الملخّص التنفيذي:
تُعدّ التدخلات التركية في سوريا محورية في تشكيل مكانة تركيا الإقليمية والدولية، حيث يسعى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من خلالها إلى تعزيز صورة تركيا كقوة إسلامية حامية للعالم الإسلامي. إذ تستغل تركيا حالة عدم الاستقرار في سوريا لتحقيق أهدافها الاستراتيجية المتعددة، مثل كبح التهديد الكردي، الذي يُعتبر تهديدًا حيويًا للأمن التركي، إلى جانب توسيع نفوذها الإقليمي وتعزيز مكانتها كداعم رئيسي للقضية السورية، بما في ذلك تسهيل إعادة إعمار البلاد ودعم اللاجئين السوريين. هذا الطرح يساهم في تصوير أردوغان كمنقذ إسلامي يعزز قوة تركيا في المنطقة من خلال التفاعل مع التحديات الإقليمية والدولية.
من جهة أخرى، تواجه إسرائيل واقعًا معقدًا نتيجة لهذه التدخلات التركية في سوريا، حيث تتعين عليها الحفاظ على استقرار الوضع في المنطقة من خلال منع تدفق الأسلحة المتطورة إلى الجهات المعادية. علاوة على ذلك، فإن إسرائيل تجد نفسها مضطرة لاستكشاف إمكانيات الحوار السياسي مع النظام السوري الجديد، ولكن في الوقت نفسه، يظل التهديد التركي المتنامي في سوريا محط قلق استراتيجي لإسرائيل. إذ قد يتطور الوضع إلى مواجهة عسكرية محتملة، خاصة إذا ساعدت تركيا حماس على توسيع عملياتها في الشمال السوري، مما قد يزيد من تعقيد الصراع الإقليمي ويخلق تهديدات إضافية للأمن الإسرائيلي.
الوجود التركي في سوريا يتماشى مع رؤية أردوغان للعثمانية الجديدة، التي تسعى لاستعادة النفوذ التركي في العالم الإسلامي. هذه الرؤية لا تقتصر على البعد العسكري، بل تشمل أيضًا تعزيز الصورة التركية كداعم رئيسي لحقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية، حيث تسعى تركيا لأن تُظهر نفسها كداعم للاجئين والمساهمة في إعادة إعمار سوريا. هذا التوجه يعزز من شرعية أردوغان داخليًا، حيث يُستخدم هذا النشاط الخارجي لدعم رقابته الداخلية، والتخفيف من الانتقادات المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان والإرث التاريخي لتركيا، مما يساعد في تقوية موقفه السياسي داخل تركيا.
إجمالًا، يُظهر الوضع السوري كيف تستفيد تركيا من الفوضى الإقليمية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية، بينما تواجه إسرائيل تحديات متزايدة في الحفاظ على أمنها في ظل هذه التطورات المعقدة.
انخراط تركيا المتزايد في سوريا ليس فقط انعكاسًا لتطلعاتها الاستراتيجية، بل يُعد أداة سياسية حيوية يستخدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتقديم تركيا كقوة إنسانية وحمائية في المنطقة. من خلال هذه السياسة، يعزز أردوغان مكانة تركيا في العالم الإسلامي على حساب منافسيها الرئيسيين مثل إسرائيل وإيران والدول العربية. يُنظر إلى الدور التركي في سوريا على أنه محاولة لاستعادة نفوذ تركيا كقوة إقليمية إسلامية، حيث يسعى أردوغان إلى أن تكون بلاده عنصرًا رئيسيًا في إعادة بناء المنطقة بعد الحرب الأهلية، مع التركيز على قضايا اللاجئين والمساعدات الإنسانية. هذه الاستراتيجية تمنح تركيا مكانة كبيرة في الصراع الإقليمي، مع تعزيز صورتها كداعم للحقوق الإنسانية والمصالح الإسلامية.
من جهة أخرى، يواجه إسرائيل واقعًا معقدًا في سوريا، حيث يُمثل الوضع المتغير بسرعة مزيجًا من التحديات والفرص. على الرغم من القلق الإسرائيلي المتزايد بشأن أمنها في ظل حالة عدم الاستقرار في سوريا، فإن هناك أيضًا إمكانية لتغيير موازين القوى في المنطقة إذا تم استغلال الفرص الدبلوماسية بشكل صحيح. ومع ذلك، يشكل التحدي الرئيسي لإسرائيل في الوقت الحالي الموافقة التركية على أي حوار أو تعاون دبلوماسي، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين الجانبين.
القلق الأمني الإسرائيلي ينبع من خطر وصول الأسلحة التقليدية وغير التقليدية إلى فصائل معادية بالقرب من الحدود الشمالية. الأسلحة الكيميائية، الصواريخ، وحتى الترسانة العسكرية السورية تشكل تهديدات حقيقية على أمن إسرائيل. لهذا السبب، تستمر إسرائيل في تدمير الأسلحة التي تشكل تهديدًا مباشرًا، بهدف منع وصول الأسلحة الفتاكة إلى أيدي العناصر الجهادية، حتى وإن كانت تلك الفصائل سنّية ومعادية لحزب الله وإيران. فوجود تلك القوى الجهادية السنية والشيعية على الحدود الإسرائيلية يمثل تهديدًا مباشرًا لمرتفعات الجولان والجليل الشرقي.
القلق الأمني الإسرائيلي يتفاقم أيضًا في ظل سيطرة جماعات مثل هيئة تحرير الشام، التي رغم ادعاءاتها بالاعتدال، تظل تشكل تهديدًا، خاصة في ظل وجود قادتها المرتبطين بتنظيمات متطرفة مثل داعش. أبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام، كان عضوًا في داعش، وهذا يثير القلق في إسرائيل من إمكانية تحول المنطقة إلى مركز سيطرة استبدادي تسيطر عليه أيديولوجيات متطرفة. في هذا السياق، لا تستطيع إسرائيل تحمل وجود داعش أو أي تنظيمات مشابهة على حدودها.
إجمالًا، يُشكل الوضع في سوريا اختبارًا معقدًا لإسرائيل في موازنة الفرص الدبلوماسية مع التحديات الأمنية التي قد تهدد استقرارها، في وقت تسعى فيه تركيا إلى تعزيز مكانتها الإقليمية والدولية من خلال تدخلاتها العسكرية والسياسية في سوريا.
تحتاج إسرائيل إلى إزالة أي قدرة استراتيجية من سوريا لعدّة أسباب:
أولاً: يُظهر الموقف غير الواضح للنظام السوري الجديد تجاه إسرائيل هشاشة الوضع الإقليمي وضرورة بقاء إسرائيل في حالة تأهّب دائم. فرغم غياب الخطاب العدائي العلني من دمشق في الوقت الراهن، فإن احتمالية انزلاق قادة ميدانيين، مثل أبو محمد الجولاني، نحو تبنّي مواقف داعش المتطرفة تبقى قائمة، وهو ما يجعل السماح ببقاء أسلحة متطورة في سوريا—وخاصة في المناطق القريبة من الحدود الإسرائيلية—أمراً بالغ الخطورة.
على جانب آخر، تُعدّ سيطرة القوات الكردية على أجزاء من الحدود السورية-اللبنانية تطوراً استراتيجياً غير متوقّع ولكنه إيجابي لإسرائيل، خاصة في ما يتعلق بمنع تهريب الأسلحة الإيرانية إلى حزب الله عبر الممرات التقليدية. وتعتبر إسرائيل الأكراد شركاء موثوقين في هذا الإطار، نظراً لتقاطع المصالح الأمنية بين الطرفين، خصوصاً فيما يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني.
إلا أن هذا المكسب التكتيكي الإسرائيلي يبقى هشاً، إذ يواجه الأكراد تهديداً دائماً من جانب تركيا. التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأتراك، مثل زكي أكتورك، تضع الخطوط العريضة لنية أنقرة الحاسمة في منع أي كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها الجنوبية. وصفه لوحدات حماية الشعب بأنها امتداد لحزب العمال الكردستاني يعكس الإصرار التركي على عدم السماح بأي شكل من أشكال الحكم الذاتي الكردي، حتى ولو كان ذلك في مناطق خارج حدود تركيا.
ما يثير الانتباه أيضاً هو أن هذه السياسة لا تقتصر على حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة أردوغان، بل تمتد إلى أحزاب المعارضة التركية، مثل حزب الشعب الجمهوري، الذي رغم خصومته السياسية الشديدة لأردوغان، يتبنّى خطابًا مشابهًا فيما يخص التهديد الكردي، بل ويذهب بعض أعضائه إلى القول إن أردوغان لا يتعامل بالصرامة الكافية مع إسرائيل.
هذا التوافق بين الحكومة والمعارضة بشأن المسألة الكردية يُشير إلى أن أنقرة، بغضّ النظر عمّن يحكمها، ترى في الأكراد تهديدًا وجوديًا، مما يضع الشراكة الكردية-الإسرائيلية في وضع صعب. وفي الوقت ذاته، يستغل أردوغان هذا التوتّر – كعادته – لتعزيز قبضته على السلطة داخلياً، من خلال تحويل الصراعات الإقليمية إلى أداة سياسية داخلية يُحيّد بها المعارضة، ويُعيد توجيه الخطاب الوطني نحو قضايا “أمن قومي” تحشد التأييد وتُقلّل من فعالية الانتقادات المرتبطة بالحريات أو الاقتصاد.
في المحصلة، فإن الوضع المعقّد في سوريا لا يُمثّل فقط تحديًا أمنيًا لإسرائيل، بل يُكرّس أيضًا واقعًا جيوسياسيًا تتقاطع فيه الطموحات الإقليمية التركية، والمخاوف الأمنية الإسرائيلية، والنزاعات الأهلية داخل سوريا، في بيئة مُتشابكة من التحالفات المؤقتة والعداوات المتغيرة.
إنّ المشهد السوري بعد التغيّرات الأخيرة يُعيد تشكيل الخارطة الاستراتيجية للمنطقة، ويضع إسرائيل أمام معادلة معقدة، تتداخل فيها فرص محتملة مع تهديدات متفاقمة. من أبرز ما يمكن أن يشكّل ورقة توازن لإسرائيل في هذا السياق هو الأقلية الدرزية في جنوب غرب سوريا، خاصة مع الامتداد الاجتماعي والثقافي داخل إسرائيل نفسها. وجود مجتمع درزي قوي ومندمج في مؤسسات الدولة الإسرائيلية يُمكن أن يُمهّد الطريق لتجديد شكل من أشكال التحالف غير الرسمي بين إسرائيل والدروز السوريين، لا سيّما في ما يتعلق بتأمين الحدود الأردنية-السورية-الإسرائيلية، ومنع اختراقها من قبل الفاعلين المعادين كداعش أو حزب الله أو ميليشيات مدعومة من إيران.
إلا أن غموض موقف النظام السوري الجديد تجاه إسرائيل يُبقي كل السيناريوهات مفتوحة. وبالنظر إلى هشاشة التوازنات، لا يبدو أن إسرائيل تستطيع في الوقت الراهن المراهنة على حسن نية أو موقف إيجابي من دمشق الجديدة، ما يفرض عليها الحفاظ على أعلى مستويات الجاهزية العسكرية، ومواصلة سياسة الاستهداف الوقائي لأي شحنات أو بنى تحتية عسكرية يُحتمل أن تُستخدم ضدها. ويأتي هذا الموقف في إطار “عقيدة المعركة بين الحروب”، التي انتهجتها إسرائيل خلال السنوات الماضية لضمان أمنها دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
لكن في حال تغيّر موقف النظام السوري، ولو جزئيًا، وانفتاحه على فكرة تحسين العلاقات مع إسرائيل، فذلك قد يخلق نافذة دبلوماسية نادرة، تُتيح لإسرائيل تعزيز نفوذها الإقليمي عبر التعاون الاقتصادي، أو حتى دعم جهود إعادة الإعمار، بما يُساهم في خلق توازن مقابل لتنامي النفوذ التركي والإيراني. إلا أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة الدور التركي المتعاظم.
فتركيا باتت فاعلًا رئيسيًا في شمال سوريا، لا فقط من خلال التدخل العسكري المباشر، بل عبر شبكة من الفصائل الموالية، والبنى الإدارية والاقتصادية التي أرستها في المناطق الخاضعة لها. ويبدو أن أنقرة تتعامل مع سوريا اليوم بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع شمال قبرص، حيث أنشأت كيانًا تابعًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا لها. ومن المُرجَّح أن تسعى لتكرار هذا النموذج في سوريا، إما عبر علاقة تبعية مباشرة، أو من خلال تحالف عسكري رسمي مع النظام الجديد، وهو ما قد تفرضه بحكم ما استثمرته من موارد بشرية ومالية هائلة خلال سنوات الحرب.
وفي حال نجحت تركيا في تثبيت هذا النوع من التحالف أو النفوذ طويل الأمد، فإنها ستُعزز مكانتها كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه، وستمتلك أدوات ضغط ليس فقط على دمشق، بل على تل أبيب وواشنطن والاتحاد الأوروبي على حد سواء. وفي ظل هذا الطموح التركي، قد يصبح الوصول إلى أي تفاهم مستقر مع النظام السوري أمرًا مشروطًا ببوابة أنقرة، مما يُعقّد خيارات إسرائيل ويجعل أي اختراق دبلوماسي في المستقبل مرهونًا بمواقف أردوغان وأجندته الإقليمية.
في المجمل، يبدو أن إسرائيل تتعامل مع مرحلة سورية انتقالية ذات طابع متعدد الأقطاب، لا تملك فيها الكثير من أدوات التأثير المباشر، لكنها تُبقي على أوراق ردع واستباق قوية. أما تركيا، فهي تتحرّك بوضوح لفرض واقع جيوسياسي جديد في سوريا، من شأنه أن يُعيد رسم موازين القوى في المشرق لعقود مقبلة.
تُوظّف تركيا وجودها في سوريا كأداة استراتيجية متعددة الأبعاد، تجمع بين النفوذ العسكري، الاقتصادي، والسياسي. ومن خلال استثماراتها الواسعة في الشمال السوري، باتت تُملي معادلات ميدانية يصعب تجاوزها، وتسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة وصاية غير معلنة. هذه الهيمنة تشمل إعادة الإعمار، التحكم بالبنية التحتية، وتأطير المشهد الأمني عبر الفصائل الموالية لها.
بالنسبة لإسرائيل، يُمثّل هذا التمدد التركي مصدر قلق استراتيجي متزايد. فتركيا لا تكتفي بإبراز دورها كقوة إقليمية فاعلة، بل تضع خطوطاً حمراء واضحة، مهددة برد عسكري في حال تجاوزت إسرائيل دوراً تعتبره مناقضاً لمصالحها. هذا التوتر لا يقوم فقط على العداء التقليدي، بل على تناقض رؤيوي أعمق حول هوية سوريا المستقبل وموقعها الجيوسياسي.
الوجود التركي في سوريا يُعيد صياغة موازين القوى، ويُعقّد أي جهود دبلوماسية أو أمنية تُفكّر بها إسرائيل في ما يتعلق بجنوب سوريا أو شرقها. كما يُضيّق هامش المناورة أمام النظام السوري الجديد إذا فكّر يوماً في فتح قنوات مع تل أبيب، ويجعل أي تقارب محتمل بين الطرفين مشروطاً بموافقة تركية ضمنية. بهذا المعنى، تصبح سوريا ورقة تفاوض تستخدمها أنقرة في صراعات أوسع تتجاوز حدودها.
ثانياً: يبدو أن العلاقة الإسرائيلية التركية تتّجه نحو مرحلة أكثر صدامية، مع تراجع واضح في إمكانيات “الإدارة الرمادية” التي ميّزت علاقتها في العقدين الماضيين. لم تعد مجرّد علاقة “صديق/عدو” قائمة على التوازن بين التعاون الاقتصادي والمواجهة السياسية، بل تتحوّل شيئاً فشيئاً إلى علاقة عدائية تُهيمن عليها الحسابات الأمنية والجيوسياسية الصرفة.
التهديد التركي لإسرائيل بات ملموساً أكثر من أي وقت مضى، لا فقط عبر الدعم العلني لحماس، بل من خلال إمكانية إنشاء بنية لوجستية وعسكرية لها في شمال سوريا. هذا التطوّر يُهدّد إسرائيل بمحور جديد ينطلق من الجنوب اللبناني ويمتد عبر الجنوب السوري حتى شماله، ويضعها أمام تحدي محاصرة محتمل من جبهات متعددة.
إلى جانب ذلك، فإن السعي التركي للقضاء التام على النفوذ الكردي، الذي تُعدّه إسرائيل شريكاً استراتيجياً، يُمثّل نقطة تصادمية إضافية بين الطرفين. فكلما زادت العمليات التركية ضد الأكراد، زادت معها خشية إسرائيل من فقدان إحدى أدواتها الفاعلة لموازنة النفوذ الإيراني والتركي على حد سواء.
الحديث التركي، في أوساط متطرّفة داخل النخبة السياسية، عن نوايا إسرائيلية “أسطورية” للسيطرة على جنوب شرق تركيا، يُضيف بعداً أيديولوجياً يصعّب أي تهدئة محتملة. وهو ما يُغذّي خطاباً جديداً، أكثر راديكالية، داخل تركيا يجعل من إسرائيل خصماً وجودياً لا مجرّد خصم سياسي.
في ضوء ذلك، فإن إسرائيل تُعيد مراجعة استراتيجيتها تجاه تركيا، وتستعدّ لاحتمال التصعيد، بما في ذلك سيناريوهات مواجهة عسكرية محدودة النطاق في سوريا أو حولها. كما أن أدواتها التقليدية في الردع والتفوق الاستخباراتي واللوجستي ستُوظّف بشكل متزايد لكبح النفوذ التركي ومنعه من التمدّد أكثر.
ربما لم تعد الثنائية “صديق/عدو” تُعبّر بدقة عن الواقع الراهن، إذ بات العداء هو المُحرّك الأساسي للعلاقة، في مشهد إقليمي تغذّيه الشكوك، الصراعات بالوكالة، والتنافس على النفوذ ضمن نظام إقليمي جديد لم يكتمل بعد.
الوجود التركي في سوريا يمثّل تتويجاً لاستراتيجية طويلة الأمد اعتمدت على استغلال الصراع السوري لتحقيق أهداف تتجاوز بكثير مجرد “الأمن القومي”. منذ تحوّل موقف أردوغان من دعم الفصائل المناهضة للنظام في بدايات الثورة إلى التدخّل العسكري المباشر، تحوّل التدخّل التركي إلى أداة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ومحاولة فرض واقع جيوسياسي جديد على حدود تركيا الجنوبية.
في الخطاب الرسمي، يُقدَّم التدخّل على أنه ضرورة لحماية الأمن القومي من التهديد الكردي، لا سيما من وحدات حماية الشعب التي ترى فيها أنقرة امتداداً لحزب العمال الكردستاني. غير أن الواقع يُظهر أبعاداً أوسع لهذا التدخّل، حيث بات يشمل السيطرة الفعلية على مناطق واسعة، تأسيس هياكل إدارية محلية تابعة لأنقرة، وتوسيع النفوذ التركي اقتصادياً وثقافياً، بما يشبه سياسة “الاحتواء الناعم”.
أردوغان نجح في توظيف هذا التدخّل لتعزيز شعبيته داخلياً، مُقدّماً نفسه كقائد يحمي الحدود ويُعيد لتركيا دورها القيادي في الشرق الأوسط، بل ويستعيد شيئاً من “النفَس العثماني” في التخاطب مع الجمهور التركي والعالم الإسلامي. وعلى المستوى الدولي، استخدم ورقة اللاجئين، ومكافحة الإرهاب، والتحالفات التكتيكية (مع روسيا وإيران تارة، ومع الغرب تارة أخرى) لخلق مساحة مناورات واسعة تحمي مصالحه.
بهذا المعنى، فإن التدخّل التركي في سوريا لم يكن رد فعل على التهديدات بقدر ما كان مشروعاً منظّماً لإعادة تعريف الدور التركي في الإقليم، في لحظة فراغ استراتيجي إقليمي ودولي، استغلّتها أنقرة بذكاء ومرونة.
في سوريا، بات الوجود التركي يتجاوز العمليات العسكرية، ليُصبح أداة لبسط نفوذ حضاري وقيمي تُقدّمه أنقرة باعتباره امتداداً لحق تاريخي في الوصاية على الشعوب الإسلامية. هذا البُعد الرمزي هو ما يضفي على التدخّل التركي طابع “الإنقاذ”، سواء في الخطاب الداخلي التركي أو في السردية الموجّهة إلى الجمهور العربي والإسلامي. فتركيا لم تعد “تدعم المعارضة السورية” وحسب، بل “تُرمّم الهوية الإسلامية” في فضاء تضرر بفعل الحرب، والفراغ الغربي، وتجاوزات الأنظمة الاستبدادية.
رهان أنقرة على النظام الجديد في دمشق يُظهر ذكاءً استراتيجياً، إذ اختارت أن تُراهن على فاعلين محليين صاعدين بدلاً من الاصطفاف الكامل مع أي من القطبين المتنازعين (الأسد أو المعارضة الكلاسيكية). وهذا ما مكّنها من الحفاظ على وجود مرن ومتنقّل، قابل للتكيّف مع التحوّلات، ومُحصّن – إلى حدٍّ ما – من الانهيار في حال تغيُّر الاصطفافات.
أما على مستوى الصورة الدولية، فتركيا تُدرك تماماً التحديات التي تُواجهها في الخطاب الغربي: حقوق الإنسان، ملف الأقليات، ماضي الإبادة الجماعية للأرمن، السلوك السلطوي لحزب العدالة والتنمية، وغيرها. من هنا، فإن بناء صورة “المنقذ المسلم” يخدم هدفين متكاملين: تحسين صورتها في العالم الإسلامي، وخلق سردية مضادة للسرديات الغربية، تضع أنقرة في موضع “البديل الأخلاقي” الذي يُدير الملفات الإنسانية (مثل اللاجئين) بفاعلية يفشل فيها الغرب.
هذا الطموح لا يتوقّف عند حدود سوريا، بل يمتد ليشمل ليبيا، القرن الإفريقي، غزة، أذربيجان، والبلقان، حيث يتكرّر نموذج التدخّل الناعم المدعوم بقدرة عسكرية قوية وخطاب ديني/حضاري جذّاب. واللافت أن هذا المشروع يكتسب زخماً في لحظة تراجع فيها نفوذ روسيا التقليدي بسبب الحرب في أوكرانيا، وتآكل الدور الإيراني نتيجة الضغوط الداخلية والخارجية.
الأسئلة المطروحة الآن ليست حول ما إذا كانت تركيا ستُكرّس نفسها كقوة إقليمية، بل كيف سيتعامل الإقليم والعالم مع هذه الحقيقة الجديدة — وما إذا كانت هذه الصورة “المنقذة” ستصمد في وجه التعقيدات والمقاومات المحتملة.
كما هو معتاد في أسلوب أردوغان السياسي، يتقن الرئيس التركي توظيف الأزمات وتحويلها إلى أدوات تعزز شرعيته ومكانته، سواء على الصعيد الداخلي أو في ميدان السياسة الخارجية. لم يكن حضوره المتنامي في المشهد السوري استثناءً عن هذا النهج، بل جزءاً من استراتيجية متكاملة تستند إلى تصدير صورة تركيا كقوّة رائدة قادرة على حماية المسلمين حيثما كانوا، معزّزة برؤية جديدة لدورها في العالم.
منذ أن اصطدمت جهود أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بجدار الرفض الأوروبي، بدا أن تركيا أعادت توجيه بوصلتها الجيوسياسية نحو الجنوب والشرق، متخلّية، بشكل غير معلن، عن حلم “الانضمام الكامل”، ومتحوّلة إلى مشروع بديل يقوم على استعادة ما تعتبره نفوذاً طبيعياً وتاريخياً لها في المناطق التي كانت يوماً تحت راية الإمبراطورية العثمانية.
هذه الرؤية لا تقتصر على الطموح السياسي أو العسكري، بل تحمل أبعاداً حضارية ودينية، إذ تُقدّم تركيا نفسها كالنموذج الناجح الوحيد في العالم الإسلامي — الدولة القوية، المتماسكة، والفاعلة، القادرة على الجمع بين الحداثة السياسية والدور الإسلامي الحامي. بهذا المعنى، لا يظهر أردوغان كزعيم قومي فحسب، بل كرمز جامع للمسلمين، في لحظة تعيش فيها شعوب المنطقة إحباطات متراكمة من أنظمتها ومن القوى الغربية.
وفي هذا الإطار، تأتي تصريحات عبد الله أوجلان الأخيرة الداعية إلى إلقاء السلاح، لتُوظَّف هي الأخرى في تعزيز سردية أردوغان كرجل المرحلة، القادر على إطفاء النيران المزمنة داخل بلاده، تماماً كما يملك اليد العليا في إدارة الملفات الساخنة خارجها. المسألة الكردية، التي طالما استُخدمت كورقة مساومة سياسية داخلية، تُعاد اليوم إلى الواجهة ليس بصفتها تهديداً أمنياً، بل كعنصر يمكن احتواؤه ضمن المشروع التركي الكبير.
تركيا لم تعد تكتفي بأن تكون دولة إقليمية مؤثرة؛ بل تسعى، بقيادة أردوغان، إلى التقدّم كقوّة مرجعية” للمسلمين في زمن الانقسام والتشظي. وتحت هذا الغطاء الرمزي، تتحرك سياساتها العسكرية والاقتصادية والثقافية، في سوريا كما في ليبيا، وفي غزة كما في القوقاز.
إنّ نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد، في جزء كبير منه، على قدرة أردوغان في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الداخل والخارج، بين الخطاب الديني والتحالفات الواقعية، وبين الشعور بالظلم التاريخي والطموح إلى دور عالمي جديد.
يتنقّل رجب طيب أردوغان ببراعة بين مسارات السلام ومقاربات القمع العسكري، بما يتوافق مع احتياجاته السياسية في الداخل والخارج. ففي بداية عهده، أطلق أردوغان عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني (PKK) سَعياً لكسب دعم الأكراد، ولإظهار نفسه كزعيم قادر على إنهاء أحد أكثر الصراعات دموية في تاريخ تركيا الحديث. لكن هذا النهج سرعان ما تغيّر عندما شعر أن صعود حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) المؤيد للأكراد يُهدد هيمنة حزبه على الساحة السياسية، خصوصاً بعد نجاح الحزب الكردي في دخول البرلمان عام 2015. فبادر أردوغان إلى إعادة إحياء الخطاب القومي، وشنّ الجيش التركي حملة عسكرية ضد معاقل حزب العمال الكردستاني، مستثمراً الصراع من جديد لتعزيز قاعدته القومية وتقويض المعارضة الكردية.
اليوم، تُتاح لأردوغان فرصة جديدة، ولكن هذه المرة خارج الحدود. ففي الأول من مارس/آذار، أعلن حزب العمال الكردستاني وقف إطلاق نار من جانب واحد، مبدياً استعداده لتفكيك سلاحه. وإن تم ذلك، فقد يُمثّل هذا الإعلان بداية النهاية لصراع دام أربعة عقود، وتغييراً جوهرياً في علاقة الدولة التركية مع القضية الكردية. فأنقرة، بموجب هذا التحوّل، قد لا تعود تعتبر الحزب – أو على الأقل فروعه في العراق وسوريا – كياناً إرهابياً، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار.
إقليمياً، من شأن هذا التطور أن يُفضي إلى نتائج عميقة، لا سيما في سوريا والعراق. ففي العراق، قد يُسهم وقف إطلاق النار في تحسين العلاقات السياسية والاقتصادية بين أنقرة والمناطق الكردية، لا سيما في ضوء المصالح الاقتصادية المشتركة. أما في شمال سوريا، فإن إنهاء الصراع المسلح من شأنه أن يخفف مبررات التدخل العسكري التركي، وهو ما أشار إليه مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، بقوله: “إذا تحقق السلام في تركيا، فلا مبرر لمواصلة القتال في سوريا”.
هكذا، تُتاح لتركيا فرصة لتقديم نفسها ليس فقط كقوة عسكرية مؤثرة، بل كفاعل سياسي قادر على إنهاء أحد أطول الصراعات في المنطقة، وتمهيد الطريق لحكم مستقر وشراكات إقليمية جديدة. وإن تمكّنت من توظيف هذا التحول بفعالية، فإن أنقرة ستعزز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على الجمع بين النفوذ والشرعية في آن واحد.
رغم أن نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، يتبنى بحذر رسالة السلام والتفاوض مع تركيا، إلا أن الوضع في سوريا يظل أكثر تعقيدًا. فمظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية، قد أعلن بشكل قاطع أن نزع السلاح لا يشمل قواته. ورغم الاتفاق الذي تم توقيعه مع هيئة تحرير الشام بقيادة الجولاني، والذي يتضمن دمج القوات الكردية في هياكل الدولة السورية الجديدة، يبقى هذا الاتفاق عبارة عن توافق غير صريح، يشبه حالة “اللاحرب” أكثر منه حلاً سياسيًا شاملاً. هذا يعني أن الوضع الكردي في سوريا يظل غامضًا ولا يُحتمل أن يكون جزءًا من أي تسوية سلمية شاملة.
تركيا، من جهتها، قد تقدم نفسها كقوة صانعة للسلام في المنطقة، وهو الدور الذي سعت إلى تحقيقه في العديد من السياقات الدولية الأخرى، مثل محاولاتها للتوسط بين إسرائيل والفلسطينيين، أو بين روسيا وأوكرانيا. إذ تروج لأنفسها كداعم للاستقرار الإقليمي، ومدافع عن العالم الإسلامي. غير أن هذا الدور، بالرغم من أنه قد يعزز صورة تركيا الدولية كداعم للسلام، قد يخلق نتائج غير مرغوب فيها بالنسبة للمجتمع الكردي في سوريا.
من ناحية أخرى، من الممكن أن يؤدي مسعى تركيا للسلام إلى مزيد من الانقسام داخل المجتمع الكردي، حيث تتفاوت مصالح الفصائل الكردية المختلفة. فبينما يسعى البعض إلى تحقيق تسوية مع النظام السوري عبر التعاون مع الجولاني، يظل آخرون مصممين على الحفاظ على استقلالهم العسكري والسياسي، وهو ما يزيد من تعقيد الوضع. وهذا التشرذم داخل المجتمع الكردي قد يُعمق الخلافات ويجعل من الصعب تحقيق حل مستدام في المنطقة.
إذن، بينما تسعى تركيا لتحقيق السلام على حدودها وتعزيز مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، فإن التحدي الحقيقي سيكون في كيفية التوفيق بين مصالحها الأمنية والسياسية مع تعزيز الاستقرار في سوريا، دون تعميق الانقسامات الكردية التي قد تهدد الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.
البروفيسورة إفرات أفيف:
باحثة أولى في مركز بيسا ومحاضرة أولى في قسم التاريخ العام في جامعة بار إيلان.
مركز بيسا للدراسات الاستراتيجية، 25 آذار/مارس 2025
رابط البحث:
https://besacenter.org/the-complex-dynamics-of-turkeys-savior-image/

