ذات صلة

المُسيَّرات سلاح تركيا المثالي في سماء شرق الفرات

أولا/ تطور صناعة الطائرات المسيَّرة

تشكل الطائرات المُسيَّرة (درونز) واحدة من أكثر الأسلحة المثيرة للجدل في العالم في الوقت الراهن، لاسيما بعد أن ازدادت وتيرة استخدامها في السنوات الأخيرة، فقد أصبحت السلاح الأكثر فعالية في الوصول إلى الأهداف وتوفير الحماية للجنود والطواقم العسكرية في أثناء تنفيذهم للعمليات العسكرية على الأرض، ويعود ذلك إلى الإمكانات الكبيرة لتلك الطائرات سواء في الاستطلاع والمراقبة أو في إصابة الأهداف وتدميرها().
في الحقيقة، لقد تحولت الطائرات المُسيَّرة إلى أهم مظاهر الهيبة عند الدول المتحضرة، ورمزا للمستوى المتقدم للتقنية العسكرية منذ حرب الخليج في عام 1991، فمن المعروف أنه وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، تمتعت الولايات المتحدة وإسرائيل دون غيرهما لمدة عقدين من الزمن بالتفوق في مجال التقنيات المتطورة للطائرات المُسيَّرة، حيث وجهت الولايات المتحدة مئات الضربات عبر الطائرات المُسيَّرة على بلدان مثل أفغانستان وباكستان منذ عام 2001. ومع ذلك، حصلت المزيد من الدول على الطائرات المُسيَّرة في السنوات القليلة الماضية، واستخدمتها بشكل متزايد لشن الهجمات المميتة، ويمكن القول انه حتى عام 2015، كانت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل تنفذ الضربات القاتلة عن طريق الطائرات المُسيَّرة، لكن في السنوات الاخيرة الماضية، انضمت إليها دول أخرى().
يبدو أن الطائرات المُسيَّرة تتطور بشكل مذهل، حيث نشــرت وزارة الدفــاع الامريكيــة على سبيل المثال، فيديــو لاختبــار ناجــح أجرتــه فــي تشرين الثاني 2016 لواحــدة مــن أضخــم البرامــج القائمــة عبر اسـتخدام مـا يسـمى بالطائرات المُسيَّرة الاصغـر حجمـا، وأطلـق علـى المشـروع اسـم (أسـراب الطائرات المسـّيرة/ swarms Drone)، وتضمـن الاختبـار إطلاق (103) طائــرات مســّيرة مــن مقاتلــة (إف/ إي – 18 ســوبر هورنــت)، وأهم مواصفـات هـذه الطائـرات المسّـيرة هي: يبلغ ارتفـاع كل طائرة مسّـيرة 6,2 بوصـة، وطولهـا 5,6 بوصـة، بينمـا تمتـد أجنحتهـا لمسـافة تصـل إلـى 8,11 بوصـة، ويبلـغ وزنهـا 23 أونصـة، وأطلــق عليهــا اســم (بيرديكــس/ Perdix) وتتميــز بامتلاكهــا برمجيــات وخوارزميــات متطــورة، وكل طائــرة مســّيرة قــادرة علــى العمــل بشــكل مســتقل، وتبــادل المعلومــات مــع الطائــرات المسـّيرة الأخـرى، وهـي مسـتوحاة مـن أسـراب الحشـرات().

ثانيا/ ازدهار صناعة الطائرات المسيَّرة في تركيا

لقد انتشرت تقنية تصنيع الطائرات المُسيَّرة إلى ما هو أبعد من إسرائيل والولايات المتحدة والغرب في نهاية المطاف، إذ انضم إلى نادي الطائرات المُسيَّرة كل من الصين وتركيا، وباتت الطائرات المُسيَّرة التركية والصينية تتنافس على أسواق العالم الثالث، وإذا لم يتفاجأ المراقبون في حالة الصين، كانت قفزة تركيا في صناعة الطائرات المُسيَّرة، حدثًا بارزًا للعديد من الخبراء والسياسيين، حتى أن بعضهم وصف تركيا بأنها (دولة مهمة لانتاج الطائرات المُسيَّرة) ().
تبدأ مسيرة تركيا مع الطائرات المُسيَّرة في أواخر الثمانينيات في ضوء متابعة تركيا للتطورات التكنولوجية العالمية عن كثب في هذا المجال، حيث سعت تركيا لتوفير برنامج استيراد طائرات بدون طيار بشكل حثيث، وتبنت خيار الاستيراد والتأمين من الخارج كأساس لاستراتيجية حيازة الطائرات المُسيَّرة، وكانت البداية مع شركة (تارغت تكنولوجي)، التي قدمت خدماتها للجيش التركي بإنتاجها طائرة من طراز (Meggitt BTT-3 Banshee) بوصفها أول طائرة مسيرة، علاوة على ذلك؛ أدخلت الشركة بشكل لافت أنظمة طائرات المراقبة من طراز (Canadair CL-89)، كانت ألمانيا قد أهدتها لتركيا في عام 1994، إلا أنه وبسبب الصعوبات اللوجستية وكثرة الحوادث، جرى شراء أنظمة (Gnat 750) و( I Gnat) المصممة من قبل شركة (جنرال أتوميكس) فيما بعد().
لقد اشترت تركيا أول طائراتها الأمريكية المُسيَّرة في عام 1996، وكان الدافع الأهم وراء ذلك، أن تركيا كانت في حالة حرب مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ الثمانينيات، والذين يتحصنون في المناطق الجبلية الوعرة عادة، ولأنه من الصعوبة تعقب أولئك المقاتلين الأشداء، لاسيما أن الطائرات المُسيَّرة، كانت تحلق في السماء لساعات طويلة لتحديد مواقع مقاتلي حزب العمال الكردستاني بدقة، ومن ثم يتم إرسال طائرة مقاتلة من طراز (F-16) لشن الهجوم عليهم، وإلى أن تصل الطائرة المكلفة بالهجوم، إلى الموقع بعد نحو عشرين دقيقة تقريبا، كان الهدف المحتمل قد اختفى عن الأنظار تماما().
وفي ضوء ما سبق، بدأ اهتمام أنقرة بالطائرات المُسيَّرة بصورة أوسع، لذا قرَّرت شراء عدد من الطائرات المُسيَّرة من إسرائيل لاستخدامها في رَصْد تحرّكات مقاتلي حزب العمال الكردستاني أكثر من السابق، وتجدر الإشارة إلى أن تل أبيب كانت قد تأخرت في تسليم الطائرات المذكورة، وتعمدت التأخير في إزالة العطل الذي أصاب البعض منها ليتبيّن في ما بعد أن الإسرائيليين عندما كانوا يقومون بتشغيل تلك الطائرات، كانوا يرسلون الصوَر التي يتمّ التقاطها في جنوب شرق تركيا وحدود إقليم كردستان- العراق إلى الجيش الإسرائيلي أيضاً().
على الرغم مما تقدم، سجلت تركيا خطوة كبيرة في مجال تصنيع الطائرات المُسيَّرة في المدة ( 2007-2010)، عندما استأجرت طائرات من طراز (هيرون) و(سيرشر) من الشركة الإسرائيلية لصناعات الطائرات المُسيَّرة (IAI)، وطائرات من طراز (دومينيتور) من شركة (Aeronautics) لأنظمة الدفاع؛ ثم أضافت ثالث الطائرات المُسيَّرة من طراز (أيروستار) بتوقيعها اتفاق بقيمة (150) مليون دولار، مع العلم أن طائرات (هيرون) كانت أولى الطائرات التي تدخل خدمة القوات الجوية التركية، وتجدر الإشارة إلى أن شركات الطائرات المُسيَّرة التركية كانت قد طورت بعض النظم الفرعية لـ(هيرون) من بينها تطوير كاميرات (ASELFLIR) من قبل شركة (ASELSAN) ومحطة (سافرونيك) الأرضية للاقمار الصناعية، وكذلك منظومة استغلال الصور المحمولة من قبل شركة ميلسوفت().
الجدير بالذكر أن تركيا أنتجت أول نسخة من الطائرات المُسيَّرة في عام 2007، والتي قامت بأول رحلة لها عام 2009، وكانت تحمل اسم (بيرقدار إي)، وسار الأمر بسلاسة، إلا أن حادثة عام 2010 المعروفة بغارة أسطول غزة، قوضت التعاون باستخدام الطائرات المُسيَّرة بين تركيا وإسرائيل بشكل كبير()، وفي 2012 جرى تطوير النسخة الثانية من طائرة (بيرقدار تي بي 2)، وقامت بأول رحلة لها عام 2014، وتسلم الجيش التركي أول ست طائرات من هذا النوع في عام 2015().
لقد اعتمدت تركيا على الولايات المتحدة حتى عام 2016، ولكن أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة لن ترغب أن تشارك تقنيات الطائرات المُسيَّرة مع تركيا، ما دفع رئيس الصناعات الدفاعية التركية إسماعيل دمير إلى القول فيما بعد “لا أريد أن أكون ساخرًا، لكني أود أن أشكر حكومة الولايات المتحدة على المشاريع التي لم تتم الموافقة عليها من قبل الولايات المتحدة، لأنها أجبرتنا على تطوير أنظمتنا”، مؤكدا في الوقت ذاته أن تركيا لم تعد تريد الطائرات المُسيَّرة المسلحة الأمريكية الصنع ().
من المفيد التذكير هنا أنه جرى عقد صفقات لتصدير الطائرات المُسيَّرة إلى دول أخرى في 2018، لاسيما بعد نجاح المُسيَّرة (بيرقدار أقنجي) على الهبوط والإقلاع دون مساعدة المحطات الأرضية لأول مرة في تنفيذ إقلاع وهبوط ذاتيين بالكامل بدون محطة تحكم أرضية، لتصبح تركيا واحدة من أكبر المستخدمين والمصنعين الطائرات المُسيَّرة المقاتلة في العالم في أقل من 15 عاماً، متخذة من إمكاناتها وقدراتها المحلية أساسا لهذا النمو والاعتماد على الصناعة المحلية لتأمين احتياجاتها الدفاعية ().

ثالثا/ ترسانة تركيا من الطائرات المسيَّرة

تمتلك الطائرات المُسيَّرة التركية ميزات مهمة، منها القدرة على التخفي من الرادارات، ودقة إصابة الهدف، وتحركها مع بعض كسرب فعال، ومن الناحية التقنية يمكن أن يصل ارتفاعها إلى 24 ألف قدم، ويمكنها أن تبقى في الجو 24 ساعة، ويمكن الاتصال بها لمسافة تصل إلى 150 كيلومتراً، ويمكن التحكم بها أوتوماتيكياً، وتتمتع بنظام الطيار التلقائي الذي يخولها الهبوط والإقلاع تلقائياً، وتملك حساسات خاصة تغنيها عن الاعتماد على تطبيقات (جي بي اس) في إطلاق الصواريخ وإصابة الأهداف المتحركة().
في الحقيقة، تمتلك تركيا نوعين من الطائرات المسيَّرة، النوع الأول يُعرف بطائرات المراقبة (IHA)، وأما النوع الثاني فتعرف بـ(SİHA)، ولها دور كبير في تحديد المواقع وإصابة الأهداف بدقة، ويعود تطوير تلك الأسلحة الفعالة إلى رغبة تركيا في تجاوز الحظر الذي فرضته عليها الولايات المتحدة الأميركية، حيث نجحت بإنتاجها محلياً عبر شركات حكومية وأخرى مقربة من الحزب الحاكم، حيث لمع اسم شركة (اسيلسان) الحكومية، وشركة (بيرقدار) المملوكة لصهر الرئيس رجب طيب أردوغان، في سماء إنتاج هذه الطائرات المسيَّرة ().

مخزون تركيا من الطائرات المسيَّرة

الطرازالمصنعالمنشأتاريخ الإصدارالكميةالمشّغل
Black HornetFlirالولايات المتحدة2018القوات الخاصة
SERÇE-1Aselsanتركيا2018-500القوات المسلحة وقوات الدرك
HarpyIAIإسرائيل1999100القوات المسلحة
KarguSTMتركيا2018+160
Bayraktar MiniBaykar Makineتركيا2007+200القوات المسلحة وقوات الدرك
Bayraktar TB2Baykar Makineتركيا201586القوات المسلحة وقوات الدرك والاسطول
Heron 1IAIإسرائيل20107القوات الجوية
ANKATAIتركيا2016+12القوات المسلحة وقوات الدرك والاسطول والاستخبارات
KARAYEL SuVestek De-feuceتركيا
Kargu 2STMتركيا2019356
SongarAsisguardتركيا2019
المصدر: سيبل دوز، المصدر السابق، ص4

من المهم الإشارة أيضا إلى أن مدير عام شركة (تاي) التركية المتخصصة في صناعة الطائرات تيميل كوتيل، كشف لأول مرة عن طائرات (كاميكازي) بدون طيار، في مقابلة مع سي إن إن ترك، وقال: “يمكن أن تحمل خمسة كيلوغرامات من المتفجرات، ويمكن أن تطير لمسافة 100-200 كيلومتر عند إطلاقها من طائرة بدون طيار ().

رابعا/ الطائرات المسيَّرة التركية تحوم في سماء شرق الفرات

استخدمت تركيا الطائرات المسيَّرة منذ أيامها الأولى لمراقبة الحدود العراقية والسورية، ووجهت معظم ضرباتها ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني منذ استئناف الصراع المسلح بينهما في عام 2015()، كما لايمكن إغفال دور محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز 2016، وبروزها كعلامة فارقة في السياسة التركية المحلية، أدت إلى مركزية السلطة وتسببت في تغييرات جوهرية في السياسة الخارجية، حيث تبنى الرئيس رجب طيب أردوغان منذ ذلك الحين عقيدة سياسة خارجية متشددة وتدخلية، وبدأت تركيا في الاعتماد على قوتها العسكرية ولم تتردد في استخدام القوة بشكل متكرر ().
في الحقيقة، بررت تركيا تدخلاتها في سوريا في عامي 2018 و 2019 بالادعاء أن وجود قوات سوريا الديمقراطية على طول حدودها الجنوبية يشكل تهديدًا لها()، مع أن مناطق شرق الفرات، تخضع منذ تشرين الأول 2019، لاتفاق روسي- تركي، نص على إخلاء مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية الشريط الحدودي بين تركيا وسوريا بعمق 30 كيلومترًا، وتسيير دوريات روسية- تركية().
نفذت تركيا والقوات المدعومة من تركيا (3319) هجوماً ضد قوات سوريا الديمقراطية بين كانون الثاني 2017 وآب 2020، حيث يزعم المسؤولون الأتراك أن هجماتهم ضد قوات سوريا الديمقراطية كانت انتقامية(). بالمحصلة دخلت الهجمات التركية بالطائرات المسيَّرة على مسار التصعيد في شمال شرقي سوريا؛ وشكلت تطوراً لافتاً زاد من تعقيد المشهد العسكري والميداني في تلك البقعة الجغرافية من سوريا، بالتزامن مع تصعيد أنقرة بشن عملية عسكرية ضد مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية().
بدأت تركيا استخدتم الطائرات المسيَّرة لشن الهجمات والتي أثبتت جدارتها كسلاح جديد للتدخل التركي في المنطقة ()، فقد نشر موقع المونيتور الأمريكي تقريراً ذكر فيه إن عمليات الاستهداف التي تنفذها المسيّرات التركية تشير إلى استراتيجية جديدة تتبعها تركيا ضد القوات الكردية السورية، وأن تركيا شنّت سلسلة من الضربات بطائرات بدون طيار استهدفت أعضاء بارزين في وحدات حماية الشعب، بإيماءات على ما يبدو من روسيا والولايات المتحدة معا ().
لقد ركز الأتراك في استهدافهم على قياديين من قوات سوريا الديمقراطية عبر الطائرات المسيّرة التركية بمرور الوقت، إذ وجه الجيش التركي في 19 آب 2021، ضربتين ضد قياديين في قوات سوريا الديمقراطية، الأولى أدت إلى مقتل احد القيادات في وحدات حماية الشعب ()، عندما تمكنت طائرة مسيرة تركية استهداف سيارة تقل اربعة مقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية في قرية الدبس التي تقع على بعد ثلاثة كيلومترات من بلدة عين عيسى بريف الرقة الشمالي ()، كما أصابت إحدى الغارات مركبة تابعة لـوحدات حماية الشع على طريق القامشلي – عامودا، مما أسفر عن مقتل صلاح الدين الشهابي، وهو قائد ميداني معروف باسمه الحركي (ريناس روج)، وكان هذا أول هجوم تركي على هدف لـوحدات حماية الشعب منذ عملية نبع السلام في خريف 2019().
يتضح مما تقدم، أن الطيران المسيّر التركي كان قد استهدف هدفين عسكريين بفارق ساعات بينهما، الأوّل عبارة عن سيارة عسكريّة كانت تحمل عضو مجلس القيادة العسكريّة في وحدات حماية الشعب التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، أما الهدف الثاني فكان اجتماع عسكريّ كان منعقداً في مبنى مكتب العلاقات العامّة في مجلس تل تمر العسكري التابع لقوات سوريا الديمقراطية، وقُتل على إثر ذلك أربع قيادات عسكرية كانوا في الاجتماع أبرزهم سوسن بيرهات عضوة مجلسَيِ القيادة العسكريَّيْنِ في كل من قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية المرأة ()، بالإضافة إلى القيادي في مجلس تل تمر العسكري (عكيد كركي لكي)، والمقاتل في مجلس تل تمر العسكري (روبار حسكة) ()، وبذلك نجحت تركيا في قتل عدد من القياديين والعناصر في منطقة شرقي الفرات().
بدورها، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حصيلة ضحايا القصف في20 من آب 2021، مؤكدة مقتل أربعة عناصر بقصف استهدف مقر العلاقات لـمجلس تل تمر العسكري ()، وذكرت أنه كان هناك اجتماع رفيع المستوى، وأن المبنى هو مكان عقد الاجتماعات بين الجنرالات الأميركيين وقادة وحدات حماية الشعب ().
كما استهدفت طائرة بدون طيار سيارة شحن عسكريّة جنوب شرق مدينة كوباني بريف الرقة بالقرب من قرية مزرعة صوفان في 21 آب 2021()، كذلك استهدف الطيران التركي في 22 من آب سيارة عسكرية بريف القامشلي الغربي، وذلك بعد ساعات من استهداف مماثل في مدينة كوباني شمال شرقي حلب ()، عبر قصف سيارة عسكرية من نوع جيب أثناء تواجُدها عند مبنى دار الجرحى التابع لقوات سوريا الديمقراطية، مما أدّى إلى إصابة ثلاثة عسكريين كانوا داخلها ().
لقد تمكنت المسيرة التركية من تدمير سيارة عسكرية عائدة لقيادي في تنظيم قوات سوريا الديمقراطية في بلدة هيمو بريف القامشلي الغربي الى جانب سقوط قتلى وجرحى()، وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان جرى قتل ثلاثة أشخاص وجرح أربعة آخرون من المدنيين في استهداف المسيرة في كوباني ()، الى جانب وقوع عدد من الضحايا في قرية هيمو ()، منها إصابة قيادي في قوات الأسايش().
كما أكدت قوى الأمن الداخلي إن قياديا في قوات سوريا الديمقراطية واثنين من الموظفين في إدارتها أصيبوا بقصف طائرة سيرة تركية في منطقة القامشلي، حيث استهدفت طائرة مسيرة تركية سيارة القيادي ذيب الأسود خلال زيارته لمركز الجرحى في قرية هيمو غربي القامشلي ما أدى لإصابته بجروح وإصابة اثنين من إداريي مركز الجرحى، وأشارت إلى أن “الأسود” ينحدر من مدينة كوباني، وشارك في القتال ضد داعش و آخرها في دير الزور”().
كررت تركيا استهداف عربة في مدينة كوباني في 23 تشرين الأول 2021، ما أسفر عن مقتل قيادي وثلاثة عناصر من قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة إلى مدنيين اثنين، اذ استهدفت طائرة مسيرة تركية، سيارة تقل الرئيس المشترك لمجلس العدالة الاجتماعية التابعة للإدارة الذاتية في كوباني بكر جرادة مما أدى لإصابته وفقدان اثنين من عاملي الإدارة الذاتية لحياتهما وإصابة مدنيين آخرين بجراح متفاوتة()، حيث تصاعدت وتيرة الاستهداف التركي لمواقع عسكرية تتبع لـ”قسد” بالتزامن مع الحديث عن عملية عسكرية تركية مرتقبة شمالي سوريا ضدها. وكانت الحكومة التركية هددت منتصف تشرين الأول 2021، بـالقيام باللازم في المكان والوقت المناسبين، لوقف الهجمات التي تستهدف قواتها في شمالي سوريا، واكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار في 14 من تشرين الأول 2021، خلال افتتاحه جامعة الدفاع الوطني في مدينة اسطنبول، إن بلاده ستقوم باللازم لحماية حقوقها ومصالحها والحفاظ عليها في المكان والزمان المناسبين تحت قيادة الرئيس رجب طيب أردوغان().
لقد بدأت تركيا تتبع نهجاً عسكرياً جديداً من خلال استهداف آليات عبر طائرات مسيّرة لقياديين بارزين في قوات سوريا الديمقراطية ()، وكان تكثيف عمل الطائرات المسيّرة، هو ما كان يقصده الرئيس التركي باستخدام أساليب مختلفة في مواجهة قوات سوريا الديمقراطية، والاعتقاد أن ذاك الأسلوب سيُحدث إرباكاً في صفوف قوات سوريا الديمقراطية، ويهدّد بنيتها العسكرية ومقرّاتها وقدراتها التسليحية، وأن الاستهدافات ربما تكون مقدّمة لعملية عسكرية واسعة، تسعى تركيا لفرضها ضدّ مناطق حيويّة خاضعة لسيطرة قسد، بين ريفَي الرقّة وحلب().
تجدر الإشارة إلى أنه سمع صوت انفجار كبير في أرجاء مدينة القامشلي عند غروب شمس اليوم الثلاثاء 9 تشرين الثاني 2021، تبين أنه نجم عن استهداف سيارة عسكرية عائدة لتنظيم قوات سوريا الديمقراطية في حي (الهلالية) المتاخم للشريط الحدودي، وتبين أن القتلى هم يوسف كلو ومسلحين اثنين كانا معه أثناء استهداف السيارة، وهم: مظلوم كلو، محمد محمود كلو، حيث تفحمت جثثهم أثر احتراق السيارة”().
أكدت قوات الأمن الداخلي (الأسايش) الحادثة في بيان لها بالقول: إن الدولة التركية وعبر طائرة مسيّرة قامت باستهداف حي مدني في قامشلو عصر التاسع من شهر تشرين الأول 2021، وأعلنت عن مقتل ثلاثة مدنيين من عائلة كلو، هم يوسف كلو (82 عاماً) وحفيديه، فيما تعود السيارة التي تم استهدافها إلى ريزان كلو، مستشار الشؤون المدنية في قوات سوريا الديمقراطية والرئيس السابق لهيئة الدفاع في الإدارة الذاتية بإقليم الجزيرة ().
كما اتهمت قوات الأمن الكردية تركيا بشن الهجوم على مدينة القامشلي الواقعة على الحدود السورية – التركية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة ()، فيما تناولت الصحف التركية الصادرة على صدر صفحاتها الأولى في 9 شهر تشرين الأول 2021، اعتراف الحكومة التركية لحزب العدالة والتنمية بالهجوم، وأفردت جريدة تركيا الموالية لحكومة حزب العدالة والتنمية وللرئيس التركي أردوغان على صفحتها الأولى خبرا رئيسيا في المساحة الأولى بالخط العريض أن الاستخبارات التركية ووحدات من الجيش التركي قامت بتنفيذ عملية مشتركة ونوعية اغتيال الصندوق الأسود لحزب العمال الكردستاني يوسف كلو في شمال شرق سوريا().
بالمقابل، تظاهر الآلاف من أبناء مدينة القامشلي أمام مقر الأمم المتحدة، بعد الاستهداف، وللعلم كان الهجوم الخامس من نوعه في عام 2021، كما أكد مظلوم عبدي أن استهداف تركيا بالطائرات المسيرة، هدفه تأجيج الحرب وخرق الاتفاقيات لنشر حالة من الفوضى بعموم المنطقة، وأكد القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية في تغريدة نشرها على حسابه الشخصي بـتويتر ما يأتي: في الوقت الذي يطالب جميع السوريين بالاستقرار، فإن دولة الاحتلال التركي تخرق التفاهمات والاتفاقيات، وإن قصف المدنيين في كوباني يمثل مؤامرة ويهدف إلى إذكاء نيران الحرب في المنطقة، ودعا الأطراف الدولية الضامنة إلى القيام بواجبهم لوقف تلك الهجمات().
زعمت تركيا في 10 تشرين الأول أن وحدات حماية الشعب، أطلقت هجوما صاروخيا أسفر عن مقتل شرطيين تركيين في منطقة اعزاز شمال سوريا، وذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن الهجوم يعد “القشة التي قصمت ظهر البعير” واقترح توسيع العمليات “للقضاء على التهديدات المنبثقة من سوريا مع قواتنا الوسائل الخاصة().
وكإجراء عملي للتخفيف من الهجمات التركية، بدأت قوات سوريا الديمقراطية بدورها، عملية شراء لعدد من الشاحنات الزراعية الصغيرة في مدينة كوباني وذلك بغية التنقل بها من قبل قيادات قوات سوريا الديمقراطية في المناطق المذكورة، وعدم التنقل بالسيارات العسكرية المعروفة تجنبا لعمليات الاستهداف بالطائرات المسيرة التركية ()، إلى جانب أن قوات سوريا الديمقراطية بدأت في حفر الأنفاق في إطار استعداداتها تحسباً لأي هجوم من الجيش التركي وفصائل الجيش الوطني السوري ().
يعد قيام تركيا بشن سلسلة من الضربات بطائرات بدون طيار، من أجل استهداف أعضاء بارزين في وحدات حماية الشعب، بإيماءات على ما يبدو من روسيا والولايات المتحدة، حيث فقدت وحدات حماية الشعب نحو عشرين عضوا بمن فيهم شخصيات بارزة، بما في ذلك مركبات تقل قادة عسكريين وأماكن اجتماعات ومراكز قيادة().
السؤال الجوهري، هل يمكن لحرب استنزاف أن تقضي على التهديدات التي تتصورها أنقرة من وحدات حماية الشعب الكردية؟ يمكن لتركيا تصفية بعض كبار الشخصيات وإضعاف القدرات العسكرية لوحدات حماية الشعب وتقييد حركتها وتعطيل طرقها اللوجستية، وإثارة الخوف وإحباط معنويات صفوف الوحدات، لكنها لا تستطيع التراجع عن التقدم السياسي لها وتجريدها من رؤيتها السياسية. علاوة على ذلك، كما ان الهجمات لا يمكن أن تدمر القاعدة الشعبية التي تتمتع بها، وقد تأتي بنتائج عكسية في هذا الصدد، لا سيما في حالة وقوع خسائر في صفوف المدنيين().
لاحقا، مدد البرلمان التركي في 26 تشرين الأول الإذن بالعمليات في العراق وسوريا لمدة عامين آخرين، كما ورد أن تركيا تستعد لتوغل في تل رفعت ومنبج وعين عيسى، كما تم ذكر كوباني كهدف تركي محتمل()، في حين يكاد يكون من المؤكد أن واشنطن لن تمارس ضغوطا كافية على أنقرة لوقف هذه الضربات ().
من المفيد القول إن تركيا استخدمت طائراتها تلك في نزاعات عسكرية في المنطة مؤخرا، كما بدأت بتصديرها، على سبيل المثال أبرمت تونس صفقة عسكرية بقيمة 240 مليون دولار مع تركيا، في آذار لشراء ست طائرات مسيرة طراز أنكا إس وثلاث محطات قيادة أرضية إضافة إلى التقنيات الخاصة بتشغيلها، وفي كانون الثاني 2021، ذكر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إن أنقرة تلقت طلبات من دول أوروبية لشراء طائرات مسيرة تركية الصنع للاستخدامات العسكرية، بينها إحدى نسخ (بيرقدار)، والتي يمكنها تنفيذ مهام الاستطلاع العسكري والمراقبة وتنفذ مهام قتالية، بما تحمله من أسلحة تشمل قنابل دقيقة وصواريخ موجهة، والبقاء في الجو لمدة طويلة().

*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر/ العلاقات الدولية في جامعة زاخو – إقليم كردستان العراق

تحميل قائمة المصادر المستخدمة في المادة