ذات صلة

صورة العالم بعد 24 شباط/ فبراير

ثمة إجماع أوّلي مفاده أن صورة العالم تغيّرت بعد التدخّل العسكري الروسيّ في أوكرانيا، ليمتدّ الحديث عن نهاية زمن القطب الواحد، الذي بدأ بنهاية الاتحاد السوفييتي في خريف 1989 وتسيُّد الولايات المتحدة العالم ذي القطب الأوحد، وفيما يزداد التكهّن بعالم متعدّد الأقطاب يدشّنه الحدث الأوكرانيّ، فإن التخوّف يتضاعف في ما خصّ المشكلات التي تبدأ في مرحلة المخاض، إذ ليس بالأمر اليسير أن يشهد العالم ولادة قطب أو أقطاب جديدة.

لم يجرِ الحديث عن حرب عالمية ثالثة حتى في ظل الحرب الباردة وأزمة الصواريخ الكوبيّة عام  1962 كما هو حاصل اليوم، ولتزداد المخاوف من احتمالات توسع رقعة الحرب لتشمل دول أخرى أو استدامتها دون أن يكون لها إطار زمني متوقّع، يأتي ذلك مع تلويح مستمر بتهديد الخطر النووي الذي يدخله زعماء الدول الكبرى في سياق  تصريحاتهم.

يأتي ذلك في الوقت الذي تبرز إلى سفح الأحداث مشكلات لا يمكن تطويقها حال خروج الأوضاع عن السيطرة، من ذلك مأساة اللاجئين الفارّين من الحرب وتزايد أعدادهم باضطراد وما يشكّله من ثقل على الدول المضيفة والأوضاع الإنسانية الصعبة في المناطق التي تشهد أعمالاً مسلّحة، وتبرز إلى ذلك مشكلة الأمن الغذائي التي تهدّد سكان الكوكب لا سيما الدول الفقيرة أو تلك التي تعاني مشكلات تنمويّة واقتصادية، والأزمات المتصلة بالطاقة (النفط والغاز) وتعذّر الاعتماد على الطاقة البديلة “النظيفة” بالتالي ازدياد الاعتماد على المحاصيل الزراعية وإمدادت الطاقة الروسية.

حالة الاستقطاب الدولي على أشدّها، أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) منقسمون في مواقفهم رغم ما يبدونه من اتحاد وانسجام، وقد عاد الحديث عن أهمية وجدوى الحلف مرة أخرى، وعن تباين مواقف دوله تجاه روسيا؛ فتركيا مثلاً لم تتصرّف وفق ما يقوله الناتو ولم تقطع علاقاتها مع روسيا واختارت أن تكون وسيطاً في حل الأزمة والوساطة هنا يمثّل الفعل الأقل كلفة قياساً إلى الاصطفاف مع أحد طرفي الصراع، بدورها تختلف حسابات الأوربيين عن حسابات واشنطن، فبعيداً عن حماسة بريطانيا والتزامها بالخط الأمريكي، نجد ميلاً لدى ألمانيا وفرنسا يسعى لوقف ارتدادت الحرب الاقتصادية وسعيهما لإقحام الصين في عملية الوصول إلى تسوية تقنع بها روسيا.  بدورها تؤثِر بكين إلى اللحظة السلامة والحسابات الاقتصادية على بقية الحسابات، فهي وإن كانت تؤيد مشروع موسكو في التضييق على الناتو ووقف تمدّده إلّا أنها لا توافق على مشروع روسيا في دعم الانفصاليين وتشكيل دول جديدة؛ فالصين، وكي لا ننسى، لديها قلق متواصل من مشكلتي التبت والمسلمون الإيغور بإقليم شينغيانغ فضلاً عن سعيها المحموم لإعادة دمج تايوان بالصين الشعبية، والأهم ارتباط الاقتصاد الصيني بالاقتصاد الدولي فهي مصنّفة في خانة أهم شركاء أوروبا والولايات المتحدة وكذلك روسيا، ومن البداهة هنا التذكير بأن السياسة تتبع الاقتصاد دائماً.

صورة أخرى للعالم تردنا مع دور المحافل الدولية  التي بدت شديدة الهامشية، ذلك أن مجلس الأمن معطّل ولا يملك قول شيء بفعل الفيتو الروسي والصيني، فيما الجمعية العمومية للأمم المتحدة صوّتت  في الثاني من مارس/آذار على مشروع قانون يدين الغزو الروسي لأوكرانيا بأغلبية مطلقة، لكن قرارها كان بمثابة موقف يعتد به للاستئناس ليس إلّا، وهو ما دفع أصواتاً باتت تدعو إلى مراجعة دور المحافل الدولية في صون الأمن والسلام الدوليين.

تبرز في هذه الأثناء مشكلة العقوبات الاقتصادية المفروضة غربياً على موسكو باعتبارها عقوبات في اتجاهين، ذلك أن الاقتصاد الروسيّ بات جزءاً لا يتجزّأ من الاقتصاد العالمي لا سيما في مجال الطاقة وهو ما يعني أن كل من يعاقب روسيا اقتصادياً يُعاقِب في الوقت ذاته اقتصاده أيضاً، وبحسب واحدنا مراقبة حالة الهلع التي عمّت أوروبا لا سيّما الدول التي تعتمد على الغاز والنفط الروسيين.

سحبت الولايات المتحدة سيف العقوبات الاقتصادية من غمده، عاونتها في ذلك المملكة المتحدة وكندا وسويسرا و27 دولة ضمن الاتحاد الأوربي وعدد من الدول الآسيوية، وبطبيعة الحال استهدفت العقوبات قطاع الطاقة وحظر الطيران والتعامل مع الأسواق الروسيّة، وهي بحسب فارضي العقوبات تركّز على الأولغاريشيّة الروسيّة دون سواها، فيما بعض التحليلات الاقتصادية تذهب إلى أن الاقتصاد الروسي سيشهد انكماشاً خلال العام الجاري بنحو 15 بالمئة، لكن السؤال عن جدوى العقوبات يسير في اتجاهين: الأوّل هل ستثني العقوبات روسيا عن المضيّ في مشروعها في إعادة بسط سيطرتها على أوكرانيا، خاصة وأن للعقوبات آثار ارتدادية على معظم الدول التي شاركت في فرض العقوبات؟ وأما الثاني فهو ماذا لو صمدت موسكو أكثر من المتوقّع وأبدت عناداً متواصلاً، وبدأت تستقطب دولاً في صفّها خاصة تلك المستاءة من الأداء الأمريكي؟

لكن للصراع وجهاً آخر، حيث طاولت العقوبات مجالات الرياضة رغم ما قيل عن فصل السياسة عن الرياضة قبل تدخل روسيا في أوكرانيا، كذلك فرضت حالات من المنع على الثقافة الروسيّة، إضافة إلى سماح فضاءات التواصل الاجتماعي كما في إعلان شركتي فيسبوك وانستغرام بالتحريض على العنف “ضد الغزاة الروس”، وهذا الاتجاه المخيف الذي يطاول الحقل القيمي والأخلاقي يشير إلى أن صورة العالم تتغيّر بتسارع بعد التدخل الروسي، فالأمور التي كانت من المحظورات قبل 24 فبراير/شباط باتت مشروعة الآن.

في مطلق الأحوال، إن نجحت روسيا في مسعاها، وإن فشلت جزئياً أو كلّياً أمام العقوبات والاستراتيجية الأمريكية، فإن المنحى العام للصراع يقودنا إلى أمر واحد مفاده أنّ صورة العالم لن تكن بأي حال من الأحوال كما كانت عليه ليلة 23 فبراير/شباط 2022.