أولا/ جزيرة باربادوس الكاريبية النائية
تقع جزيرة باربادوس الصغيرة في جنوب شرق البحر الكاريبي، وجيرانها هي الجزر: سانت لوسيا من الشمال، وسانت فنسنت وجزر غرينادين من الغرب، وترينيداد وتوباغو من الجنوب، إذ تبتعد بنحو160 كم عن سانت فنسنت وجزر غرينادين، وجزيرة باربادوس مثلثة الشكل تقريبًا، وتبلغ أبعادها نحو 32 كم من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، ونحو 25 كم من الشرق إلى الغرب في أوسع نقطة لها، وعاصمة الجزيرة وأكبر مدنها هي بريدغتاون، وهي الميناء البحري الرئيسي في الجزيرة أيضًا ()، ومع أن باربادوس جزيرة مسطحة إلى حد ما، إلا أن جبل هيلابي يرتفع إلى 336 مترًا، كما أن الجزيرة محاطة بالشعاب المرجانية().
قدر عدد سكان جزيرة باربادوس في عام 2020 وفقًا لبيانات الأمم المتحدة بنحو 287375 شخصًا، وهي بذلك تحتل المرتبة 183 في قائمة البلدان (والتبعيات) بحسب عدد السكان، وتجدر الإشارة إلى أن الكثافة السكانية فيها تبلغ 668 لكل كم2 ، و31.2٪ من السكان في الحضر (89،695 نسمة في عام 2020)، ومتوسط العمر فيها 40 -5 سنة().
تعد اللغة الإنكليزية اللغة الرسمية في الجزيرة، وتستخدم للاتصالات والإدارة والخدمات العامة في جميع أنحاء الجزيرة، كما أن هناك نوعا محليا من اللغة الإنكليزية يشار إليه محليًا باسم باجان، يتحدث به معظم البرباديون في الحياة اليومية، وخاصة في الأماكن غير الرسمية، مع أن لهجة باجان تبدو مختلفة بشكل ملحوظ عن اللغة الإنكليزية، حيث تأثرت لهجة باجان باللهجات الإنكليزية الكاريبية الأخرى().
ثانيا/ هبوط الإنكليز على جزيرة باربادوس
وصلت أول سفينة إنكليزية إلى جزيرة باربادوس في 14 أيار 1625، فيما يبدو أنه كان حادثا عرضيا بالدرجة الأساس، حيث أن الكابتن جون باول وطاقمه كانوا يبحرون من البرازيل إلى إنكلترا ، إلا انهم خرجوا عن مسارهم بسبب خطأ ملاحي، فوجد الكابتن جون باول أن الجزيرة غير مأهولة وطالب بالجزيرة باسم الملك جيمس الأول ملك إنكلترا وقتذاك().
كان السكان الأصليون لجزيرة باربادوس قد جاؤوا من قارة أمريكا الجنوبية ويبدو أنهم وصلوا في ثلاث مجموعات، إذ عُرفت المجموعة الأولى باسم سالاديود، وتبعها الأراواك منذ نحو 1200 عام، وأخيراً كاربيون الذين أتوا قبل نحو 600 عام، حيث كان الكاريبيون الأكثر تنظيماً بين هذه المجموعات، وأصبحوا في النهاية حكام جزيرة باربادوس عندما اكتشفها الأوروبيون().
بنيت هولي تاون كأول المستوطنة في جزيرة باربادوس عام 1627، وضمت 80 مستوطنًا و10 عمال إنكليز، فيما جرى توفير غالبية العمالة من قبل الخدم الأوروبيين بعقود طويلة الأجل في المدة (1620-1640)، ومعظمهم من الإنكليز والأيرلنديين والاسكتلنديين، وفي خمسينيات القرن السادس عشر ، شمل الأمر ذاته عددًا كبيرًا من أسرى الحرب والمتشردين والأشخاص الذين جرى اختطافهم بشكل غير قانوني، والذين تم نقلهم قسرًا إلى الجزيرة وبيعهم كخدم().
كان أول شيء لاحظه المستكشف الإنكليزي ريتشارد ليغون أثناء الإبحار من خليج كارلايل بعد رحلة بحرية طويلة وصعبة من إنكلترا في عام 1647، أن جزيرة باربادوس كانت عبارة عن مزارع تظهر الواحدة فوق الأخرى، إذ كان المشهد يحتوي حقول قصب السكر والمنازل الفخمة، بعد أن بدأ قبل عشرين عامًا عقب تأسيس مستعمرة بريطانية على الجزيرة، حيث أصبحت الجزيرة الاستوائية جذابة جدًا للزوار الإنكليز، وكان لذلك الأمر تأثير سلبي عميق على النمو العام والتنمية في الجزيرة ().
ثالثا/ إعمار جزيرة باربادوس وتجارة الرقيق
من المفيد الإشارة إلى أن تطوير اقتصاد المزارع والعبودية في أفريقيا بصورة عامة، كان قد بدأ في كارولينا قبل أن يستقر المستعمرون الإنكليز في تشارلز تاون في عام 1670، وفي عام 1663، تلقى ثمانية من اللوردات في إنكلترا منحًا للأراضي في أمريكا الشمالية من الملك تشارلز الثاني لولائهم للنظام الملكي خلال فترة الحكم المدني الإنكليزي، حيث قرر اللوردات دمج أسهمهم لإنشاء تسوية ملكية بين مستعمرة فيرجينيا الإنكليزية وفلوريدا الإسبانية، ولضمان النجاح المالي، أرسلوا ممثلين لدراسة نظام مزارع السكر المربح في جزيرة باربادوس الكاريبية، كما قاموا بتجنيد المستوطنين البيض من هذه المستعمرة الإنكليزية في غرب الهند للمساعدة في إطلاق مستوطنتهم الجديدة في أمريكا الشمالية، وغالبًا ما جلب هؤلاء البرباديون البيض الأفارقة المستعبدين، والأفارقة البرباديون معهم().
تشير التقديرات إلى أنه جرى نقل نحو 387000 أفريقي إلى جزيرة باربادوس رغما عنهم في المدة ( 1627– 1807)، في سفن مكتظة مما جعل الممر الأوسط مرادفًا للرعب الهمجي. بمرور الوقت، وتم إعادة تصدير العديد من هؤلاء إلى مستعمرات أخرى في جزر الهند الغربية أو إلى أمريكا الشمالية. ومع ذلك، تطلب معدل الوفيات المرتفع بين العبيد العاملين في مزارع قصب السكر، مساهمة مستمرة من العبيد الجدد من أجل الحفاظ على قوة عاملة في القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر ().
لقد تشكلت سوق محتملة للعبيد وآلات صنع السكر من قبل التجار الذين كانوا سيوفرون لجزيرة باربادوس متطلباتهم من العمل القسري من غرب إفريقيا، إذ جاء العبيد من مناطق عدة من القارة الأفريقية منها سيراليون وغينيا وغانا وساحل العاج ونيجيريا والكاميرون، ولم ينج العديد من العبيد من الرحلة من إفريقيا ().
رابعا/ تطور الأوضاع في جزيرة باربادوس في المدة (1834-1966)
استفاد العديد من مواطني جزيرة باربادوس الجدد من التعليم المتاح في الجزيرة بعد إلغاء العبودية في عام 1834، وبعد أن جرى تعليم هؤلاء، أرادوا شيئًا أكثر من العمل في حقول قصب السكر، إذ حصل بعضهم على مناصب بارزة في جزيرة باربادوس، فيما عمل آخرون في وظائف أخرى، بينما بقي آخرون في حقول قصب السكر، كما انجذب الكثير إلى الجزيرة بسبب المناخ وبطء وتيرة الحياة، وكان يُنظر إلى الجزيرة على أن الطبيعة في الجزيرة علاج لبعض الأمراض، حتى الرائد جورج واشنطن زار الجزيرة مع أخيه غير الشقيق المصاب بالسل على أمل تخفيف مرضه، وتحسنت الأحوال أكثر من السابق، حتى أن احتفالا كبيرا أقيم احتفاءا بالتحرر من العبودية في عام 1838، حيث نزل أكثر من 70.000 باربادي من أصل أفريقي إلى الشوارع بأغنية جزيرة باربادوس الشعبية: “الملكة فيكتوريا جاءت من إنكلترا لتطلق سراحنا”().
عموما، ظلت جزيرة باربادوس مستعمرة بريطانية حتى تحقيق الاستقلال عن بريطانيا في 30 تشرين الثاني 1966. وكان حفل الاستقلال الأول مصحوبًا برفع علم جزيرة باربادوس الوطني وعزف النشيد الوطني لأول مرة، اذ يحتفل يوم 30 تشرين الثاني بيوم الاستقلال وهو يوم عطلة وطنية في جزيرة باربادوس منذ ذلك الوقت().
الجدير بالذكر أن جزيرة باربادوس عرفت طوال تاريخها باسم (إنكلترا الصغيرة)، إلا أنه وعلى شاطئ قريب من عاصمة الجزيرة وفي شمس البحر الكاريبي، بلغت الاختلافات بين الجزيرة والمملكة المتحدة مرحلة شديدة، ويجري تحديد مسار جديد للجمهورية وقطع العلاقات مع التاج البريطاني بعد مئات السنين().
خامسا/ جزيرة باربادوس عشية إعلان الجمهورية في 30 تشرين الثاني 2021
تسعى جزيرة باربادوس إلى إلغاء حكم الملكة إليزابيث الثانية عنها، بعد أن كانت سلطتها مع خمس عشرة مملكة أخرى بما في ذلك المملكة المتحدة وأستراليا وكندا وجامايكا، حتى أن مؤرخا بربادوسيا وصف العملية بما يأتي: “هذه نهاية قصة الاستغلال الاستعماري للعقل والجسد”. وذكر أيضا “هذه لحظة تاريخية لبربادوس ومنطقة البحر الكاريبي وجميع مجتمعات ما بعد الاستعمار” ().
وفي ضوء ما تقدم، تعد جزيرة باربادوس بالعدة لقطع روابطها الإمبراطورية مع بريطانيا بإزاحة الملكة إليزابيث البالغة من العمر 95 عامًا كملكة عليها، وإعلان نفسها جمهورية مستقلة، حيث أكدت الحاكم العام للبلاد ساندرا ماسون الأمر بقولها: “لقد حان الوقت لترك ماضينا الاستعماري وراءنا بالكامل”، وكان برلمان جزيرة باربادوس قد انتخب ماسون قبل أيام، ومن المقرر أن يحضر الاحتفالات الأمير تشارلز وريث العرش البريطاني والرئيس المستقبلي للكومنولث، فقد وصل إلى جزيرة باربادوس قبل مدة للاحتفال بالانتقال بدعوة من رئيسة الوزراء ميا أمور موتلي()، وتجدر الإشارة إلى أن الانتقال يأتي بعد أكثر من أربعين عامًا من الجدل ، وخمس وخمسين عامًا لتحول الدولة الجزيرة من مستعمرة إلى دولة مستقلة في عام 1966().
لن تكون الملكة البريطانية في الذكرى الخامسة والخمسين لاستقلال جزيرة باربادوس، ملكة على جزيرة باربادوس كما يبدو عليه الأمر، وسيتم إزالة كلمة (ملكي) من المؤسسات ولن تحمل شارات الملكة إليزابيث الثانية بعد الآن، وسيكون للجزيرة الكاريبية الصغيرة أول رئيس منتخب هي ساندرا ماسون التي تمثل نضال جزيرة باربادوس من أجل تقرير المصير، والتي لن تدوم ولايتها مدى الحياة().
لقد كانت ساندرا ماسون أول امرأة تعمل في محكمة استئناف في جزيرة باربادوس، وتسلمت منصب الحاكم العام منذ عام 2018، وأعلنت الحكومة عن خطة الانتقال إلى الوضع الجمهوري في عام 2020 ، واكدت “حان الوقت لنا لنترك ماضينا الاستعماري وراءنا بالكامل”، وكان هذا التغيير قد أوصت به مراجعة دستورية في عام 1998، حيث جاءت الانتخابات التاريخية بعد جلسة مشتركة لمجلس النواب ومجلس الشيوخ، ووصفت رئيسة الوزراء ميا موتلي التصويت بأنه “لحظة حاسمة” للأمة().
من المتوقع أن لا يؤثر التحول إلى أحدث جمهورية على التجارة أو الوضع الاقتصادي العام لجزيرة باربادوس، بعد أن تضررت صناعة السياحة فيها قبل مدة، وهي جزء مهم من اقتصادها، من قيود السفر بسبب فيروس كورونا، وقد أدت الاضطرابات في سلسلة التوريد في حقبة ما بعد الوباء، إلى ارتفاع الأسعار في بلد كانت تكاليف المعيشة فيه مرتفعة دائمًا بسبب تكلفة استيراد السلع الاستهلاكية().
الهوامش
[1] ()Barbados. https://www.britannica.com
[2] ()Barbados. https://thecommonwealth.org
[3] ()Barbados Population. https://www.worldometers.info
[4] ()Barbados. https://www.gov.bb
[5] ()1625 – 1627 – The Early Beginnings of English Settlement in Barbados. https://www.totallybarbados.com
[6] ()English Settlers in Barbados. https://ancestralfindings.com
[7] ()Barbados History. https://www.familysearch.org
[8] ()Ainsley Cray, From Paradise to Plantation: Environmental Change in 17th Century Barbados, Submitted in Partial Fulfillment of the Requirements for the Degree of Master of Arts, Salem State University The Graduate School Department of History, August, 2015, p.2.
[9] ()Early Carolina Settlement: Barbados Influence. https://ldhi.library.cofc.edu
[10] ()Karl Watson, Slavery and Economy in Barbados. https://www.bbc.co.uk
[11] ()Barbados: History Of Barbados. https://barbados.org
[12] ()Barbados: History Of Barbados. https://barbados.org
[13] ()Barbados Independence Celebrations. https://barbados.org
[14] ()How will Barbados move on from the British monarchy? https://www.independent.co.uk
[15] ()Guy Faulconbridge, A new republic is born: Barbados celebrates ditching Britain’s queen. https://www.reuters.com
[16] ()Lauren Said-Moorhouse, Barbados is ready to ditch Britain’s Queen. For many in the country, the move has been a long time coming. https://edition.cnn.com
[17] ()Barbados will finally cut ties to the British monarchy, after years of trying. https://www.nationalgeographic.com
[18] ()Barbados is throwing off its colonial shackles. Now the real change must come. https://www.opendemocracy.net
[19] ()Barbados elects first ever president ahead of becoming republic. https://www.bbc.com
[20] ()Julio-cesar Chavez, As Barbados heads toward a republic, some wonder why it matters. https://www.reuters.com
*استاذ التاريخ الحديث والمعاصر/ العلاقات الدولية في جامعة زاخو – إقليم كردستان العراق

