ذات صلة

ملف معتقلي “تنظيم الدولة” وعائلاتهم لدى “الإدارة الذاتية

ضمن سلسلة الندوات الحوارية التي ينظّمها مركز أسبار الشرق الأوسط  للبحوث والدراسات، عقدالمركز ندوة بعنوان (معتقلو تنظيم “الدولة  الإسلامية”وعائلاتهم لدى سلطة “الإدارة الذاتية”- الواقع، المخاطر، الحلول)، مساء يوم الجمعة 25 شباط/فبراير 2022، عبر تطبيق ZOOM، جرى بثّها مباشرةً على صفحة المركز في موقع فيسبوك، وشارك البث عدد من الصفحات السورية.

أدار الندوة طارق عزيزة (كاتب وباحث سوري)، وشارك فيها (حسب الترتيب الأبجدي)، زيد العظم (محامي ومدير موقع فرانس بالعربي)، علي رحمون (سياسي سوري وعضو الهيئة التنفيذية بمجلس سوريا الديمقراطية)، منى فريج (ناشطة مدنية من الرقة)، مهوش شيخي (ناشطة نسوية من الجزيرة السورية)، وفي ما يلي عرض موجز لبعض ما تضمّنته المداخلات الرئيسية.

بعد الترحيب بالضيوف ومقدّمة قصيرة حول الموضوع من قبل مدير الندوة، قدّم الأستاذ زيد العظم مداخلة أشار فيها إلى الموقف الدولي، وتحديداً الأوروبي، المنقسم إزاء ملف محتجزي تنظيم “الدولة الإسلامية” وعائلاتهم من رعايا الدول الأوروبية لدى “الإدارة الذاتية”، حيث أن هناك دول استعادت كافّة رعاياها مثل بلجيكا، في حين أن دولاً مثل فنلندة وفرنسا تتعامل مع الموضوع لكثير من التأنّي والتباطؤ. وقدّم العظم شرحاً للموقف الفرنسي في هذا الشأن، حيث يوجد المئات من الرعايا الفرنسيين المحتجزين أو الموجودين في مخيمات شمال شرق سوريا مثل مخيم الهول وغيره، ورغم صعوبة تحديد الرقم الإجمالي بدقّة لكن المؤكّد أن عدد الأطفال منهم لا يقلّ عن مئتي طفل, ومما جاء في مداخلة الأستاذ زيد أنّ معالجة هذا الملف بيد وزارة الداخلية وأجهزة الأمن الفرنسية، من خلال دراسة كل حالة بشكل مستقل، والتأكّد من أنّ هذا الشخص لا يشكّل خطراً على فرنسا ويمكن إعادة إدماجه من جديد بحيث لا ينخرط في أعمال إرهابية. وتطرّق العظم إلى الانتقادات التي تُوجّه إلى كيفية التعامل الفرنسي مع هذا الملف من قبل حقوقيين وأطباء نفسيين فرنسيين، فضلاً عن المنظمات الدولية، وأهمها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) التي وجّهت مناشدات للحكومة الفرنسية من أجل استعادة الأطفال الفرنسيين من مخيم الهول الذي أصبح بوصف ب”غوانتانامو سوريا”، ونتيجة لذلك صرّح وزير الخارجية الفرنسية قبل أيام فقط، بأنّ فرنسا مستعدّة لاستعادة الأطفال حصراً. وختم العظم حديثه بالتأكيد أنّ المعايير الأمنية المحضة هي ما يحكم السلوك الفرنسي في معالجة الملف، دون اعتبار للمعايير الحقوقية أو الإنسانية.

ثم تحدثت الأستاذة منى فريج عن تعقيد الملف وما يسببه من إزعاج لأهالي المحتجزين والمحتجزات من المنطقة، لأنّ معالجته ليست على أسس إنسانية، بل على المحسوبيات والفساد والوساطات. ونقلت عن نساءٍ استطعن الخروج من هناك قولهنّ أنّ التي تضمّ عائلات معتقلي التنظيم، خصوصاً مخيم الهول، أشبه بمعسكرات الاعتقال، وأنّ لرجال تنظيم الدولة حتى الآن سلطة على العائلات المتواجدة في ذلك المخيم، ويهدّدون كل من يخرج ويتواصل مع “قوات سوريا الديمقراطية”. وأشارت فريج إلى أنّ عفواً أصدرته “قوات سوريا الديمقراطية” قضى بالسماح لعشرات العائلات من مناطق شمال شرق سوريا بمغادرة مخيم الهول، لكن تبيّن أن عائلتين فقط كانتا من الرقّة. وتحدّثت الأستاذة منى عن سوء الأوضاع داخل المخيم وغياب الرعاية الصحية وتردّي الحالة الأمنية، وذكرت تعرّض طفلة لم تتجاوز الأربع سنوات للاغتصاب، ورغم معرفة الجاني لم يتم اتّخاذ أي إجراء بحقّه. كما نقلت أمثلة عن صعوبة إخراج الفتيات اللواتي أُجبرن على الزواج من عناصر التنظيم سابقاً، ما لم يكنّ من عشائر كبرى أو عائلات معروفة، في حين استطاع أحد شيوخ عشيرة العفادلة، وهي من أكبر العشائر في تلك المنطقة، إخراج عدد كبير من معتقلي التنظيم، رجالاً ونساءً، وأن هناك حالات إفراج عن الأشخاص مقابل مبالغ مالية، أو نتيجة وساطات عشائرية، ومنهم مسؤول أمني سابق في “داعش”. وأشارت فريج إلى التمييز بين النساء الخارجات من تلك المخيّمات، حيث يمكن لمن تنتمي لعائلة معروفة استئناف حياتها الطبيعية، في حين تواجه النساء الأخريات صعوبات، حتى في الحصول على خدمات السلطات المحلية. وفي الختام وصفت الأستاذة منى مخيم الهول بأنه قنبلة موقونة يُخشى أن تنفجر في أي لحظة.

وفي مداخلتها، توسّعت الأستاذة مهوش شيخي في تناول أوضاع النساء والأطفال، استناداً إلى تواصلها مع منظمات عاملة في الهول، سواء التي تتبع “الإدارة الذاتية” أو المستقلة، المحلية والدولية. ووصفت المخيم بأنه تجسيد وقح وفجّ لتاريخ من الفظاعة والقمع والاستبداد وهيمنة المنظومة الذكورية الدينية، وأكّدت أنه رغم هذا، يُلاحظ بوضوح التمييز بين القطاع الخاص بالنساء الأوروبيات  من المخيم والمعروف بـ”ANX”، وبين النساء السوريات والعراقيات في الهول، فالأول يحظى باهتمام أكبر من قبل المنظمات الدولية، وفيه سوق متكامل لكل ما يحتجنه، حتى خدمة تحويل الأموال، ما يجعل أوضاعهنّ أفضل بما لا يُقاس من أوضاع النساء السوريات والعراقيات، وأرادت شيخي التركيز عليهن كونهنّ الحلقة الأضعف في بيئة الظلم والفقر. وترى أنّ غالبيتهنّ (أي السوريات والعراقيات)، لا يمكن اعتبارهنّ داعشيات عن قناعة، وإنما اضطررن للانقياد وراء ذكور العائلة دون أي خيار. وذكرت الأستاذة مهوش أنّ التواصل بين المنظّمات وقاطني المخيم كان أسهل قبل وصول الدفعة التي أُخرجت من الباغوز، آخر معاقل التنظيم، حيث أكثر عناصره ولاءً وتشدّداً، واستطاعوا التأثير على الآخريات والآخرين داخل الهول. وأشارت شيخي إلى بعض المشكلات الرئيسية، ومنها “الأمهات االصغيرات”، فعدد كبير من القاصرات سبق لهنّ الزواج بمقاتلي التنظيم، ولديهنّ أطفال من آباء مجهولين، نظراً لتزويجهنّ أكثر من مرّة في فترات متقاربة، مثل حالة فتاة تزوّجت اثنتي عشرة مرّة، ولديها سبعة أطفال لا تعرف من آباؤهم. ولا تتقبّل كثير من الأمهات الصغيرات أطفالهنّ، نظراً للظروف التي مررن بها. وتحدثت شيخي عن صعوبات تواجهها المنظمات كالتعنّت بسبب الفكر المتطرّف الذي تحمله نساء بالغات يمارسن استبدادهن على النساء الأصغر سناً، ومنع الطفلات من التعليم وتزويجهن. وحذّرت الأستاذة مهوش من التبعات الخطيرة ما لم يتم الإسراع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، خاصة الأطفال البالغ عددهم أكثر من 35 ألف طفل.

بعد ذلك قدّم الأستاذ علي رحمون مداخلة، استهلّها بتوضيح أعداد محتجزي تنظيم “داعش” لدى “الإدارة الذاتية” من المقاتلين الذين حملوا السلاح فعلياً، أو من المتهمين بالانتساب للتنظيم، ويقدّر عددهم الإجمالي حتى لحظة الهجوم الأخير على سجن غويران، بحوالي عشرة آلاف شخص موزّعين على اثني عشر سجناً في منطقة شمال وشرق الفرات، أهمّها سجنا غويران والصناعة في مدينة الحسكة. وأكّد رحمون أنّ”الإدارة الذاتية” و”قسد” (قوات سوريا الديمقراطية) و”مسد” (مجلس سوريا الديمقراطية)، لا تستطيع اتّخاذ أي قرار منفرد بشأن محتجزي “داعش” دون الرجوع إلى التحالف الدولي الذي تحرّرت المنطقة من “داعش” برعايته، ويضمّ اثنتين وثمانين دولة، ورغم مطالبة “قسد” بإجراء محاكمات لهؤلاء، إلا أن التحالف الدولي لم يسمح بذلك حتى الآن، وكل ما يقوم به هو دعم عملية احتجازهم إلى حين إيجاد حل لهذا الموضوع. وأشار الأستاذ علي إلى المطالبات المتكرّرة التي تقدّموا بها للعديد من الدول لاستعادة مواطنيها، إلا أنّ معظمها رفض، ومن قبلوا استعادة مواطنيهم لم يستعيدوا إلى عدد يسير منهم، علماً أنّ عدد المحتجزين الأجانب لا يقلّ عن أربعة آلاف. وشبّه عملية الهجوم الأخير على سجن غويران بما جرى في سجن “أبو غريب” بالعراق سنة 2013، وكان العامل أساسي في إقامة “الدولة الإسلامية” عندما حاول التنظيم تحرير نحو ألف شخص من قيادييه. ورأى رحمون أن هذه السجون تشكّل قنابل موقوتة كما ظهر في عملية سجن غويران، لكن القنبلة الموقوتة الأهم هي المخيّمات، وتحديداً مخيّم الهول الذي يوازي حجمه حجم مدينة أوروبية متوسطة، إذ يضم حوالي ستين ألف شخص، وهو يفتقر للبنية التحنية وكافة الخدمات الأساسية، فهو عبارة عن مدينة من الخيم، وقسم كبير من المقيمن هم من عائلات المقاتلين أو نساء قاتلوا بالفعل مع أزواجهنّ, خصوصاً اللواتي أتين من الباغوز، وهنّ يربّين أطفالهنّ في المخيم على الأفكار الجهادية المتطرّفة نفسها، في سبيل إقامة “الدولة الإسلامية”، وبالتالي يشكّل الهول مفرخة للإرهابيين، بدليل كما أنّ من ضمن المحتجزين في سجن غويران حوالي سبعمئة وخمسين من “أشبال الخلافة”، هم من هذا المخيم، فهم دخلوا المخيم أطفالاً بعمر عشرة أعوام أو أحد عشر عاماً، وخلال سنوات إقامتهم في المخيم بلغوا سن الخامسة أو السادية عشر، وباتوا يتدرّبون ويستعدّون، فجرى استبعادهم من المخيم واحتجازهم كيل لا يؤثّروا في غيرهم. وختم رحمون بأن إمكانات “الإدارة الذاتية” غير قادرة على معالجة هذه المشكلة الكبيرة أو توفير الخدمات اللازمة، من الخبز والماء، فهذه احتياجات مدينة كاملة تحتاج ميزانيات دول، وأكّد أنّ الإدارة الذاتية حاولت عبر المصالحات مع العشائر إيجاد حل لإخراج العائلات، لكن بعض العشائر رفضت كفالة أبنائها، كما أنّ النظام لم يسمح بإعادة أي شخص من المخيم إلى المناطق الخاضعة لسيطرته. ورغم أنّها مسؤولية دولية يجب على المجتمع الدولي معالجتها، لكن “الإدارة الذاتية” تحاول ضمن إمكاناتها المتواضعة القيام بما تستطيعه، كما لم ينكر حصول حالات من الوساطات والمحسوبيات العشائرية في معالجة بعض الحالات.

في القسم الثاني من الندوة قدم بعض الحضور تعليقات على المداخلات السابقة، ووجهوا عدداً من الأسئلة التي أجاب عليها الضيوف، قل أن تُختتم الندوة بكلمة ختامية لكلّ منهم، تضمّنت بعض الخلاصات والتوصيات.

التسجيل الكامل للندوة متاح على الرابط:

مشاهدة الندوة