تحولات السلطة والصراع الإقليمي في مرحلة جديدة
العدد 1:
مقدّمة:
لقد جاء انهيار نظام الأسد في سوريا في نهاية عام 2024 بشكل مفاجئ وسريع، على الرغم من تمسكه بالسلطة لعدة عقود. فقد وجد الحاكم الذي صمد أمام حرب أهلية دامية، وتدخلات دولية متعددة، وسنوات من الخنق الاقتصادي نفسه فجأة مهجورًا من قبل حلفائه الذين كانوا يعتبرون بقاءه ضرورة في السابق. لم تتمكن إيران، التي كانت قد تورطت في صراعات إقليمية أخرى، من تقديم الدعم الثابت الذي كانت تقدمه في الماضي. أما روسيا، التي استنزفت طاقتها بسبب انخراطها العسكري، فقد أثبتت أنها غير قادرة أو غير راغبة في تنفيذ عملية إنقاذ حاسمة. حتى حزب الله، الشريك الإقليمي الأوفى للأسد، كان غارقًا في صراعاته الخاصة، مما ترك دمشق في وضع هش في لحظة حرجة.
ولكن ربما كان العنصر الأكثر وضوحًا في تغيير موازين القوى هو تركيا. فلم يكن أول وفد أجنبي يزور الحكام الجدد في سوريا قادمًا من الخليج أو واشنطن أو موسكو، بل كان من أنقرة. لم يكن ذلك محض صدفة، فقد زاد نفوذ تركيا في سوريا على مرّ العقود، إن لم يكن القرون. وفي وقت كان العالم الغربي يناقش مصالحه الاستراتيجية طويلة الأجل، تحركت تركيا بسرعة، تعاملت مع جماعات المعارضة، وأعادت تشكيل خريطة شمال سوريا، مما جعلها الآن لاعبًا أساسيًا في صنع القرار في دمشق.
حتى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي كان معروفًا بصراحته، ألمح ذات مرة إلى الاهتمام التاريخي العميق لتركيا بسوريا، قائلاً مازحًا: “لقد كانوا يراقبونها منذ 2000 عام”. ورغم المبالغة في تصريحه، إلا أنه يعكس جزءًا من الحقيقة، فالإرث العثماني لا يزال يهيمن على الاستراتيجية التركية. واليوم، ولأول مرة في التاريخ الحديث، تتمتع أنقرة بنفوذ غير مسبوق في تشكيل مستقبل سوريا.
ومع ذلك، قد يكون التحول الأكثر غرابة ليس انهيار نظام الأسد أو مناورة تركيا المحسوبة، بل الرجل الذي يقود دمشق الآن. فقد خضع محمد الجولاني، الزعيم السابق لهيئة تحرير الشام، لتحول مذهل، يتجاوز مجرد تغيير في الاسم. أصبح يُعرف الآن باسم أحمد الشرع، ولا يقدم نفسه كزعيم لفصيل مسلح، بل كرجل دولة. يتحدث عن المؤسسات والحكم والشمول. هذا التحول ليس سابقة في التاريخ، فقد شهدنا محاولات من قادة ثوريين للانتقال إلى أدوار حكومية وطنية. لكن حالة سوريا تحمل مخاطر خاصة. هل يمكن لشخصية ذات تاريخ طويل من التشدد أن تتحول فعلاً إلى زعيم قادر على حكم أمة مفككة؟
سوريا الآن على أعتاب نقطة تحول حاسمة. ستظل الأنظار مشدودة إلى هيئة تحرير الشام، التي كانت في يوم من الأيام تحكم بالقوة، بينما تحاول الآن الانتقال إلى الحكم من خلال المؤسسات. هل سيكون هذا السيناريو شبيهاً بما حدث مع طالبان، حيث تكيَّفت حركة أيديولوجية مع واقع الحكم؟ أم سيكون الوضع مشابهًا لحكم جماعة الإخوان المسلمين في مصر، حيث تحولت الوعود الأولية بالتعددية والشمول إلى انقسامات أعمق؟ الإجابة على هذا السؤال لا تحدد مصير سوريا فحسب، بل سيكون لها تأثير كبير على استقرار المنطقة ككل.
الدكتور بيتر غطاس، أستاذ مساعد، جامعة جيلف، كندا
رئيس معهد ‘’Brince Ghattas’ Institute of Middle East Studies
ملاحظة المحرِّر
في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، نجح تحالف من قوى المعارضة السورية بقيادة هيئة تحرير الشام (HTS) وبدعم رئيسي من الجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا في السيطرة على دمشق، مما شكّل نهاية لحكم عائلة الأسد الذي استمر لعقود. كانت هذه اللحظة بمثابة إنهاء للنظام الشمولي الذي بدأ مع انقلاب حافظ الأسد في عام 1971، حيث فرَّ ابنه بشار الأسد، الذي تولى الرئاسة في عام 2000، إلى روسيا، لينضم إلى عائلته التي كانت قد لجأت هناك مسبقاً ويحصل على اللجوء السياسي. ما أثار الدهشة بشكل خاص هو السرعة التي تمكنت بها المعارضة من السيطرة على البلاد، وهو أمر فاجأ العالم، بما في ذلك الشعب السوري. كما كان لافتاً أن النظام انهار إلى حد كبير دون عنف، حيث فضَّلت قوات الأسد الاستسلام بدلاً من القتال. ويرجع السبب الرئيسي لذلك إلى تخلّي حلفاء النظام عنه؛ فقد كانت روسيا التي أنقذت النظام في عام 2015 في دور هامشي هذه المرة، بينما لم تتمكن إيران، التي كان دعمها حاسماً لبقاء الأسد، من تقديم نفس الدعم. كذلك، كان حزب الله، الشريك الأقرب للأسد، في وضع لا يسمح له بتقديم المساعدة بعد أن تكبّد خسائر فادحة في صراعات طويلة ضد إسرائيل.
بعد أكثر من شهرين من سقوط نظام بشار الأسد، تقف سوريا عند مفترق طرق حاسم، حيث تواجه التحدي الأكبر المتمثل في إعادة بناء البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. في أول خطاب متلفز له، قدم الرئيس أحمد الشرع، الزعيم السابق لهيئة تحرير الشام والمعروف باسم محمد الجولاني، رؤيته لسوريا موحدة وشاملة، وأعلن عن حكومة انتقالية تهدف إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة تمهيداً لإجراء انتخابات حرة ونزيهة.
الأشهر القادمة ستكشف ما إذا كان هذا السيناريو قابلاً للتحقيق، أم أن الوعود الأولية بالوحدة والشمول ستؤدي إلى صراعات أعمق. إن الإجابة على هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل سوريا، بل ستؤثر بشكل كبير على الوضع في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط بشكل عام.
فاسيليس أنجيليس، أستاذ فخري في جامعة إيجة، ورئيس تحرير منتدى الشرق الأوسط
سوريا – سقوط الدولة العازلة
لا يقتصر تخصص مؤلّف هذا المقال على الشؤون السورية وحسب، بل يمتد ليشمل دراسة المجتمعات الدينية في منطقة الانتداب الفرنسي السابق في سوريا ولبنان. منذ مراهقته، كان مفتونًا بالتنوع العرقي في سوريا، وبتراثها الهلنستي، ومساهمتها في تشكيل المسيحية. كانت سوريا، في نظره، مسرحًا لحروب بين روما (روما الشرقية) وبلاد فارس، ومفترق طرق للحضارات. حتى في الصف قبل الأخير في المدرسة الثانوية، كتب مقالًا بعنوان “سوريا بين العرب وبيزنطة”. وقد أغرقه قسطنطين كفافي، الذي وُلد في الإسكندرية وعاش شعريًا في العصر الهلنستي للبطالمة والحكام السلوقيين في سوريا، في الفضاء الواسع لهذا الكيان التاريخي الذي يشمل دمشق، أنطاكية، إميسا، أفاميا، كوماجين، وأوسروين في شمال سوريا، التي تقع الآن ضمن حدود تركيا.
لقد حددت اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 مصير سوريا وبلاد ما بين النهرين. فبينما رُسمت حدود سوريا في عام 1923 في لوزان، سقطت تحت الاحتلال الفرنسي، وأصبحت دمشق، أول عاصمة للخلافة الإسلامية، مهدًا للقومية العربية التي لم تكتمل في العصر الحديث.
اليوم، يشكّل السريان الأرثوذكس اليونانيون، الناجون من العصر الهلنستي والبيزنطي، تحت رعاية بطريركية أنطاكية القديمة، أكبر مجتمع مسيحي في سوريا، التي تضم أيضًا أغلبية من المسلمين السنة ومذاهب أخرى.
إن سقوط نظام البعث العلماني المتسامح دينيًا، الذي كان حديثًا وقوميًا عربيًا، يفتح آفاقًا لفصل جديد في تاريخ سوريا والمنطقة، كما يطرح تساؤلات حول مصير المسيحية في أراضي تأسيسها.
لا يمكن استقبال انهيار الدكتاتورية الأسدية الجامدة بالفرح الكامل، إذ إن المتمردين المنتصرين يتجهون تحت قيادة القوى الإسلامية العنيفة، مثل القاعدة وهيئة تحرير الشام (النصرة سابقًا). لذلك، فإن التشكك والتردد بشأن ما سيحدث في المستقبل يعد أمرًا منطقيًا.
أما الاتحاد الأوروبي، الذي لا يُعتبر فاعلاً جيوسياسيًا تقليديًا، فقد نال الثناء في البداية على التطورات المذهلة في سوريا، إلا أنه كان دقيقًا في تقييمه لرفع العقوبات. فالديمقراطية لا يمكن زرعها بسهولة في الأراضي السورية القاحلة، والحكام الجدد الذين تدعمهم قوى خارجية معادية، مثل الرغبة في تقليص النفوذ الإيراني، لم يتمكنوا بعد من بناء الثقة حيال نواياهم.
وفي ضوء هذه التطورات، تجسد مبادرة رئيس وزراء الجمهورية اليونانية، التي توجه إلى بيروت للتعبير عن الدعم للشعب اللبناني والتضامن مع الناطقين باليونانية والعربية الأرثوذكسية في سوريا ولبنان، خطوة إيجابية تستحق الثناء. هناك حاجة لبذل المزيد من الجهود من قبل اليونان، والدول المسيحية الأرثوذكسية الأخرى، والاتحاد الأوروبي ككل لدعم المنطقة في هذه المرحلة الحرجة.
الدكتور جورجيوس بوكاميساس، سفير فخري، اليونان
نائب رئيس معهد “برنس غطاس” لدراسات الشرق الأوسط
العامل الكردي
يتمتع الأكراد السوريون بتاريخ طويل من المعارك منذ بداية الربيع العربي والهجوم الكبير لداعش، الذي شهدته المنطقة تحت أنظار الدول الإقليمية وبعض الدول العالمية. كان دفاعهم عن عين العرب/كوباني في عامي 2014 و2015 ضد حصار داعش من أبرز انتصارات القرن الحادي والعشرين.
اليوم، يمثل الكيان المستقل في روج آفا، على ضفتي نهر الفرات، نموذجًا للتعايش بين مختلف المجموعات العرقية والدينية، وهو يدير شؤونه تحت راية مجلس سوريا الديمقراطي وقوات سوريا الديمقراطية. لكن هذا الجزء المشرق من سوريا أصبح الآن مهددًا بشكل كبير. هذا التهديد يرتبط بشكل مباشر بتورط تركيا في الشؤون السورية ودعمها لجبهة النصرة/هيئة تحرير الشام، ويعتبر سببًا رئيسيًا في تأجيج النزاع.
مصداقية الولايات المتحدة وإسرائيل، وكلاهما حليف غير معلن للأكراد السوريين، أصبحت الآن في مهب الريح. هل سيتخلون عن الأكراد بمجرد تحقيق هدفهم الأول بإزالة نظام البعث؟ الزيارة السريعة التي قام بها وزير الخارجية الأمريكي بلينكن إلى أنقرة قبل بضعة أيام تشير إلى القلق المتزايد بشأن أهداف تركيا الواضحة. ومن المثير أن تركيا، التي استفادت من وجود داعش وأيدت جبهة النصرة في وقتٍ ما، تصف المجتمعات العرقية التي قاومت الإرهابيين وحققت انتصارات ضدهم بـ”الإرهابيين”.
التوقعات تشير إلى أن الأكراد، الذين خذلهم حلفاؤهم المؤقتون، سيتعين عليهم مرة أخرى الاعتماد على قوتهم الذاتية في مواجهة هذا الواقع الجديد.
في الوقت نفسه، سيتعرف الغرب على حقيقة أن سوريا الأسد، على الرغم من جميع عيوبها، كانت تشكّل نوعًا من الحاجز الأمني. مع انهيار النظام، تواجه القوى الغربية وإسرائيل وروسيا ودول الجامعة العربية تحديات جديدة. يبدو أن النفوذ الإيراني تراجع بشكل كبير، ويبدو أن إخلاء القواعد الروسية لصالح القوى الغربية لن يؤدي إلى استقرار حقيقي في سوريا.
بالنسبة لإسرائيل، فإن موقفها في هذا المشهد الجديد ليس متشابهًا مع موقف تركيا. تركيا ستسعى لتقديم نفسها كحامية للمسلمين السوريين، محاوِلةً تصوير الرئيس أردوغان كصلاح الدين أو السلطان سليم الجديد. في المقابل، ليس لدى إسرائيل سوى القليل من الحلفاء الموثوقين في سوريا، وربما يكون الدروز هم الاستثناء الوحيد. وعلى الرغم من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الدفاعية والعلمية السورية، واستحواذ إسرائيل على أراضٍ جديدة حول جبل الشيخ، فإن إسرائيل لا تزال تكسب الوقت فقط. براعتها التكنولوجية قد لا تكون كافية لحمايتها من أعدائها الجدد، وقد تجد إسرائيل نفسها نادمة على سقوط الأسد، الذي لم يكن يشكل تهديدًا مباشرًا لها. في حال حدوث ذلك، قد تجد تل أبيب نفسها مضطرة للبحث عن مخرج استراتيجي، الذي قد يشمل منح منظمة التحرير الفلسطينية بعض المساحة للتنفس وتقديم الدعم الكامل للأكراد السوريين المحاصَرين.
الملاحظة الأخيرة:
لا يوجد سبب يدعو دول الجامعة العربية إلى الاحتفاء بتطورات الوضع في سوريا، فالأردن تشعر بالقلق البالغ مما يحدث في المنطقة. أما مصر، الشريك الاستراتيجي لليونان والاتحاد الأوروبي، فستجد نفسها أمام تحدي جماعة الإخوان المسلمين التي أصبحت أكثر جرأة في مواقفها.
من هنا، يتجسد النهج الذي قد يلجأ إليه الغرب للتعامل مع الوضع الجديد في سوريا في عدة خطوات. أولاً، يتعين على إسرائيل إنهاء تصعيدها في غزة وتخفيف الضغوط على الضفة الغربية، وذلك لخلق بيئة أكثر استقرارًا على المدى البعيد. ثانيًا، ينبغي للغرب والمجتمع الدولي أن يعملوا بشكل منسق على إقامة حاجز أمام التوسع العسكري التركي في شمال سوريا وضفتي نهر الفرات، بما يضمن الحد من التهديدات الاستعمارية التي قد تنشأ عن هذه التحركات.
المحتويات:
المقدمة
ملاحظة المحرّر
سوريا – سقوط الدولة العازلة
العرب والديمقراطية ومراجعة تاريخية
ماذا بعد نقطة التحوُّل في سوريا بعد انهيار نظام الأسد؟
دور سوريا في النظام الجديد الناشئ في المنطقة
من أجل سوريا التي أحببتها. سوريا بعد غزو دمشق وهروب بشار الأسد
سوريا عند مفترق طرُق حَرِج
نبذة عن منتدى الشرق الأوسط
الروابط:
- The Regional Geoeconomic Dynamics of Turkey in the Context of Europe 2000-2014
- The Strengths and Weaknesses of the Emerging Regional Powers and the Strategic Threats They Are Facing: Greece, Turkey, and Israel
- Hayat Tahrir al-Sham and the other Syrian opposition groups in Aleppo
- Syria, Russia forces step up air raids in a bid to slow opposition advance
- Who are the Kurds and what is their relation to Syria
- Kurds in Syria: Explainer
- PKK would leave Syria if Kurdish forces keep leadership role
- Syrian-Kurdish meeting with U.S. military officials
- Syria-Turkey tensions around Tishrin Dam
- Sweden’s geographic sanctions on Syria
- Syrian insurgents say they have entered Damascus
- Syria, Bashar Assad’s family wealth and ties with Russia
- Why the Assad regime collapsed in Syria
- Syrian army withdrawals continue
- Syrian opposition forces take control of Quneitra near Israeli border

