السياسة الخارجية التركية الجديدة. إن الدعم الفعَّال لأذربيجان يضع أنقرة في موقف الخصم المباشر لمؤيِّدي الأرمن، الذين هم، من وجهة النظر التركية، الرؤساء المشاركون لمجموعة مينسك التابعة لمنظّمة الأمن والتعاون في أوروبا -الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا. بالإضافة إلى ذلك، تُظهر تركيا طموحات لتصبح جهة فاعلة دولية مؤثرة إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا وتتنافس معها. حسمت اتفاقية المساعدة المتبادَلة وكذلك إقامة شراكة استراتيجية بين أنقرة وباكو الموقعة في عام 2010 الجوانب القانونية للمشاركة. تنصّ هذه الوثائق على أنه يمكن للبلدين إجراء تدريبات عسكرية مشترَكة وإظهار الدعم النشط في حالة تدخّل من قبل طرف ثالث. كما توجد اتفاقيات مماثلة بين روسيا وأرمينيا.
توقفت المعركة عندما تم التوقيع على اتفاق سلام، بمبادرة من موسكو، من قبل الزعيمين الأذربيجاني والأرميني. ومع ذلك، تركت باكو ساحة المعركة منتصرة واضحة، بينما عانت أرمينيا من هزيمة مريرة. ومع ذلك، فإن الفائز الحقيقي في هذه الحرب هو تركيا.
يمثل هذا الانتصار تحولاً جيوسياسياً كبيرًا لأنقرة، والذي يرجع ليس أقله، إلى إنشاء طريق بين ناخيسيفان (جيب أذربيجاني) وأذربيجان يعبر أرمينيا وبالتالي يخلق وسيلة نقل مباشرة بين أنقرة وباكو. بينما اكتسبت تركيا نفوذاً كبيراً في هذه المنطقة، لا سيّما في أذربيجان، إلا أن اتفاقية السلام، ولا سيّما الطريقة التي تمَّت بها، كانت بمثابة نجاح دبلوماسي للكرملين. نُشِر حوالي 2000 جندي حفظ سلام روسي لحماية السكان الأرمن المتبقين، وكذلك للقيام بدوريات في الممرّ الذي تمَّ إنشاؤه لربط أرمينيا بناغورنو كاراباخ. ومع ذلك، تنتهي المعاهدة بعد خمس سنوات، وبعد ذلك يمكن لكل من أرمينيا وأذربيجان التعبير عن انسحابهما.
يُظهِر تورّط تركيا في حرب أخرى مرّة أخرى التحوُّل في سياسة تركيا الخارجية ويضع البلاد على خلاف مع روسيا. ليست هذه هي المرّة الأولى التي تجد فيها أنقرة نفسها خصماً في حرب (بالوكالة) أجنبية ضد الكرملين. هذا هو الحال أيضاً في ليبيا وكذلك في سوريا، حيث قسَّمت روسيا وتركيا (على غرار ناغورنو كاراباخ) مناطق الصراع إلى مناطق نفوذ. علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن خطوط الأنابيب، التي تربط أذربيجان بتركيا وتزوِّد الاتحاد الأوروبي بالنفط والغاز الطبيعي، تمرّ عن كثب بمنطقة الصراع تثير اهتماماً دولياً إضافياً وتلفت انتباه بروكسل مرّة أخرى إلى تصرُّفات تركيا. ومع ذلك، فإن انخراط الاتحاد الأوروبي في هذا الصراع يجب ألا يتحدَّد بعلاقاته المزعجة مع تركيا، بل من خلال قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
الأمر المقلِق بشكلٍ خاص فيما يتعلّق باستراتيجية السياسة الخارجية الجديدة لتركيا هو أن أنقرة قرَّرت إرسال مقاتلين أجانب، وبالتحديد مقاتلين سوريين بالوكالة، للعمل نيابة عنهم في المعارك الخارجية. يوضح هذا بصراحة النفوذ المتزايد للدولة التركية في سوريا، حيث أنقرة في معارضة مباشرة لموسكو. لوحظت هذه الكوكبة التنافسية مراراً وتكراراً خلال العام الماضي. يمكن تفسير النزاعات في ليبيا وجنوب القوقاز، على سبيل المثال، على أنها توسُّع في النزاع بين أنقرة وموسكو في سوريا. يمكن ربط التدخُّل النشِط لتركيا في الأزمة الليبية بالغارات الجوية الروسية في سوريا، والتي تسبّبت في سقوط قتلى في المعسكر التركي أوائل عام 2020. ومع ذلك، يوجد طرفان متعارِضان في سوريا وكذلك في النزاعات الأخرى حيث، يُدرِك كلا البلدين ضرورة الحفاظ على التعاون البناء. لكل من أنقرة وموسكو في جنوب القوقاز، على سبيل المثال، مصالح متداخلة، مثل إنشاء حكومة أرمينية جديدة أكثر تعاوناً. بالإضافة إلى ذلك، ساعد تورُّط تركيا في الصراع روسيا على اكتساب المزيد من النفوذ في أرمينيا، كما سَعت منذ عام 2018. جانب آخر من هذه الشراكة الفريدة هو حقيقة أن كلا البلدين يهدفان إلى النأي بأنفسهما عن الغرب. بالنسبة لروسيا، فإن تعزيز تركيا يمثل مخاطرة هي على استعداد لتحمُّلها، خاصّة عندما يعني ذلك في المقابل استبعاد الولايات المتحدة من ساحات القتال. يوضح ما ورد أعلاه بإيجاز مدى تعقيد التنافس بين أنقرة وموسكو.

استنتاج
كان هناك تحوُّل ملفت للنظر لنهج تركيا “صفر مشاكل مع الجيران” إلى سياسة خارجية المواجهة العلنية على مدى العامين الماضيين. في الوقت الحاضر، يبدو أن أنقرة ترفض الوضع الإقليمي السابق وتسعى إلى توسيع مجال نفوذها. يمكن إرجاع هذا التغيير الكبير في السياسة الخارجية لتركيا إلى نقطتين رئيسيتين: خاصّة بعد التضامن المحدود فيما يتعلق بمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016، أسَّست أنقرة الرواية القائلة بأنها لم تعد قادرة على الوثوق بشركائها الغربيين. كما أنها تدرك أن الغرب في حالة تدهور (جيوسياسي)، ويرجع ذلك إلى حدٍ كبير إلى فراغ السلطة الناجم عن انسحاب الولايات المتحدة من مختلف الالتزامات المتعدَّدة الأطراف في ظل إدارة ترامب. بالإضافة إلى ذلك، فإن السياسة الخارجية الأكثر حزماً تصرف الانتباه المحلّي عن اقتصاد البلاد المتدهور. على الرغم من أنه يمكن تفسير تصرفات أنقرة على أنها محاولة لتأسيس تركيا كقوة إقليمية رئيسية ذات سياسة خارجية مستقلة، إلا أنها في نفس الوقت تكشف أيضاً عن العزلة الدولية المتزايدة للبلاد.
يبدو من غير المحتمَل من منظور أوروبي، وجود خط مشترك (مستقبلي) فيما يتعلق بتركيا -كما هو الحال أيضاً مع سوريا وليبيا. تتبع بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، سياسة أكثر حذراً تجاه أنقرة، بينما تدعو دول أخرى، مثل فرنسا والنمسا، بحزم إلى فرض عقوبات شديدة أو تؤيّد إنهاء عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي رسمياً. لقد أظهرت أحداث مثل نزاع الغاز في البحر الأبيض المتوسط ​​أو نزاع ناغورنو كاراباخ بوضوح، مدى ضعف السلام والاستقرار. على الرغم من توتر العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي بسبب عدّة انقسامات، تحاول أنقرة حالياً وضع نبرة أكثر تصالحية. على الرغم من حقيقة أن المحادثات، التي تهدف إلى حل الخلاف بين أنقرة وأثينا، قد استؤنفت في 25 كانون/يناير من هذا العام، لا تزال تركيا تُظهر عداءً كامناً. واتضح ذلك من خلال التحذير الذي وجّهته لليونان لتجنُّب أي خطوات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد. لذلك، من الضروري أن يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق توازن دقيق بين مواجهة الأحادية التركية بنجاح، وفي الوقت نفسه منع التوترات الثنائية من التأثير على صنع السياسات الفعّالة على مستوى الاتحاد الأوروبي.
على الرغم من أن تركيا في الوقت الحاضر تنتهج استراتيجية سياسة خارجية أكثر حزماً وخطورة، إلا أنها تظل لاعباً مهمّاً في العديد من التحدّيات العالمية الحالية، مثل الهجرة والاستقرار الإقليمي. لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي الانخراط بشكلٍ أكثر نشاطاً وتوجيه علاقته مع أنقرة في اتجاه بنّاء، من أجل إيجاد أرضية مشتركة بدلاً من مجرّد التقليل من أهمية المخاوف التركية.

رابط البحث
https://www.aies.at/publikationen/2021/fokus-03.php

ترجمه لمركز أسبار يوسف سامي مصري