في غضون عشرة أيام فقط، وتحديدًا في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، شنت الفصائل المسلحة التابعة لهيئة تحرير الشام، بقيادة أحمد الشرع، هجومًا عسكريًا مفاجئًا أدى إلى نهاية غير متوقعة وسريعة لمرحلة دامية من الحرب الأهلية السورية، التي امتدت من عام 2011 إلى 2024. شكّل هذا الحدث نهاية لحكم عائلة الأسد الذي استمر لأكثر من نصف قرن، حيث فرَّ بشار الأسد، الذي تولى السلطة عام 2000 بعد والده حافظ الأسد، من العاصمة متجهًا إلى المنفى في موسكو.
اندلع الصراع الدموي في سوريا في خضم “الربيع العربي”، الموجة الاحتجاجية التي أطاحت بأنظمة في دول مثل تونس ومصر واليمن وليبيا. وخلال أكثر من عقد من الحرب، تكبدت سوريا خسائر فادحة، إذ قُتل أكثر من 300 ألف شخص، فيما اضطر خمسة ملايين إلى الفرار من البلاد، بينهم 1.3 مليون لجأوا إلى دول الاتحاد الأوروبي، وأربعة ملايين توزعوا بين تركيا ولبنان والأردن والعراق. كما نزح داخليًا نحو سبعة ملايين شخص.
اتسمت الحرب السورية بمآسٍ إنسانية مروعة، من أبرزها استخدام النظام للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين، ما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف، تاركًا وراءه واحدة من أكثر الصفحات دموية في تاريخ الصراعات الحديثة.
يشكّل هذا التحوّل الدراماتيكي في الأحداث لحظة فارقة في تاريخ سوريا، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحدّيات كبيرة ستختبر قدرة القوى المنتصرة على ضمان انتقال سلمي للسلطة. وتجد المعارضة نفسها أمام مهمة شاقة تتمثل في توحيد الفصائل المسلحة المختلفة تحت رؤية موحدة لبناء دولة تتسع لجميع مواطنيها. كما تبرز الحاجة الملحّة إلى ترسيخ حكم فعّال في المناطق المحرَّرة حديثًا خلال هذه المرحلة الانتقالية. الطريقة التي ستتعامل بها المعارضة مع هذه التحدّيات ستحدد ملامح مستقبل سوريا في السنوات المقبلة.
ورغم أن هيئة تحرير الشام قادت التحالف الذي أسقط نظام الأسد، فإن فصائل مسلحة أخرى لعبت دورًا حاسمًا في تسريع انهياره. فقد ركّز الجيش الوطني السوري عملياته في المناطق الشمالية وحول حلب، بينما خاض المقاتلون المحليون معارك في درعا – مهد الانتفاضة الشعبية عام 2011 – والسويداء التي تحتضن المجتمعات الدرزية، وحتى ضواحي دمشق. ومع توالي هزائم النظام، انتفضت هذه الجماعات لاستعادة أراضيها، مما عجّل بسقوط الأسد لكنه أدى أيضًا إلى نشوء مناطق نفوذ متفرقة تحت سيطرة فصائل مسلحة مختلفة.
اليوم، يتمثل أحد التحديات الكبرى في التوفيق بين المصالح المتباينة لهذه الجماعات وتعزيز التعاون فيما بينها. غير أن تحقيق ذلك لن يكون بالأمر السهل، إذ أن الحفاظ على تحالف مستقر بين فصائل تحمل أولويات مختلفة وأساليب قيادة متباينة وترتبط بداعمين خارجيين متعددي الأجندات، يشكل تحديًا هائلًا. ففي حين وحّدهم هدف الإطاحة بالأسد، بات المشهد السياسي بعد سقوطه معقدًا، مع تزايد تأثير القوى الخارجية وطموحات الفاعلين الإقليميين، ما قد يشعل خلافات داخلية تهدد الاستقرار الهش. وإذا لم تُعالَج هذه الانقسامات سريعًا، فقد تعرقل التقدم السياسي وتؤدي إلى اضطرابات جديدة تهدد مستقبل البلاد.
أحمد الشرع البراغماتي – من إرهابي القاعدة إلى رجل دولة موالٍ للغرب:
لتحليل السياسات المستقبلية للإدارة المؤقتة في سوريا، من الضروري أولًا دراسة شخصية قائدها، أحمد الشرع، المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني خلال قيادته لجبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة. يُنظر إلى الشرع كشخصية براغماتية، وقد أثارت مسيرته الكثير من الجدل والاهتمام. في لحظة حاسمة من تاريخ البلاد، قاد الهجوم الذي أفضى إلى السيطرة على دمشق، مُعلِنًا بداية فصل جديد في تاريخ سوريا الناشئة من رماد الحرب الأهلية.
وُلد أحمد حسين الشرع عام 1982 في الرياض، عاصمة السعودية، لعائلة متوسطة الحال ذات توجهات ليبرالية، وتنحدر أصولها من مرتفعات الجولان السورية المحتلة. توجه إلى العراق مع بداية الغزو الأمريكي عام 2003، حيث انضم إلى تنظيم القاعدة تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي، ليترقى تدريجيًا في صفوفه.
اعتقلته القوات الأمريكية واحتجزته في سجن أبو غريب قرب بغداد، قبل أن يُنقل إلى عدة سجون أخرى تديرها الولايات المتحدة، من بينها معسكر بوكا وكروبر في مطار بغداد، ثم سُلّم إلى السلطات العراقية، التي أبقته في سجن التاجي حتى إطلاق سراحه عام 2008. بعد خروجه، استأنف نشاطه العسكري، متعاونًا مع أبو بكر البغدادي، الذي كان آنذاك قائد تنظيم داعش في الموصل.
مع اندلاع الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد، عاد الشرع إلى سوريا لإنشاء فرع لتنظيم القاعدة هناك، فأسس عام 2012 جبهة النصرة. وسرعان ما دخل في صراع مع تنظيم داعش، الذي كان قد بسط سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا. بقي الشرع مواليًا لتنظيم القاعدة بقيادة أيمن الظواهري، وحققت جبهة النصرة نجاحات عسكرية بارزة ضد كلٍّ من داعش وقوات النظام، مما جعلها واحدة من أقوى الفصائل المسلحة في البلاد. خاضت النصرة معارك شرسة ضد الميليشيات المدعومة من إيران، إلى جانب صراعات داخلية مع فصائل مسلحة أخرى.
في يوليو 2016، أعلن الجولاني فك ارتباطه عن تنظيم القاعدة. وفي العام التالي، أسس هيئة تحرير الشام، التي ركزت على محاربة داعش والقاعدة، في خطوة لتحسين صورتها أمام المجتمع الدولي. تمكنت الهيئة من هزيمة داعش والفصائل المنافسة الأخرى، وفرضت سيطرتها على جزء كبير من محافظة إدلب، التي اعتُبرت منطقة خفض تصعيد بموجب اتفاق عام 2017. لاحقًا، تولّت “حكومة الإنقاذ السورية” التابعة للهيئة الإدارة المدنية والعسكرية للمحافظة، مما جعلها أول منطقة خارجة تمامًا عن سيطرة النظام وملجأً للنازحين.
أدارت حكومة الإنقاذ الشؤون المدنية بفعالية، مستندة إلى نموذج اقتصادي قائم على الضرائب، مما جذب بعض الاستثمارات وخلق فرص عمل للسكان المحليين. ارتفع مستوى المعيشة في إدلب، التي ضمّت نحو ثلاثة ملايين نسمة، مقارنة بالمناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري. في عام 2021، أسست الحكومة أكاديمية عسكرية مستوحاة من النماذج البريطانية، وطوّرت أسلحة متقدمة، مثل طائرات “شاهين” المسيّرة. كما أطلقت مشاريع تنموية، بما في ذلك الحكومة الإلكترونية، التي سهّلت العمليات الإدارية عبر الإنترنت.
أظهرت هيئة تحرير الشام انضباطًا عسكريًا واضحًا، حيث اتبعت سلسلة قيادة منظمة، ولم تتصرف كميليشيا فوضوية. تميّز مقاتلوها بالحذر في تجنب استهداف المدنيين، وامتنعوا عن عمليات الانتقام الجماعي أو النزوح القسري أثناء السيطرة على المناطق. ولم تُسجَّل أي حوادث انتقام واسعة النطاق خلال انتقال السلطة، على عكس ما حدث في دول مثل العراق أو ليبيا أو مصر.
أما ظهور أحمد الشرع في وسائل الإعلام، فيعكس حملة علاقات عامة مُحكمة الإعداد بدأت منذ فترة طويلة. في كل مقابلة، يظهر بملابس مدنية، ويقدم إجابات واضحة ومنظمة، مستبقًا الأسئلة المثيرة للجدل. يسعى إلى طمأنة المجتمع الدولي بشأن التزامه بحماية الأقليات الدينية والعرقية، ويرسل رسائل سلام إلى الدول المجاورة، بما فيها إسرائيل.
طريقته في الرد على الأسئلة توحي بأنه محاط بفريق استشاري إعلامي قوي، وهو مدرك تمامًا لكل القضايا التي قد تُطرح عليه. أسلوبه الخطابي يُعطي انطباعًا بأنه يقرأ من نص معد بعناية، ربما من إعداد شركة علاقات عامة أمريكية. لم يعد يظهر كقائد جماعة مسلحة، بل يعيد تقديم نفسه كسياسي ورجل دولة براغماتي. يتمتع الشرع بحضور مريح خلال مقابلاته، ويتعامل مع الأسئلة الصعبة بهدوء، دون أن يبدو مرتبكًا أو متوترًا.
الإدارة الانتقالية والانتخابات الديمقراطية:
تبنّى أحمد الشرع، رئيس الإدارة الانتقالية في سوريا، خطاباً سياسياً متزناً وواقعياً، مما دفع المراقبين الغربيين إلى اعتباره نموذجاً لجيل جديد من القادة في العالم العربي. ومع ذلك، فإن تقييم أدائه استناداً إلى تصريحاته فقط لا يزال مبكراً، حيث يبقى الحكم الحقيقي مرهوناً بالنتائج الفعلية التي سيتم تحقيقها على الأرض.
بدأت الإدارة الانتقالية في رسم معالم العملية السياسية المستقبلية، حيث أشارت تصريحاتها الأخيرة إلى أن الانتخابات لن تُجرى قبل عام 2028، وذلك بسبب الحاجة إلى تحضيرات واسعة، تشمل صياغة دستور جديد، واستيفاء المتطلبات الأساسية لإجراء انتخابات نزيهة. وتأتي هذه الجهود متزامنة مع إعادة هيكلة المشهد السياسي، عبر تفكيك المجموعات العسكرية ودمجها ضمن جيش سوري نظامي حديث بإشراف وزارة الدفاع، فضلاً عن تحويل بعض التشكيلات المسلحة إلى كيانات سياسية، للمساهمة في تشكيل مستقبل سوريا السياسي.
غير أن تحقيق عملية سياسية ناجحة ضمن هذا الإطار الزمني يبدو صعباً ما لم تتوفر الإرادة السياسية لدى الأطراف الفاعلة الأخرى، مثل قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكياً، التي تسيطر على نحو ربع مساحة البلاد، بما يشمل أهم مواردها النفطية والزراعية، إلى جانب الائتلاف الوطني السوري الموالي لتركيا، الذي يعمل من إسطنبول، فيما تواصل تركيا بسط نفوذها على مساحة 8,835 كيلومتراً مربعاً في الشمال السوري، تحت مسمى “المنطقة الآمنة”. كذلك، وسعت إسرائيل احتلالها لمرتفعات الجولان، حيث تسيطر حالياً على نحو 1,100 كيلومتر مربع من الأراضي السورية.
تسعى الإدارة الانتقالية إلى تفادي الأخطاء التي رافقت عملية إعادة الإعمار في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، خاصة تلك التي أدت إلى تهميش السنة العرب وإشعال فتيل النزاع الطائفي، مما ساهم في صعود داعش بين عامي 2014 و2017. كما تحاول تجنب المزالق التي واجهها الدستور العراقي لعام 2005، الذي أدخل مفهومي “المحاصصة” و”الفيدرالية”، وأسفر عن مشهد سياسي تهيمن عليه الأحزاب المسلحة. ومن هنا، تعلن الإدارة رفضها الصريح لهذين المبدأين، مؤكدة على ضرورة تفادي تكرار أخطاء اتفاق دايتون للسلام (1995) في البوسنة والهرسك، الذي أدى إلى خلق دولة هشة وغير فاعلة.
يُعدّ إجراء تعداد سكاني خطوة أساسية لوضع قوائم انتخابية دقيقة، لكن الظروف الحالية تجعل هذا الأمر شبه مستحيل، نظراً لأن نحو نصف سكان سوريا إما نازحون داخلياً أو لاجئون في الخارج، حيث تُقدّر الأمم المتحدة عددهم بنحو 13 مليون شخص. وبالتالي، فإن تسهيل عودتهم يتطلب استثمارات كبيرة في البنية التحتية، تشمل الإسكان، والخدمات الصحية، والتعليم، لضمان استقرارهم وتهيئة الظروف اللازمة لإنجاح العملية الانتخابية.
تمثل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية والاقتصادية للسكان أولوية قصوى في أي حوار وطني ناجح، مما يستدعي السير في مسارين متوازيين: الأول سياسي، يركز على صياغة الدستور، وبناء المؤسسات التشريعية، وإرساء القواعد التي تحكم المشاركة السياسية؛ والثاني تنموي، يُعنى بإعادة تأهيل النازحين، وإعادة إعمار البنية التحتية، ودمج كوادر النظام السابق، من مدنيين وعسكريين، ضمن الهيكل السياسي الجديد.
ورغم أن الخطاب السياسي للإدارة يبدو متوازناً وعقلانياً، إلا أن ترجمته إلى واقع ملموس تظل موضع تساؤل. فهو يرفض نظام المحاصصة العرقية والطائفية، باعتباره معيقاً لعمل الدولة ومؤسساتها، كما يعارض الفيدرالية التي يطالب بها بعض المكونات، مثل العلويين والدروز، واللامركزية التي يفضلها الأكراد والمسيحيون. وبدلاً من ذلك، تتبنى الإدارة رؤية لدولة مدنية مستقرة داخلياً، تسعى إلى علاقات سلمية مع جيرانها والمجتمع الدولي، دون أن تشكل تهديداً لأي طرف، بما في ذلك إسرائيل، تركيا، والأردن.
ومع ذلك، لا يعالج هذا التصور بشكل واضح كيفية تعامل الدولة مع التهديدات الخارجية، كما أنه يظل غامضاً بشأن آليات التعامل مع المقاومة الداخلية المحتملة أثناء تفكيك الجماعات المسلحة. فحدوث أي مقاومة من هذا النوع قد يجر البلاد إلى موجة جديدة من الصراع الأهلي. كما أن العديد من القوى الإقليمية تمتلك مصلحة في إبقاء سوريا في حالة من عدم الاستقرار، مما يطرح تحديات إضافية أمام نجاح المشروع السياسي الجديد.
العدالة الانتقالية (أو عدم العدالة):
العدالة الانتقالية: مفتاح المصالحة الوطنية في سوريا
تُعَدّ العدالة الانتقالية النهج الأكثر ملاءمة لمعالجة تبعات الحروب الداخلية، لا سيما عندما تُرتكب جرائم جسيمة. وتحقيق السلم الأهلي وتعزيز المصالحة الوطنية يتطلبان تصحيح المظالم، وتقديم التعويضات للضحايا، وكشف مصير المفقودين، وضمان المساءلة الفردية بعيدًا عن تحميل أي مجموعة عرقية أو دينية مسؤولية جماعية عن تلك الجرائم. كما يجب أن يخضع الجناة للمحاسبة عبر المؤسسات القضائية لضمان عدم الإفلات من العقاب ومنع أعمال الانتقام والثأر، مما يُكرّس الاستقرار داخل المجتمع.
تختلف العدالة الانتقالية عن العدالة التقليدية في أهدافها ومعاييرها وآلياتها، إذ لا تقتصر على محاكمة الجناة وتطبيق القوانين فحسب، بل تركز أيضًا على استعادة السلم الأهلي وتعزيز المصالحة الوطنية ومعالجة آثار الصراعات العنيفة. وإذا لم تُعالج تداعيات هذه النزاعات، فقد تعود دوامة العنف من جديد. وتستند العدالة الانتقالية إلى القوانين والمواثيق الدولية، نظرًا لأن العديد من الجرائم المرتكبة خلال الحروب الأهلية قد لا تكون مشمولة بشكل كافٍ في القوانين المحلية، مما يستوجب الاستفادة من التجارب الدولية المشابهة.
على مدار أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد، عانى السوريون من غياب العدالة، حيث نصت المادة 117 من الدستور السوري على منح الرئيس حصانة دستورية مطلقة تحميه من أي مساءلة قانونية. كما تمتع أفراد الأجهزة الأمنية والجيش والشرطة بحصانة مماثلة، بحيث لا يمكن محاسبتهم إلا بموافقة وزير الدفاع أو مدير أمن الدولة، مما سمح لهم بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة دون الخوف من العقاب، لا سيما بعد اندلاع الانتفاضة عام 2011.
علاوة على ذلك، هيمن الرئيس على السلطة القضائية بصفته رئيسًا لمجلس القضاء الأعلى، مما جعل القضاء أداة لقمع المعارضين وتفكيك حقوق السوريين بدلًا من أن يكون وسيلة لتحقيق العدالة.
السياسة الخارجية للإدارة السورية الجديدة: مقاربة براغماتية أم تحديات دبلوماسية؟
تلعب العلاقات الخارجية دورًا جوهريًا في بناء الدولة الحديثة، إذ تُعتبر ضرورية لضمان الاستقرار الداخلي وتعزيز موقع سوريا على الساحة الدولية.
وفي هذا السياق، شدّد رئيس الإدارة الانتقالية، أحمد الشرع، على الأهمية الاستراتيجية للعلاقات مع روسيا، مؤكدًا حرصه على الحفاظ على شراكة متينة معها وعدم السماح بخروجها من سوريا بطريقة لا تليق بمكانتها كقوة عالمية كبرى. وتحتفظ موسكو بقاعدتين عسكريتين في سوريا، حيث لعبت دورًا رئيسيًا في دعم النظام السابق. وبعد إزاحة الأسد، استقبلت روسيا في أراضيها، مما يعكس استمرار علاقتها الوثيقة مع دمشق.
أما فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فقد أعرب الشرع عن أمله في أن تتبنى الإدارة الأمريكية الجديدة، بقيادة الرئيس المنتخب حديثًا دونالد ترامب، نهجًا مختلفًا عن سابقتها في التعامل مع سوريا. كما أبدى تفاؤله برفع العقوبات المفروضة على البلاد، معتبرًا أن هذا سيسهم في تسهيل عملية الانتقال السياسي.
وحظيت مواقف الشرع بإعجاب كبار الدبلوماسيين الأمريكيين الذين زاروا دمشق، حيث وصفه البعض بأنه سياسي براغماتي. وساهمت هذه الانطباعات في قرار واشنطن بإلغاء مكافأة 10 ملايين دولار التي كانت قد رصدتها لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقاله عندما كان يُنظر إليه كزعيم لجماعة هيئة تحرير الشام. وأكد الشرع للأمريكيين التزامه بضمان استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في البلاد، مشددًا على أنه ليس دكتاتورًا مستقبليًا، بل يرى أن تحرير سوريا كان بفضل تضحيات الشعب بأكمله. كما أوضح أن هيئة تحرير الشام بذلت جهودًا كبيرة خلال عملياتها العسكرية لتجنّب سقوط ضحايا مدنيين أو نزوح السكان.
ومع ذلك، لا يزال موقف إدارة ترامب من القيادة السورية الجديدة غير واضح تمامًا، لا سيما في ظل علاقتها المعقدة مع حلفاء واشنطن في قوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى وجود نحو 2000 جندي أمريكي في شمال شرق سوريا.
الفرصة التاريخية لدعم الشعب السوري
منذ اندلاع الثورة الشعبية عام 2011، كان سقوط النظام السوري مسألة وقت، إذ لجأ إلى أقسى الأساليب لقمع المظاهرات السلمية، مستخدمًا جميع أنواع الأسلحة، بما في ذلك الكيميائية. كما فتح الحدود أمام الميليشيات الطائفية والتنظيمات المتشددة مثل حزب الله والفصائل الشيعية القادمة من العراق وأفغانستان. ولم يكتفِ بذلك، بل استدعى التدخل الأجنبي، مما أدى إلى تحول سوريا إلى ساحة نفوذ لدول عدة، حيث تقاسمتها كل من روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا، بينما استمر الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان منذ عام 1967.
واليوم، بينما يتطلع السوريون إلى مستقبل جديد، فإنهم يأملون في بناء دولة مدنية شاملة تحترم التنوع وتحافظ على حقوق جميع مواطنيها بغض النظر عن الدين أو العرق. كما يسعون إلى تجاوز الانقسامات الطائفية والانتصار لقيم العدالة والمساواة. وبعد معاناة امتدت لأكثر من 13 عامًا من القمع والدمار والنزوح، بات من الضروري العمل على استعادة سوريا كدولة موحدة تحتضن جميع أبنائها دون تمييز.
إن سقوط النظام الاستبدادي يمنح سوريا فرصة حقيقية لإعادة بناء نفسها كدولة ديمقراطية حديثة تستند إلى سيادة القانون وتحترم التعددية السياسية. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف يتطلب دعمًا دوليًا صادقًا، خاصة من الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، لتعويض تقاعس المجتمع الدولي عن مساندة السوريين في أحلك مراحل معاناتهم.
لقد آن الأوان لكي يقف العالم بحزم إلى جانب الشعب السوري، ويقدم له كل الدعم اللازم لتحقيق طموحاته في بناء مستقبل يسوده السلام والاستقرار.
تحليل لـ المعهد الدولي لدراسات الشرق الأوسط والبلقان (IFIMES) سلوفينيا
ترجمة يوسف سامي مصري
رابط البحث:
https://www.ifimes.org/en/researches/syria-2025-the-historical-syrian-project-from-revolution-to-a-modern-inclusive-civil-state/5437
IFIMES – المعهد الدولي لدراسات الشرق الأوسط والبلقان، ومقره ليوبليانا، سلوفينيا، يتمتع بوضع استشاري خاص لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة ECOSOC/UN في نيويورك منذ عام 2018، وهو ناشر المجلة العلمية الدولية “European Perspectives”، الرابط: https://www.europeanperspectives.org/en
يشير الربيع العربي إلى الاحتجاجات الجماهيرية التي اجتاحت العالم العربي بين عامي 2010 و2014. بدأت هذه الحركة غير المسبوقة في تونس في 18 كانون الأول/ديسمبر 2010، وامتدّت في النهاية إلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط. متوفر على: يشير الربيع العربي إلى الاحتجاجات الجماهيرية التي اجتاحت العالم العربي بين عامي 2010 و2014. بدأت هذه الحركة غير المسبوقة في تونس في 18 كانون الأول/ديسمبر 2010، وامتدت في النهاية إلى شمال إفريقيا والشرق الأوسط. متوفر على:
www.britannica.com/event/ Arab-Spring
تهدف اتفاقية أستانا، التي تم توقيعها في 4 أيار/مايو 2017، بين الاتحاد الروسي وإيران وتركيا كدول ضامنة، إلى مراقبة نظام وقف إطلاق النار في سوريا وإنشاء مناطق خفض التصعيد وفقًا لأحكام قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 (2015). متوفر على: https://www.dohainstitute.org/en/lists/ACRPS-PDFDocumentLibrary/Astana_Agreement_Guarantees_May_2017.pdf
العدالة الانتقالية هي فرع من فروع القانون يدرس أساليب معالجة انتهاكات حقوق الإنسان السابقة في المجتمعات الانتقالية. وهي واحدة من أهم أدوات عمليات التحوّل الديمقراطي التي تقودها المنظّمات الدولية، حيث يمكن أن تعمل كمحفز فعال للمصالحة والاستقرار بعد الصراع. متاح على:
www.mreza-mira.net/wp-content/uploads/Sta-je-tranziciona-pravda.pdf

