ذات صلة

أوكرانيا وما بعدها: رسم مستقبل الأمن في أوروبا

أولاً: مقدّمة:

تُظهر الحرب في أوكرانيا تطورات كبيرة، حيث تحولت من حالة الجمود إلى صراع استنزافي تتفوق فيه روسيا، لكن الطريق إلى النصر لا يزال غير واضح. بعد فشل الهجوم الأوكراني المضاد في عام 2023، تمكنت القوات الروسية من تحقيق تقدم تدريجي ولكن ثابت. ومع ذلك، تكبدت روسيا خسائر بشرية هائلة في هذه العمليات؛ فمن المحتمل أن يكون عدد القتلى والجرحى في صفوف جيشها قد تجاوز نصف مليون منذ بداية الغزو الشامل. كما أن العقوبات الأمريكية والأوروبية قد أثقلت كاهل الاقتصاد الروسي، رغم أنها لم تحقق الضربة القاضية التي كان يأمل فيها الغرب. وعلى الرغم من فشل موسكو في منع المتمردين من الإطاحة بنظام بشار الأسد في سوريا في أواخر عام 2024، تظل الأمور معقدة بالنسبة لها.

أما أوكرانيا، فهي تواجه تحديات كبيرة. الشعب الأوكراني يعاني من إرهاق الحرب، والجيش الأوكراني يواصل القتال ضد قوة أكبر وأكثر قوة. تسعى أوكرانيا لحشد قواتها وتدريبها رغم الضغوط، وخصوصًا مع الهجوم المفاجئ على منطقة كورسك الروسية في أغسطس 2024، الذي أثر على التقدم الروسي في جبهتها الشرقية. وعلى الرغم من أن الدفاعات الأوكرانية لا تقترب من الانهيار، إلا أن كييف قد تستفيد من فترة هدنة لإعادة تنظيم صفوفها، رغم أن معظم الأوكرانيين المؤيدين للتهدئة لا يريدون إنهاء الحرب بالكامل، بل يفضلون إعادة ترتيب صفوفهم للقتال في وقت لاحق.

وفي ظل هذه الأوضاع، يظهر الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، الذي وعد بمحاولة التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب. لكن السؤال يبقى حول قدرته على التوسط في اتفاق من هذا النوع، خاصة مع وجود قضايا أساسية تفصل بين روسيا وأوكرانيا وداعميها. القضايا الجوهرية تشمل رغبة روسيا في تحويل أوكرانيا إلى دولة تابعة منزوعة السلاح وعاجزة عن الدفاع عن نفسها. لا يثق الأوروبيون والأوكرانيون في أن روسيا ستكتفي بهذه الحدود إذا كانت أوكرانيا ستظل تتمتع باستقلال سياسي. كما أن هناك تخوفات من أن موسكو قد تستهدف دولًا أخرى، مثل مولدوفا، أو حتى دول الجناح الشرقي لحلف الناتو.

تعقّد الوضع أكثر بوجود ترامب الذي شكك في التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها، من خلال طرح فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك أو “الحصول عليها” بطرق أخرى، بالإضافة إلى تهديداته بفرض رسوم جمركية على الاتحاد الأوروبي وأعضائه.

مهما كانت النتيجة، فإن هذا الصراع يعيد تعريف الأمن الأوروبي ويشكل مستقبل أوكرانيا، مما سيؤثر في الدبلوماسية الأوروبية والعالمية في المستقبل. يستكشف هذا البحث الافتراضات والتصورات المتعلقة بالتهديدات التي نشأت بسبب الحرب في أوكرانيا، التي ستؤثر على النظام الأمني الأوروبي الناشئ. كما يقدم البحث مقترحات بشأن تأسيس السياسات بناءً على توقعات أكثر واقعية. وبالنسبة للافتراضات، يبدأ التقرير من فرضية مفادها أنه على الرغم من التغييرات في السياسة الخارجية الأمريكية مع الإدارة الجديدة، سيظل هناك نوع من التوافق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين بشأن أوكرانيا. ولكن هذا الافتراض قد يثبت خطأه، حيث أن عدم قدرة ترامب على التنبؤ أو تعنت بوتين قد يؤدي إلى تعقيد جهود حل الصراع وتحقيق الاستقرار في المنطقة. إن كيفية التعامل مع التحديات التي قد تواجهها أوروبا في حال فشل المحادثات أو عدم انطلاقها خارج نطاق هذا البحث.

يعتمد هذا البحث على تقارير سابقة من مجموعة الأزمات الدولية بشأن الأمن الأوروبي والصراع في أوكرانيا منذ عام 2014، ويستند إلى أكثر من عامين من البحث والمقابلات مع مسؤولين ودبلوماسيين وبرلمانيين ونشطاء ومتخصصين من دول متعددة حول العالم.

افتراضات خاطئة:

تُظهر الحرب الشاملة التي بدأت في أوكرانيا في 24 فبراير 2022، والتي شنتها روسيا، العديد من الرهانات والافتراضات الخاطئة من قبل الأطراف المعنية. وبينما تم التخلي عن بعض هذه الافتراضات، لا يزال بعضها الآخر مستمراً، ويستمر في التأثير على سلوك الأطراف المعنية.

أ. خطأ فادح:

لنبدأ بموسكو: في الفترة التي سبقت الغزو، كانت روسيا تُفترض أن جيشها المدرب جيداً سيواجه مسؤولين أوكرانيين إقليميين ومحليين متعاونين وشعباً أوكرانياً مُطيعاً، في حين ستُذعن العواصم الغربية لضغوطها. وكان الهدف من هذا الافتراض الأخير هو تهديد الرئيس فلاديمير بوتين العلني، مع بداية الهجوم، بـ”عواقب لم تشهدوها في تاريخكم” لأي طرف يتدخل.

لكن الكرملين كان مخطئاً في جميع جوانب هذه التقديرات. فالأوكرانيون الذين كانوا في حالة صراع مع روسيا منذ عام 2014 كانوا مستعدين للمقاومة. أما القوات المسلحة الروسية، ورغم تحسن تدريبها مقارنة بالماضي، فقد كانت تفتقر إلى المعدات الكافية بسبب الفساد الذي نخر النظام. ولأن القادة الروس افترضوا جزئياً أن الأوكرانيين لن يقاوموا، أُرسل الجنود الروس إلى الحرب مع خطط غير قابلة للتطبيق، مما عرقل محاولات تحقيق النصر. بينما كان هناك بعض المسؤولين الأوكرانيين الذين ربما كانوا ميّالين للتعاون مع موسكو، إلا أن معظمهم رفضوا ذلك.

من جانبهم، رأت الدول الغربية في العدوان الروسي تهديداً لأمنها. ورغم تهديدات بوتين، فإن هذه الدول كانت تعتبر من غير المحتمل أن يلجأ الكرملين إلى استخدام الأسلحة النووية في حال تقديم الدعم لأوكرانيا. لذا، حرص القادة الغربيون على تجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى مواجهة مباشرة بين الناتو والقوات الروسية، وهو ما كان يُعتبر مخاطرة غير مقبولة. ومع ذلك، قرروا بسرعة تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية، والأسلحة، والتمويل، والتدريب العسكري.

أما إذا كانت موسكو قد أخطأت في تقديراتها الأولية، فإن دوائر الخبراء الغربيين والأوكرانيين لم يكونوا أفضل حالاً. في البداية، تبنوا ذات الرأي الذي ساد في موسكو، معتقدين أن روسيا ستنتصر في الحرب، وإن كان ذلك ليس بالسرعة التي توقعها الكرملين. استند هؤلاء الخبراء إلى تقارير موسكو عن قدراتها العسكرية، بالإضافة إلى نجاحاتها السابقة في سوريا وأوكرانيا بين عامي 2014 و2022. رغم وجود تباين في الآراء، إلا أن البعض رأى ضرورة استعداد الدول الغربية لتحمل المزيد من المخاطر لموازنة الفرص المتاحة لأوكرانيا، مثل فرض منطقة حظر طيران كما كانت تطلب كييف. ودعا آخرون، مثل مجموعة الأزمات الدولية، إلى تقديم مساعدات غير مباشرة، بما في ذلك الأسلحة، لدعم الدفاع الأوكراني. لكن في تلك الأيام الأولى من الحرب، فشل الخبراء في التنبؤ بأن الهجوم الروسي سيتعثر بشكل كبير، وأن كييف، بدعم الأسلحة والاستخبارات الغربية، ستكون قادرة على إجبار روسيا على التراجع.

ب. الرهانات المستمرة:

  1. روسيا: رهانان كبيران

عدّلت روسيا استراتيجيتها بعد أن خسرت العديد من أفضل جنودها في الهجوم المتهور متعدد الجوانب على كييف في الأيام الأولى من الغزو الشامل. ومنذ ذلك الحين، تركزت بشكل أساسي، وإن كان بأسلوب دموي، على حرب الاستنزاف ومحاولة كسب الأرض. ومع ذلك، لا يزال نهج موسكو في التعامل مع الصراع يعتمد على افتراضين مشكوك فيهما على الأقل.

الافتراض الأول هو استمرار اعتقاد موسكو بأن التهديد النووي يمكن أن يُجبر داعمي أوكرانيا على التراجع. رغم أن معظم القادة الغربيين قد اعتبروا منذ البداية أن التصعيد النووي سيشكل خطراً حقيقياً في حال حدوث صِدام مباشر بين الناتو وروسيا، إلا أنهم لم يعتقدوا أن التهديد الروسي باستخدام الأسلحة النووية في مواجهة المساعدات العسكرية لأوكرانيا سيكون ذا مصداقية، حتى عندما أصبح أكثر وضوحاً. ومن النقاط الحاسمة في هذا السياق، جاء خريف 2022 عندما قدّر محلّلو الحكومة الأمريكية أن روسيا قد تلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية لتعويض سلسلة من الخسائر في ساحة المعركة. ولكن بدلاً من قطع المساعدات عن أوكرانيا، أوضح المسؤولون الأمريكيون العواقب التي ستوجهها موسكو إذا استخدمت سلاحاً نووياً، بما في ذلك استخدام أسلحة تقليدية لتدمير القوات الروسية في أوكرانيا، مما أدى إلى تراجع موسكو. ورغم ذلك، استمرت موسكو في تكرار خطابها التهديدي، بينما تكشف التصريحات الرسمية وتحليلات الخبراء الروس عن إحباطها بسبب فشلها في تحقيق أهدافها.

الرهان الروسي الثاني المشكوك فيه هو أن الوحدة الغربية في دعم كييف ستنهار. من الإنصاف القول إن الغربيين أنفسهم كانوا يشككون في قدرتهم على الحفاظ على الوحدة، وفي بعض الأحيان كادوا أن ينقسموا، خاصةً عندما استغرق الكونغرس الأمريكي شهوراً قبل إقرار حزمة دعم حاسمة في أبريل 2024. ومع ذلك، منذ عام 2014، عندما غزت روسيا جارتها لأول مرة، وعلى الرغم من النقاشات العديدة والتحولات السياسية في الداخل (بما في ذلك السنوات الأربع الأولى من ولاية ترامب)، ظل الإجماع عبر الأطلسي بشأن أوكرانيا قائماً، مما عزز الدعم المادي لكييف وفرض العقوبات على روسيا. بل إن هذا الإجماع ازداد قوة بشكل كبير بعد غزو فبراير 2022.

ورغم أن روسيا ما تزال تراهن على قدرتها على الصمود أمام العزيمة الغربية، فإنها قد تنتصر، لكنها قد تخسر أيضاً. تمثل استراتيجية موسكو في الانتظار لمعرفة ما إذا كان ترامب، الذي كان يشكك منذ فترة طويلة في دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا، سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نوفمبر 2024، وكيف سيؤثر ذلك على السياسة الأمريكية. التغييرات في هذا الصدد تبدو وشيكة. لكن بينما أشار فريق ترامب إلى أنه سيركز أكثر على التفاوض لإنهاء الحرب مقارنةً بسابقيه، فإن وجهة نظر الإدارة الأمريكية الجديدة بشأن النتيجة المقبولة ستختلف على الأرجح عن وجهة نظر موسكو – كما أن مصالح الولايات المتحدة تختلف عن مصالح روسيا. حتى الآن، لا يوجد ما يشير إلى أن البيت الأبيض يخطط للتخلي عن النفوذ الذي يملكه قبل الوصول إلى اتفاق. في الواقع، تشير تعليقات ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي في أواخر يناير 2024 إلى اتجاه معاكس، على الرغم من أن التناقضات في لهجته ومحتوى تصريحاته تجعل من الصعب التمييز بين الخطط السياسية والتصريحات العفوية.

  1. أوكرانيا، وداعموها، وصانِعو السلام المحتمَلون:

بحثاً عن معجزات جديدة

في أوكرانيا، قد يكون ما بدا وكأنه معجزات في عام 2022 قد أثار توقعات لمزيد من المعجزات في السنوات التي تلت ذلك، مما أدى إلى اتخاذ قرارات اعتمدت على مزيج من التمنّي وتجاوز الحقائق القاتمة. انتقد القادة الأوكرانيون بشكل متزايد داعميهم لعدم تقديم المزيد من الأسلحة. طلبوا أنظمة أسلحة كان يُعتقد أنها ستُحدِث فرقاً كبيراً، ليصابوا بخيبة أمل عندما أسهمت كل إضافة جديدة إلى الترسانة في المساعدة، لكنها لم تُحقق النصر المطلوب. وفي الوقت نفسه، فشلت البلاد في حشد وتدريب قوة قتالية كافية. على الرغم من أن الجيش الأوكراني قد يضم ما يصل إلى مليون شخص رسمياً، إلا أنه استمر في نقص القوات القادرة على القتال الفعّال على الجبهة. وعبرت كييف بشكل مستمر عن شكواها من أن شركاءها لا يوفّرون أسلحة كافية أو متطورة بما فيه الكفاية. لكن فشل أوكرانيا في بناء تحصينات كافية في السنة الأولى من الحرب، بالإضافة إلى قرارها في أغسطس 2024 بتحويل قواتها إلى توغل في منطقة كورسك الروسية، سمح لروسيا على الأرجح بالاستيلاء على أراضٍ أكثر مما كانت ستتمكن من الحصول عليها لو لم يحدث ذلك.

كما أن طلب أوكرانيا الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي سنناقشه لاحقاً، يسلط الضوء على عدم رغبتها في قبول الحقائق المرتبطة بمواقف داعميها. إذ إن الانضمام إلى الناتو كان سيمكن أوكرانيا من استدعاء التزام الحلف بالدفاع المشترك، ما كان سيجبر روسيا على الانسحاب أو يؤدي إلى صراع مباشر لا يزال القادة الغربيون يسعون لتجنّبه. بقيت واشنطن وبرلين، من بين دول أخرى، غير راغبتين في المخاطرة بهذا التصعيد. وعلاوة على ذلك، حتى في حال تأييد البيت الأبيض لانضمام أوكرانيا إلى الناتو، فإن التصديق من مجلس الشيوخ الأمريكي، الذي يُعد خطوة حاسمة، كان أمراً غير واقعي.

ومن جانب آخر، سادت روايات أخرى مشكوك فيها في فترات معينة لدى الدول الداعمة لأوكرانيا. ففي الوقت الذي بدا فيه انتصار روسيا مؤكداً في بداية الحرب الشاملة، دفعت إخفاقاتها المبكرة بعض أصدقاء كييف إلى المبالغة في تقدير ضعف روسيا. كانت العديد من التوقعات التي تفيد بأن روسيا ستفقد زخمها (وهي ما زالت تفقده جزئياً) مبنية على الاعتقاد بأن تحول روسيا إلى اقتصاد حرب جزئي سيكون غير مستدام. في الأيام الأولى من الحرب، كان المسؤولون الغربيون أيضاً متفائلين بشأن الدعم العالمي لقضية أوكرانيا، وواثقين من أن العقوبات، رغم أنها قد لا تكون حاسمة بذاتها، ستؤدي إلى استنزاف قدرة روسيا على تمويل جهودها الحربية.

ومع ذلك، بعد مرور ثلاث سنوات، لا تظهر روسيا أي بوادر على فشل وشيك. فقد كان تأثير العقوبات أقل مما توقعه الكثيرون، ويرجع ذلك جزئياً إلى الإدارة المالية الذكية التي اتبعتها موسكو. كما ساهم التنفيذ غير الكامل والتراخي للعقوبات – حتى من قبل بعض أعضاء التحالف الداعم لأوكرانيا – في هذا الوضع. والأهم من ذلك، أن العديد من الدول خارج أوروبا، بما في ذلك دول متعاطفة مع أوكرانيا، اختارت الحفاظ على علاقاتها مع موسكو بدلاً من الالتزام بنظام عقوبات قد يؤذيها مالياً، والذي لم تكن هي جزءاً في تحديده. وبذلك، على الرغم من أن الاقتصاد الروسي بعيد عن الازدهار، إلا أنه صمد بشكل ملحوظ.

أيضاً، مال صانعو السلام المحتملون إلى تغذية الآمال أو التوقعات غير الواقعية. فقد طرحت الصين، والبرازيل، والهند، وجنوب إفريقيا خطط سلام أو دعت إلى محادثات. لكن روسيا وأوكرانيا وداعموهما رفضوا هذه المبادرات باعتبارها غير قابلة للتنفيذ أو غير ملموسة بما فيه الكفاية، وغالباً ما كانت تفتقر إلى التفاصيل الضرورية. تشترك الخطط التي اقترحها المسؤولون من خارج أوروبا في عدة خصائص مع تلك التي كان يفضلها بعض أفراد دوائر ترامب، على الأقل عندما كان مرشحاً رئاسياً. وكانت أحد أبرز هذه الأفكار هي إمكانية إنهاء الحرب من خلال اتفاق يتوقف بموجبه الهجوم الروسي على أوكرانيا، في مقابل أن تتخلى كييف عن الأراضي التي فقدتها وأملها في الانضمام إلى الناتو – أي صفقة “الأرض مقابل السلام”.

لكن مقترحات “الأرض مقابل السلام” غالباً ما كانت تقتصر على النظر إلى الحرب من منظور ضيق، باعتبارها نزاعاً إقليمياً بين موسكو وكييف، في حين أن روسيا تعتبرها حرباً شاملة تسعى فيها لتحدّي الغرب بأسره من أجل أمنها. من وجهة نظر موسكو، فإن السيطرة على أوكرانيا أمر بالغ الأهمية للدفاع عن نفسها ضد النظام الغربي المعادي الذي تقوده الولايات المتحدة. وتدفع هذه الرؤية روسيا إلى طموحات تتجاوز أوكرانيا، وتشمل إعادة النظر في النظام الذي أعقب الحرب الباردة في أوروبا. موسكو تعتقد أنها مضطرة لذلك لتعزيز نفوذها في القارة وتقويض النفوذ الأمريكي.

الصفقة السياسية التي تسعى إليها روسيا، والتي ستترك لها السيطرة على مساحة واسعة من الأراضي الأوكرانية مع إجبار أوكرانيا على التزام الحياد ونزع السلاح، هي خطوة نحو تحقيق أهداف موسكو الأوسع. لكن من غير المرجح أن تقبل أوكرانيا أو أي من حلفائها بهذه الصفقة. فكييف ستعتبرها، عن حق، شكلاً من أشكال التبعية، وستزداد مرارتها بسبب المعاناة والفظائع التي مرّ بها الشعب الأوكراني أثناء الحرب. من جهة أخرى، تخشى الدول الغربية أن تشكّل هذه الخطوة تهديداً جديداً لمزيد من التدخل الروسي في الدول الأخرى، ربما بدءاً من مولدوفا، وربما تشمل دولاً أخرى في الجناح الشرقي لحلف الناتو. في النهاية، لأن أهداف روسيا تتجاوز أوكرانيا، فإن الحلول التي تقتصر على أوكرانيا وحدها لا يمكن أن تحقق الاستقرار المطلوب.

ثالثًا. تصوّرات التهديد: قارّة خائفة

أثّرت التفسيرات المعقدة، التي أحيانًا تكون مضللة، لدوافع الأطراف المختلفة على تصوّرات التهديدات لدى روسيا وأوكرانيا وداعميهما. بينما ظلّت آراء روسيا ثابتة إلى حدٍّ ما، فإن غزوها الشامل لأوكرانيا في 2022 هزّ معظم أنحاء أوروبا وخلق شعورًا مشتركًا بين دول القارة بأنها تواجه تهديدًا وجوديًا من خصومها، وهذا ما دفع الكثير من الحكومات الغربية إلى إعادة تقييم سياساتها تجاه موسكو وأوكرانيا.

أ. وجهة نظر روسيا: التهديد من الغرب

منذ منتصف التسعينيات، ترى روسيا أن السياسة الغربية تتجه بشكل واضح نحو إضعافها، وتعتبر نفسها مُجبرة على اتخاذ مواقف متشددة للحفاظ على مصالحها. ورغم فترات التعاون المختلفة بين موسكو والغرب، فإن روسيا ظلّت تنتقد توسُّع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، معتبرةً أن انضمام دول جديدة إلى هذه المؤسسات يشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها. وقد كان الرئيس بوتين نفسه من أبرز من أشار إلى ذلك في خطابه في مؤتمر ميونيخ الأمني في عام 2007.

لكن الشكاوى الروسية لا تقتصر فقط على التوسع العسكري. موسكو ترفض أيضًا محاولات الغرب فرض “قيمه الديمقراطية” على جيرانها، بما في ذلك تعزيز حقوق الإنسان، حقوق المرأة، أو تمكين المعارضين السياسيين. كما تعارض السياسات البيئية والتنظيمية للاتحاد الأوروبي التي تؤثر على تجارتها. كما ترى موسكو أن هذه الجهود الغربية ليست مجرد تدخلات في شؤونها الداخلية، بل تهديد حقيقي لسيادتها ووجودها كدولة كبرى.

وتتعمق جذور الشعور بالتهديد في روسيا بسبب تفكك الاتحاد السوفيتي، وهو ما تعتبره موسكو فقدانًا لمكانتها كقوة عظمى. وهذا أدى إلى مشاعر بالضعف، حيث أن روسيا، في نظر الكرملين، لا تستطيع أن تنافس حلف الناتو، أو حتى الولايات المتحدة بشكل فردي. من هنا، تطوّرت الحاجة الروسية لاستعادة نفوذها القديم في دول الاتحاد السوفيتي السابق وأماكن أخرى كوسيلة للحفاظ على الأمن الداخلي.

روسيا تؤمن أن الأمن يتطلب الهيمنة على جيرانها، وهذا مرتبط ارتباطًا وثيقًا بجذورها الإمبريالية. تطور هذا الشعور ليشمل رغبة في إعادة فرض سيطرة ثقافية وجغرافية على مناطق تعتبرها جزءًا من نفوذها التقليدي. وعلى المستوى الاجتماعي، يتبنى الخطاب السياسي الروسي مفاهيم ترتبط بالذكورة والسيطرة. هذا النهج يفسر اندفاع موسكو المستمر في تعزيز نفوذها في الخارج، بما في ذلك في أوكرانيا.

في وثيقة السياسة الخارجية الروسية التي نُشرت في مارس 2023، أكّد الكرملين على أن الولايات المتحدة تسعى لتدمير وحدة أراضي روسيا من خلال تحالفاتها العسكرية والاقتصادية. وبناءً على ذلك، ترى موسكو أن الناتو والاتحاد الأوروبي يشكّلان تهديدًا رئيسيًا لسيادتها، حتى وإن لم تتوقع هجومًا عسكريًا مباشرًا من هذه الأطراف. هي ترى في الناتو مشروعًا غربيًا تسعى الولايات المتحدة من خلاله إلى تقويض أمن روسيا عبر وسائل متعددة.

ب. نظرة من الغرب: كشف عن خطر

في المقابل، ظلّت تصوّرات الغرب للتهديدات الروسية غير ثابتة لفترات طويلة، فقد اختلفت مواقف الدول الغربية، خاصة في فترة ما قبل الغزو الشامل لأوكرانيا.

قبل الغزو الشامل:

قبل أن يبدأ الغزو الروسي في فبراير 2022، كانت دول البلطيق وبولندا أكثر تفهّمًا لطبيعة التهديدات الروسية مقارنةً بالكثير من حلفائها في الغرب. كانت هذه الدول، بما في ذلك إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، تحذر منذ فترة طويلة من أن روسيا ستصبح عدوانية في يوم ما. وقد اعتبر المسؤولون في هذه الدول أن الحروب التي خاضتها روسيا في جورجيا 2008 وضمها لشبه جزيرة القرم في 2014، بالإضافة إلى دعمها للتمردات الانفصالية في شرق أوكرانيا، كانت أدلة واضحة على أن موسكو تشكل تهديدًا دائمًا.

وفي المقابل، كانت حكومات دول مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة ترى أن روسيا تمثل تهديدًا محدودًا، وكان التصور السائد في تلك الفترة أن روسيا تُشكل خطرًا على دول غير أعضاء في حلف الناتو، خاصةً تلك القريبة من حدودها، ولكن لم يُنظر إلى هذا الخطر على أنه كبير أو غير قابل للإدارة. كانت هذه الدول تعتبر أن روسيا، رغم تحركاتها الاستفزازية، لا تنوي توسيع نطاق التهديد، وأن أعمالها في جورجيا أو أوكرانيا ستكون محدودة ولن تؤدي إلى صراع واسع النطاق.

ورغم هذه التصورات، استمر الغرب في التواصل مع موسكو من خلال عدة آليات دبلوماسية، بما في ذلك منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) ومجلس الناتو-روسيا الذي أُنشئ في عام 2002 لتعزيز الحوار بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. كما استمرت الدول الغربية في تعزيز العلاقات الاقتصادية مع موسكو، على أمل أن يؤدي التعاون إلى التهدئة والاستقرار، ورغم فرض العقوبات بعد 2014، كانت هذه التدابير تعتبرها بعض الدول الغربية كخطوات محدودة وليست حاسمة.

وفي نفس السياق، كان الغرب قد بدأ في تعزيز وجوده العسكري في دول البلطيق بعد 2014، وهو ما كان يهدف بشكل أساسي إلى طمأنة دول الحلفاء مثل إستونيا ولاتفيا وليتوانيا، وضمان قدرتهم على ردع أي تهديد روسي محتمل. وكان الرد الغربي على تصرفات روسيا يتضمن إشارات قوية بأن أي عدوان ضد حلف الناتو سيؤدي إلى عواقب وخيمة، بما في ذلك الرد العسكري أو حتى النووي. ومع ذلك، فإن هذه الردود كانت تظل موجهة بدرجة أكبر نحو تهدئة الحلفاء في المنطقة أكثر من مواجهة تهديد عسكري وشيك.

هكذا، كان التصور الغربي لروسيا حتى بداية الغزو الشامل يتسم بعدم اليقين، إذ كانت العواصم الغربية تميل إلى التركيز على الاستقرار والهدوء في العلاقات مع موسكو، في حين كانت دول مثل بولندا ودول البلطيق ترى في روسيا تهديدًا أكبر بكثير، مما دفعها إلى مناداة حلف الناتو لزيادة التواجد العسكري في المنطقة.

استنتاج:

يُظهر التباين بين تصوّرات روسيا والغرب حول التهديدات والتهديدات المستقبلية حجم التعقيد في فهم دوافع كل طرف تجاه الآخر. بينما ترى موسكو في الغرب تهديدًا شاملًا لأمنها ووجودها، فإن الغرب، حتى بعد تصعيد النزاع في أوكرانيا، يظلّ يقيم التهديدات الروسية من خلال منظور الجغرافيا السياسية والتاريخ المعاصر.

٢. بعد الغزو الشامل:

بعد الغزو الشامل الذي شنته روسيا في فبراير 2022، قامت معظم دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي بإعادة تقييم مفاهيمها التقليدية حول الأمن الأوروبي، حيث اتفق أغلب القادة على أن موسكو تمثل تهديدًا كبيرًا لا يمكن تجاهله. الأهم من ذلك، أن الغزو دفع العديد من القادة الأوروبيين إلى الاستنتاج بأن الكرملين لم يكن عدوانيًا فحسب، كما بدا في تدخلاته السابقة في جورجيا (2008) وأوكرانيا (2014)، بل كان أيضًا مستعدًا لتحمل المخاطر. وعلى عكس الأعوام 2008 و2014، حين لم يظهر الغرب دعمًا كبيرًا لردع العدوان الروسي، فقد حذر القادة الغربيون في عام 2022 من أن روسيا ستواجه تكاليف باهظة إذا استمرت في تصعيد أعمالها العسكرية. ورغم أن قرار روسيا بغزو أوكرانيا لم يعني بالضرورة أنها ستهاجم دولة عضوًا في الناتو، إلا أن هذا الهجوم كان إشارة غير مرغوب فيها في نظر الغرب، مما أوحى بأن الردع الذي استخدمته موسكو في السابق لم يعد فعالًا، وهو ما زاد من مخاوفهم من تهديدات روسية أكبر.

لم يكن استعداد روسيا لتجاهل التحذيرات الغربية هو السبب الوحيد لتوتر العلاقات عبر الأطلسي. ففي ديسمبر 2021، قدّمت موسكو مقترحات لحلف الناتو والولايات المتحدة، تطالب فيها بعدم نشر قوات على أراضي دول الناتو الشرقية، مما كان سيضعف القدرة الدفاعية لهذه الدول. ومع استعداد القوات الروسية للغزو، تحدث بوتين بشكل تهديدي عن “عواقب لم تشهدوها في تاريخكم”، ملمحًا إلى أن أي دولة تدعم كييف قد تواجه هجومًا نوويًا من روسيا. علاوة على ذلك، تجاهلت موسكو دور الدول الأوروبية الأصغر، مثل فنلندا والسويد، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة يمكنها التفاوض باسم الناتو بأسره. هذا الأمر جعل تلك الدول تشعر بأنها غير محسوبة في حسابات روسيا بشأن السيادة.

بعد الغزو، بدأت معظم دول الناتو والاتحاد الأوروبي في التكيف مع التهديد الروسي الجديد، الذي اعتبرته دولًا كثيرة تهديدًا وجوديًا. فقد طلبت فنلندا والسويد الانضمام إلى الناتو بعد عقود من تجنب هذه الخطوة، جزئياً بسبب زيادة المخاوف من روسيا، وجزئياً بسبب الشكوك في قدرة الناتو على دعم دول غير أعضاء. من جانبها، اعتقدت الدول القريبة من روسيا أنها لم تعد قادرة على الاعتماد على الردع النووي لردع موسكو، وأكدت ضرورة أن تضمن الناتو أن أي هجوم روسي على دولهم سيواجه عواقب وخيمة.

في أعقاب انسحاب القوات الروسية من أجزاء من أوكرانيا في ربيع 2022، رأت الدول الغربية فرصة في دعم أوكرانيا للتخفيف من تهديد روسيا على المدى الطويل. كانت الدول الغربية تأمل أن يشكل فشل روسيا في أوكرانيا تراجعًا في طموحاتها، أو على الأقل في قدرتها على تنفيذها.

ورغم تكاليف الحرب الإنسانية، التي تتضمن مخاطر تصعيد كارثي، كان الدعم الغربي لأوكرانيا يضع الدول الداعمة بين خطرين: فوز روسيا في الحرب يمثل تهديدًا طويل الأمد، بينما قد يؤدي التصعيد إلى حرب نووية. وفي هذا السياق، كان المسؤولون في دول البلطيق وبولندا، من جهة، يرون أن الخطر الأكبر يكمن في النصر الروسي، بينما كانت ألمانيا والولايات المتحدة، من جهة أخرى، أكثر قلقًا بشأن تصعيد الأمور إلى حرب نووية، داعية إلى زيادات تدريجية في الدعم العسكري لتقليل هذه المخاطر.

إلى جانب ذلك، لم تتفق جميع دول الناتو على نفس التصورات للتهديدات الروسية. فالمجر، على سبيل المثال، لا ترغب في قطع علاقاتها الاقتصادية مع روسيا، وتقلل من خطر حدوث هجوم روسي مباشر. بينما سلوفاكيا، التي كانت في السابق داعمة لأوكرانيا، تحولت إلى موقف أكثر قربًا من المجر بعد تولي رئيس الوزراء روبرت فيكو السلطة في أكتوبر 2023. أما تركيا، العضو في الناتو، فهي لا ترى العدوان الروسي تهديدًا وشيكًا على أمنها، رغم أنها تعتبر تصرفات موسكو خطرًا على الاستقرار الأوروبي. تركيا تهتم أكثر بقضاياها الداخلية، مثل النزاع مع حزب العمال الكردستاني، ولا تشارك في جميع العقوبات الغربية ضد روسيا، لكنها تؤكد استعدادها للتوسط في الصراع.

وأخيرًا، قد تشهد الولايات المتحدة تحولًا في موقفها. رغم أن واشنطن كانت القوة الدافعة خلف دعم الناتو لأوكرانيا، إلا أن موقفها كان أكثر تباعدًا مقارنة ببقية حلفائها الأوروبيين. الرئيس ترامب، على سبيل المثال، لم يوضح موقفه بشكل حاسم، ولكنه يشير إلى أن إمدادات الأسلحة يمكن استخدامها كأداة ضغط على أوكرانيا، وقد يميل إلى البحث عن فرص لتسوية عبر التنازلات السياسية. بشكل عام، قد تبذل الإدارة الأمريكية الجديدة جهودًا أكبر لإعادة تركيز أولوياتها على المنافسة مع الصين، حتى مع استمرار الأزمات في أوكرانيا.

رابعًا. هل تُترجم المخاوف إلى أفعال؟

سواء كانت هذه المخاوف قد نشأت قبل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا أو كنتيجة له، فإن تصورات التهديد التي تتبناها روسيا من جهة، ودول التحالف عبر الأطلسي التي تدعم أوكرانيا من جهة أخرى، هي التي تحدد الآن أهداف سياساتها ورواياتها. أما تحويل هذه التصورات إلى أفعال، فهو مسألة مختلفة. في حين أن جميع هذه الدول تدرس كيفية تكييف مواقع قواتها وأنشطتها لتتماشى مع مخاوفها ونواياها، فإنها تواجه أيضاً قيوداً تفرضها الميزانيات والسياسات والشراكات وغيرها من الأولويات.

أ. روسيا: الردع النووي، اقتصاد الحرب، وتوسيع القوة:

لطالما استعدت موسكو لاحتمالية مواجهة مع الدول الغربية. وبما أن روسيا لا تزال تعتمد على أسلحتها النووية لفرض تهديدات على خصومها، فقد سعت إلى جعل هذه التهديدات أكثر مصداقية، بهدف إجبار هؤلاء الخصوم على تغيير سياساتهم وسلوكياتهم. في الوقت ذاته، تستعد روسيا لتعزيز قوتها العسكرية التقليدية بشكل أكبر، ولكن قدرتها على تحقيق أهدافها في كلا المجالين ما زالت بعيدة المنال.

  1. الورقة النووية:

لا تخفي موسكو رغبتها في جعل تهديداتها النووية أكثر تأثيراً. رغم أن تهديداتها السابقة قد حالت دون حدوث صراع مباشر، فإن استخدامها للأسلحة النووية في تهديداتها، سواء عبر التصريحات أو من خلال نشر الأنظمة القادرة على حمل رؤوس حربية نووية، يظل وسيلة لفرض الخوف. ولكن هذه الوسيلة قد تفقد قوتها بمرور الوقت، خصوصاً مع العدد الكبير من الأنظمة الروسية التي تمتلك القدرة المزدوجة.
في نوفمبر 2024، أعلنت موسكو عن تعديل عقيدتها النووية، مما خفض من الحد المسموح باستخدام الأسلحة النووية في سيناريوهات تقليدية. وأصبح بإمكان موسكو استخدام الأسلحة النووية ضد دول لا تمتلك أسلحة نووية ولكنها متحالفة مع دول نووية، وهو ما يوجه تهديداً للأعضاء في الناتو والاتحاد الأوروبي.
وفي الوقت نفسه، أطلقت روسيا صاروخ “أوريشنيك” الذي يمكن تزويده برؤوس نووية، ليظهر بوضوح قدرة موسكو على دمج الردع النووي والتقليدي معاً. ورغم أن موسكو قد تبني قدراتها النووية، فإنها تسعى أيضاً إلى تقوية قدراتها التقليدية لتشمل تهديدات قد يعتقد الخصوم أنها أكثر احتمالية للاستخدام.

  1. المجتمع، الاقتصاد، والجيش:

على الرغم من المخاطر، تستمر روسيا في بناء قدراتها العسكرية، وهو ما يتطلب موارد ضخمة وقد يترتب عليه تدمير للمجتمع. ومنذ بداية الغزو الشامل لأوكرانيا، قامت موسكو بتسريع عسكرة المجتمع، مع التركيز على التعليم العسكري وزيادة تفاعل الجيش مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
اقتصادياً، تحولت روسيا إلى حالة حرب جزئية، حيث تُنفق الدولة حالياً نحو ثلث ميزانيتها على الدفاع، مقارنةً بحوالي 10% في السنوات السابقة. ومن خلال زيادة الإنتاج العسكري، يتعافى الاقتصاد الروسي تدريجياً بفضل صادرات الطاقة والعلاقات التجارية مع الصين ودول أخرى. ولكن العقوبات الغربية تظل تشكل تحديات كبيرة، رغم أن تأثيرها لم يكن كما كان متوقعاً.
ومع ذلك، يعاني الاقتصاد الروسي من ركود وتضخم، مع صعوبة في توفير الأسلحة اللازمة لتلبية احتياجاتها العسكرية. ورغم أن روسيا تلجأ إلى تجديد الأسلحة القديمة بدلاً من تصنيع جديدة، فإن المخزونات من الأسلحة القديمة بدأت تنفد.

ب. الغرب:

دعم أوكرانيا وتعزيز قوتها العسكرية مع تراجع الولايات المتحدة

يتعامل استراتيجيون حلف شمال الأطلسي منذ أوائل عام 2022 مع تحدٍّ يتمثل في موازنة دعم أوكرانيا وتزويدها بالمساعدات مع إعادة تنظيم القدرات العسكرية الوطنية وأسلحة الناتو والاتحاد الأوروبي، مع مراعاة ردع روسيا دون التصعيد نحو حرب نووية. على الرغم من تقارب التصورات السياسية في معظم الدول، إلا أن هناك اختلافات واضحة، ويُتوقع أن تزيد التحولات السياسية الأمور تعقيداً.

أحد التحولات الكبيرة هو انتخاب دونالد ترامب للرئاسة في الولايات المتحدة، مما يخلق حالة من عدم اليقين بشأن دور واشنطن في المستقبل، ويزيد من تعقيد مواجهة التحديات السياسية والعسكرية في المنطقة.

  1. تحصين أوكرانيا:

إذا كانت روسيا ترى في الانتصار في أوكرانيا المحطّة الأولى على طريق نظامها الأمني المفضَّل، فإن الغرب يرى في إحباط هذا المخطّط محطّته الأولى نحو الدفاع المستدام. كان تسليم الأسلحة والدعم المالي لكييف محور هذا الجهد، حيث قدّمت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من الأسلحة طوال معظم فترة الصراع. سعى حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى جعل المساعدات العسكرية أكثر استدامة من خلال تولّي مهام التنسيق، إلا أن هذا الترتيب لا يضمن الأسلحة أو التمويل، وكلاهما الآن موضع تساؤل بسبب التغيير في الإدارة الأمريكية. وقد أدلى الرئيس الأمريكي الجديد ونائبه بتصريحات تُشير إلى شكوك حول جدوى استمرار المساعدات العسكرية لكييف – على الأقل في الكميات المرسَلة حتى الآن.

مع ظهور فجوات، سيواصل الاتحاد الأوروبي مساعدة أعضائه على شراء المزيد من الأسلحة لأنفسهم ولأوكرانيا، بما في ذلك على الأرجح من الولايات المتحدة. كما سيواصِل أعضاء الناتو من خارج الاتحاد الأوروبي، مثل المملكة المتحدة وتركيا، مساعدة أوكرانيا حتى مع تعزيز ترساناتهم. ولكن في حين تبذل هذه الدول الكثير بالفعل، وتتنافس المساعدات العسكرية التي يقدّمها الاتحاد الأوروبي الآن مع تلك التي تقدّمها الولايات المتحدة، فإن داعِمي كييف الآخرين سيظلّون يواجِهون ثغرة ضخمة يتعيّن عليهم سدّها إذا تقلَّص الدعم الأمريكي. وإذا أرادت أوكرانيا أن تواصِل القتال، فسوف تحتاج إلى تدفُّق مستمر من الأسلحة والذخيرة (حتى مع اضطلاع كييف نفسها بمسؤولية ملء صفوفها بالأفراد).

نظرياً، هناك طرُق أخرى لردع العدوان الروسي في أوكرانيا. أحد المطالب التي دأبت كييف على تقديمها – والتي قوبلت بالرفض حتى قبل تولّي ترامب منصبه – هو الحصول على ضمانات أمنية. وقد دعا العديد من المسؤولين والمحللين الأوكرانيين والأوروبيين إلى منح حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو على الأقل الوعد، بانضمام أوكرانيا إليه فوراً. يَعتقد مؤيّدو العضوية قصيرة الأجل أن التهديد بالحرب مع الناتو، والمتضمَّن في التزامات الحلف الأمنية، سيجبِر روسيا على التراجُع. ولكن حتى وراء العقبات السياسية، يجادل المعارضون (الذين شملوا مسؤولين في الولايات المتحدة وألمانيا والمجر وسلوفاكيا وتركيا) بأن عضوية الناتو لأوكرانيا قد تؤدّي إلى حرب مباشرة، بكل ما تحمُله من مخاطر تصعيد، وهو ما سعى أعضاء الحلف إلى تجنّبه. واقترح المحللون والمسؤولون سبلاً لحل هذه التحدّيات، مثل توسيع نطاق الضمانات الأمنية لتشمل أوكرانيا الخاضعة لسيطرة الحكومة فقط، وهي فكرة تُعرف بـ”نموذج ألمانيا الغربية” (لأنها تُحاكي عضوية ألمانيا الغربية في الناتو عندما كانت البلاد مقسَّمة). وقد راود بعض مسؤولي إدارة بايدن فكرة تمديد وعد العضوية – كبادرة سياسية بالأساس – على الرغم من وجود مثل هذا التعهُّد بالفعل، والذي صدَر لأوَّل مرة في قمّة الناتو في بوخارست عام 2008، وأُعيد تأكيده في قمم فيلنيوس عام 2023. وواشنطن في عام ٢٠٢٤. ويجادل آخرون بأن أي ضمانات يجب أن تنتظر حتى انتهاء الحرب، بالنظر إلى أن أوكرانيا بأكملها معرَّضة حالياً لهجمات الصواريخ والطائرات المسيَّرة الروسية. ولكن في حين أن مثل هذه المناقشات قد تتكرَّر، يبدو أن الحديث عن عضوية أوكرانيا المحتمَلة في الناتو قد خفّت حدّته مع نهاية عام ٢٠٢٤. في الواقع، ربما يكون انتخاب ترامب قد أسكته لبعض الوقت.

إذا لم تكن عضوية الناتو، فهل يمكن تقديم ضمانات مفيدة أخرى؟ وقّعت تسع عشرة دولة عضو في الناتو، بما في ذلك الولايات المتحدة، بالإضافة إلى اليابان والاتحاد الأوروبي، اتفاقيات أمنية ثنائية مع أوكرانيا، ووعدت جميعها باستمرار الدعم العسكري لعقد من الزمان. لكن على الرغم من أن الاتفاقيات تتعهّد بتقديم هذه المساعدة للحفاظ على قدرة الجيش الأوكراني، بل وتحدّد في بعض الحالات أنواع أنظمة الأسلحة، إلا أنها ليست معاهدات ملزِمة، وحتى لو كانت كذلك، فلن توفر سوى قدَر محدود من الراحة بشأن حجم ونوعية المساعدة، ناهيك عن أي إجراء دفاعي عن أوكرانيا.

وإلى الحَد الذي ينضم فيه أعضاء الناتو إلى معاهدات ثنائية أو ترتيبات متعدّدة الأطراف تقدّم ضمانات أمنية ملزمة، فإن ذلك سيثير نفس المشاكل التي تثيرها عضوية الناتو. فإذا كانت دولة عضو في الناتو ملزَمة بالانضمام إلى الحرب إلى جانب أوكرانيا، ثم تعرّضت لهجوم من روسيا، فسيكون الأعضاء الآخرون ملزَمين بمساعدتها – أو المخاطرة بمصداقية التحالف ومستقبله. وستنشأ نفس التحدّيات إذا لم يتم توقيع معاهدة ملزِمة، ولكن أرسل حلفاء الناتو قوّات لمساعدة أوكرانيا. وسواء فعلوا ذلك أثناء وجودها في حالة حرب أو بعد انهيار سلام هَش، فإذا وجدت تلك القوّات نفسها تقاتل روسيا، فقد ينجذب الناتو إلى التدخُّل، مما قد يدفع روسيا بدورها إلى مهاجمة أعضاء الناتو والعكس صحيح. ستنشأ المشاكل نفسها إذا نشرت الدول الأعضاء في حلف الناتو قوّات حفظ سلام في منطقة الحرب بعد انتهاء القتال. وقد ناقشت فرنسا والمملكة المتحدة هذا الاحتمال علناً، والذي يكمن منطقه جزئياً في أن هذه القوّات ستكون بمثابة فتيل تفجير، يضمن مشاركة الدول التي أرسلت قوّاتها وحلفائها على الفور في حال اندلاع الحرب مجدّداً.

وأخيراً، يتضمّن قرار الاتحاد الأوروبي بمنح أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا صفة المرشح أيضاً وعداً بضمانات أمنية، وهي منصوص عليها في المعاهدة التأسيسية للاتحاد الأوروبي. وقد شكّل هذا القرار تحوّلاً في نهج الاتحاد الأوروبي الأكثر تحفّظاً تجاه التوسُّع منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وكان القصد منه أن يكون بمثابة إشارة استراتيجية لدعم الاتحاد الأوروبي لهذه الدول الثلاث، بالإضافة إلى معارضته لجهود روسيا الرامية إلى ممارسة النفوذ. (تم تجميد ترشيح جورجيا منذ ذلك الحين.)

وبسبب الضمانات الأمنية، فإن عضوية دولة في حالة حرب أو معرّضة لخطر الحرب محفوفة بالمخاطر، لجميع الأسباب التي نوقشت أعلاه. علاوة على ذلك، ونظراً للتداخُل بين أعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي، فإن انضمام دول المواجهة إلى الاتحاد الأوروبي يُنشئ محفّزات دفاعية مشترَكة محتمَلة جديدة للناتو أيضاً. تُدافِع مولدوفا عن نفسها طالما أن أوكرانيا تسيطر على جنوبها – فلا تستطيع روسيا الوصول إلى البلاد برّاً (ولا تُشكّل القوّات الروسية القليلة في ترانسنيستريا المنفصلة أي تهديد حقيقي). ولكن إذا تمكّنت روسيا من الوصول إلى مولدوفا، فلن تتمكَّن قوّاتها العسكرية المحدودة من خوض معركة تُذكَر. كما أن قدرة جورجيا الذاتية محدودة. وبالتالي، قد تُمثل عضوية الاتحاد الأوروبي التزاماً كبيراً.

  1. بناء القدرات:

إذا كانت روسيا تُعلن عن خطط طَموحة لمواجهة حلف الناتو على المدى الطويل، فقد ثبت أن خطط الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء في حلف الناتو، ليس فقط لدعم أوكرانيا على المدى الطويل، بل أيضاً لتعزيز قدراتها على إنتاج الأسلحة وتوليد القوّات ونشرها، أسهل في الوعد بها من تنفيذها. وتتزامن المتطلّبات المتزايدة لهذه الخطط مع تراجُع واضح في التزام الولايات المتحدة بأمنها، إلى جانب ضغوط من إدارة ترامب لتحمُّل مسؤولية دفاعها. وللمضي قدُماً، سيتعيّن على الدول الأوروبية مواجهة التناقضات بين حاجتها المعلَنة لردع حرب واسعة النطاق مع روسيا والتحدّيات السياسية الكامنة في زيادة الإنفاق والتعاون، بالإضافة إلى استدامتهما في المستقبل.

وفيما يتعلّق بالإنفاق، فقد أنجزَت دول التكتُّل عبر الأطلسي الكثير بالفعل. عزّزت الدول الأعضاء في حلف الناتو ميزانيات الدفاع، وكثير منها بشكلٍ كبير. ثلاث وعشرون من أصل 32 دولة عضواً في حلف الناتو في طريقها لإنفاق ما لا يقل عن 2% من الناتج المحلّي الإجمالي على الدفاع في عام 2024، كما هو متَّفق عليه في قمّة الحلف عام 2023 في فيلنيوس، وبعضها يتجاوز هذا الهدف بكثير (في حالة بولندا، بأكثر من 4%). وللمقارنة، أنفقت ثلاث دول فقط من أصل 28 دولة عضواً في الحلف آنذاك 2% أو أكثر في عام 2014. ولكن إذا كانت الزيادة الملحوظة تعكس تغييراً حقيقياً في إدراك التهديد، فقد دعا ترامب أعضاء حلف الناتو إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي بشكلٍ أكبر، ليصل إلى 5% من الناتج المحلّي الإجمالي – وهو أكثر مما ينفقه أي عضو في الحلف، بما في ذلك الولايات المتحدة، في الوقت الحالي.

ومع ذلك، فإن حصّة الناتج المحلي الإجمالي ليست سوى مقياس واحد للتقدُّم، وهي لا تغطّي الواجهة البحرية. فلا الإنفاق الدفاعي النسبي ولا المباشر مقياس كافٍ للاستعداد. في نهاية المطاف، يُمكن إنفاق الميزانيات بشكلٍ جيد أو سيئ، اعتماداً على ما يُشترى ومقدار ما يُدفع مقابله. وهنا تبدأ التحدّيات. من ناحية، لطالما تحدّث الأوروبيون عن الاستقلالية الاستراتيجية في قطاع الصناعات الدفاعية، وعن الحاجة إلى القدرة على “التصرّف باستقلالية عند الضرورة”. لكن الصناعات الدفاعية الأوروبية لم تُصمَّم للتصعيد السريع أو للإنتاج الضخم المنسَّق على الإطلاق. تقوم الدول كل على حِدة بعمليات الشراء والتوريد الخاصة بها. حوالي نصف ما تشتريه، تشتريه من الولايات المتحدة، على الرغم من أن الشركات الأوروبية تُشارك في تصنيع الأسلحة الأمريكية أيضاً.

في الوقت نفسه، هيمَنت حفنة من الشركات متعدّدة الجنسيات على الإنتاج الأوروبي. تُنتج هذه الشركات والشركات الوطنية مجموعة كبيرة من الأنظمة لعملائها الأوروبيين، والتي لا تتمتّع بنفس التوافق في الواقع كما هو الحال من الناحية النظرية. لقد شهدت أوكرانيا تداعيات ذلك، إذ شاهدت داعميها الأوروبيين يرسلون إليها ترسانة متنوّعة، كما صرّح مسؤول أوكراني رفيع المستوى لمجموعة الأزمات الدولية، تُشبه ما قد يراه المرء في لعبة فيديو.

منذ بداية الحرب الشاملة، سعى الاتحاد الأوروبي وهيئته التنفيذية، المفوضية الأوروبية، إلى تسهيل زيادة الإنتاج الضخم واستدامته، وتنسيق المعايير والاحتياجات. ولتسهيل الاستثمار، غيّرت بروكسل سياساتها المتعلّقة بكيفيّة إنفاق الأموال المتاحة، بهدف مساعدة الأعضاء على توفير المال. يبحث الاتحاد الأوروبي أيضاً عن طُرُق مبتكرة لجمع الأموال، بما في ذلك عن طريق الاقتراض، ربما من خلال سندات دفاعية يُصدرها الاتحاد الأوروبي بشكلٍ مشترك، استناداً إلى سابقة الاقتراض المشترك التي وُضعت خلال جائحة كوفيد-19.

يمكِن لأعضاء الكتلة أيضاً تحقيق أهدافهم من خلال السعي إلى تعزيز الصناعات الدفاعية بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وأعضاء الناتو الأوروبيين غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل

المملكة المتحدة وتركيا.

  1. وضع القوّة:

عندما يتعلق الأمر بتحديد وضع القوة والتخطيط والقيادة والسيطرة، فقد تغيّر بالفعل منظور الدول الأوروبية بشأن أمنها، حيث أصبحت الآن تهدف للاستعداد على المدى الطويل لصراع تقليدي واسع النطاق. بالإضافة إلى ذلك، تهدف خطط الدفاع الإقليمية الجديدة لحلف الناتو ونشر قواته إلى إظهار نية الحلف وقدرته على الدفاع عن كل دولة عضو ضد أي تهديدات، سواء كانت من روسيا أو أي عضو آخر في الحلف. تعتبر منطقة البلطيق إحدى التحديات الأكبر، لذلك كانت تلك الدول قَلقة للغاية بشأن قدرة الناتو على تأمين مسار فعال للمضي قدماً. ومع ذلك، فإن التحولات الاستراتيجية تشمل دولًا أخرى أيضًا؛ فقد أشار مسؤول من شمال أوروبا لمجموعة الأزمات الدولية في عام 2023 إلى أن خطط الحرب السابقة كانت تتضمن التنازل عن الأراضي في حال وقوع هجوم روسي، ولكن تم التخلي عن هذه الخطط واستُبدلت بالعزيمة على القتال من أجل كل سنتيمتر من الأراضي.

لم تبدأ عمليات التصعيد منذ فبراير 2022 من الصفر، ولكنها تعتبر أكثر أهمية من تلك التي أُنفِذت سابقًا. ففي أعقاب الحرب الروسية-الجورجية عام 2008، زاد الناتو من وتيرة تدريباته وبدأ في تناوب أربع مجموعات قتالية بحجم كتيبة من قوات التواجد الأمامي المعزز (EFP)، بمشاركة قوات من مختلف الدول الأعضاء عبر إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا. ومنذ عام 2022، طور الناتو مهام الشرطة الجوية في منطقة البلطيق، وأنشأ أربع مجموعات قتالية إضافية في منطقة البحر الأسود. ومن المقرر توسيع جميع المجموعات القتالية الثماني لتصبح ألوية، على الرغم من أن بعضها قطع شوطًا أطول في هذه العملية من غيرها.

يهدف نموذج القوة الجديد للناتو إلى حشد المزيد من القوات بسرعة أكبر لأي معركة محتملة. إذا كان نموذج الاستجابة السريع للناتو، الذي وُضع منذ عام 2004، قادرًا على نشر نحو 40 ألف جندي من القوات البرية والجوية والبحرية والعمليات الخاصة في مسرح العمليات بسرعة، فإن النموذج الجديد، المسمى “نموذج القوة الجديد للناتو”، يعتمد نظريًا على نصف مليون جندي على الأقل. ومن بين هؤلاء، من المفترض أن يكون 200 ألف جندي متاحين في غضون عشرة أيام. ونظراً لأن عملية الانتقال مقررة في عام 2024، فإنها قد تكون متأخرة عن موعدها المحدد.

ومع ذلك، فإن تقليص الوجود الأمريكي يشكل تهديدًا للتحالف. إذ يعتمد الكثير من قدرة الناتو المتزايدة على الولايات المتحدة. فواشنطن هي التي أنشأت حامية دائمة جديدة في بولندا ووقعت اتفاقيات تعاون دفاعي مع دول الشمال الأوروبي. كما أن الولايات المتحدة هي التي اتفقت مع برلين على أن تستضيف ألمانيا صواريخ أمريكية متوسطة المدى بدءًا من عام 2026، وهو نوع من الأسلحة كان محظورًا بموجب معاهدة القوّات النووية المتوسطة المدى بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي انسحبت منها الولايات المتحدة عام 2019. داخل حلف شمال الأطلسي، يُهيمن الضباط الأمريكيون على هياكل القيادة.

من المؤكد أن أعداد قوات الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي ودباباتها وطائراتها تفوق أعداد القوات الروسية، حتى بدون القوات الأمريكية. وتزداد هذه الأعداد بشكل أكبر إذا أُضيفت دول من خارج حلف الناتو إلى المزيج. لكن قدرتها على العمل في الوقت الحالي تتطلب قيادة أمريكية، وخدمات لوجستية، وقوات بحرية، ودفاعات جوية، وطائرات مسيرة، وقوات وأنظمة متخصصة، وذخيرة، من بين قدرات تمكينية أخرى.

ولكن، تُخفي هذه الأرقام حقيقة أن بعض القوات ببساطة أفضل استعدادًا وتجهيزًا من غيرها. فالأحجام الكبيرة للقوات في ألمانيا والمملكة المتحدة تُخفي فجوات كبيرة، وفي المقابل، فإن الأعداد الدائمة الصغيرة في فنلندا يمكن زيادتها بسرعة من خلال الاحتياطيات القادرة والبناء السريع في بولندا. وبالتالي، إذا كان الحلفاء الأوروبيون يتوقعون سحب بعض أو كل قوات الولايات المتحدة من أوروبا، فإنهم سيواجهون تحديات كبيرة في ضمان قدرتهم على تنفيذ خططهم الجديدة.

  1. البعد النووي:

ثم هناك البُعد النووي. يتطلب التخطيط عبر الأطلسي لحرب تقليدية طويلة الأمد وواسعة النطاق، تمامًا كما هو الحال في التخطيط الروسي لمثل هذا الصراع، من المسؤولين إما تجاهل خطر التصعيد النووي الذي كان يعيق نشوب مثل هذا الصراع، أو دمجه بطريقة ما في استراتيجياتهم. من بين الطرق التي يمكن دمج هذا البُعد، هو القول بأن الردع ضروري على مستويات متعددة، بما في ذلك القدرات التقليدية والقدرات النووية المتنوعة التي يمكن أن تردع بشكل أكثر مصداقية القدرات النووية للعدو بمختلف أنواعها. ولا يختلف هذا التفكير عن آمال روسيا في تطوير أسلحة تقليدية أكثر مصداقية مع الحفاظ على ترسانة نووية ضخمة غير استراتيجية وعدد كبير من الأسلحة ذات القدرات المزدوجة، رغم أن المخططين الغربيين يظهرون أكثر دقة في نهجهم، حيث يتحدثون عن ردع “مخصص” لخصوم معينين.

هذه الاستراتيجيات هي في جوهرها استراتيجيات لإدارة التصعيد: فهي تتطلب من أحد الجانبين إدارة التصعيد بفعالية، بحيث يدرك الطرف الآخر المخاطر ويتراجع. يفشل هذا النهج بالطبع إذا استمر كلا الجانبين في التصعيد، لكن ينجح إذا تراجع الخصم بالفعل، أو ربما إذا امتنع أي من الطرفين عن التصرف خوفًا من تلك الديناميكيات بالذات.

وبالنظر إلى تحديات إدارة التصعيد، فإن المستقبل الذي يسعى فيه كل من روسيا وأعضاء الناتو إلى جعل التهديدات أكثر مصداقية ليس بمستقبل آمن. ولكن بغض النظر عن هذه المخاوف، من المحتمل أن يكون من المستحيل على الأعضاء الأوروبيين في الناتو اتباع استراتيجية ردع مخصصة دون الولايات المتحدة. فالترسانة النووية الأمريكية أكبر بكثير وأكثر تنوعًا من ترسانة المملكة المتحدة أو فرنسا. كما توفر الولايات المتحدة الأسلحة النووية الموجودة حاليًا في الدول الأعضاء غير النووية في الناتو كجزء من مشاركة الناتو في الأسلحة النووية. عندما يدعو المدافعون عن التحالف إلى تعزيز قدرته النووية، فإنهم عادةً يناقشون القنابل الأمريكية، رغم أن بعضهم يدعو أيضًا حلفاء آخرين لشراء المزيد من أنظمة التوصيل، وكذلك إلى زيادة مساهمات فرنسا والمملكة المتحدة في القدرات النووية للتحالف.

فيما يتعلق ببناء الأسلحة، تبدو الولايات المتحدة ملتزمة بمواصلة تعزيز ترسانتها. من المحتمل أن تتبنى إدارة ترامب العديد من الأفكار الواردة في مشروع “تفويض القيادة لعام 2025” الذي نشر في 2023، وهو خطة تهدف إلى إدارة الدفاع في جمهورية مستقبلية. يشمل هذا البرنامج تعزيزًا نوويًا كبيرًا بأسلحة إضافية وأحدث، بما في ذلك برنامج صواريخ كروز البحرية النووية التي كانت إدارة بايدن قد أوقفتها في البداية ثم وافقت عليها.

أما عن ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفكر في ردع الحرب في أوروبا عبر هذه الخطة، فإنه أمر غير واضح بعد. كثيرًا ما يجادل مؤيدو الحشد العسكري بضرورة ردع كل من روسيا والصين في آن واحد، ويرون أن مشروع 2025 يركز على إبقاء المظلة النووية قائمة مع تقليص الدعم العسكري التقليدي لأوروبا. ومع ذلك، لم يعلن الرئيس ترامب بعد عن خطته الفعلية. وإذا سحبت الولايات المتحدة هذا الدعم، سيُجبر القادة الأوروبيون على إعادة النظر في استراتيجياتهم النووية وتحديد دور الأسلحة النووية في ردع روسيا، وبالتالي فيما إذا كانوا سيخوضون حربًا تقليدية تحت تهديد الأسلحة النووية، ومتى وكيف.

خامساً: النظام الأوروبي الناشئ:

أ. ديناميكية غير مستقرّة:

يشير استمرار صمود الردع حتى الآن إلى أن الحرب التقليدية واسعة النطاق التي تستعد لها دول أوروبا ما زالت مستبعدة. لكي تهاجم روسيا دولة عضوًا في الناتو أو الاتحاد الأوروبي، يجب أن تكون واثقة من أن القوى الكبرى في التحالف ستتراجع عن التزاماتها الأمنية. في الواقع، يبدو أن روسيا تأخذ هذه الالتزامات على محمل الجد، وإلا لما كانت قلقة للغاية بشأن احتمال انضمام أوكرانيا إلى الناتو. كما لا يبدو من المعقول أن تهاجم دول الناتو أو الاتحاد الأوروبي روسيا بشكل مباشر.

مع ذلك، من غير المرجح أن تتخلى روسيا ولا دول الناتو/الاتحاد الأوروبي عن مخاوفها المتبادلة أو عن رغبتها في بناء ترساناتها بناءً على تلك المخاوف، مما يجعل كل طرف يشعر بقلق مستمر بشأن ما إذا كان ما يفعله كافياً أم لا، وهذا يحمِل في طيّاته مخاطر خاصة. بعد أن شهدت الدول الغربية تدخل الكرملين في حرب شاملة في أوكرانيا بتكلفة باهظة، لا ترغب في الوثوق بعقلانية موسكو أو تقييماتها للتكاليف والفوائد من أجل منعها من أي عدوان مستقبلي. في الوقت ذاته، حددت روسيا سياستها الخارجية على معارضة الغرب بقيادة الولايات المتحدة، الذي تراه موسكو عازماً على إلحاق الضرر بها. كما تساهم الأنشطة غير العسكرية الروسية والغربية في رؤية كل طرف للآخر على أنه عدائي وخطير. يشمل ذلك الأعمال الروسية السرية مثل دعم الأحزاب السياسية، والتدخل المباشر في الانتخابات، والهجمات الإلكترونية، وحملات التضليل، وجهود استغلال الهجرة، بالإضافة إلى المؤامرات مثل قصف طائرات الشحن واستغلال نقاط ضعف خطوط الغاز تحت سطح البحر، ناهيك عن الاغتيالات. من جانبها، تشتكي روسيا من الانتقادات الغربية لسياساتها الداخلية ومن توفير ملاذ للمُعارضين الروس والبيلاروسيين. يسخر كل من الجانبين من قادة الآخر، ويتبنيان مواقف متعارضة بشأن النزاعات حول العالم. يعزز هذا العداء انعدام الثقة المتبادل بينهما، مما يزيد من الميل إلى تفسير أفعال الطرف الآخر على أنها ضارة ومناوئة.

في حين أن العداء لا يتحول فورًا إلى حرب، إلا أن مخاطر الصراع تزداد مع تراكم الأزمات. ويظل السيناريو الأكثر وضوحًا للاشتباكات بين الناتو وروسيا هو استمرار الحرب أو تكرارها في أوكرانيا، مع تصاعد مخاطر التصعيد في المرة المقبلة إذا اعتقد الطرفان أن التصعيد السابق كان من الممكن أن يؤدي إلى نتائج أفضل. ومع ذلك، يمكن أن تجعل هذه التصورات نفسها النزاعات في مناطق أخرى أكثر خطورة، مثل إذا سعت موسكو إلى بسط سيطرتها على مولدوفا، سواء باستخدام القوة أو بدونها. كما قد تختبر موسكو قدرات الناتو عبر زيادة الأنشطة العسكرية بالقرب من حدود الحلف، وهو ما قد تعتبره الدول المجاورة تمهيدًا للغزو. في المقابل، قد تُسيء روسيا تفسير مناورات الناتو على أنها خطوات أولى في هجوم عليها. تزيد الأزمات السياسية من احتمالية إساءة تفسير الأنشطة العسكرية المتزامنة، بينما قد تدفع الأزمات المتتالية القادة إلى تفضيل ردود فعل قوية وتصعيدية. إذا اعتقدت الدول أن خصومها على وشك التعرّض لهجوم، فقد تشعر أنه يجب عليها التصرف استباقيًا، خاصة إذا اعتقدت أن هناك مزايا عسكرية للانحياز إلى الطرف المهاجم (“المبادر”). من الناحية النظرية، يمكن للأطراف التخفيف من هذه التهديدات وردعها من خلال تعزيز دفاعاتها وضمان أن الخصم يعلم أنها سترد بقوة. لكن قد يكون من الصعب إقناع الخصم بأن أفعاله في الواقع دفاعية. منذ عام 2014، أعلن كل من حلف شمال الأطلسي وروسيا أنهما يقومان بالردع والدفاع عن بعضهما البعض عبر الحفاظ على وتيرة عالية من التدريبات والعمليات بالقرب من أراضي كل منهما، وبالتالي بالقرب من تدريبات وعمليات الطرف الآخر. في ذلك الوقت، كما هو الحال الآن، اعتبر كل طرف انتشار القوات العسكرية للطرف الآخر خطيرًا وعدوانيًا. علاوة على ذلك، بما أن روسيا غزت أوكرانيا في عام 2022 رغم تأكيداتها المتكررة بأنها لا تنوي القيام بذلك، فإن من المفهوم لماذا يشكك خصومها في تصريحاتها.

ب. تعزيز الاستقرار في ظل نظام غير مستقر: الدبلوماسية والردع:

حتى في ظل التوتر المتزايد في أوروبا، لا يزال لدى الأطراف القدرة على التخفيف من المخاطر الكامنة في عسكرة المنطقة المتزايدة، رغم أنها قد لا تتمكن من القضاء عليها بالكامل. سيكون الأساس لهذا الجهد هو الدبلوماسية من جهة، والردع من جهة أخرى.

  1. الدبلوماسية:

تُعد تسوية الحرب في أوكرانيا جزءًا أساسيًا من أي جهد يهدف إلى توجيه أوروبا نحو مستقبل أكثر استقرارًا. بالإضافة إلى الاستنزاف الذي يُسببه الصراع لجميع الأطراف، وما يؤدي إليه من بؤس للمدنيين العالقين في مرمى النيران، فإن خطر التصعيد الناجم عن استمرار الحرب يجعل حتى بدء أي حوار بشأن ترتيبات أوسع لتهدئة المخاطر الإقليمية أمرًا شبه مستحيل.

يتطلب السلام في أوكرانيا، أولاً وقبل كل شيء، أن تواجه جميع الأطراف الواقع، بما في ذلك واقع تصوّرات كل طرف. قد تعتقد موسكو أن أفضل حل لهذا الصراع يكمن في استسلام أوكرانيا ونزع سلاحها، متبوعًا بقبولها الهيمنة الروسية، لكن من المحتمل أن موسكو تُقلل من شأن التحديات التي قد تواجهها في تحقيق ذلك وتأثيراته خارج أوكرانيا. حتى إذا خسرت كييف بشكل حاسم في ساحة المعركة، فإن موسكو ستواجه شعبًا أوكرانيًا معاديًا، وستكافح هي أو وكلاؤها الأوكرانيون للسيطرة عليه. هذا الشعب سيتلقى مساعدات ودعماً من الخارج، مما سيزيد من توتر العواصم الأوروبية إزاء خطوات الكرملين التالية، ما يجعل الأمور أكثر تعقيدًا. كما سيؤدي الضغط الروسي على أوكرانيا إلى أزمة في مولدوفا.

من غير المرجح أن يكون هناك مستقبل مستقر إذا خرجت أوكرانيا من الحرب غير قادرة على الدفاع عن نفسها. وللحفاظ على هذه القدرة، لن تحتاج كييف إلى استعادة جميع الأراضي التي فقدتها قبل نهاية الصراع، لكن القوى الخارجية يجب أن تقتصر على الاعتراف بالسيطرة الفعلية لموسكو لتجنب إرساء سابقة تقبل المطالبات الروسية بالقانون. كما أن أوكرانيا ليست بحاجة إلى عضوية في حلف الناتو، سواء للبلاد ككل أو للجزء الذي تسيطر عليه كييف فقط.

في الواقع، فإن الطبيعة المتوترة للضمانات الأمنية تعني أنه إذا ظهرت هذه الضمانات، فمن المرجح أن تكون تدريجية وعلى شكل ترتيبات ثنائية جزئية بين أوكرانيا وشركاء محددين. وباستمرار، إذا لم تظهر صيغة مقبولة سياسيًا للضمانات الأمنية التي لا تشكل خطر تصعيد غير مقبول، يصبح من الأهم أن تحافظ كييف على جيش كفؤ. القوات المسلحة الأوكرانية تحتاج إلى إصلاحات داخلية، كما جادلت مجموعة الأزمات الدولية، ودعماً مستمراً من شركائها الغربيين، الذين سيتعين عليهم أيضًا الاستثمار في صناعة الدفاع الأوكرانية.

لو كانت موسكو تعلم مدى المقاومة التي ستواجهها في أوكرانيا عندما غزتها في عام 2022، لربما تم ردعها. يجب أن يكون هذا الردع هو الهدف الأساسي للمضي قدماً.

إذا بدأت محادثات السلام، ودخلت موسكو معتقدةً أنها تملك كل الأوراق، فستسعى إلى نزع سلاح أوكرانيا، ومن ثم موافقتها على الوصول إلى مولدوفا. إذا كانت كييف بحاجة إلى اتفاق سلام لإعادة بناء جيشها، فسيكون موقفها في المفاوضات ضعيفًا. لكن موسكو لا تملك كل الأوراق. إن داعمي أوكرانيا يمتلكون قدرًا كبيرًا من النفوذ على موسكو، لأن الصراع المحتمل معهم هو ما تخشاه روسيا. من بين هؤلاء، تتمتع الولايات المتحدة بأكبر قدر من النفوذ، لأن موسكو ترغب في إبرام صفقة مع واشنطن، جزئياً لأنها تعتقد بقدرتها على إبرام صفقة أمنية للمنطقة الأوروبية.

في الوضع الأمثل، سيعمل داعمو أوكرانيا معًا ومع كييف لوضع استراتيجية تدفع موسكو أولًا إلى طاولة المفاوضات، ثم تزيد من فرص قبولها لاتفاق مستدام. خلال المحادثات، يمكن لواشنطن استخدام مخاوف موسكو من تعزيز مساعداتها لأوكرانيا بدلاً من تقليصها، مما يزيد الضغط الاقتصادي على موسكو في شكل عقوبات ثانوية، أو ضغط على لوجستيات التجارة الروسية، أو زيادة في إمدادات النفط العالمية لخفض الأسعار. من خلال التشاور مع حلفائها، يمكن لواشنطن أيضًا الاستفادة من آمال روسيا في تخفيف العقوبات لضمان جدية المفاوضات.

عند البدء في المحادثات مع موسكو، ينبغي أن يكون المفاوضون مستعدين لمفاوضات صعبة وطويلة الأمد. سيكون موقفهم أقوى إذا لم يقدموا أي شيء مسبقًا. عضوية الناتو ونشر القوات الغربية مستبعدان حتى إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام. ولكن موسكو قد لا تصدق ذلك، ويجب على المفاوضين الأمريكيين أن يضمنوا أن أي تنازلات منهم ستكون مقابل تنازلات روسية، ولا يمكنهم تقديم تنازلات نيابة عن أطراف أخرى إلا إذا تم تنسيق ذلك في مناقشات سابقة بين واشنطن ودول أخرى.

قد يتطلب هذا توسيع طاولة المفاوضات، رغم أن وجود جميع الأطراف على الطاولة غير محتمل ولا مرغوب فيه، أو التنسيق بين الأطراف. من المرجح أن تستمر المناقشات المتعددة والمتزامنة بين الأطراف المختلفة.

عند بدء المحادثات، ينبغي على المفاوضين أن يطلبوا الدعم من دول خارج المنطقة. فقد أبدت دول مثل البرازيل، الصين، الهند، قطر، المملكة العربية السعودية، تركيا، والإمارات العربية المتحدة، اهتمامها بالوساطة. بينما قد لا تكون الوساطة ضرورية، يمكن لهذه الدول وغيرها المساعدة في تسهيل الوصول إلى نتيجة أفضل من خلال الاهتمام بالأمن الأوروبي في محادثاتها الثنائية مع جميع الأطراف المعنية، وزيادة الضغط على موسكو لتقديم تنازلات.

بالطبع، تختلف الدول في نفوذها وأولوياتها، لكن جميعها تشترك في مصلحة تحقيق سلام مستدام في أوروبا. إن التسوية في أوكرانيا لا تنفصل عن الأمن الأوروبي الأوسع، ولكنها ليست كافية بحد ذاتها للتخفيف من المخاطر. لذلك، يجب أن تبدأ المحادثات حول هذا الموضوع بشكل متوازٍ، مع أنه ليس من الضروري التفاوض على جميع النقاط دفعة واحدة. إن مجرد بدء هذه المحادثات قد يساهم في التوصل إلى اتفاق بشأن أوكرانيا، إذ يوفر هذا الحوار فرصًا لتغيير دوافع روسيا. رغم أن الحرب المستمرة تجعل مثل هذه المحادثات مستحيلة في الوقت الحالي، قد يتغير هذا الوضع في المستقبل.

البُعد العسكري للأمن الأوروبي هو أحد الجوانب التي قد تستفيد من المناقشات المبكرة، لإرساء الأساس لسلسلة من الترتيبات على مدى الزمن. تواجه كل من روسيا والمعسكر الغربي قيودًا اقتصادية وسياسية قد تجعل الاتفاق على قيود ممكنًا. رغم أنه من غير المحتمل التوصل إلى معاهدة جديدة شاملة بشأن القوات التقليدية واسعة النطاق في أوروبا، فإن إبرام صفقات أصغر مع روسيا، تؤثر على عدد قليل من الدول الأعضاء في حلف الناتو ودول أخرى، قد يكون ممكنًا، ولكن يتعين التنسيق بدقة مع الحلفاء والشركاء أثناء التفاوض.

قد تشكل هذه الأمور مجتمعة بداية لنهج جديد للأمن في أوروبا – نهج مخطط يتم التوصل إليه من خلال التفاوض بهدف خفض المخاطر والتكاليف، بدلاً من كونه نتيجة لتصورات وقرارات تفاعلية. قد تتخذ هذه الترتيبات شكل التزامات متبادلة أو أحادية قابلة للعكس، والتي ستتمتع بآليات ارتداد تلقائي إذا لم يلتزم الطرف الآخر بما تم الاتفاق عليه. على سبيل المثال، إذا نشرت روسيا قواتها في مناطق تعهدت بتجنبها، يمكن للدول عبر الأطلسي التراجع عن القيود التي فرضتها على نفسها أو إعادة فرض العقوبات المخففة سابقًا.

إذا بدأت هذه المناقشات حتى مع استمرار المفاوضات بشأن أوكرانيا، فقد تعزز آفاق السلام في أوكرانيا. يمكن تطبيق هذا النهج على عمليات نشر محددة، جداول المناورات، وحتى في بعض الحالات، على تطوير فئات معينة من الأسلحة، مع ربط الالتزامات مباشرةً بأوكرانيا. على سبيل المثال، قد تناقش واشنطن وبرلين نشر أسلحة أمريكية متوسطة المدى في ألمانيا. يمكن تعليق هذه العمليات ريثما تواصل المفاوضات بشأن أوكرانيا لإبقاء روسيا على طاولة المفاوضات، واستبدالها لاحقًا بحدود متفق عليها لنشر روسيا لأنظمة معينة.

وأخيرًا، قد يُعد تخفيف بعض العقوبات (باستثناء تلك التي تعرقل المجهود الحربي الروسي بشكل مباشر) مقابل وفاء روسيا بالتزاماتها تجاه أوكرانيا ودول أخرى أمرًا قابلًا للدراسة. من المهم التمييز بين العقوبات التي تحد من قدرة الكرملين على الاستثمار في قوته العسكرية، والعقوبات التي تهدف إلى معاقبة المسؤولين الروس. يجب أن تبقى العقوبات التي تحد من قدرة روسيا العسكرية سارية طالما تشكل تهديدًا لدول أوروبية أخرى. ويمكن تخفيف العقوبات التي تستهدف المسؤولين، مع بدء المحادثات أو إبرام اتفاقيات مبكرة.

إذا فشلت المحادثات، قد يستمر الصراع حتى تصبح الأطراف مستعدة للتوصل إلى اتفاق، مما يزيد من حالة عدم اليقين والمخاطر لجميع الأطراف.

  1. الردع:

سواء كانت الدبلوماسية تؤدي إلى صفقات أم لا، فإن ذلك سيحدد مدى تكلفة المستقبل وعدم استقراره. ولكن من المؤكد أن معظم السيناريوهات المحتملة ستظل مصحوبة بعدم الاستقرار وتكاليف باهظة. بالنسبة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا مفر من اعتماد الردع بشكل كبير. هذا يعني أن الدول ستكون مضطرة لاتخاذ قرارات صعبة وتحمل المخاطر، خاصة مع انخراط أقل من الولايات المتحدة. إذا لم يقم الأعضاء الأوروبيون في الناتو والاتحاد الأوروبي بالدفاع عن أوكرانيا وعن بعضهم البعض، فمن المرجح أن تستطيع موسكو الضغط عليهم لتقديم مزيد من التنازلات، وهو ما سيتسبب في تكاليف اقتصادية وأمنية ضخمة. قد تحاول موسكو هذا حتى إذا لم تنتصر في أوكرانيا، إلا أن سجل الإخفاقات المتكرر قد يصبح في النهاية رادعًا.

تبدأ مسألة كيفية الدفاع عن أوكرانيا بمناقشة إلى أي مدى وكيف تمتد مظلة الردع الغربية. لقد أظهرت الحرب في أوكرانيا منذ عام 2014، كما حدث في جورجيا عام 2008، أنه عندما تكون الدول خارج نطاق هذه المظلة، فهي ليست محمية من المخططات الروسية. قد يؤدي توسيع هذه المظلة إلى ردع روسيا، لكنه في الوقت ذاته سيزيد من خطر اندلاع حرب نووية، كما تم الإشارة إلى ذلك سابقًا.

هكذا، تواجه الكتل القائمة وأعضاؤها قرارات صعبة بشأن الالتزامات التي يمكنهم التعهد بها والوفاء بها. مع استبعاد توسيع الناتو، قد يكون هناك ميل نحو التركيز على إمكانية انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، رغم أن هذا الخيار يتضمن تحديات خاصة. في الوقت الراهن، يبدو أن أقوى التزامات الدعم المقدمة إلى أوكرانيا هي استمرار الدعم العسكري والتنسيق الواسع، الذي رغم عيوبه، لديه سجل جيد.

في حال التوصل إلى تسوية، قد يقترح داعمو أوكرانيا من الأوروبيين نشر قوات حفظ سلام، رغم أن تصور نجاح هذه المهمة حالياً يبدو صعبًا نظرًا للمخاطر التصعيدية ومعارضة موسكو. ستكون هذه المهمة صعبة بالنسبة لأي قوة عسكرية، باستثناء القوات الكبيرة جدًا، بسبب المساحة الشاسعة التي تغطيها أوكرانيا، بما في ذلك حدودها مع بيلاروسيا وروسيا.

إذا ضعفت قوة الناتو بسبب انخفاض مشاركة الولايات المتحدة، فإن الالتزامات الأمنية من تحالفات أصغر قد تصبح أكثر احتمالًا. قد يكون من الصعب تصور تحالف يمد التزاماته الأمنية إلى أوكرانيا أو مولدوفا أو جورجيا دون دعم بقية دول الناتو، ولكن في المستقبل، قد تزداد احتمالية حدوث ذلك، خاصة إذا كانت هذه الدول أقل ثقة بالناتو وتزيد من قوتها العسكرية.

التحالفات التي تشمل فرنسا والمملكة المتحدة قد تضيف عامل الردع النووي إلى المعادلة، لكنها قد تزيد أيضًا من المخاطر النووية. مثل هذه الاتفاقات قد تكون وصفة لعدم الاستقرار، إذ أنها قد تضعف التحالف أكثر، مما يثير تساؤلات حول مدى التزامات هذه الدول.

لكن في بيئة أمنية متدهورة، قد تقرر بعض الدول أن هذا الخيار أفضل من لا شيء. ولتقليل المخاطر الناتجة عن هذا المستقبل المحتمل، يتعين على الدول الأوروبية دعم أوكرانيا تطوير قدراتها العسكرية بشكل مستقل عن القيادة الأمريكية، مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة إلى أقصى حد، مثلما يحدث في دعم وتزويد أوكرانيا. ينبغي عليها تحسين قدراتها في مجالات النقل، الاستطلاع، القيادة، وغيرها من العوامل التي تدعمها الولايات المتحدة حالياً. كما يجب توسيع التعاون مع شركاء الناتو من خارج الاتحاد الأوروبي مثل المملكة المتحدة والنرويج وتركيا، وربما دول أخرى مثل كوريا الجنوبية، حيث يمكنهم العمل في تحالفات أصغر، ما يساعد على تقليل التحديات التي تطرحها علاقات تركيا مع قبرص.

إذا أراد الاتحاد الأوروبي أن يصبح فاعلاً جيوستراتيجيًا، فقد يحتاج إلى تعديل نظام التصويت لديه لتسهيل اتخاذ القرارات في المجالات المتعلقة بالدفاع والسياسة الخارجية. لكن هذا التكيف قد يكون بعيدًا في المستقبل. وفي الوقت الحالي، قد تتمكن التحالفات الأصغر من تحقيق أهدافها، لكن الاتحاد الأوروبي سيظل مفيدًا في تنسيق السياسات والمواقف، بالإضافة إلى تعزيز التدابير الاقتصادية لمكافحة تجديد القوات العسكرية الروسية، وهو ما يستهدف في نهاية المطاف دول الاتحاد الأوروبي. على الرغم من أنه ليس الحل المثالي، فإن هذا الإجراء يُعد ضروريًا للأمن الأوروبي في المرحلة الحالية.

إن الإجراءات التي ترفع تكلفة أي عدوان إضافي على روسيا ستكون باهظة الثمن وصعبة سياسيًا، وقد لا تنجح دائمًا. كما أن هناك مخاطر كامنة في هذه التدابير، بما في ذلك احتمال فشل الردع وتصعيد النزاع إلى ما هو أكثر كارثية. لكن لا سبيل لتخفيف المخاطر دون قبول بعض الإجراءات الوقائية. إذا كان الردع قد نجح في منع موسكو والغرب من التورط في صدام مباشر في الماضي، فإنه سيكون أكثر فعالية إذا اقترن بتحليل أعمق لتصورات التهديد لدى الطرفين، ومع دبلوماسية مبتكرة لتقليل المخاطر والتكاليف.

سادسًا: الخاتمة:

لا يوجد حل مثالي للتحديات الأمنية في أوروبا، لكن الطريق الأكثر ديمومة يبدأ بإنهاء الحرب بشكل يضمن بقاء أوكرانيا دولة ذات سيادة وقادرة على الدفاع عن نفسها، مع جعل روسيا تدرك تكلفة تجدد العدوان. هذه النتيجة ستكون أكثر قابلية للتحقيق إذا زادت الدول الأوروبية عبر الأطلسي من اعتمادها على نفسها، مع استمرار مشاركة الولايات المتحدة بمستوى أقل. ستكون هذه النتيجة أكثر ديمومة إذا بدأت الأطراف المعنية بمناقشة كيفية التعاون للحد من المخاطر في القارة الأوروبية المتزايدة عسكرة.

النتائج الرئيسية:

ما الجديد؟
قلب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا الواقع الأمني في أوروبا، حيث باتت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة، وروسيا من جهة أخرى، تعتبر بعضها البعض تهديدات جوهرية. يأتي هذا في وقت أصبح فيه دور الولايات المتحدة كحليف أقل موثوقية.

ما أهميته؟
إن حالة عدم الاستقرار في أوروبا لها تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية، خصوصًا بالنظر إلى القدرات النووية لكل من روسيا وحلف شمال الأطلسي. يمكن لفهم أعمق للافتراضات ووجهات نظر التهديد لدى كل طرف أن يساعد في إدارة المخاطر في منطقة تزداد عسكرة.

ما العمل؟
الدبلوماسية والردع هما الحل. يتعين على داعمي كييف السعي إلى تسوية الحرب بما يضمن لأوكرانيا الحفاظ على قدرتها الدفاعية. ينبغي على الحلفاء الأوروبيين تقليل اعتمادهم على الولايات المتحدة والسعي، بالتعاون مع واشنطن، إلى تخفيف المخاطر مع روسيا من خلال فرض قيود على نشر الأسلحة وغيرها من الأنشطة.

ملخص تنفيذي:

منذ ثلاث سنوات، قلب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا الافتراضات التي شكلت أساس الأمن الأوروبي لعقود. أصبح مصير أوكرانيا ومستقبل أوروبا في خطر. بينما تشهد الحرب تطورات مستمرة، تحقق روسيا تقدمًا بطيئًا في شرق أوكرانيا. تدعم دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، التي ترى في روسيا تهديدًا دائمًا، أوكرانيا على الرغم من المخاوف من التصعيد وعدم اليقين بشأن سياسة الولايات المتحدة. ومع ذلك، تفتقر أوكرانيا إلى استراتيجية واضحة للمضي قدماً.

لا يمتلك أي من الجانبين مسارًا جذابًا لتحقيق أهدافه. في حال أوكرانيا، الهدف هو طرد روسيا، بينما تسعى روسيا إلى تعزيز نفوذها على كييف وتنظيم نظام أمني جديد في أوروبا. العوائق التي تمنع الوصول إلى اتفاق سلام أو حتى وقف إطلاق النار هائلة. رغم ذلك، قد يؤدي تغيير الإدارة الأمريكية إلى فرصة جديدة للمضي قدمًا، مستفيدين من نفوذ الولايات المتحدة وحلفاء أوروبا الداعمين لأوكرانيا. النتيجة الأكثر استدامة ستكون بقاء أوكرانيا ذات سيادة، مع تخوف روسيا من تكاليف تجدد العدوان، وزيادة اعتماد الكتلة الأوروبية على نفسها، مع استعداد جميع الأطراف لمناقشة كيفية تخفيف المخاطر في قارة تتزايد عسكرة.

منذ فبراير 2022، شهدت أوضاع روسيا وأوكرانيا تقلبات حادة. بدأت الحرب بهجوم روسي شامل، ثم فشل الجيش الروسي في الاستيلاء على كييف أو إقامة حكومة موالية للكرملين. لكن موسكو تمسكت بأهدافها السياسية، بينما تحول تركيزها العسكري إلى الأراضي في شرق وجنوب أوكرانيا. هذا الجمود فرض على أوكرانيا معركة دموية من أجل سيادتها، بدعم من الغرب، وبالأخص الولايات المتحدة.

بحلول عام 2025، حققت روسيا تقدمًا، لكن أوكرانيا عانت من نقص في الجنود، بينما عاد دونالد ترامب – الذي كان قد أعرب عن تشككه في دعم كييف – إلى رئاسة الولايات المتحدة.
ما يحدث في أوكرانيا يتجاوز حدودها بكثير. فقد صوّرت موسكو الغرب بقيادة الولايات المتحدة باعتباره تهديدًا للأمن القومي الروسي. وتُعتبر الحرب في أوكرانيا بالنسبة لروسيا جزءًا من مشروع طويل الأمد لمواجهة خصومها، بينما كانت دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي منقسمة بشأن الموقف من روسيا حتى عام 2022. لكن منذ الغزو الشامل، أصبحت هذه الدول شبه متّحدة في اعتبار موسكو تهديدًا يجب ردعه، وإذا فشل كل شيء آخر، هزيمته.

تدرك هذه الدول أن تراجع الولايات المتحدة – وهو احتمال وارد مع عودة ترامب إلى السلطة – سيجعل تحقيق هذا الهدف أصعب بكثير. لدى قادة أوروبا أسباب وجيهة لاعتبار روسيا تهديدًا. ويزيد هذا من المخاوف من أن تهدد روسيا، إذا حققت أهدافها في أوكرانيا، دولًا أخرى مثل مولدوفا ودول حلف شمال الأطلسي. هذا قد يؤدي إلى أزمات جديدة. وبما أن روسيا، بالإضافة إلى ثلاث دول أخرى تمتلك أسلحة نووية، هي الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، فإن كل أزمة قد تتصاعد بشكل كارثي.

على الرغم من هذه التحديات، هناك فرصة للتقدم. فقد هدأت المخاوف من أن يوقف ترامب الدعم الكامل لأوكرانيا، وهو ما قد يعيق أي فرص للتفاوض. وفي حال استغل ترامب فترة الستة أشهر التي يتوقع البعض أنها قد تكون فرصة للتوصل إلى اتفاق، يمكن لهذه الفترة أن تؤدي إلى تقدم. من خلال استغلال رغبة بوتين في التفاوض وتهديداته بعقوبات إضافية، يمكن استثمار القوة الأمريكية في دعم حلفائها الأوروبيين لإيجاد حل.

الصفقة الأكثر استقرارًا هي تلك التي تضمن بقاء أوكرانيا مستقلة وقادرة على الدفاع عن نفسها، حتى وإن كانت روسيا ستحتفظ بالسيطرة على الأراضي التي تحتلها.

الاستراتيجية المستقبلية لأوروبا:

بغض النظر عن تطورات الحرب في أوكرانيا، تحتاج الدول الأوروبية الداعمة لكييف إلى تعزيز جيوشها وصناعتها الدفاعية لردع روسيا. وبينما ينظر فريق ترامب إلى التحديات الكبرى في المحيطين الهندي والهادئ، يتعين على الحلفاء الأوروبيين تعزيز قدراتهم العسكرية بالتعاون مع الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، ينبغي على دول المنطقة التركيز على بناء الردع دون زيادة المخاطر أو النفقات.

ومع تفاقم انعدام الأمن في روسيا تجاه الغرب، وإحساس جيرانها الأوروبيين بعدم الأمان بسبب العدوان الروسي، لن تختفي تحديات الأمن الأوروبي، مهما انتهت الحرب في أوكرانيا. ومن المرجح أن تستمر الدول الأوروبية في تعزيز قدراتها العسكرية، مما قد يؤدي إلى “ردع غير مؤكد” مع زيادة في المخاطر والنفقات. يمكن إدارة هذه التحديات من خلال العمل معًا على وضع ترتيبات لاحتواء خطر العسكرة الإقليمية، بما في ذلك تصعيدها.

كييف/لندن/واشنطن/بروكسل، ١ شباط/فبراير ٢٠٢٥

جدول المحتويات”

الملخّص التنفيذي

أولاً: مقدّمة

ثانياً: افتراضات خاطئة

أ. خطأ في التقدير

ب. رهانات مستمرّة

  1. روسيا: رهانان كبيران
  2. أوكرانيا، داعموها، وصانعو السلام المحتملون: بحثاً عن معجزات جديدة
  3. تصوّرات التهديد: قارة خائفة

أ. وجهة نظر روسيا: التهديد من الغرب

ب. وجهة نظر الغرب: خطر مكشوف

  1. قبل الغزو الشامل
  2. بعد الغزو الشامل
  3. هل تتحوَّل المخاوف إلى أفعال؟

أ. روسيا: الردع النووي، اقتصاد الحرب، وتوسيع القوّة

  1. الورقة النووية
  2. المجتمع والاقتصاد والجيش

ب. الغرب: دعم أوكرانيا وتوسيع قوّته العسكرية مع تراجع الولايات المتحدة

  1. تحصين أوكرانيا
  2. بناء القدرات
  3. وضع القوّة
  4. البُعد النووي
  5. النظام الأوروبي الناشئ

أ. ديناميكية غير مستقرّة

ب. تشجيع الاستقرار في نظام غير مستقر: الدبلوماسية والردع

  1. الدبلوماسية
  2. الردع
  3. الخاتمة

ترجمة يوسف سامي مصري

رابط البحث

https://www.crisisgroup.org/europe-central-asia/eastern-europe/ukraine-russia-internal-united-states/272-ukraine-and-beyond-shaping